Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠٠
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي. وذكر القاضي عياض: أن الصواب المعروف
طرفها بالإفراد. وإن بعضهم رواه طرفيها بالتثنية، والله أعلم. انتهى.
(بَينَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) فيه: أن إرسال طرفي العمامة بين الكتفين ولبس الزينة
يوم الجمعة سنة. قال الأمير اليماني: من آداب العمامة إرسال العذبة بين
الكتفين، ويجوز تركها بالأصالة. قلت: سيأتي بسط الكلام فيه في كتاب اللباس.
ومن أحب التفصيل رجع إلى ((تحفة الأحوذي)) (ج ٣ ص٤٨ - ٥٠) و((شرح
الشمائل)) (ص٦٦ - ٦٧) للبيجوري، و((المرقاة)) (ج٢ ص٢٣٢).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الحج، وأخرجه أبو داود والنسائي في الزينة، والترمذي في
الشمائل، وابن ماجه في الصلاة، والبيهقي (ج ٣ص ٢٤٦).
١٤٢٤ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ وَهُو يَخْطُبُ: ((إِذَا
جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَينٍ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشِّرُْ
١٤٢٤ - قوله: (وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حالية أي: يوم الجمعة. (إِذَا جَاءَ
أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْگَعْ رَ كْعَتَينٍ) أي: ندبًا. وفيه: دليل على
مشروعية تحية المسجد واستحبابها حال الخطبة للداخل بتلك الحالة. وإلى ذلك
ذهب الحسن وابن عيينة والشافعي وأحمد وإسحاق ومكحول وأبوثور وابن
المنذر. وحكاه النووي عن فقهاء المحدثين. وحكى ابن العربي أن محمد بن
الحسن حكاه عن مالك.
(وَلْيَتَجَوَّزْ) بكسر اللام ويسكن أي: ليخفف. فيه: مشروعية التخفيف لتلك
الصلاة ليتفرغ لسماع الخطبة، ولا خلاف في ذلك بين القائلين، بأنها تشرع صلاة
التحية حال الخطبة. والحديث حجة على مالك وأبي حنيفة في منع الداخل عن
(١٤٢٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٧٠)، ومُسْلِم (٨٧٥) فِي الجُمُعَةِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم.

٦٠١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
صلاة التحية في أثناء الخطبة، وقد أجاب من تبعهما عن هذا الحديث بأجوبة:
منها: المعارضة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ
﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وبقوله بَّهُ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
تُرْهُونَ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدْ لَغَوْتَ))، قالوا: فإذا امتنع الأمر بالمعروف، وهو أمر اللاغي
بالإنصات مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى، وبقوله مَله
وهو يخطب للذي دخل يتخطى رقاب الناس: ((اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ)) أخرجه أبو داود
والنسائي، وصححه ابن خزيمة وغيره من حديث عبد الله بن بسر، قالوا: فأمره
بالجلوس، ولم يأمره بالتحية. وروى الطبراني من حديث ابن عمر رفعه: ((إِذَا
دَخَلَ أَحَدُكُمْ، وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ)).
والجواب عن ذلك كله: أن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد الدليلين، إنما
يعمل بها عند تعذر الجمع، والجمع هاهنا ممكن. أما الآية فليست الخطبة كلها
قرآنًا. وأما ما فيها من القرآن فالجواب عنه كالجواب عن الحديث، وهو
تخصيص عمومه بالداخل. وأيضًا فمصلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت؛
لحديث أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول
فيه؟ فأطلق على القول سرًّا السكوت. وأما حديث ابن بُسر، فهو أيضًا واقعة عين
لا عموم فيها، فيحتمل أن يكون ترك أمره بالتحية قبل مشروعيتها. ويحتمل أن
يجمع بينهما بأن يكون قوله: ((اجْلِسْ)) أي: بشرطه، وقد عرف قوله للداخل. فلا
تجلس حتى تصلي ركعتين .
فمعنى قوله: ((اجْلِسْ)) أي: لا تتخط، أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز، فإنها
ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن
التحية، وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة. ويحتمل أن يكون صلى التحية في
مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة، فوقع منه التخطي فأنكر عليه.
والجواب عن حديث ابن عمر: بأنه ضعيف فيه أيوب بن نهيك، وهو منكر
الحديث، قاله أبو زرعة وأبوحاتم. والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله؛ كذا
في ((الفتح)). قال بعض الحنفية. حديث جابر مبيح للصلاة، وحديث الإنصات

aPeX
٦٠٢
*
*
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
*weese
محرم لها، فاجتمع المبيح والمحرم فترجح. انتهى.
وفيه: أن الترجيح للمحرم إنما يكون إذا لم يمكن الجمع، والجمع هاهنا
ممكن، كما تقدم. وقال الأمير اليماني: هذا أمر الشارع، وهذا أمر الشارع، فلا
تعارض بين أمريه، بل القاعد ينصت، والداخل يركع التحية. وقال الشوكاني:
حديث الإنصات وارد في المنع من المكالمة للغير، ولا مكالمة في الصلاة، ولو
سلم أنه يتناول كل كلام حتى الكلام في الصلاة لكان عمومًا مخصصًا بأحاديث
الباب .
وقال السندي: لا دليل على المنع من الركعتين عند الحنفية إلا حديث: ((إِذَا
قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ ... )) إلخ. وذلك؛ لأن الأمر بالمعروف أعلى من تحية
المسجد، فإذا منع منه منع منها بالأولى. وفيه بحث، أما أولًا: فلأنه استدلال
بالدلالة، أو القياس في مقابلة النص، فلا يسمع. وأما ثانيًا: فلأن المضي في
الصلاة لمن شرع فيها قبل الخطبة جائز، بخلاف المضي في الأمر بالمعروف لمن
شرع فيه قبل، فكما لا يصح قياس الصلاة على الأمر بالمعروف بقاء لا يصح
ابتداء. انتهى.
ومنها: أن حديث جابر هذا أصله قصة سليك الغطفاني، جعله الراوي قولًا كليًّا
وتشريعًا عامًّا وضابطة من جانب نفسه، فهو إدراج من الراوي. وتوضيح ذلك أنه
روي عن جابر في هذه المسألة حديثان: فعلي وقولي. أما الفعلي، وهي قصة
سليك، فهو أنه قال: دخل رجلٍ - وهو سليك الغطفاني - يوم الجمعة،
ورسول اللَّه ◌َلّهِ يخطب، فقال: ((صَلَّيْتَ؟)) قال: لا، قال: ((فَصَلِّ رَكْعَتَينٍ))، رواه
الجماعة. وأما الثاني: أي: القولي فهو قوله رَ له: (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ... )
إلخ. وكلاهما يدل على جواز صلاة التحية حال الخطبة للداخل بتلك الحالة خلافًا
لمالك وأبي حنيفة. وقد حمل المانعون قصة سليك على أعذار، وأجابوا عنها
بأجوبة تزيد على عشرة كلها مردودة، سردها الحافظ في ((الفتح)) مع الرد عليها.
وقد تعقب العيني على كلام الحافظ هاهنا كعادته بما لا يلتفت إليه. ومن أحب
الوقوف على ذلك رجع إلى ((الفتح)) و(العمدة)). وأما الحديث القولي، فتصدوا
للجواب عنه أيضًا مع اعترافهم بأن التفصي عنه مشكل؛ لكونه تشريعًا عامًّا، فقال

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*1
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلاةِ
٦٠٣
B
بعضهم: قد تكلم الدار قطني في هذا المتن وأعله، فقال: إن أصله واقعة جعله
الراوي ضابطة، فالصواب: أنه مدرج من الراوي.
قلت: لم يقل الدار قطني بكون الحديث القولي مدرجًا، بل أشار إلى شذوذه،
ولو سلم فلا يثبت الإدراج بالادعاء والوجدان، بل لا بد لذلك من وجود ما يدل
على ذلك دلالة واضحة، كما ذكره أهل الأصول وليس هاهنا شيء يدل على كونه
مدرجًا. وأما قول بعضهم: إن القرينة عليه أن النبي ◌َّ لو كان قاله في تلك
القصة، يعني: أنه لو كان الفعل والقول منه غالَّ مسلسلًا، فلِمَ أمسك عن الخطبة
إذن، ولِمَ أمهلها؟ فإن سنة التحية حينئذٍ أن تؤدى خلال الخطبة أيضًا، فلا حاجة
إلى الإمساك مع ثبوته قطعًا. ففيه: أنه لم يثبت الإمساك عن الخطبة أصلًا، فإن ما
روي في ذلك مرسل أو معضل، والمرسل ليس بحجة على القول الصحيح. ويرده
حَد ◌َىالَّه
وَسِلاً
أيضًا حديث أبي سعيد عند الترمذي بلفظ: فأمره فصلى ركعتين والنبي
يخطب .
وقد أجاب الحافظ في مقدمة ((الفتح)) عن إعلال الدار قطني لهذا الحديث حيث
قال: قال الدار قطني: وأخرجا جميعًا حديث شعبة عن عمرو عن جابر: ((إِذَا جَاءَ
أَحَدُكُمْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَينٍ))، وقد رواه ابن جريج وابن عيينة وحماد
ابن زيد وأيوب وورقاءٍ وحبيب بن يحيى، كلهم عن عمرو: أن رجلًا دخل
المسجد، فقال له: ((صَلَّيْتَ؟)) قال الحافظ: أراد الدار قطني أن شعبة خالف هؤلاء
الجماعة في سياق المتن واختصروه، وهم إنما أوردوه على حكاية قصة الداخل،
وأمر النبي وَلولله بالصلاة ركعتين والنبي وَّل يخطب، وهي قصة محتملة
للخصوص. وسياق شعبة يقتضي العموم في حق كل داخل.
قال الحافظ: فهي مع اختصارها أزيد من روايتهم، وليست بشاذة، فقد تابعه
على ذلك روح بن القاسم عن عمرو بن دينار، أخرجه الدار قطني في ((السنن))، فهذا
يدل على أن عمرو بن دينار حدَّث به على الوجهين. انتهى. قلت: وقد تابعه على
ذلك أيضًا ابن عيينة عن عمرو عند الدار قطني، وطلحة عن جابر عند أحمد وأبي
داود، وأبوسفيان عن جابر عند أحمد ومسلم والدار قطني. فدعوى التفرد والشذوذ
أو الإدراج باطلة مردودة. ومنها: أن هذا الحديث مضطرب حيث ورد عند مسلم

*
٦٠٤
EN *
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
*welgges
والنسائي في رواية شعبة عن عمرو بلفظ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ
الْإِمَامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَينٍ))، وهذا يدل على أن الأمر بالصلاة ركعتين عند خروج الإمام
وقبل الشروع في الخطبة. وورد في بعض الروايات: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ
يَخْطُبُ))، وهذا يدل على أن الأمر بالتحية للداخل حال الخطبة. وورد عند
البخاري والدار قطني في رواية شعبة عن عمرو: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ))
أَوْ: ((قَدْ خَرَج)) أي: بالشَّك، فما دام لم ينفصل لفظ النبي وَّ لا تبنى عليه المسألة.
قلت: أكثر الروايات الصحيحة وأشهرها بلفظ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ
يَخْطُبُ))، فيقدم على غيره على أنه لا اختلاف بين هذه الروايات؛ فإن حاصلها: أنه
يستحب صلاة التحية للداخل بعد خروج الإمام مطلقًا، سواء شرع في الخطبة أو لم
يشرع. و((أَوْ)) في رواية البخاري والدار قطني للتنويع لا للشك من الراوي. ومنها:
أن معنى قوله: ((وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ)) أي: يريد ويقرب أن يخطب، يدل عليه قوله في
رواية لمسلم: ((وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ))، ففيه أن الأمر فيما لم يخطب بعد، وهو بصدد أن
يخطب.
قلت: فيه ارتكاب المجاز من غير حاجة وضرورة، فإنه لا منافاة بين اللفظين
حتى يؤول أحدهما إلى الآخر، فيشرع التحية لمن دخل حال كون الإمام قد خرج
للخطبة، شرع فيها أم لا .
وفيه أيضًا: أنه يقتضي جواز التحية للداخل في ابتداء قعود الإمام على المنبر،
وهو خلاف مذهبهم؛ فإنهم صرحوا بأن خروج الإمام يقطع الصلاة والكلام، فلا
يمهل الإمام اليوم أحدًا أن يصلي شيئًا، ولا ينتظر له، ولا يمسك له عن الشروع في
الخطبة. ومنها: أن عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد
مالك، أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقًا، وهذا الجواب للمالكية، وهو
أقوى ما اعتمدوه في هذه المسألة، كما صرح به القرطبي وغيره.
قال الحافظ: وتعقب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك؛ فقد ثبت فعل التحية
عن أبي سعيد الخدري، روى ذلك عنه الترمذي وابن خزيمة وصححاه، وهو من
فقهاء الصحابة من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضًا، ولم
يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك. وأما ما نقله ابن بطال عن عمر

كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
٦٠٥
وعثمان وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقًا، فاعتماده في ذلك على روايات
عنهم فيها احتمال؛ كقول ثعلبة بن أبي مالك: أدركت عمر وعثمان، وكان الإمام
إذا خرج تركنا الصلاة. وجه الاحتمال: أن يكون ثعلبة عنى بذلك من كان داخل
المسجد خاصة .
قال شيخنا الحافظ العراقي في ((شرح الترمذي)»: كل من نقل عنه - يعني: من
الصحابة - منع الصلاة والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد؛ لأنه
لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحية، وقد ورد فيها حديث يخصها فلا تترك
بالاحتمال. انتهى. وللمانعين أجوبة أخرى مستبشعة مستكرهة لا ينبغي الاشتغال
بذكرها. والصحيح عندنا: ما ذهب إليه الشافعي وأحمد من أنه يشرع صلاة التحية
حال الخطبة للداخل بتلك الحالة؛ لحديث الباب، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) من طريق أبي سفيان عن جابر قال: جاء سليك الغطفاني يوم
الجمعة، ورسول الله وَ له يخطب فجلس، فقال له: ((يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ،
وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا)) ثُمَّ قَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَإِلْإِمَامُ يَخْطُبُ ... )) إلخ.
وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والدار قطني والبيهقي (ج ٣ص ١٩٤) وأخرج مسلم
أيضًا والنسائي من طريق شعبة عن عمرو بن دينار عن جابر مختصرًا بغير قصة
سليك، أن النبي ◌َّ خطب فقال: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ،
فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَينٍ))، وأخرجه البخاري والدار قطني أيضًا، وقد ذكرنا لفظهما.
١٤٢٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((مَنْ
أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، فَقَدْ أَدْرَََ الصَّلَاةَ)).
[متفق عليه]
الْشَّرْحُ
١٤٢٥ - قوله: (مَنْ أَدْرََكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ) قال ابن الملك: يعني صلاة
الجمعة. وقال الطيبي: هذا مختص بالجمعة، بينه حديث أبي هريرة في الفصل
الثالث. انتهى. وإليه يشير صنيع البغوي؛ حيث أورد هذا الحديث في باب صلاة
(١٤٢٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٨٠)، ومُسْلِم (١٦٢ / ٦٠٧) فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٦٠٦
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
الجمعة. والظاهر حمله على العموم. قال البيهقي بعد روايته (ج٣ص٢٠٣): قال
الزهري راوي الحديث: والجمعة من الصلاة هذا هو الصحيح، وهو رواية
الجماعة عن الزهري. وفي رواية معمر عن الزهري دلالة على أن لفظ الحديث في
الصلاة مطلق، وأنها بعمومها تتناول الجمعة، كما تتناول غيرها من الصلوات،
انتھی.
قلت: ورواه الحاكم من حديث الأوزاعي وأسامة بن زيد الليثي ومالك بن أنس
وصالح بن أبي الأخضر كلهم عن الزهري في الجمعة نصًّا، وهذا لا ينافي
الروايات المطلقة؛ لأن ذكر فرد من أفراد العام لا يقتضى نفي ما عداه، على أن ما
روي في خصوص الجمعة مخدوش کله.
(مَعَ الْإِمَام) تفرد بهذا اللفظ مسلم. (فَقَدْ أَدْرََكَ الصَّلَاةَ) ليس على ظاهره
بالإجماع؛ لأنه لا يكون بالركعة الواحدة مدركًا لجميع الصلاة، بحيث تحصل
براءة ذمته من الصلاة، فإذا فيه إضمار تقديره: فقد أدرك وقت الصلاة، أو حكم
الصلاة، ويلزمه إتمام بقيتها. وقيل: التقدير: فقد أدرك وجوب الصلاة. يعني:
من لم يكن أهلًا للصلاة ثم صار أهلًا، وقد بقي من وقت الصلاة قدر ركعة أو أقل
وجبت عليه الصلاة ولزمته، فهو محمول على أن معنى إدراك الصبي البلوغ،
والحائض الطهارة، والكافر الإسلام. وقيل: التقدير: فقد أدرك فضل الصلاة،
أي: يحصل له أجر صلاة الجماعة وثوابها .
والراجح عندنا: تقدير الوقت أو الحكم، يعني: مدرك الركعة مدرك لحكم
الصلاة كله من سهو الإمام، ولزوم الإتمام وغير ذلك، ويؤيده قوله: ((مع الإمام)).
والحديث عام لكنهم حملوه على صلاة الجمعة بقرينة الحديث الآتي في آخر
الباب. قال الشافعي: ((فقد أدرك الصلاة)) أي: لم تفته ومن لم تفته الجمعة صلاها
ركعتين. قال ابن الملك: فيقوم بعد تسليم الإمام ويصلي ركعة أخرى. انتهى.
والظاهر: حمله على العموم، كما تقدم، وقد ظهر من إطلاق لفظ الصلاة حكم
الجمعة أن مدرك ركعة من صلاة الجمعة مع الإمام مدرك الجمعة، فيلزمه إتمامها
وهو قول أكثر أهل العلم، منهم ابن مسعود وابن عمر وأنس وابن المسيب
والحسن والزهري والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور
وأبي حنيفة وصاحبيه، وقال عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول: من لم يدرك

٦٠٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
seasex
الخطبة صلى أربعًا؛ لأن الخطبة شرط للجمعة، فلا تكون جمعة في حق من لم
يوجد في حقه شرطها وهذا ليس بشيء؛ لأنه لم يقم دليل على اشتراط الخطبة،
ولأن الحديث يرده، ولأن الأول قول من ذكرنا من الصحابة، ولا مخالف لهم في
عصرهم. بقي حكم من أدرك أقل من ركعة من صلاة الجمعة بأن دخل في السجدة
أو التشهد قبل سلام الإمام. واختلف فيه أيضًا؛ فذهب الحكم وحماد وأبو حنيفة
وأبويوسف وداود: إلى أنه يكون مدركًا للجمعة، فيصلي ركعتين لا أربعًا؛ لإطلاق
حديث: ((مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِّمُّوا))، قال ابن حزم في ((المحلى))
(ج ٥ ص٧٤): فأمره رسول اللّه وَ لَه بأن يصلي مع الإمام ما أدرك، وعم علِّ ولم
يخص، وسماه مدركًا لما أدرك من الصلاة، فمن وجد الإمام جالسًا أو ساجدًا،
فإن عليه أن يصير معه في تلك الحال، ويلتزم إمامته، ويكون بذلك بلا شك داخلًا
في صلاة الجماعة، فإنما يقضي ما فاته ويتم تلك الصلاة ولم تفته إلا ركعتان،
وصلاة الجمعة ركعتان، فلا يصلي إلا ركعتين. انتهى.
وقال الشافعي وأحمد ومالك ومحمد: من لم يدرك ركعة مع الإمام بل أدركه في
السجدة أو التشهد لا يكون مدركًا للجمعة، ويصلي ظهرًا أربعًا، ثم اختلفوا: فقال
الشافعي كما في كتب فروعه: يتم بعد سلامه ظهرًا، وينوي وجوبًا في إقتدائه جمعة
موافقة مع الإمام. وقال مالك: إذا قام يكبر تكبيرة أخرى. وقال الثوري: إذا أدرك
الإِمام جالسًا لم يسلم صلى أربعًا، ينوي الظهر وأحب إليَّ أن يستفتح الصلاة.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قعد بغير تكبيرة، فإذا سلم الإمام قام فكبر، ودخل
في صلاة نفسه، وإن قعد مع الإمام بتكبيرة سلم إذا فرغ الإمام، ثم قام فكبر
للظهر. وقال أحمد، کما في کتب فروعه: نوي ظهرًا عند إحرامه، إن کان دخل
وقت الظهر، وإلا بأن لم يكن دخل وقت الظهر عند إحرامه، ونوى الجمعة، فإنه
يتم صلاته نفلًا، واستدل هؤلاء بحديث الباب، فإنه بإطلاقه يشمل الجمعة، فيلزم
أن مدرك ركعة من الجمعة مدرك لها، وبمفهومه يدل على أن من لم يدرك ركعة بل
دونها، فهو غير مدرك، ومن لم يدرك الجمعة يصلي أربعًا.
وأجاب الحنفية: بأن الحديث مطلق، فيفيد أن حكم جميع الصلوات واحد،
وحكم سائر الصلوات أنه إذا أدرك شيئًا منها مع الإمام، ولو في التشهد يصلي ما

٦٠٨
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
أدرك معه، ويتم الباقي ولا يزيد على ذلك، فكيف يزيد في الجمعة بإطلاق
الحديث، والمفهوم عندهم لا عبرة به، ولو كان معتبرًا لا يقدم على الصريح،
واستدل الشافعي ومن وافقه أيضًا بحديث أبي هريرة الآتي في آخر الباب، وأجيب
عنه: بأنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، كما ستعرف.
والراجح عندي ما ذهب إليه أبو حنيفة: من أن من أدرك مع الإمام شيئًا من صلاة
الجمعة ولو في التشهد يصلي ما أدركٍ معه، ويتم الباقي بعد سلامه، ولا يصلي
ظهرًا أربعًا؛ لإطلاق: ((مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِّمُّوا))، وأما ما ذهب إليه
الشافعي وغيره فلم أجد حديثًا صحيحًا صريحًا يدل عليه. ويقوي قول أبي حنيفة:
أن المسافر إذا أدرك المقيم في التشهد لزمه الإتمام، وكان بمنزلة مدرك المقيم في
التحريمة، فوجب مثله في الجمعة؛ إذ الدخول في كل واحدة منهما بغير الفرض.
قيل: ويرد على مذهب الشافعي ومن وافقه مخالفة الأصول في اقتداء مصلي الظهر
بمن يصلي الجمعة إن دخل بنية الظهر، فإنه يلزم الاختلاف على الإمام في النية .
وقد قال ◌ِالَّ: ((لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى الْإِمَام))؛ ولذا لا يجوز صلاة الظهر خلف من يصلي
العصر، أو بناء الظهر على الجمعة، إن دخل بنية الجمعة وهما صلاتان مستقلتان،
فكيف يبني الظهر على الجمعة؟ ولذا ترى القائلين ببناء الظهر اختلفوا فيما بينهم
جدًّا، كما تقدم. فتأمل.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قد تقدم أن قوله: ((مَعَ الْإِمَام)) مما تفرد به مسلم دون البخاري.
والحديث أخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم.

كِتّابُ الصَّلاةِ
*
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
٦٠٩
BexT
الفصل الثاني
١٤٢٦ - [١٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَخْطُبُ خُطْبَتَينِ،
كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ، حَتَّى يَفْرَغَ - أُرَاهُ الْمُؤَذِّنُ - ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ،
[رَواهُ أَبُو دَاوَدَ] {ضعيف}
ثُمَّ يَجْلِسُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ.
الْشَّرْجُ
١٤٢٦ - قوله: (يَخْطُبُ خُطْبَتَينٍ) أي: يوم الجمعة، كما في رواية مسلم
وغيره وهذا إجمال وتفصيله: (كَانَ يَجْلِسُ) أي: على المنبر استئناف مبين. (إِذَا
صَعِدَ الْمِنْبَرَ) قال العلماء: يستحب الخطبة على المنبر. (حَتَّى يَفْرَغَ أَرَاهُ) بضم
الهمزة. (الْمُؤَذِّنُ) بالنصب على المفعولية لـ((أراه))، وبالرفع على الفاعلية
((يفرغ)). وزاد لفظ: (أَرَاهُ)؛ لأنه لم يقل شيخه لفظ المؤذن، فيقول الراوي: أظن
أنه أراد بفاعل ((يفرغ)» المؤذن.
وقال الطيبي: أي: قال الراوي: أظن أن ابن عمر أراد بإطلاق قوله: (حَتَّى
يَفْرَغَ) تقييده بالمؤذن. والمعنى: كان رسول اللَّه ◌َ ليه يجلس على المنبر مقدار ما
يفرغ المؤذن من أذانه. انتهى. وفيه: مشروعية الجلوس على المنبر قبل الخطبة
الأولى، واتفقوا على أنه سنة. (ثُمَّ) أي: بعد ما يفرغ المؤذن من الأذان. (يَقُومُ)
أي: رسول اللَّه ◌َ له. (فَيَخْطُبُ) أي: الخطبة الأولى. (ثُمَّ يَجْلِسُ) أي: جلسة
خفيفة. قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): لم يرد تصريح مقدار الجلوس بين
الخطبتين في حديث الباب، وما رأيته في حديث غيره، وذكر ابن التين: أن مقداره
كالجلسة بين السجدتين، وعزاه لابن القاسم، وجزم الرافعي وغيره أن يكون بقدر
سورة الإِخْلَاصِ، انتهى.
(وَلَا يَتَكَلَّمُ) وفي ((سنن أبي داود): ((فلا يتكلم))، وكذا نقله الجزري أي: في
تلك الجلسة بغير الذكر، أو الدعاء، أو القراءة سرًّا، والأولى القراءة؛ لرواية ابن
(١٤٢٦) أَبُو دَاوُد (١٠٩٢) فِى الجُمُعَةِ عَنْهُ.

٦١٠
CNON *
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
حبان: كان رسول اللّه وَ له يقرأ في جلوسه كتاب الله، والأولى قراءة الْإِخْلَاصِ،
كذا في شرح الطيبي، ذكره القاري. وقال الحافظ في ((الفتح)): واستفيد من قوله:
«فلا یتکلم)» أن حال الجلوس بين الخطبتين لا كلام فيه، لكن ليس فيه نفي أن يذكر
الله، أو يدعوه سرًّا، انتهى. قلت: لكن لم يثبت في ذلك دعاء مأثور، أو ذكر
مخصوص، أو قراءة آية أو سورة معينة أو غير معينة. وأما رواية ابن حبان التي
أشار إليها القاري نقلًا عن ((شرح الطيبي))، فلم أجدها.
(ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ) أي: الخطبة الثانية. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ومن طريقه البيهقي
(ج٣ ص ٢٠٥) وفي سنده العمري، وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن
عمر بن الخطاب، وفيه مقال. قلت: وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي
والنسائي وابن ماجه والبيهقي من طريق عبيد الله بن عمر، المصغر، وهو ثقة، عن
نافع عن عبد الله بن عمر بلفظ : ((كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ))، كما تفعلون
اليوم.
١٤٢٧ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَّ النَّبِيُّ وَلَهَ إِذَا
اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ، اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ
ذَاهِبَُ الْحَدِيثِ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٤٢٧ - قوله: (اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا) قال ابن الملك: أي: توجهناه، فالسنة
أن يتوجه القومَ الخطيبَ والخطيبُ القومَ، انتهى. قال أبو الطيب المدني في ((شرح
الترمذي)): أي: لا بالتحلق حول المنبر، لما ورد من المنع عنه يوم الجمعة، بل
بالتوجه إليه في الصفوف، ويؤيده ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري في خطبة
العيد. ولفظه: فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس
جلوس على صفوفهم. وأما حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي وَّ جلس يومًا
(١٤٢٧) أخْرَجَهُ التِّرْمِذِي (٥٠٩) عَنْهُ فِيهَا، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، وَهُوَ ذَاهِبُ الحَدِيثِ.

٦١١
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ber
على المنبر وجلسنا حوله. رواه البخاري، فيمكن حمله على غير الجمعة والعيد.
والحديث يدل على مشروعية استقبال الناس الخطيب. ويدل عليه أيضًا ما رواه ابن
ماجه عن عدي بن ثابت عن أبيه قال: كان النبي ◌ّ إذا قام على المنبر استقبله
أصحابه بوجوههم.
قال في ((الزوائد)): رجال إسناده ثقات إلا أنه مرسل. وقال الحافظ في
((التلخيص)): قال ابن ماجه: أرجو أن يكون متصلًا، كذا قال، ووالد عدي لا
صحبة له إلا أن يراد بأبيه جده أبوأبيه فله صحبة على رأي بعض الحفاظ من
المتأخرين. انتهى. وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة ثابت والد عدي بعد ذكر
الاختلاف في اسم جد عدي بن ثابت ما لفظه: ولم يترجح لي في اسم جده إلى الآن
شيء من هذه الأقوال كلها، إلا أن أقربها إلى الصواب أن جده هو جده لأمه عبد
الله بن يزيد الخطمي، والله أعلم. بقي على المصنف صاحب ((تهذيب الكمال)) أن
ينبه على ما وقع عند ابن ماجه من رواية عدي بن ثابت عن أبيه قال: كان النبي وَل
إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم، قال ابن ماجه: أرجو أن يكون
متصلاً. قلت - قائله الحافظ: لا شك ولا ارتياب في كونه مرسلاً، أو يكون سقط
منه عن جده، انتهى.
وفي الباب أيضًا عن مطيع أبي يحيى المدني عن أبيه عن جده قال: كان
رسول اللَّهِ وَلّه، إذا قام على المنبر استقبلناه بوجوهنا. أخرجه الأثرم. ومطيع هذا
قال ابن حبان في ((الثقات)) بعد ذكر الحديث من طريقه: لست أعرفه ولا أباه. وفي
الباب أيضًا عن البراء أخرجه ابن خزيمة ومن طريقه البيهقي (ج٣ ص١٩٨) وممن
كان يستقبل الإمام ابنُ عمر. أخرجه البيهقي (ج ٣ص١٩٩) وأنسٌ أخرجه ابن أبي
شيبة وابن المنذر وأبونعيم والبيهقي .
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي وَّ وغيرهم،
يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد
وإسحاق. قال العراقي: وغيرهم عطاء وشريح ومالك والأوزاعي وأصحاب
الرأي. قال ابن المنذر: هذا كالإجماع. وقال في ((المحلى شرح الموطأ)): قال
الشمس الأئمة الحلواني: من كان أمام الإمام يواجهه، ومن كان يمينًا ويسارًا

٦١٢
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
انحرف إلى الإمام، قال: والرسم في زماننا استقبال القبلة وترك استقبال الخطيب؛
لما يلحقهم من الحرج بتسوية الصفوف بعد الخطبة لكثرة الزحام. انتهى.
قال صاحب ((الأوجز)): بل لشيوع الجهل؛ فإن كثرة الزحام كان في الزمن الأول
أيضًا. انتهى. قال القسطلاني: ومن لازم استقبال الإمام استدباره هو القبلة
واغتفر؛ لئلا يصير مستدبر القوم الذين يعظهم، وهو قبيح خارج عن عرف
المخاطبات، ومن حكمة استقبالهم للإمام التهيؤ لسماع كلامه، وسلوك الأدب
معه في استماع كلامه، فإذا استقبله بوجهه، وأقبل عليه بجسده، وبقلبه، وحضور
ذهنه كان ادعى لتفهيم موعظته، وموافقته فيما شرع له القيام لأجله.
(هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ) أي: ابن عطية الكوفي
نزيل بخارى. (وَهُوَ ضَعِيفٌ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ) كناية عن سوء حفظه. قال الطيبي :
أي: ذاهب حديثه غير حافظ للحديث، وهو عطف بيان لقوله: ((ضعيف)). انتهى.
قلت: محمد بن الفضل هذا رماه الأئمة بالكذب منهم أحمد وابن معين
والنسائي وغيرهم. مات سنة (١٨٠). قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٣٦): قد
تفرد بهذا الحديث، وضعفه به: الدار قطني وابن عدي وغيرهما. قال الترمذي: لا
يصح في هذا الباب عن النبي ◌َّ شيء، يعني: صريحًا.
قلت: أحاديث الباب وإن كانت ضعيفة فقد شد عضدها عمل السلف والخلف
على ذلك. كما تقدم.

مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
٦١٣
الفصل الثالث
١٤٢٨ - [١٥] عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَّ النَّبِيُّ ◌َهِ يَخْطُبُ قَائِمًا،
ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ
كَذَبَ، فَقَدْ وَاللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح }
الْشِّرْحُ
١٤٢٨ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ◌ِ لّهِ يَخْطُبُ) يوم الجمعة. (قَائِمًا) على المنبر. (ثُمَّ
يَجْلِسُ) بعد الخطبة الأولى على المنبر جلسة خفيفة. قال في ((اللمعات)): ثم هاهنا
للتراخي باعتبار المبدأ، والثاني للمشاكلة. (فَمَنْ نَبَّأَكَ) بتشديد الموحدة أي:
أخبرك. وفي رواية أبي داود: ((فمن حدثك)).
٢
(فَقَدْ وَاللَّهِ صَلَيْتُ) قال الطيبي: (وَاللَّهِ) قسم اعترض بين (قَدْ) ومتعلقه، وهو
دال على جواب القسم، والفاء في (فَمَنْ) جواب شرط محذوف، وفي (فَقَدْ كَذَبَ)
جواب ((من)) وفي (فَقَدْ وَاللَّهِ) سببية، والمعنى: أنه كاذب ظاهر الكذب بسبب أني
صليت. (مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ) أي: من الجمعة وغيرها، أو أراد التكثير لا
التحديد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقم بالمدينة إلا عشر سنين، وأول جمعة
صلاها هي الجمعة التي تلي قدومه المدينة، فلم يصل ألفي جمعة بل نحو
خمسمائة. قاله القاري.
وقال السندي في ((فتح الودود)): ظاهر المقام يفيد أنه أراد صلاة الجمعة، فالعدد
مشكل إلا أن يراد به الكثرة والمبالغة، فإن حمل على مطلق الصلاة فالأمر سهل،
انتهى. والحديث يدل على مواظبته وّل على القيام حال الخطبتين، واستدل به
للشافعي ومالك ومن وافقهما على وجوب القيام في خطبة الجمعة، وفيه: أن النبي
وَّه كان يواظب على الشيء الفاضل مع جواز غيره ونحن نقول به. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي والبيهقي (ج ٣ص ١٩٧).
(١٤٢٨) مُسْلِم (٨٦٢) في الجمعة عنه.

٦١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٤٢٩ - [١٦] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ
وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمْ يَخْطُّبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا
الْخَبِيثِ يَخْطُّبُ قَاعِدًا، وَقَدْ قَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَّا أَنْفَضُواْ
إِلَيْهَا وَتَرَكُوَكَ قَآَيِمًا﴾ .
[رَوَاهُ مُشْلِمْ] {صحيح}
الْشِّرْحُ
١٤٢٩ - قوله: (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضم العين وسكون الجيم. (أَنَّهُ دَخَلَ
الْمَسْجِدَ) في الكوفة. (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَم) بفتحتين، هو عبد الرحمن بن
عبد الله بن أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب من بني أمية، استعمله معاوية أميرًا
على الكوفة. (فَقَالَ) أي: كعب من غاية الغضب.
(انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ) قال ابن حجر: فيه: جواز التغليظ على من ارتكب
حرامًا عند من قال به، أو مكروها عند غيره؛ لأن إظهار خلاف ما داوم عليه الصلاة
والسلام على رؤس الأشهاد ينبىء عن خبث أيِّ خُبْثٍ. (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي
بعض النسخ: ((وقال)) بغير لفظ: ((قَدْ)) كما في ((صحيح مسلم))، وكذا نقله الجزري
(ج٦ ص ٤٣٣).
(إِذَا رَأَوْا) أي: أبصروا أو عرفوا. (تِجَارَةً) أي: بيعًا وشراء. (أَوْ لَهْوًا) أي:
طبلًا. (انْفَضُّوا) أي: تفرقوا. (إِلَيْهَا) أي: إلى التجارة وما ذكر معها فيكون من
باب الاكتفاء ومراعاة أقرب المذكورين، أو اختصت بالذكر؛ لأنها المقصود
الأعظم من الأمرين؛ فإن الطبل كان لإعلام مجيء أسباب التجارة. قال الطيبي:
قوله: قد قال الله حال مقررة لجهة الإنكار أي: كيف يخطب قاعدًا ورسول الله
وَّه كان يخطب قائمًا بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ وذلك أن أهل المدينة
أصابهم جوع وغلاء، فقدم تجارة من زيت الشام والنبي ◌ّ يخطب يوم الجمعة
قائمًا، فتركوه قائمًا وما بقي معه إلا يسير. انتهى. وهم اثنا عشر منهم أبو بكر
وعمر، كما في ((صحيح مسلم)) .
(١٤٢٩) مُسْلِم (٨٦٤) عنه فيها .

٦١٥
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
قال النووي: كلام ابن عجرة يتضمن إنكار المنكر، والإنكار على ولاة الأمور
إذا خالفوا السنة. ووجه استدلاله بالآية إن الله تعالى أخبر أن النبي وَلّ كان يخطب
قائمًا. وقد قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] مع قوله
تعالى: ﴿فَتَّبِعُوَةٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] مع
قوله وَله: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))، انتهى. قالت: استدل الشافعية بهذا
الحديث على اشتراط القيام في الخطبة، وفيه: أن إنكار كعب على عبد الرحمن
إنما هو لتركه السنة، ولو كان شرطًا لما صلوا معه مع تر که له.
قال ابن الهمام: لم يحكم هو - أي: كعب - ولا غيره بفساد تلك الصلاة، فعلم
أنه ليس بشرط عندهم، فيكون كالإجماع، وأجيب: بأنه إنما صلى خلفه مع تركه
القيام الذي هو شرط خوف الفتنة، أو أن الذي قعد إن لم يكن معذورًا، فقد يكون
قعوده نشأ عن اجتهاد منه، كما قالوه في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر
ذلك ابن مسعود، ثم إنه صلى خلفه فأتم معه، واعتذر بأن الخلاف شر، ولا يخفى
ما في هذا الجواب. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائي وابن خزيمة والبيهقي
(ج ٣ص١٩٦ - ١٩٧)، وفي رواية ابن خزيمة: ما رأيت كاليوم قط إمامًا يؤم
المسلمين يخطب وهو جالس، يقول ذلك مرتين.
١٤٣٠ - [١٧] وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ: أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى
الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيَنِ الْيَدَينِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَا
يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَرْجُ
١٤٣٠ - قوله: (وَعَنْ عُمَارَةَ) بضم العين وتخفيف الميمٍ. (بْنِ رُوَيْبَةَ) بضم
الراء وفتح الواو وسكون التحتية وفتح الباء الموحدة. (أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ) بكسر الباء
(١٤٣٠) مُسْلِم (٨٧٤) عنه .

٦١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وسكون الشين المعجمة. (بْنَ مَرْوَانَ) بن الحكم الأموي القرشي، أخو عبد الملك
ابن مروان، كان واليًا على الكوفة من قبل أخيه. (رَافِعًا يَدَيْهِ) زاد أحمد
(ج ٤ ص٢٦١): ((يشير بإصبعيه يدعو)). وفي رواية له (٤ ص١٣٦): قال حصين:
كنت إلى جنب عمارة وبشر يخطبنا، فلما دعا رفع يديه، ولفظ الترمذي: فرفع يديه
في الدعاء، وكذا رواه البيهقي. ولفظ أبي داود: رأى عمارة بن رويبة بشر بن
مروان، وهو يدعو في يوم جمعة. واعلم: أنه اختلف في المراد عن رفع اليدين
المذكور، ففهم البيهقي والنووي والشوكاني أن المراد به الرفع الذي يكون عند
الدعاء .
قال النووي في ((شرحه)): فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول
مالك وأصحابنا وغيرهم. وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية
إباحته؛ لأن النبي ◌َّ رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى، وأجاب الأولون:
بأن هذا الرفع كان لعارض. انتهى. وترجم البيهقي (ج ٣ص ٢١٠) على حديث
عمارة هذا، وحديث سهل بن سعد - قال: ما رأيت رسول اللَّه وال ليل شاهرًا يديه قط
يدعو على منبره ولا على غيره، ولكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبابة، وعقد
الوسطى بالإبهام - باب: ما يستدل به على أنه يدعو في خطبته، وقال بعد
روايتهما: والقصد من الحديثين إثبات الدعاء في الخطبة، ثم فيه من السنة أن لا
يرفع يديه في حال الدعاء في الخطبة، ويقتصر على أن يشير بإصبعه، وثابت عن
أنس عن النبي وَ ل﴿ أنه مد يديه ودعا، وذلك حين استسقى في خطبة الجمعة، روينا
عن أنس عن النبي وّر، أنه كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء
حتى يرى بياض إبطيه، وروينا عن الزهري أنه قال: كان رسول اللَّه وَال إذا خطب
يوم الجمعة دعا، فأشار بإصبعه وأمَّنَ الناس. انتهى.
وفهم النسائي وابن أبي شيبة والطيبي : أن المراد به الرفع الذي يكون عند التكلم
وخطاب الناس، كما هو عادة الخطباء والوعاظ أنهم يرفعون أيديهم يمينًا وشمالًا،
ينبهون الناس على الاستماع، وبوب الترمذي وأبو داود بما يحتمل المعنيين.
والراجح عندي: هو المعنى الأول لرواية أحمد والترمذي والبيهقي؛ فإن فيها زيادة
على رواية مسلم والنسائي، فيكره رفع اليدين والإشارة بالإصبعين عند الدعاء في
خطبة الجمعة في غير الاستسقاء. والله تعالى أعلم.

٦١٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْحُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
(فَقَالَ) عمارة. (قَبَّحَ اللَّهُ) قال الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على الترمذي)): قبح
ثلاثي من باب منع أي: أبعده الله ونحاه عن الخير. قال أبو عمرو: قبحت له وجهه
مخففة، والمعنى قلت: قبحه الله، وهو من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم ◌ِّنَ
اُلْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] أي: من المبعدين الملعونين، وهو من القبح وهو الإبعاد،
هذا هو المعروف في كتب اللغة، والمشهور على ألسنة الناس تشديد الباء، وقد
وجهه في ((المصباح)) والمعيار بأنه للمبالغة، انتهى. (هَاتَيْنِ الْيَدَينِ) زاد الترمذي:
القُصَيْرَتَينِ. والظاهر أنه دعاء عليه بالقبح؛ لأن هذا الرفع كان على خلاف السنة،
وما كان مخالفًا للسنة؛ فهو مردود مقبوح. وقيل: إخبار عن قبح صنعه. (مَا يَزِيدُ
عَلَى أَنْ يَقُولَ) أي: يشير. (بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَشَارَ) أي: الراوي أو عمارة لإِراءة الإشارة
المذكورة. (بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ) بالجر.
قال الطيبي: قوله: ((يقول)) أي: يشير عند التكلم في الخطبة بإصبعه يخاطب
الناس، وينبههم على الاستماع. والحديث: يدل على كراهة رفع اليدين على
المنبر في خطبة الجمعة للدعاء، أو لتنبيه السامعين على الاستماع، كما هو دأب
الخطباء والوعاظ على ما فهمه الطيبي. ويدل على جواز الإشارة بالإصبع، أي:
السبابة للدعاء أو لتنبيه الناس. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو
داود والنسائي والبيهقي (ج٣ص ٢١٠).
١٤٣١ - [١٨] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: لَمَّ اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ بَّه يَوْمَ
الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: ((اجْلِسُوًّا)) فَسَمِعَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَجَلَسَ عَلَى
بَابِ الْمَسْجِدِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللّهِ وَ لِ فَقَالَ: (تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ)).
[رواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٤٣١ - قوله: (لَمَّا اسْتَوَى) أي: استقر. (رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى
الْمِنْبَرِ) أي: ورأى بعض الحاضرين أنهم قاموا ليصلوا. (قَالَ: اجْلِسُوا) فیه: دليل
(١٤٣١) أَبُو دَاوُد (١٠٩١) فيها عن جابر.

٦١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على جواز التكلم للخطيب على المنبر عند الحاجة، وقد بوب علیه أبو داود:
«الإِمام یکلم الرجل في خطبته))، و کذا البيهقي في «سننه» (ج٣ص٢١٧)، ويؤيد
ذلك قصة الرجل الداخل وأمر النبي وَ ي له بصلاة التحية. قال ابن حجر: الظاهر
أنه رأى أحدًا من الحاضرين قام ليصلي، فأمره بالجلوس لحرمة الصلاة على
الجالس بجلوس الإِمام على المنبر إجماعًا.
(فَسَمِعَ ذَلِكَ) أي: أمره ◌َّ بالجلوس. (ابْنُ مَسْعُودٍ) وكان على باب المسجد.
(فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) مبادرة إلى امتثال أمره وَّهِ. (فَرَآهُ) أي: ابن مسعود.
(فَقَالَ) رسول اللّه ◌َلِّ. (تَعَالَ) أي: تقدم. وقال القاري: أي: ارتفع عن صف
النعال إلى مقام الرجال وهلم إلى المسجد. وقال الراغب: أصله أن يدعى الإنسان
إلى مكان مرتفع، ثم جعل للدعاء إلى كل مكان، وتعالى: ذهب صاعدًا يقال:
عليته فتعالى.
(يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ولعله دعاه النبي ◌َّ؛ لأنه كان من فقهاء الصحابة، وقد
قال: (لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَام وَالتَّهَى))، ولا يلزم منه التخطي المنهي عنه، فإنه لم
يذكر أن الصفوف وصلت إلى باب المسجد حتى يلزم التخطي. وقد كان ابن
مسعود على الباب يريد أن يتقدم؛ فلما سمع أمره ◌َّل بالجلوس جلس من فوره؛
امتثالا لأمره الشريف.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) من طريق مخلد بن يزيد، وهو من رجال ((الصحيحين)) عن ابن
جريج عن عطاء عن جابر بن عبد الله. وأخرجه البيهقي (ج ٣ص٢١٨) من طريق
معاذ بن معاذ عن ابن جريج. قال أبو داود: هذا يعرف مرسلًا، وإنما رواه الناس
عن عطاء عن النبي ◌َّليل أي: مرسلًا. وقال البيهقي: ورواه عمرو بن دينار عن عطاء
فأرسله، ثم ذكره. وأخرج المرسل ابن أبي شيبة أيضًا، ولم يتفرد مخلد بروايته
موصولًا، بل تابعه على ذلك معاذ بن معاذ عند البيهقي، فلا يضر ذلك إرسال من
أرسله.

٦١٩
بَابُ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٤٣٢ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((مَنْ أَدْرَكَ
مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً، فَلْيَصِلْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا))
أَوْقَالَ: ((الظُّهْرَ)).
[رَوَاهُ الدَّارْقُطْنِي ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٤٣٢ - قوله: (فَلْيَصِلْ إِلَيْهَا) أي: إلى تلك الركعة. (أُخْرَى) أي: ركعة
أخرى بعد سلام الإمام. قال السندي: الظاهر أنه بتخفيف اللام من الوصل، لكن
قال السيوطي بتشديد اللام أي: فليصلِّ أخرى ويضمها إليها. وقال القاري: ضبطه
ابن حجر بضم ففتح فتشديد، وهو غير صحيح لوجود ((إليها»، فالصواب: بفتح
فكسر وسكون لام مخففة؛ لأن الوصول يتعدى بـ((إلى)).
(وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ) أي: صلاتها. وقيل: أي: الركوعان. قال ابن حجر: بأن
يدرك الإمام بعد ركوع الركعة الثانية. والفرق بينهما وبين سائر الصلوات أن
الجمعة صلاة الكاملين، والجماعة شرط في صحتها، فاحتيط لها ما لم يحتط
لغيرها، فلم تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، كما صرح به في هذا الحديث والحديث
السابق. انتهى. قال القاري: وفيه: أن هذا ليس من باب التصريح، بل من باب
مفهوم المخالف المعتبر عندهم الممنوع عندنا على الصحيح. انتهى.
(فَلْيُصَلِّ) بضم ففتح فتشديد. (أَرْبَعًا) أي: الظهر. (أَوْ قَالَ) أي: بدل أربعًا. قد
استدل الشافعية ومن وافقهم بهذا الحديث على أن من فاته الركوع من الركعة
الثانية من صلاة الجمعة، ودخل في السجدة أو التشهد، فهو يصلي الظهر وليس له
أن يقتصر على ركعتي الجمعة، لكن الاستدلال به موقوف على أن المراد بالركعتين
في الحديث الركوعان. وفيه نظر؛ لأن الركعة حقيقة لجميعها من القيام والركوع
والسجود وغير ذلك، وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لا يصار إليه إلا لقرينة،
وهاهنا ليست قرينة تصرف عن حقيقة الركعة، بل قوله: ركعة في الجملة السابقة
(١٤٣٢) الدَّارَقُطْني (١٠/٢) فيها عن أبي هريرة.