Indexed OCR Text
Pages 1-20
RID ر ر شَرَّحُ مِشْكَاةِ المصابيح لِلعَلَامَةِ المحدِّث أَفِي الْحَسِنْ عُبَيَدِ اللهِبنِ الْعَلَّمَةِ محَد عَبِّدِ السَّلَام الْبَّارَ كَفُورِيّ رَحْمَهُمَا اللَّئََّالى تَقْدِيم نَفِيَ الشَّيخ الدّكتور وَضِيَّ اللَّهِ بْ مُحَمَّدٌ عَبَّاسِ صَفِظّهُ الله المدس بالتّجِدِالَآمَ وَالأسْنَاذ المُشَارِك ◌َامِعَة أم القرى- بمكة المكرَّتة حقّه وخرّج أحاديثه الشَّيْخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بِنْ مُحَمَّدْ أَمِّيْنَ غَفَّ اللّه لَه وَلَوَ الدَيْهِ لِمُجَلَّهُ السَّادِسُ تَتِمَّةُ كِتَابِ الصَّلَاة - كِتَّابُ الجَنَّاز حَديث (١٤٣٣ - ١٧٠٦) قَدَارُ الْقَبِ النَّشَهِ وَالتّوزيع فِرْعَاءُ المِقَادِ شِرَحُ مِشْكَاةِ المِصَابع المُجَلَّهُ السّادِسُ محمد سليمان أمين، ١٤٣٨ هـ ح فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر المباركفوري، عبيد الله محمد مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛ محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ ١٤ مج ردمك ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة) ٣-٨٧٧١-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٦) ١ - الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان ١٤٣٦/٧١٢٣ ديوي ٢٣٧،٢ رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣ ردمك: ٢ -٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة) ٣-٨٧٧١-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٦) جَمْعُ الحقوق محفوظة لُحقّق والنّاشِرْ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧م حقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر. صَفُ وَتصميم وَإِخْرَاجُ بَارُ الْقَبِسِ للنشر والتّوزيع الرياض - المملكة العربية السعودية شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥ جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨ darulqabas@yahoo.com فرعَاءُ الْمَقَارةِ شَرَّحُ مِشَكَاةِ المِصَاح لِلَعَلَامَةِ المحدّث أَبِي الْحَسِنْ عُبَيْدِ اللهِبْنِ الْعَلَّمَةِ محَدَ عَبْدِ السَّلَامِ المُبَارَ كَفُورِيّ رَعَهُمَا اللّه تَعَالى تَقْيِ فَضِيَة الشّيخ الدّكتور وَضِيَّ اللّهِبْنْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَةُ الله المدرّس بالحِجِلَامِ وَالأَسْتَذ المُشَارِ يَجَامِعَةٍ أُمّالُرى- بمكة المكرَة حقّقه وخرّج أحاديثه الشَّيِّخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَزْمُحَمَّدْ أَمِّيْنْ غَفَ اللّه لَ وَكَوَالدَيْهِ المُجَلَُّ السَّادِسُ تَتِمُّ كِتَابٍ الصَّلاَة - كِتَابُ الجَنَّائِز حَديث (١٤٣٣- ١٧٠٦) مقدارُ القَّبِ النَشِ والتَوزِيعُ 3 ٥ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٤٦ - بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ (بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ) أي: أحكام الصلاة عند الخوف من الكفار، ولما كان لصلاة الخوف أحكام وصفة تختص بها، بخلاف الصلوات التي عم الناس معرفتها دعت الحاجة إلى بيان صفتها وأحكامها، وهاهنا عدة أبحاث نوردها مجملاً؛ ليكون الطالب على بصيرة. الأول: أنهم اختلفوا في أي سنة نزل بيان صلاة الخوف؟ فقال الجمهور: إن أول ما صليت في غزوة ذات الرقاع، واختلف أهل السير في أي سنة كانت هي؟ فقال عامة أهل السير ابن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما: أنها كانت بعد بني النضير والخندق في جمادى الأولى سنة أربع، وقال ابن سعد وابن حبان: في عاشر المحرم سنة خمس. وقال أبو معشر: بعد بني قريظة في آخر السنة الخامسة وأول التي تليها، وقال البخاري: بعد خيبر في السنة السابعة، وهو الراجح عند ابن القيم والحافظ، وذهب ابن القيم إلى أن أول صلاة صليت للخوف بعسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة سنة ست، وصليت بذات الرقاع أيضًا فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان، وقد بسط الكلام في ((الهدي)) في الاستدلال لذلك، وإليه جنح الحافظ في ((الفتح)) حيث قال بعد الاستدلال لهذا القول: وإذا تقرر أن أول ما صليت صلاة الخوف بعسفان وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق وقريظة، وقد صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع وهي بعد عسفان، فتعين تأخرها عند الخندق وعن قريظة وعن الحديبية أيضًا، فيقوى القول بأنها بعد خيبر؛ لأن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية. انتهى. الثاني: أنهم اتفقوا على أن النبي ◌َّه لم يصل صلاة الخوف بغزوة الخندق، واختلفوا في سبب ذلك، فقيل: كانت تلك الغزوة بعد نزول صلاة الخوف، وأنه أخَّر الصلاة يومئذٍ نسيانًا، يدل عليه ما روى أحمد من حديث ابن لهيعة عن أبي جمعة حبيب بن سباع، قال: إن رسول اللَّه ◌َ لهعام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: ((هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟)) قالوا: لا يا رسول اللَّه، ما ٦ Die مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ صليتها، فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب، قال الحافظ: وفي صحته نظر؛ لأنه مخالف لما في ((الصحيحين)) من قوله مرَّ لعمر: ((وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا))، ويمكن الجمع بينهما بتكلف، وقيل: أَخَّرَها عمدًا؛ لأنه كان مشغولاً بالقتال، والاشتغال بالقتال والمسايفة يمنع الصلاة، قاله صاحب ((الهداية)) والطحاوي وأبوبكر الجصاص الرازي. وقيل: لأنه لم يكن أُمِرَ حينئذٍ أن يصلي صلاة الخوف راكبًا، فقد روي عن أبي سعيد الخدري قال: كنا مع رسول الله يوم الخندق، فشغلنا ... الحديث، وفي آخره: وذلك قبل أن ينزل عليه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، أخرجه أحمد والنسائي والطيالسي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبويعلى والبيهقي في ((السنن)) والطحاوي، وقيل: لتعذر الطهارة، وقيل: لأنه كان في حضر، وحكم صلاة الخوف أن تكون في السفر، قاله ابن الماجشون. وقيل: أخرها عمدًا؛ لأنه كانت قبل نزول صلاة الخوف، ذهب إليه الجمهور، كما قال ابن رشد، وبه جزم ابن القيم في ((الهدي))، والحافظ في ((الفتح))، والقرطبي في ((شرح مسلم))، وعياض في ((الشفاء))، والزيلعي في ((نصب الراية))، وابن القصار. وهذا هو الراجح عندنا. الثالث: أن جمهور العلماء متفقون على أن حكمها باقٍ بعد النبي وَلّ، وحكي عن المزني من الشافعية، أنها منسوخة حيث لم يصلها النبي ◌َّه يوم الخندق فتأخيره في غزة الخندق دال على نسخ صلاة الخوف، قال ابن القصار: هذا قول من لا يعرف السنن؛ لأن صلاة الخوف نزلت بعد الخندق، وحكي عن أبي يوسف: أنها كانت تختص برسول اللَّه وَّله لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ﴾ الآية [النساء: ١٠٢] جوزت بشرط كونه 0َّ فيهم، فإذا خرج من الدنيا انعدم الشرط؛ ولأنها لما فيها من كثرة ما ينافي الصلاة، كالذهاب والمجيء والأعمال الكثيرة شرعت الرغبة الناس إلى الصلاة خلفه وقّية وميل كل أحد إلى بركة الاقتداء به، وأما بعده ◌َّ ففيم يرغب، فصلاة الخوف بجماعة واحدة، وإمام واحد مقصورة على عهده وَالآل . وأجيب عن الآية: بأنها قيد واقعي نحو قوله تعالى: ((إن خفتم)) في صلاة المسافر وتخصيص النبي ◌ّ # بالخطاب لا يوجب تخصيصه بالحكم ما لم يقم دليل ٧ 9 بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ كِتَابُ الصَّلَاةِ على اختصاصه به؛ ولأن الصحابة أنكروا على مانعي الزكاة قولهم ((إن الله تعالى خص نبيه بأخذ الزكاة)) بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال ابن العربي: شرط كونه فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده أي: بين لهم بفعلك؛ لأنه أوضح من القول، انتهى. وأيضًا ما ثبت في حق النبي ◌َّ ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به، فإن الله تعالى أمر باتباعه، وأيضًا فإن الصحابة أجمعوا على صلاة الخوف، فروي أن عليًّا صلى صلاة الخوف ليلة الهرير، وصلاها أبو موسى الأشعري بأصبهان بأصحابه، وروي أن سعيد بن العاص كان أميرًا على الجيش بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول اللَّه ◌َ ل صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فقدمه فصلى بهم. قال الزيلعي: دليل الجمهور وجوب الاتباع والتأسي بالنبي وَله، وقوله: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلَّي)»، والأفعال المنافية، إنما هي لأجل الضرورة، وهي موجودة بعده وَّة، وقد وردت صلاة الخوف من قوله عليه الصلاة والسلام، كما رواه البخاري في ((صحيحه)) في تفسير سورة البقرة في باب قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] بسنده عن نافع أن عبد الله بن عمر كان سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس ... الحديث، وفي آخره قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول اللَّه وَّ . . الرابع: أن صلاة الخوف جائزة في الحضر، إذا احتيج إلى ذلك بنزول العدو قريبًا من البلد، قال به الجمهور: الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك في المشهور عنه، وحكي عنه أنها لا تجوز في الحضر، وبه قال ابن الماجشون، وقال أصحابه: يجوز، كما قال الجمهور، وهو الحق؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، عام في كل حال. الخامس: أن الخوف لا يؤثر في عدد الركعات في حق الإمام والمأموم جميعًا في قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عمر والنخعي ومالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه وسائر أهل العلم من علماء الأمصار لا يجيزون ركعة. وقال ابن عباس والحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد والحكم بن عتيبة وقتادة وإسحاق والضحاك والثوري: أنها ركعة عند شدة القتال يومئ إيماءً، واستدل لهم ٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ *E بما روي عن حذيفة: أن النبي الر صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والأثرم، وصححه ابن حبان، ومثله عند النسائي وابن خزيمة عن ابن عباس، وعند النسائي والأثرم عن زيد بن ثابت، وبما روي عن ابن عباس قال: فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. أخرجه أحمد ومسلم وغيرهما، قلت: وأوَّلَ الجمهور: بأن المراد به: ركعة مع الإمام، وليس في نفي الثانية، وفيه أنه لا منافاة بين وجوب واحدة، والعمل باثنتين حتى يحتاج إلى التأويل للتوفيق لجواز أنهم عملوا بالأحب والأولى، وأيضًا يرد هذا التأويل قوله: ((لم يقضوا))، وأما تأويلهم لم يقضوا بأن المراد منه أنهم لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن، فبعيد جدًّا . السادس: ذكر أبو داود في ((سننه)) لصلاة الخوف ثمانية أوجه، وكذا ابن حبان في ((صحيحه))، وزاد تاسعًا، وقال: ليس بينها تضاد، ولكنه وَّل صلى صلاة الخوف مرارًا، والمرء مباح له أن يصلي ما شاء عند الخوف من هذه الأنواع، وهي من الاختلاف المباح، وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجهًا، وبينها في جزء مفرد، وقال ابن العربي في ((القبس)): جاء فيها روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية مختلفة ولم يبينها، وقال النووي في ((شرح مسلم)) نحوه ولم يبينها أيضًا، وقد بينها العراقي في ((شرح الترمذي))، وزاد وجهًا آخر فصارت سبعة عشر وجهًا، لكن قال: يمكن أن تتداخل. وقال ابن القيم: أصولها ست صفات بلَّغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهًا من فعل النبي وَّ، وإنما هو من اختلاف الرواة، قال الحافظ: وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا الْعِراقيُّ بقوله: يمكن أن تتداخل، وحكى ابن القصار المالكي أن النبي ◌َّ صلاها عشر مرات، وقال ابن العربي: صلاها أربعًا وعشرين مرة. وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٢ ص٢٤٧): ذكر بعض الفقهاء أن النبي وَلا- صلاها في عشر مواضع والذي استقر عند أهل السير والمغازي أربعة مواضع: ذات الرقاع وبطن نخل وعسفان وذي قرد، فحديث ذات الرقاع أخرجه البخاري وغيره عن سهل بن أبي حثمة، وفي لفظ للبخاري عمن صلى مع النبي ◌ُقَلّ، وحديث بطن ٩ بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ كِتَابُ الصَّلاةِ CKeseNDE نخلة أخرجه النسائي عن جابر قال: كنا مع النبي وَجله ببطن نخل والعدو بيننا وبين القبلة ... الحديث، وحديث عسفان أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي عياش الزرقي، وحديث ذي قرد أخرجه النسائي عن ابن عباس أنه قال صلى بذي قرد ... الحدیث. السابع: قال ابن قدامة: يجوز أن يصلي صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول اللّه وَ ل﴾. قال أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز، وقال: ستة أوجه أو سبعة، يروى فيها كلها جائز، وقال الأثرم: قلت لأبي عبد اللّه الإمام أحمد: تقول بالأحاديث كلها، كل حديث في موضعه أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره، ثم بين ابن قدامة هذه الوجوه الستة، وقال بعد ذكر الوجه السادس: وهو أن يصلي بكل طائفة ركعة ولا تقضي شيئًا ما لفظه، فهذه الصلاة يقتضي عموم كلام أحمد جوازها؛ لأنه ذكر ستة أوجه، ولا أعلم وجهًا سادسًا سواها، وأصحابنا ینکرون ذلك. انتھی. قلت: الصفات الثابتة في الأحاديث الصحيحة كلها جائزة عند جميع العلماء، وإنما الاختلاف عندهم فيما هي أولى وأفضل إلا ثلاث صور، فإنه قد أولها من لا يقول بها على تقدير ثبوتها كما سيأتي، قال السهيلي: اختلف العلماء في الترجيح، فقالت طائفة: يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن، وقال طائفة: يجتهد في طلب الأخير منها، فإنه الناسخ لما قبله، وقالت طائفة: يؤخذ بأصحها نقلًا وأعلاها رواة، وقالت طائفة: يؤخذ بجميعها على حسب اختلاف أحوال الخوف، فإذا اشتد الخوف أخذ بأيسرها مؤنة. انتهى. قلت: ورجح أحمد والشافعي ما روي عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول اللّه وَّل، وهو الحديث الثاني من هذا الباب لسلامة الصفة المذكورة فيه من كثرة المخالفة، ولكونها أحوط لأمر الحرب، واختار مالك ما روی هو عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة موقوفًا عليه حيث قال في ((الموطأ)): وحديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات أحب ما سمعت إلي في صلاة الخوف واختاره أبو حنيفة ومحمد ١٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ما روي عن ابن مسعود عند أبي داود بسند ضعيف، وما روي عن ابن عمر عند البخاري وغيره، وهو الحديث الأول من الباب، وفي دلالتهما على مذهب أبي حنيفة ومحمد خفاء، كما سيأتي، ولم يختر إسحاق شيئًا على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر وسرد ثمانية أوجه، وأما الصور الثلاث المختلف فيها، فالأول منها: أن يصلي الإمام بكل طائفة صلاة منفردة ويسلم بها، فيكون الإِمام في الثانية متنفلا يؤم المفترضين، وأوله بعض الحنفية بما لا يلتفت إليه، وأنكر بعضهم ثبوته، وهو مردود أيضًا، والثاني: أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ولا يسلم ثم تسلم الطائفة، وتنصرف ولا تقضي شيئًا وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم ركعتين ويسلم بها، ولا تقضي شيئًا فيكون له أربع ركعات بسلام واحد وللقوم ركعتان ركعتان فقط، وقد أوله الحنفية والمالكية والحنابلة بما هو غني عن الرد وارجع إلى ((المغني))، والثالث: الاقتصار على ركعة، أنكره الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأصحاب أحمد، وأولوه بما تقدم مع الجواب. والثامن: أن صلاة الخوف تجوز بشرائط، منها: أن يكون العدو مباح القتال، وأن لا يؤمن هجومه، ومنها: أن يكون هجوم من يريد صلاة الخوف مباحًا، فلو كانوا عصاة كالبغاة مثلًا لا يجوز لهم صلاة الخوف. ومنها: أن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر قاله أبو الخطاب، وقال القاضي: إن كانت كل فرقة أقل من ثلاثة كرهناه، وحكاه الحافظ عن الشافعي وعلل بأنه أعاد عليهم ضمير الجمع بقوله: ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾، قال ابن قدامة: والأولى أن لا يشترط هذا؛ لأن ما دون الثلاثة عدد تصح به الجماعة، فجاز أن يكون طائفة كالثلاثة، ومنها: أن لا يقاتل في الصلاة، وهذا عند الحنفية. كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ ١١ الفصل الأول ١٤٣٣ - [١] عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَأَزَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاؤُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةٌ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. - وَرَوَى نَافِعُ نَحْوَهُ، وَزَادَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُو أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْرُكْبَانًّا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعُ: لَا أُرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ(*). [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (صحيح} الْشِّرْحُ ١٤٣٣ - قوله (قَالَ) أي: ابن عمر (غَزَوْتُ) أي: الكفار، في ((القاموس)»: غزا العدو: سار إلى قتالهم وأصل الغزو القصد (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ) حال (قِبَلَ نَجْدٍ) بكسر القاف وفتح الموحدة، نصبًا على الظرف أي: جهة نجد، والنجد كل ما ارتفع من بلاد العرب من تهامة إلى العراق، وقال الأبهري: المراد هنا نجد الحجاز لا نجد اليمن، قال العيني والقسطلاني: وهذه الغزوة غزوة ذات الرقاع (فَوَازَينَا) بالزاي أي: قابلنا بالموحدة وحاذينا من الموازاة، وهي المقابلة والمواجهة، وأصله من الإزاء بهمزة في أوله، قال الجوهري: يقال: هو بإزائه أي: بحذائه، وقد آزيته إذا حاذيته، ولا تقل: وازيته بالواو، انتهى. فعلى هذا أصل وازينا آزينا قلبت الهمزة واو. وقال القاري بعد نقل كلام الجوهري: لكن رواية المحدِّثين مقدمة على نقل اللغويين مع أن المثبت مقدم على النافي، ومن (١٤٣٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البخاري (٩٤٢)، مسلم (٨٣٩) فِي صَلَاةِ الخَوْفِ. (*) الْبُخَارِي (٩٤٣) فِيهَا، وَفِي التَّفْسِيرِ (٤٥٣٥) عَنْهُ. ١٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ حفظ حجة على من لم يحفظ، لا سيما ووافقهم صاحب النهاية، أو هما لغتان كالمواكلة والمؤاخذة. انتهى. (فَصَافَفْنَا) أي: قمنا صِفين كما سيأتي. (لَهُمْ) أي: لحربهم، أو جعلنا نفوسنا صفين في مقابلتهم (يُصَلَّي لَنَا) أي: لأجلنا أو يصلي بنا بالموحدة، وقال القاري: أي: يصلي بالجماعة إمامًا لنا، والحديث من أقوى الحجج على وجوب الجماعة؛ حيث ما ترك في تلك الحالة. انتهى. وكانت هذه الصلاة رباعية، قال الحافظ: وسيأتي في المغازي - من ((صحيح البخاري)) - ما يدل على أنها كانت صلاة العصر. (فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ) تصلي أي: حيث لا تبلغهم سهام العدو (وَرَكَعَ) وفي رواية: ((فركع رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِمَنْ مَعَهُ)) أي: مع الذين قاموا معه (وَسَجَدَ سَجْدَتَينٍ) أي: بمن معهِ، ثمِ ثبت قائمًا. (ثُمَّ انْصَرَفُوا) أي: الطائفة التي صلت تلك الركعة. (مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ) أي: فقاموا في مكانهم في وجه العدو (فَجَاؤُوا) أي: الطائفة الأخرى التي كانت تحرس، وهو عليه الصلاة والسلام قائم في الثانية منتظر لها. (ثُمَّ سَلَّمَ) أي: النبي ◌َِّ وحده. (فَقَامَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أي: من المأمومين من الطائفتين. (فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَينٍ) قال الحافظ : ظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود، ولفظه: ((ثم سلم فقام هؤلاء - أي: الطائفة - فقضوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا))، انتهى. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها، ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعي تبعًا لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى فأتموا ركعة، ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية. فأتموا ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق، وبهذه الكيفية أخذ الحنفية واختار الكيفية التي في حديث ابن مسعود أشهب من المالكية والأوزاعي، ورجح ابن عبد البر الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيرها لقوة الإسناد، ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه. انتهى مختصرًا. ١٣ بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ كِتَابُ الصَّلَاةِ * * lee وقال القرطبي في ((شرح مسلم)): والفرق بين حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود أن في حديث ابن عمر كان قضاؤهم في حالة واحدة، ويبقى الإمام كالحارس وحده، وفي حديث ابن مسعود كان قضاؤهم متفرقًا على صفة صلاتهم، وقد تأول بعضهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه غير أبي يوسف، وهو نص أشهب من أصحابنا خلاف ما تأوله ابن حبيب، والله أعلم، انتهى. قلت: حديث ابن مسعود ظاهر في أن الطائفة التي صلت مع الإمام آخرًا هي بدأت بالقضاء قبل الطائفة الأولى، أي: والت بين ركعتيها، ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، وليس هذا في قول أبي حنيفة، وقال القاري في شرح قوله: (فَقَامَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) تفصيله أن الطائفة الثانية ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الأولى إلى مكانهم، وأتموا صلاتهم منفردين وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الثانية، وأتموا منفردين وسلموا، كما ذكره بعض الشراح من علمائنا، قال ابن الملك: كذا قيل، وبهذا أخذ أبو حنيفة لكن الحديث لم يشعر بذلك. انتهى. قال القاري: وهو كذلك، لكن قال ابن الهمام: ولا يخفى أن هذا الحديث إنما يدل على بعض ما ذهب إليه أبو حنيفة، وهو مشي الطائفة الأولى وإتمام الطائفة الثانية في مكانها من خلف الإمام، وهو أقل تغييرًا، وقد دل على تمام ما ذهب إليه ما هو موقوف على ابن عباس من رواية أبي حنيفة، ذكره محمد في كتاب ((الآثار))، وساق إسناد الإمام، ولا يخفى أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، فالموقوف فيه کالمرفوع انتهى. قلت: ومذهب أبي حنيفة كما سيأتي: أن الطائفة الأولى تتم الركعة التي بقيت عليها بلا قراءة كاللاحق، والطائفة الثانية تقضيها بالقراءة كالمسبوق، وهذا شيء لم يرو عن رسول اللَّه ◌َ له أصلًا ولا عن أحد من أصحابه، بل لا يعرف عن أحد من الأمة قبل أبي حنيفة، وأما أثر ابن عباس، فليس فيه أدنى إشارة إلى ذلك فضلًا أن یکون نصًا في ذلك. قال محمد في كتاب ((الآثار)) (ص ٣٥): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهم في صلاة الخوف قال: إذا صلى الإمام بأصحابه، فلتقم طائفة منهم مع الإمام، وطائفة بإزاء العدو، فيصلي الإمام بالطائفة الذين معه ركعة، ثم تنصرف الطائفة ١٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الذين صلوا مع الإمام من غير أن يتكلموا حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلون مع الإمام الركعة الأخرى، ثم ينصرفون من غير أن يتكلموا حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتأتي الطائفة الأولى حتى يصلوا ركعة وحدانًا، ثم ينصرفون فيقومون مقام أصحابهم، وتأتي الطائفة الأخرى حتى يقضوا الركعة التي بقيت عليهم وحدانًا، قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة حدثنا الحارث بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عباس ظه مثل ذلك، قال: وبهذا كله نأخذ، وأما الطائفة الأولى فيقضون ركعتهم بغير قراءة؛ لأنهم أدركوا أول الصلاة مع الإمام فقراءة الإمام لهم قراءة، وأما الطائفة الأخرى فإنهم يقضون ركعتهم بقراءة؛ لأنهم فاتتهم مع الإمام، وهذا كله قول أبي حنيفة انتهى. (وَرَوَى نَافِعٌ) أي: عن ابن عمر أيضًا (نَحْوَهُ) أي: معنى ما رواه سالم عنه، ولفظ حديث نافع عند البخاري في تفسير سورة البقرة من طريق مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس، فيصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين، فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين فإن كان خوف ... الخ. (وَزَادَ) أي: نافع عن ابن عمر، (فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ) أي: هناك أو وقع خوف شديد والتنوين للتعظيم، (هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ) الذي تقدم بأن لا يمكن معه الانقسام والاصطفاف وغير ذلك، (صَلَّوا) حينئذٍ بحسب الإمكان، (رِجَالًا) بكسر الراء وتخفيف الجيم جمع راجل. قال الرازي في ((تفسيره)): الراجل: الكائن على رجله ماشيًا كان أو واقفًا. انتهى. (قِيَامًا) بكسر القاف جمع قائم، وقيل: إنه مصدر بمعنى اسم الفاعل أي : قائمين، وهما حالان من فاعل ((صلوا))، أي: صلوا حال كونهم راجلين قائمين (عَلَى أَقْدَامِهِمْ) زاد مسلم: ((يُومِىُّ إِيمَاءً))، وقوله: (قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ) تفسير لقوله: (رِجَالًا)، قال ابن حجر: فيه إشارة إلى ترك الركوع والسجود، والإيماء إليهما عند العجز عنهما لقوله: (قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ)، ويكون المراد: قيامهم على أقدامهم في كل حالاتهم من صلاتهم (أَوْ رُكْبَانًا) أي: راكبين على دوابهم بضم ١٥ كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ IHSE الراء جمع راكب، وأو للتخيير أو الإباحة أو التنويع. (مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا) أي: بحسب ما يتسهل لهم، والحاصل: أنه إذا اشتد الخوف والتحم القتال ووقعت المسايفة، أو اشتدَّ الخوف من غير التحام القتال والمسايفة صلوا كيف ما أمكنهم رجالاً أو ركبانًا إلى القبلة وإلى غيرها، يومئون بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وبه قالت الحنابلة، فيجوز عندهم الصلاة في شدة الخوف، وحالة المسايفة، والتحام القتال ماشيًا وراكبًا، وطالبًا ومطلوبًا، وكذا عند الشافعية إلا لطالب عدو لا يخشى كَرُّهُمْ عليه، أو انقطاعًا من رفقته، وكذا عند المالكية، لكنهم قالوا: لا يصنعون ذلك حتى يخشوا فوت الوقت، وأيضًا اختلفوا في الطالب، فقال ابن عبد الحكم: لا يصلي - أي: الطالب - إلا بالأرض صلاة الأمن، وقال ابن حبيب: هو في سعة من ذلك وإن كان طالبًا، وحكي ذلك عن مالك، وقال القسطلاني: قال مالك: يصلي - أي: الطالب - راكبًا حيث توجهت دابته، إذا خاف فوت العدو إن نزل. انتھی . وقالت الحنفية: لا يجوز الصلاة في حالة المسايفة والقتال، ولا في حالة المشي مطلقًا - أي: لا طالبًا ولا مطلوبًا - ويجوز الصلاة راكبًا للمطلوب، ولو كانت الدابة سائرة لا للطالب، وقيل: قول ابن عمر في هذا الحديث: (قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ) يؤيد الحنفية في نفي الصلاة في حالة المشي، وإليه يظهر ميل البخاري حيث قال: باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا راجل قائم، قال الحافظ: يريد به أن المراد به هاهنا: القائم، ويطلق على الماشي أيضًا، وهو المراد في سورة الحج: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا ... ) الآية، انتهى. وفرق الحنفية بين المشي في الصلاة وبين الصلاة ماشيًا، فجوزوا الأول، قالوا: وهو المذكور في حديث ابن عمر دون الثاني، ولا يخفى ما فيه. (قَالَ نَافِعُ: لَا أُرَى) بضم الهمزة أي: لا أظن (ذَكَرَ ذَلِكَ) أي: قوله: ((فَإِنْ كَانَ خَوٌْ)» ... إلخ. (إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿) هكذا أخرجه مالك عن نافع في ((موطئه)) بالشك، وكذا أخرجه البخاري في (صحيحه)) من طريق مالك، قال ابن عبد البر: رواه عن نافع جماعة لم يشكوا في رفعه، منهم ابن أبي ذئب وموسى بن عقبة وأيوب بن موسى، ١٦ ge مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وكذا رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعًا، ورواه خالد بن معدان عن ابن عمر مرفوعًا، انتهى. وقال الحافظ: قد أخرج مسلم حديث ابن عمر من طريق الثوري عن موسى بن عقبة، فذكر صلاة الخوف نحو سياق الزهري عن سالم، وقال في آخره: قال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك، فليصل راكبًا أو قائمًا يومئ إيماءً، ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة موقوفًا كله، لكن قال في آخره: وأخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبي وَلَّ، فاقتضى ذلك رفعه كله، ثم ذكر الحافظ رواية ((الموطأ)) و((البخاري)) ثم قال: ورواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا كله بغير شك. أخرجه ابن ماجه ولفظه: قال رسول اللّه وََّ: فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: ((أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يُصَلِّي بِطَائِفَةٍ ... ))، فذكر نحو سياق سالم عن أبيه، وقال في آخره: فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالًا أو ركبانًا، وإسناده جيد، والحاصل أنه اختلف في قوله: ((فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدَّ مِنْ ذَلِك) هل هو مرفوع أو موقوف على ابن عمر، والراجح وقفه، والله أعلم. انتهى. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) حديث سالم عن أبيه أخرجه الجماعة والبيهقي (ج٣ ص ٢٦٠)، وحديث نافع عن ابن عمر أخرجه مالك في ((موطئه)) والبخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٩٢] والبيهقي (ج ٣ ص٢٥٦، ٢٦٠ - ٢٦١). ١٧ كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ ١٤٣٤ - [٢] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَه يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَّهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. [متفق عليه] الْشِّرْحُ ١٤٣٤ - قوله (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ) - بضم الراء المهملة - المدني، مولى آل الزبير بن العوام، ثقة من صغار التابعين، مات سنة (١٣٠)، (عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ) بفتح المعجمة وتشديد الواو، وآخره تاء مثناة من فوق، أي: ابن جبير - بضم الجيم - ابن النعمان الأنصاري، المدني، تابعي مشهور، عزيز الحديث، ثقة، روى له الجماعة هذا الحديث، وأبوه خوات بن جبير، صحابي جليل، أول مشاهده أحد، وقيل: شهد بدرًا، مات بالمدينة سنة (٤٠) أو بعدها، وله (٧٤)، وقيل: (٧١) سنة. (عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ) ولفظ البخاري: عمَّن شهد مع رسول اللّه وَه قيل: إن اسم هذا المبهم سهل بن أبي حثمة؛ لأن القاسم بن محمد روى حديث صلاة الخوف عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة، وهذا هو الظاهر من رواية البخاري، ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير؛ لأن أبا أويس رواه عن يزيد ابن رومان شيخ مالك فيه فقال: عن صالح بن خوات عن أبيه، أخرجه ابن منده في ((معرفة الصحابة)) من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه، وجزم النووي في ((تهذيبه)) بأنه خوات بن جبير، وقال: إنه محقق من رواية مسلم وغيره، وسبقه لذلك الغزالي، ويؤيده أيضًا تعيين كونها ذات الرقاع، فإنه إنما يصح ذلك في روايته عن أبيه؛ إذ (١٤٣٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٤١٢٩) في المغازي، مُسْلِم (٨٤٢/٣١٠) فِيهَا عَنْهُ. ١٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ليس في رواية صالح عن سهل أنه صلاها مع النبي وَلّ، ويؤيده أيضًا أن سهلًا لم يكن في سن من يخرج في تلك الغزوة لصغره، لكن لا يلزم منه أن سهلًا لا يرويها، فيحتمل أن صالحًا سمعه منهماً، ورواية سهل تكون مرسل صحابي. (يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ) بكسر الراء، جمع الرقعة بمعنى الخرقة، وهي القطعة من الثوب، وسميت هَذَّه الغزوة ذات الرقاع؛ لأن الظهر كان قليلاً وأقدام المسلمين نقبت من الحفاء، فلفوا عليها الخرق، وهي الرقاع، رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وهو الصحيح في تسميتها، وقيل: سميت بذلك؛ لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجر بذلك الموضع، يقال له: ذات الرقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان. وقال الواقدي: سميت بجبل هناك فيه بقع، وهذا لعله مستند ابن حبان، ويكون قد تصحف جبل بخيل، وقد رجح السهيلي والنووي السبب الذي ذكره أبوموسى، ثم قال النووي: ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع، وأغرب الداودي فقال: سميت ذات الرقاع؛ لوقوع صلاة الخوف فيها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، كذا في ((الفتح))، وسبب وقوعها أن أعرابيّا جاء بجلب إلى المدينة فقال: إني رأيت ناسًا من بني ثعلبة وبني أنمار قد جمعوا لكم جموعًا وأنتم في غفلة عنهم، فخرج النبي ◌َّ إليهم واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري، وقيل: عثمان بن عفان، وخرج في أربعمائة، وقيل: في سبعمائة، فلقي جمعًا من بني ثعلبة، فتوافقوا ولم يكن بينهم قتال، وقيل: لم يلق كيدًا؛ لأن العدو تفرق في الجبال، إلا أنه وقّ صلى بهم صلاة الخوف؛ لأنه كان يخاف أن يجتمعوا، فيحملوا على المسلمين، وقد تقدم اختلاف أهل العلم في تاريخ هذه الغزوة، وأن الراجح عند أهل السير: أنها كانت في جمادى الأولى سنة أربع، وعند البخاري أنها بعد خيبر سنة سبع . (صَلَةَ الْخَوْفِ) مفعول صلى، (أَنَّ طَائِفَةً) قال الطيبي: متعلق بما يتعلق به ((عمن)) أي: روي عمن صلى مع رسول اللَّه وَ يّل أن طائفة، (صَفَّتْ مَعَهُ) أي: للصلاة، (وَطَائِفَةً) بالنصب للعطف، وقيل: بالرفع على الابتداء أي: وطائفة أخرى، (وِجَاهَ الْعَدُوِّ) بكسِر الواو وضم، أي: محاذيهم ومواجههم، ونصبه على الظرفية بفعل مقدر، (فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ) أي: بالطائفة التي معه وَِّ، (ثُمَّ) أي: لما ١٩ بَابُ صَلَاةِ الْحَوْفِ كِتَابُ الصَّلَاةِ قام إلى الركعة الثانية، (ثَبَتَ) حال كونه، (قَائِمًا وَأَتَمُّوا) أي: الطائفة التي صلى بها الركعة الأولى، (لِأَنْفُسِهِمْ) الركعة الأخرى، (ثُمَّ) أي: بعد سلامهم، (انْصَرَفُوا) إلى وجه العدو . (فَصَقُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ) أي: في غير حالة الصلاة، (وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى) التي كانت وجاه العدو إلى مكان الطائفة الأولى فاقتدوا به، (فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ) الثانية، (الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ) وََِّّ، (ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا) في التشهدِ ولم يخرج من صلاته بالسلام، (وَأَتَّمُّوا) أي: الطائفة التي جاءت بعد، (لِأِنْفُسِهِمْ) الركعة الأخرى، وجلسوا معه في التشهد. (ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ) أي: بالطائفة الأخيرة، أي: معهم ليحصل لهم فضيلة التسليم معه وَل، كما حصل للطائفة الأولى فضيلة التحريم معه رَلو، وقد صلى كل طائفة ركعة مع النبي ◌َّ وركعة لأنفسهم وحدانًا، وهذه الكيفية اختارها الشافعي وأحمد، وقال مالك: يتشهد الطائفة الثانية مع الإمام، فإذا سلم الإمام قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق، واستدل بحديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة . قال ابن قدامة: والأول أولى لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَآَيِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، وهذا يدل على أن صلاتهم كلها معه، ولأنه روي أنه وَّ سلم بالطائفة الثانية، ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام، فينبغي أن يسلم بالثانية ليسوي بينهم، ثم ذكر مذهب أبي حنيفة، ثم قال: ولنا ما روى صالح ابن خوات عمن صلى مع النبي ◌ٍَّ﴿ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، فذكر الحديث وقال: العمل بهذا أولى؛ لأنه أشبه بكتاب الله تعالى وأحوط للصلاة والحرب، أما موافقة الكتاب فإن قول الله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَآَيِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ﴾ يقتضي أن جميع صلاتها معه، وعند أبي حنيفة تصلى معه ركعة فقط، وعندنا جميع صلاتها معه، إحدى الركعتين توافقه في أفعاله وقيامه، والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلم معه، ومن مفهوم قوله: لم يصلوا، أن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها، وعلى قولهم لم تصل إلا بعضها. انتهى. قلت: الظاهر أن الله تعالى ذكر في الآية صفة الركعة الأولى وسكت عن حال