Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الكلام في ذلك مفصلًا.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) واللفظ للترمذي، ولفظ ابن ماجه:
(فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ، أَوْ ذَكَرَهُ)). وفي سندهما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو
ضعيف. وأخرجه أبو داود من طريق أخرى صحيحة بلفظ: ((مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ، أَوْ
نَسِيَّهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ))، ولم يقل: إذا أصبح. قال العراقي: سنده صحيح، وأخرجه
أيضًا الحاكم وصححه الدار قطني والبيهقي كما سبق في تخريج حديث زيد بن
أسلم.
١٢٨٨ - [٢٧] وَعَنْ مَالِكِ بَلَغَهُ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْوَتْرِ:
أَوَاجِبٌ هُوَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ، وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ،
فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ، وعَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ، وَأَوْتَرَ
الْمُسْلِمُونَ.
[رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأ] (ضعيف}
الشَّرْجُ
١٢٨٨ - قوله: (وَعَنْ مَالِكِ) بن أنس، إمام دار الهجرة، صاحب المذهب
المشهور. (بَلَغَهُ) وفي ((الموطأ)): ((أنه بلغه)). وقد تقدم قول ابن عبد البر أن جميع
ما في ((الموطأ)) من قول مالك: ((بلغني))، ومن قوله: ((عن الثقة عندي)) مما لم
يسنده كله مسند من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث ... فذكرها، وهذا البلاغ
ليس منها، فيكون مسندًا. وسيأتي ذكر من وصله وأسنده.
(أَوَاجِبٌ هُوَ؟) أي: أو هو سنة؟ (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر في جوابه. (قَدْ أَوْتَرَ
رَسُولُ اللهِ نِهِ، وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ) قال القاري: اكتفى ابن عمر بالدليل عن
المدلول، فكأنه قال: إنه واجب بدليل مواظبته عليه الصلاة والسلام، وإجماع أهل
الإسلام، انتهى. قلت: المواظبة إنما يكون دليلاً على الوجوب، حيث لم يرو ما
يصرفها إلى الندب، وهاهنا قد صح ما يدل على عدم وجوب الوتر. والظاهر: أن
(١٢٨٨) مَالِك (٩٧) عنه .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
**
٢٨١
ابن عمر نبه بهذا الجواب على أن الوتر سنة معمول بها، وطريقة مسلوكة، ولو كان
واجبًا عنده لأفصح للرجل بوجوبه.
(فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ) أي: يكرر السؤال، ويطلب الجواب الصريح. (وَعَبْدُ
اللَّهِ) يردد عليه جوابه السابق. (وَيَقُولُ) في كل مرة: (أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ وَهِ، وَأَوْتَرَ
الْمُسْلِمُونَ) قال الباجي: يحتمل أن عبد الله بن عمر قد علم أنه غير واجب، ولم ير
الرجل لهذا المقدار من العلم، وكان يخبره بما هو يحتاج إليه من أنه منَّليل أوتر،
وأوتر المسلمون بعده، وطوى عنه ما لا يحتاج هو إليه. ويحتمل أن ابن عمر لم
يتبين له حكم ما سأل عنه، فأجاب بما كان، وترك ما أشكل عليه، انتهى.
وقال الطيبي: وتلخيص الجواب: أن لا أقطع بالقول بوجوبه، ولا بعدم
وجوبه؛ لأني إذا نظرت إلى أن رسول اللَّه ◌َ له وأصحابه ظنته واظبوا عليه ذهبت إلى
الوجوب، وإذا فتشت نصًا دالًا عليه نكصت عنه، أي: رجعت وأحجمت.
قلت: لا شك أنه لم يرو حديث صحيح صريح في وجوب الوتر، بل قد ثبت
وصح ما يدل على استحبابه. وهو قرينة واضحة على أن الوتر سنة لا واجب، نعم،
هو سنة مؤكدة أوكد من سائر السنن، وعلى أن مواظبته وّله والصحابة بعده على
الوتر كالمواظبة على بعض السنن المؤكدة الأخر.
(رَوَاهُ) أي: مالك. (فِي الْمُوَطَّأ) بالهمزة وقيل: بالألف. وسبق الاعتراض على
هذا التعبير، فتذكر. وهذا الحديث أخرجه أحمد موصولًا (ج٢ ص٢٩) قال:
حدثنا معاذ، حدثنا ابن عون، عن مسلم - مولى لعبد القيس - قال معاذ: كان شعبة
يقول: القُرِّيِّ، قال: قال رجل لابن عمر: أرأيت الوتر أسنة هو؟ قال: ما سنة أوتر
رسول اللَّه ◌َ له، وأوتر المسلمون بعده، قال: لا، أسنة هو؟ قال: مَهْ، أتعقل أوتر
رسول اللَّه ◌َ له وأوتر المسلمون.
قال الشيخ أحمد شاكر في ((شرح المسند)) (ج ٧ ص٣٦): إسناده صحيح، مسلم
مولى عبد القيس هو مسلم بن مخراق القُرِّيِّ، وهو مولى بنى قرة، حي من
عبد القيس، كما ذكره البخاري في ((الكبير)). تابعي ثقة، وثقه النسائي والعجلي
وغيرهما. وهذا الحديث رواه مالك في ((الموطأ)) بنحوه بلاغًا غير متصل، فذكره،
ثم قال: والظاهر لي أن الحفاظ القدماء لم يجدوا وصل هذا البلاغ، فذكره ابن
Beext
٢٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عبد البر في ((التقصي)) رقم (٨٠٨) ولم يذكر شيئًا في وصله، وكذلك صنع
السيوطي في ((شرح الموطأ))، وكذلك الزرقاني في ((شرحه)) (ج١ ص٢٣٢) وها هو
ذا موصول في ((المسند)). وقد ذكره الحافظ المروزي في كتاب ((الوتر)) (ص١١٤)
ولكنه ذكره معلقًا عن مسلم القري كرواية المسند هنا، ولم يذكر إسناده إلى مسلم
القري، انتھی. وأخرجه أحمد في (ج٢ ص٥٨) مختصرًا قال: حدثنا و کیع، حدثنا
سفيان عن عمرو بن محمد عن نافع، سأل رجل ابن عمر عن الوتر: أواجب هو؟
فقال: أوتر رسول اللّه وَ له والمسلمون.
قال الشارح: إسناده صحيح، سفيان هو الثوري عمر بن محمد بن زيد بن
عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني، نزيل عسقلان، ثقة، وثقه أحمد وابن معين
والعجلي وأبو داود وغيرهم، قال: وهذا الحديث مختصر الحديث الذي رواه
مالك في ((الموطأ)) بلاغًا عن ابن عمر، ولم يذكر المتقدمون ممن كتبوا على
((الموطأ)) طريق وصله. وقد مضى نحوه موصولًا من طريق مسلم القري عن ابن
عمر، ولكن السؤال هناك: أسنة هو، وما هنا: أواجب هو، وهذا اللفظ يوافق
السؤال في رواية مالك، فقد وجدنا وصل هذا البلاغ من طريقين صحيحين في
((المسند)) والحمد لله، انتهى.
١٢٨٩ - [٢٨] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ، يَقْرَأُ
فِيهِنَّ بِتِسْعِ سُوَرٍ مِنِ الْمُفَصَّلِ، يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ سُوَرٍ آخِرُهُنَّ: ﴿قُلّ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف جدًّا}
الشَّرْحُ
١٢٨٩ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ) أي: بثلاث ركعات. (يَقْرَأْ
فِيهِنَّ بِتِسْعِ سِوَر مِنَ الْمُفَصَّلِ) أي: من قصاره، كما سيأتي. (آخِرُهُنَّ) أي: آخر
السور. (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) الحديث أخرجه أيضًا أحمد ولفظه: ((كان رسول اللَّه ◌َ.
يوتر بتسع سور من المفصل يقرأ في الركعة الأولى: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ و﴿إِنَّا
(١٢٨٩) التِّرْمِذِي (٤٦٠) عنه.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
٢٨٣
أَنْزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾، وفي الركعة الثانية: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ و﴿إِذَا
جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾ و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ﴾، وفي الركعة الثالثة: ﴿قُلّ
يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ و﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾))، انتهى.
والحديث: يدل على مشروعية قراءة هذه السور في الوتر، لكنه حديث
ضعيف، كما ستعرف. وروى محمد بن نصر، عن سعيد بن جبير، قال: لما أمر
عمر بن الخطاب أبي بن كعب أن يقوم الناس في رمضان كان يوتر بهم، فيقرأ في
الركعة الأولى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾، وفي الثانية ب﴿قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ
﴾﴾، وفي الثالثة ب﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾.
قلت: والمختار عندي: أن يقرأ في الوتر ب﴿سَيِّجِ اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾ و﴿قُلْ يَأَيُهَا
﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ لِمَا صح ذلك عن أبي بن كعب وابن
اَلْكَفِرُونَ
عباس مرفوعًا، وهو الذي اختاره أكثر أهل العلم، كما سبق، ولو زاد المعوذتين
في الثالثة أو قرأ بما ورد في حديث علي، أو بما روي عن عمر من فعله أحيانًا لم
یکن فیه بأس.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي، وأخرجه أحمد (ج١ ص٨٩) ومحمد بن نصر من طريق إسرائيل، عن
أبي إسحاق، وأخرجه أيضًا أحمد بن إبراهيم الدورقي في ((مسند علي)) لَّهُ، كما في
((التلخيص)) (ص١١٨).
٢٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٩٠ - [٢٩] وَعَنْ نَافِعِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ، وَالسَّمَاءُ
مُغَيمَةٌ فَخَشِيَ الصُّبْحَ فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ انْكَشَفَ، فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ
بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٩٠ - قوله: (وَعَنْ نَافِع) مولى عبد الله بن عمر. (كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ) ذات
ليلة (بِمَكَّةَ) وفي بعض نسخ أَ الموطأ)): ))بطريق مكة)). (وَالسَّمَاءُ مُغَيمَةٌ) أي:
مغطاة بالغيم، يعني: محيط بها السحاب، كذا وقع في أكثر النسخ الموجودة
عندنا بتقديم الياء على الميم الثانية من التغييم، أو الإغامة، وكذا وقع في ((جامع
الأصول)) (ج١ ص٤٢)، وهكذا وقع في نسخ ((الموطأ)). قال الشيخ سلام الله في
((المحلى شرح الموطأ)): على زنة المفعول أو الفاعل من التغييم أو بكسر الغين
وسكون الياء من الإغامة. قال عياض: كذا ضبطناه في ((الموطأ)) عن شيوخنا، وكله
صحيح، انتهى. وفي أصل القاري الذي أخذه في ((شرح المشكاة)): ((مُغْمِيَة)):
بتقديم الميم الثانية على الياء، قال القاري: كذا في النسخ المصححة بضم الميم
الأولى وكسر الثانية، وفي نسخة: مُغَيِّمَة: بكسر الياء المشددة، وقيل: بفتحها.
وفي نسخة بضم الميم وكسر الياء مُغْيِمَّة، وقيل: بكسر الغين أي: مُغِيمَةً وفي
نسخة مُغَمَّاةٌ مشددة ومخففة، وفي نسخة كمرضية، ومآل الكل إلى معنى واحد.
قال الطيبي: أي: مغطاة بالغَيْم. وقال الجزري في ((النهاية)): يقال: غامت
السماء، وأغامت وتغيمت كله بمعنى، انتهى. زاد في ((الصحاح)) و((القاموس)):
وأغيمت وتغيمت تغيمًا، وقال ابن حجر: يقال: غيمتُ الشيء، إذا غطيته وأغمي
وغمي، وغمي بتشديد الميم وتخفيفها الكل بمعنى، انتهى. وفي ((التاج)):
التغييم، والإغامة: الدخول في الغيم، والإغماء تستر الشيء على الشخص ويعدى
بـ((على))، والتغمية التغطية. قال شجاع: فعلى هذه الأقوال يجوز لغة مُغَيِّمَة بكسر
(١٢٩٠) مَالِك (٩٧) عنه موقوفًا.
٢٨٥
ece
بَابُ الْوِتْرِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الياء والتشديد من التفعيل من الأجوف ومَغْمِيَة من الناقص الثلاثي على وزن
مرمية، ومُغَمَّاة اسم مفعول من التغمية أو الإغماء، انتهى. ووقع في ((الموطأ))
للإمام محمد مُتَغَيِّمَة من التغيم.
(فَخَشِيَ) عبد الله بن عمر. (الصُّبْحَ) أي: طلوع الفجر، فيفوت وتره.
(فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ) أي: بركعة فردة من غير أن يضمها إلى شفع قبلها. (ثُمَّ انْكَشَفَ)
وفي ((الموطأ)) ثم انكشف الغيم، أي: ارتفع السحاب. (فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا) أي:
باق عليه الفجر لم يطلع بعد. (فَشَفَعَ) وتره. (بِوَاحِدَةٍ) قال الباجي: يحتمل أنه لم
يسلم من الواحدة، فشفعها بأخرى على رأي من قال: لا يحتاج في نية أول الصلاة
إلى اعتبار عدد الركعات، والاعتبار وتر وشفع، ويحتمل أنه سلم، انتهى. والثاني
هو الظاهر بل هو المتعين؛ لأن ابن عمر قائل بنقض الوتر، فقد روى أحمد في
((مسنده)) عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن الوتر قال: أما أنا فلو أوترت قبل أن أنام،
ثم أردت أن أصلي بالليل شفعت بواحدة ما مضى من وتري، ثم صليت مثنى مثن،
فإذا قضيت صلاتي أوترت بواحدة؛ لأن رسول اللَّه وَ ل أمرنا أن نجعل آخر صلاة
الليل الوتر.
قلت: وما فعله ابن عمر من نقض الوتر هو من رأي منه واجتهاد، وليس عنده
في هذه رواية عن النبي وَّ، كما روى ذلك محمد بن نصر عنه، ولا دليل على ذلك
في الأمر يجعل الوتر آخر صلاة الليل، فإنه ليس للإيجاب بل هو للندب، كما
تقدم. وارجع إلى كتاب الوتر لمحمد بن نصر (ص١٢٧، ١٢٨). (ثُمَّ صَلَّى) بعد
ذلك.
(رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ) للتهجد. (فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ) بعد ذلك (أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ). روي
مثله عن علي وعثمان وابن مسعود وأسامة وعروة ومكحول وعمرو بن ميمون،
وهذه مسألة يعرفها أهل العلم بنقض الوتر، وخالف في ذلك جماعة منهم أبوبكر
كان يوتر قبل أن ينام، ثم أن قام صلى ولم يعد الوتر، وروي مثله عن أبي هريرة
وعمار وعائشة وكانت تقول: أَوِتْرَان في ليلة؟ إنكارًا لذلك، وهو قول مالك
والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والأوزاعي وأبي ثور وغيرهم، وقد تقدم شيء من
الكلام في هذه المسألة في شرح حديث: ((اجْعَلُوا آخِرَ صَلَائِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا»،
(رَوَاهُ مَالِك) لم أقف على من أخرجه غيره.
٢٨٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
١٢٩١ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا،
فَيَقْرَأُ وَهُو جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ
وَقَرَأَ وهُوْ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٢٩١ - قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ كَانَ) أي: في آخر حياته لما أسن وكبر،
ففي رواية قالت: ((ما رأيت النبي ◌َّ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا، حتى إذا
كبر قرأ جالسًا، فإذا بقي عليه من السورة ثلاثون، أو أربعون آية قام ... ))
الحديث. قال الحافظ: بينت حفصة أن ذلك كان قبل موته بعام. (يُصَلَّي) أي:
النوافل في الليل (جَالِسًا) حال. (فَيَقْرَأُ) فيها القرآن بقدر ما شاء. (فَإِذَا بَقِيَ مِنْ
قِرَاءَتِهِ) أي: مما أراد من قراءته، وفيه: إشارة إلى أن الذي كان يقرأه قبل أن يقوم
أكثر؛ لأن البقية تطلق في الغالب على الأقل. (قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً)
اكتفى بهذا التمييز عن تمييز الأول، و((أو)) قيل: للشك من الراوي، وقيل: للتنويع
باعتبار اختلاف الأوقات. (قَامَ وَقَرَأَ) هذه الآيات. (وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَکَعَ) فیه دلیل
على أن من لم يطق أن يقوم في جميع صلاته جاز له أن يقوم فيما أمكنه منه. قال
الباجي: ولا خلاف نعلمه في جواز ذلك في النافلة، وفيه أيضًا دليل على أن
الأفضل أن يقوم، فيقرأ شيئًا ثم يركع؛ ليكون موافقًا للسنة ولو لم يقرأ، ولكنه
استوى قائمًا، ثم ركع جاز. (ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) المذكور من
قراءته أولًا جالسًا، ثم قائمًا.
والحديث: يدل على جواز الركوع من قيام لمن قرأ قاعدًا. وقد روي عن عائشة
أيضًا: أن النبي وَّ كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ
وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد. أخرجه
الجماعة إلا البخاري، وهذا بظاهره يخالف حديثها الأول؛ لأنه يدل على أن
(١٢٩١) مُسْلِم (٧٣١) عنها .
٢٨٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
المشروع لمن قرأ قائمًا أن يركع ويسجد من قيام، ومن قرأ قاعدًا أن يركع ويسجد
من قعود، وفي بعض طرق هذا الحديث عند مسلم: فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع
قائمًا، وإذا افتتح الصلاة قاعدًا ركع قاعدًا. وهذا يدل على أن من افتتح النافلة
قاعدًا يركع قاعدًا، أو قائمًا یرکع قائمًا، ويجمع بین هذه الروايات بأنه كان يفعل
كلّ من ذلك بحسب النشاط وعدمه.
وقال العراقي: فيحمل على أنه كان يفعل مرة كذا، ومرة كذا، فكان مرة يفتتح
قاعدًا ويتم قراءته قاعدًا ويركع قاعدًا، وكان مرة يفتتح قاعدًا ويقرأ بعض قراءته
قاعدًا، وبعضها قائمًا ويركع قائمًا، فإن لفظ ((كان)) لا يقتضي المداومة. قال
الشوكاني: والحديث يدل على أنه يجوز فعل بعض الصلاة من قعود وبعضها من
قيام، وبعض الركعة من قعود وبعضها من قيام.
قال العراقي: وهو كذلك سواء قام ثم قعد، أو قعد ثم قام، وهو قول جمهور
العلماء؛ كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وحكاه النووي عن عامة
العلماء، وحكي عن بعض السلف منعه. قال: وهو غلط، وحكى القاضي عياض
عن أبي يوسف ومحمد في آخرين كراهة القعود بعد القيام، ومنع أشهب من
المالكية الجلوس بعد أن ينوي القيام، وجوزه ابن القاسم والجمهور، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) بل أخرجه الجماعة، وله ألفاظ هذا أحدها، قال القاري: ولا يظهر
وجه مناسبته للباب، اللهم إلا أن يقال: إن الحديث ساكت عن الركعة الثالثة، أو
ذكر هذا الشفع؛ لأنه مقدمة الوتر، أو يحمل هذا الشفع على ما بعد الوتر، فكان
حقه أن يذكره في آخر الباب، انتهى.
٢٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢٩٢ - [٣١] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ
رَكْعَتَيْن.
- وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ: خَفِيفَتَيْنِ وَهُو جَالِسٌ(*).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشّرْخُ
١٢٩٢ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أم المؤمنين. (كَانَ يُصَلِّ بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ)
أي: جالسًا كما سيأتي.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦ ص٢٩٨، ٢٩٩) والدار قطني
(ص١٧٧) ومحمد بن نصر والبيهقي (ج٣ ص٣٢) كلهم من حديث ميمون بن
موسى المرئي، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة.
(وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ: خَفِيفَتَيْنٍ وَهُو جَالِسٌ) وزاده أيضًا الدار قطني ومحمد بن نصر،
والحديث لم يحكم الترمذي عليه بشيء، وصححه الدار قطني في ((سننه))، ثبت
ذلك في رواية محمد بن عبد الملك بن بشران عنه، وليس في رواية أبي طاهر
محمد بن أحمد بن عبد الرحيم عن الدار قطني تصحيح له، قاله العراقي.
قلت: في سنده میمون بن موسی المرئي، وهو صدوق، لكنه مدلس، وروی
عن الحسن بالعنعنة.
قال أحمد: كان يدلس لا يقول: حدثنا الحسن، ما أرى به بأسًا. وقال الفلاس:
صدوق لكنه يدلس، وقال النسائي وأبوأحمد الحاكم: ليس بالقوي. وقال أبو
داود: ليس به بأس. وقال البيهقي: ميمون هذا بصري، ولا بأس به، إلا أنه كان
يدلس، قاله أحمد بن حنبل وغيره، وروي عن زكريا بن حكيم عن الحسن،
وخالفهما هشام، فرواه عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة. قال البخاري:
وهذا أصح.
(١٢٩٢) التِّرْمِذِي (٤٧١).
(*) ابن مَاجَهْ (١١٩٥) عنها.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
باب الوثْرِ
Ree **
٢٨٩
١٢٩٣ - [٣٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ،
ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنٍ يَقْرَأُ فِيهِمَا وَهُو جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، قَامَ فَرَكَعَ.
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٢٩٣ - قوله: (يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) أي: بركعة واحدة فردة. (ثُمَّ يَرْكَعُ) أي:
يصلي (رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ ، قَامَ فَرَكَعَ) قال ابن حجر :
لا ينافي ما قبله؛ لأنه كان تارة يصليهما في جلوس من غير قيام، وتارة يقوم عند
إرادة الركوع، انتهى.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) وكذا البيهقي (ج ٣ ص٣٢) كلاهما من طريق الأوزاعي عن
يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة، قال في ((الزوائد)): إسناده صحيح،
ورجاله ثقات، انتھی.
قلت: أصل الحديث عند مسلم من طريق هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي
سلمة عن عائشة، قال: سألت عائشة عن صلاة رسول اللّه وَ ل فقالت: كان يصلي
ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس،
فإذا أراد أن يركع قام فركع ... الحديث.
١٢٩٤ - [٣٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ نََِّّ قَالَ: ((إِنَّ هَذَا السَّهَرَ جُهْدٌ
وَثِقَلٌ، فَإِذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنٍ، فَإِنْ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ وإِلَّ كَانَتَا لَهُ)).
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٢٩٤ - قوله: (إِنَّ هَذَا السَّهَرَ) أي: الذي تسهرونه في طاعة الله. والسهر
(١٢٩٣) ابن مَاجَهْ (١١٩٦) عن عائشة.
(١٢٩٤) الدَّارِمِي (١٥٩٤)، وَصَخَّحُهُ ابْنُ حبَّان (٢٥٧٧).
٢٩٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بفتحتين عدم النوم، وروى الدارقطني والبيهقي (ج٣ ص٣٣) بلفظ: ((إِنَّ هَذَا
السَّفَرَ)) أي: بالفاء بدل الهاء، وكذا ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢
ص٢٤٦) نقلا عن ((معجم الطبراني))، وكتب على هامش سنن الدارمي، طبعه
الهند هذه العبارة، وعليها علامة النسخة، ويقال: ((هذا السفر))، وأنا أقول:
((السهر))، والظاهر: أنها مقولة الدارمي، ويؤيد لفظ ((السفر)) كون القصة وقعت
في حالة السفر، ففي رواية الدار قطني والبيهقي والطبراني عن ثوبان، قال: كنا مع
رسول اللَّه وَّله في سفر فقال: ((إِنَّ السَّفَرَ جَهْدٌ وَثِقْلٌ)) ... إلخ.
(جَهْدٌ) بالفتح وبالضم أيضًا: المشقة. (وَثِقْلٌ) بكسر المثلثة وسكون القاف
وفتحها أي: شاق، وثقيل على النفوس البشرية بحكم العادة الطبيعة. (فَإِذَا أَوْتَرَ
أَحَدُكُمْ) أي: قبل النوم في أول الليل؛ لعدم الوثوق بالاستيقاظ في آخر الليل.
(فَلْيَرْكَعْ) أي: فليصل. (رَكْعَتَيْنٍ) قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد به: ركعتان
بعد الوتر، ويحتمل أن يكون أراد: فإذا أراد أن يوتر فليركع ركعتين قبل الوتر.
(فَإِنْ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) وصلى فيه فيها، أي: أتى بالخصلة الحميدة، ويكون نورًا
على نور. (وَإِلَّا) أي: وإن لم يقم - أي: من الليل - لغلبة النوم له. (كَانَتَا) أي:
الركعتان (لَهُ) أي: كافيتين له من قيام الليل، والمعنى: من قام بعد الركعتين
وصلى التهجد. فهو الأفضل، وإن لم يقم ولم يصل كانتا مجزئتين عن أصل ثواب
التهجد في السفر؛ لأن الحديث كان في حالة السفر، كما تقدم.
قال ابن حجر: هذا لا ينافي خبر: ((اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا))، إما لأن
((أوتر)) هنا بمعنى أراد أي: إذا أراد أن يوتر فليركع ركعتين فليوتر أي: بواحدة، أو
بثلاث فيكون الركعتان قبل الوتر نافلةً قائمة مقام التهجد، أو لأن الأمر بالركعتين
هنا؛ لبيان الجواز نظير ما مر من تأويل فعله ◌َ لي لهما بعد الوتر بذلك، وهذا الأخير
هو الذي فهمه الدارمي والدار قطني حيث أورداه في باب: الركعتين بعد الوتر.
وقال القاري: والأخير غير صحيح إذا لم يعرف ورود الأمر لبيان الجواز، فيتعين
التأويل الأول، انتهى. (رواه الدَّارِمِيُّ) بسند جيد، وأخرجه أيضًا الطحاوي
والدارقطني (ص١٧٧) والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) والبيهقي (ج٣
ص٣٣). وفي سند الثلاثة عبد الله بن صالح أبوصالح كاتب الليث بن سعد، وفيه
کلام .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْوِتْرِ
٢٩١
١٢٩٥ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ
وَهُو جَالِسٌ، يَقْرَأُ فِيهِمَا ﴿إِذَا زُكْزِلَتِ﴾ وَ﴿قُلْ يَأَيُّهَاَ اَلْكَفِرُونَ﴾.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {حسن}
الشَّرُْ
١٢٩٥ - قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ) أي: أحيانًا. (يُصَلَّيهِمَا) أي: الركعتين.
(يَقْرَأُ فِيهِمَا) أي: في الركعتين. (﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾) في الأولى. (وَ﴿قُلْ يَأَيُهَا
اُلْكَفِرُونَ﴾) في الثانية. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ ص٢٦٠) قال الهيثمي: رجاله ثقات،
وأخرجه أيضًا الطحاوي والبيهقي (ج ٣ ص٣٣) والطبراني في ((الكبير)) ومحمد بن
نصر المروزي في كتاب ((الوتر))، وروى الدارقطني والبيهقي نحوه من حديث
أنس.
(١٢٩٥) أَحْمَد (٢٦٠/٥) عنه.
٢٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٦ - بَابُ الْقُنُوتِ
(بَابُ الْقُنُوتِ) القنوت ورد في معان كثيرة، ذكر ابن العربي في ((شرح
الترمذي)): أن له عشرة معان، وقد نظمها في البيتين :
إِقَامَتُهَا إقراره بِالْعُجُودِيَّه
دُعَاءٌ خُشُوعٌ وَالْعِبَادَةُ طَاعَةٌ
كَذَاكَ دَوَامُ الطَّاعَةِ الرَّابِحُ النِّيَّةِ
سُكُوتٌ صَلَاةٌ وَالْقِيَامُ وَطُولُهُ
والمراد هنا: الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام، واعلم أن هاهنا
عدة مسائل خلافية :
إحداها: أنه يقنت في الوتر أم لا .
والثانية: أنه إذا قنت في الوتر يقنت قبل الركوع أو بعده.
والثالثة: أن القنوت في الوتر في جميع السَّنَّةِ، أو في النصف الأخير من
رمضان .
والرابعة: ألفاظ قنوت الوتر، وقد سبق الكلام في هذه المسائل، وتعيين ما هو
الراجح في ذلك، وسيأتي شيء من الكلام في الثانية والثالثة، وأما مسألة التكبير
عند إرادة القنوت في الوتر، ورفع اليدين عند تكبير القنوت فيه كرفعهما عند
التحريمة - كما يفعله الحنفية - فلم يصح فيهما عن النبي ◌َّ شيء، نعم ورد فيهما
آثار عن بعض الصحابة؛ فقد ذكر محمد بن نصر المروزي في كتاب ((الوتر)) عن
عمر وعلي وابن مسعود والبراء، أنهم كبروا عند القنوت في الوتر قبل الركوع.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): لم أقف على حديث مرفوع في التكبير للقنوت،
ولم أقف على أسانيد هذه الآثار. وأما رفع اليدين في قنوت الوتر أي: كرفعهما
عند التحريمة، فلم أقف على حديث مرفوع فيه أيضًا، نعم، جاء فيه عن ابن
مسعود من فعله، فذكره نقلًا عن جزء رفع اليدين للبخاري، وعن كتاب ((الوتر))
للمروزي، وذكر أيضًا في ذلك آثارًا عن عمر وأبي هريرة وأبي قلابة ومكحول عن
٢٩٣
a
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقُنُوتِ
كتاب المروزي، ثم قال: وفي الاستدلال بها على رفع اليدين في قنوت الوتر
كرفعهما عند التحريمة نظر؛ إذ ليس فيها ما يدل على هذا، بل الظاهر منها ثبوت
رفع اليدين كرفعهما في الدعاء، فإن القنوت دعاء، انتهى.
قلت: الأمر كما قال الشيخ، فليس في هذه الآثار دلالة على مطلوبهم، بل هي
ظاهرة في رفع اليدين في القنوت حال الدعاء، كما يرفع الداعي، فيجوز أن ترفع
اليدان حال الدعاء في قنوت الوتر عملًا بتلك الآثار، كما ترفعان في قنوت النازلة
في غير الوتر؛ لثبوته عن النبي ◌َّلر كما سيأتي. قال شيخ مشائخنا الشيخ حسين بن
محسن الأنصاري في ((مجموعة فتاواه)) (ص١٦٠): قد ثبت الرفع من فعله وَّ في
قنوت غير الوتر، فالوتر مثله لعدم الفارق بين القنوتين؛ إذ هما دعاءان، ولهذا قال
أبو يوسف: أنه يرفعهما في قنوت الوتر إلى صدره، ويجعل بطونهما إلى السماء،
واختاره الطحاوي والكرخي. قال الشامي: والظاهر أنه يبقيهما كذلك إلى تمام
الدعاء على هذه الرواية، انتهى.
قال: والحاصل: أن رفع اليدين في قنوت الوتر - كرفع الداعي - ثبت من فعل
ابن مسعود وعمر وأنس وأبي هريرة، كما ذكره الحافظ في ((التلخيص))، وكفى
بهم أسوة، وثبت من فعل النبي ◌َّ في غير الوتر، انتهى.
والمسألة الخامسة: هل يشرع القنوت في غير الوتر من غير سبب، أو لا يشرع؟
فذهب جماعة، ومنهم أبو حنيفة وأحمد إلى عدم مشروعيته قالوا: لا يسن القنوت
من غير سبب في صلاة الصبح، ولا في غيرها من الصلوات سوى الوتر، وذهب
جماعة ومنهم مالك والشافعي: إلى أنه يسن القنوت في صلاة الصبح في جميع
الزمان، وهذا يدل على أنهم اتفقوا على ترك القنوت في أربع صلوات من غير
سبب، وهي: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، واختلفوا في صلاة الصبح، فقال
مالك والشافعي باستمرار شرعيته في الصبح، وذهب أحمد وأبو حنيفة إلى عدم
شرعيته، وأنه مختص بالنوازل، واحتج المثبتون بما روى الدار قطني (ص١١٨)
وعبد الرزاق وأحمد (ج٣ ص١٦٢) وأبونعيم والطحاوي (ج١ ص١٤٣) والبيهقي
في ((المعرفة)) وفي (السنن)) (ج٢ ص٢٠١) والحاكم وصححه من حديث أنس،
قال: ما زال رسول اللَّه ◌َ لهيقنت في الفجر حتى فارق الدنيا.
٢٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأجاب النافون: بأنه لو صح لكان قاطعًا للنزاع، ولكنه من طريق أبي جعفر
الرازي، وثقه غير واحد، ولينه جماعة.
قال: فيه عبد الله بن أحمد، عن أبيه والنسائي والعجلي: ليس بالقوي. وقال ابن
المديني: أنه يخلط. وقال أبو زرعة: يَهِمُ كثيرًا. وقال ابن خراش والفلاس:
صدوق سيئ الحفظ. وقال ابن معين: ثقة لكنه يخطيء.
وقال الدوري: ثقة ولكنه يغلط. وقال الساجي: صدوق ليس بمتقن. وقال ابن
القيم: هو صاحب مناكير، لا يحتج بما انفرد به أحد من أهل الحديث البتة. وقال
ابن حبان: كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير. وقال ابن الجوزي في ((التحقيق))،
وفي ((العلل المتناهية)): هذا حديث لا يصح، ثم ذكر الكلام في أبي جعفر الرازي.
وقال صاحب ((التنقيح)): وإن صح فهو محمول على أنه ما زال يقنت في
النوازل، أو على أنه ما زال يطول في الصلاة، فإن القنوت لفظ مشترك بين
الطاعة، والقيام، والخشوع، والسكوت، وغير ذلك.
وقال ابن القيم: ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإنه
ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء، فإن القنوت يطلق على القيام والسكوت، ودوام
العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخضوع، وحمل قول أنس على إطالة القيام بعد
الركوع، وأجاب عن تخصيصه بالفجر: بأنه وقع بحسب سؤال السائل، فإنه إنما
سأل عن قنوت الفجر، فأجابه عما سأله عنه، وبأنه وَّله كان يطيل صلاة الفجر دون
سائر الصلوات، قال: ومعلوم أنه كان يدعو ربه، ويثني عليه، ويمجده في هذا
الاعتدال، وهذا قنوت منه بلا ريب، فنحن لا نشك، ولا نرتاب أنه لم يزل يقنت
في الفجر حتى فارق الدنيا ... إلى آخر ما بسط الكلام فيه.
قال الشوكاني: وهو على فرض صلاحية حديث أنس للاحتجاج وعدم اختلافه
واضطرابه محمل حسن، انتهى.
وأجابوا أيضًا: بمعارضته بما روى الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم
ابن سليمان قلنا لأنس: إن قومًا يزعمون أن النبي وقّ لم يزل يقنت في الفجر،
فقال: كذبوا، إنما قنت شهرًا واحدًا يدعو على حي من أحياء المشركين: وقيس
وإن كان ضعيفًا، لكنه لم یتهم بكذب، وروى ابن خزيمة في ((صحیحه))،
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقُنُوتِ
HONEL
٢٩٥
والخطيب في كتاب ((القنوت)) من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس، أن النبي وَّ،
وَسْتَ
لم يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم. قال الحافظ في ((الدراية)): سنده صحيح،
وكذا قال صاحب ((التنقيح))، فاختلفت الروايات عن أنس واضطربت فلا يقوم بمثل
هذا حجة، واحتج هؤلاء على عدم مشروعية القنوت في غير الوتر من غير سبب
بحديث أبي مالك الأشجعي في الفصل الثاني، وسيأتي الكلام فيه هناك. واحتجوا
أيضًا: بأحاديث مرفوعة صحيحة غير صريحة، أو صريحة غير صحيحة، وبآثار
الصحابة، ذكرها النيموي في ((آثار السنن)) وغيره في غيره.
والراجح عندي: ما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد: أنه لا يسن القنوت في غير الوتر
من غير سبب لا في صلاة الصبح ولا في غيرها من الصلوات، وأنه مختص
بالنوازل؛ لأنه لم يرد في ثبوته في غير الوتر من غير سبب حديث مرفوع صحيح
خال عن الكلام، صريح في الدلالة على ما ذهب إليه مالك والشافعي، بل قد صح
عنه ◌َّ ما يدل على خلاف ما قالا به، كما ستقف عليه.
والمسألة السادسة: أنه إذا حدث سبب أي: نزل بالمسلمين نازلة، أي: شدة
وبليه مثل الوباء والقحط والعدو، ونحو ذلك، فهل يشرع القنوت في غير الوتر أم
لا؟ وإذا شرع فهل يختص بصلاة الفجر، أو الجهرية، أو يعم الصلوات الخمس؟
فذهب جمهور أهل الحديث والشافعي: إلى أن ذلك مشروع ومطلوب في
الصلوات الخمس، وذهب الحنابلة: إلى تخصيصه بصلاة الفجر فقط، وهو
مذهب الحنفية على القول المفتى به، وإلا فلهم في المسألة قولان، أحدهما: أنه
يختص بالصلوات الجهرية. قال في ((البناية ((شرح الهداية)): وبه قال الأكثرون،
والآخر: أنه يختص بصلاة الفجر فقط.
والراجح عندي: هو ما ذهب إليه الشافعي وجمهور أهل الحديث؛ لأن
الأحاديث الصحيحة صريحة في طلب القنوت في الصلوات الخمس، ولم يجئ
حديث مرفوع صحيح أو ضعيف في تخصيصه بالجهرية أو الصبح فقط. قال
الشوكاني: الحق ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي
عند نزول النازلة أن لا تخص به صلاة دون صلاة. وقد ورد ما يدل على اختصاصه
بالنازلة من حديث أنس عند ابن خزيمة في ((صحيحه))، وقد تقدم، ومن حديث
٢٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** E
أبي هريرة عند ابن حبان بلفظ: كان لا يقنت إلا أن يدعو لقوم، أو على قوم،
انتهى. قال الحافظ في ((الدراية)) (ص١١٧) وصاحب ((التنقيح)): سند كل من
حديث أنس عند ابن خزيمة وحديث أبي هريرة عند ابن حبان صحيح.
وقال ابن القيم ما معناه: الإنصاف الذي يرتضيه العالِم المنصف أنه وَّ قنت،
وترك، وكان تركه للقنوت أكثر من فعله، فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم
وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وخلصوا من الأسر، وأسلم
من دعى عليهم، وجاؤوا تائبين، وكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت،
انتھی .
والمسألة السابعة: أنه إذا قنت في النازلة، هل يقنت قبل الركوع أو بعده؟
فذهب الشافعي وأحمد: إلى أنه بعد الركوع، واختلفت الحنفية فيه، قال في ((رد
المحتار)) (ج١ ص٦٢٨): وهل القنوت هنا قبل الركوع أو بعده؟ لم أره، والذي
يظهر لي أن المقتدي يتابع إمامه إلا إذا جهر فيؤمن، وأنه يقنت بعد الركوع لا قبله،
بدليل أن ما استدل به الشافعي على قنوت الفجر، وفيه: التصريح بالقنوت بعد
الركوع حمله علماؤنا على القنوت للنازلة، ثم رأيت الشرنبلالي في ((مراقي
الفلاح)) صرح بأنه بعده، واستظهر الحموي أنه قبله، والأظهر ما قلنا، انتهى.
وقال النيموي في ((تعليق التعليق)) (ج٢ ص٢١): والذي يظهر لي أنه يقنت
للنازلة قبل الركوع أو بعده كلاهما جائز، لما روي عن غير واحد من الصحابة أنهم
قنتوا في صلاة الصبح قبل الركوع، ثم ذكر حديث أنس الآتي في آخر الباب،
وقال: ورواه ابن المنذر عن حميد عن أنس بلفظ: إن بعض أصحاب النبي ◌َّ قنتوا
في صلاة الفجر قبل الركوع، وبعضهم بعد الركوع، انتهى، قال: ولكن الأفضل
أن يقنت بعد الركوع؛ لأنه ◌َّيقنت في النازلة بعد ما رفع رأسه من الركوع، انتهى
کلام النیموي.
قلت: والمختار عندي: أن القنوت في النازلة بعد الركوع؛ لأنه لم يثبت
عنه وَّةٍ غير ذلك، لكن لو قنت قبل الركوع جاز؛ لما جاء عن بعض الصحابة أنهم
قنتوا في صلاة الفجر قبل الركوع.
٢٩٧
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقُنُوتِ
واعلم: أنه لم يثبت في الدعاء في قنوت النازلة عن النبي وَّ ولا عن السلف
والخلف دعاء مخصوص متعين كقنوت الوتر؛ لأنه من المعلوم أن الصحابة كانوا
يقنتون في النوازل، وهذا يدل على أنهم ما كانوا يحافظون على قنوت راتب،
ولذلك قال العلماء: إنه ينبغي الدعاء في ذلك بما يناسب الحال، کما صرح به فقهاء
الشافعية والعلامة الأمير اليماني في شرح ((بلوغ المرام))، فبأي دعاء وقع كفى
وحصل به المقصود.
٢٩٨
SSON
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١٢٩٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ
عَلَى أَحَدٍ، أَوَيَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ
لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَّلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشَام،
وعَيَّشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطَأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، واجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِّي
يُوسُفَ)) يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضٍ صَلَاتِهِ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا
وَفُلَانًا)) لِأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ، حَتَّى أَنْزَلَّ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾.
الْآيَةَ [آل عمران: ١٢٨].
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١٢٩٦ - قوله: (كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ) أي: في صلاته. (عَلَى أَحَدٍ) أي:
لضرره. (أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ) أي: لنفعه (قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوع) قال القاري: هو يحتمل
التخصيص بالصبح، أو تعميم الصلوات، وهو الأظهر، انتهى. قلت: بل هو
المتعين؛ لأنه لا دليل على التخصيص، بل يبطله حديث ابن عباس الآتي وغيره،
والحديث: يدل بمفهومه على أن القنوت في المكتوبة إنما يكون عند إرادة الدعاء
على قوم أو لقوم، ويؤيده ما قدمنا من حديث أنس عند ابن خزيمة، وحديث
أبي هريرة عند ابن حبان، وأخذ منه الشافعي، وجمهور أهل الحديث أنه يسن
القنوت في أَخِيرَةٍ سائر المكتوبات في النازلة، أي: الشدة التي تنزل بالمسلمين
عامة كوباء، وقحط، وخوف، وعدو، أو خاصة ببعضهم كأسر العالم، أو الشجاع
ممن تعدى نفعه، وفيه رد على ما قال الطحاوي في ((شرح الآثار)) (ص١٤٩): فثبت
بما ذكرنا أنه لا ينبغي القنوت في الفجر في حال الحرب وغيره قياسًا ونظرًا على ما
ذكرنا من ذلك، ورد عليه أيضًا فيما قال: إن القنوت في الصلوات كلها للنوازل لم
يقل به إلا الشافعي.
(١٢٩٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: مُسْلِم (٦٧٥) عَنْهُ؛ البُخَارِي (٤٥٩٠) فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَاللَّفْظُ لَهُ فِي
الصَّلَاةِ.
٢٩٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقُنُوتِ
((فَرُبَّمَا قَالَ)) أي: النبي ◌َِّ. (اللَّهُمَّ أَنْج) بفتح الهمزة أمر من الإنجاء أي:
أخلص. (الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَّ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) هذا مثال
الدعاء لأحد كما أن قوله: (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ ... ) إلخ. مثال للدعاء على أحد،
وكان هؤلاء الصحابة الذين دعا لهم بالإنجاء أُسَرَاءَ في أيدي الكفار بمكة. أما
الوليد بن الوليد، فهو أخو خالد بن الوليد المخزومي القرشي، شهد بدرًا مشركًا،
فأسره عبد الله بن جحش، فقدم في فدائه أخواه خالد وهشام، وكان هشام أخا
الوليد لأبيه وأمه، فَاقْتَكَّاهُ بأربعة آلاف درهم، فلما افتدى وذهبا به أسلم، فقيل له :
هلا أسلمت قبل أن تفتدي وأنت مع المسلمين؟! قال: كرهت أن تظنوا بي إني
جزعت من الإسار، فحبسوه بمكة، فكان رسول اللّه وَل يدعو له في القنوتِ
بالنجاة فيمن يدعو لهم من المستضعفين، ثم أفلت من أسارهم، ولحق برسول الله
وَالر، وشهد معه عمرة القضية.
وقال الحافظ في ((الفتح)): كان ممن شهد بدرًا مع المشركين، وأسر وفدى
نفسه، ثم أسلم فحبس بمكة، ثم تواعد هو وسلمة وعياش المذكورون معه،
وهربوا من المشركين، فعلم النبي ◌َّل بمخرجهم، فدعا لهم حتى قدموا، فترك
الدعاء لهم. قال: ومات الوليد لما قدم على النبي ◌َّله. وأما سلمة: فهو سلمة بن
هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، کان من مهاجري الحبشة، و کان من خيار
الصحابة وفضلائهم، وهو أخو أبي جهل بن هشام، وابن عم خالد بن الوليد،
وكان قديم الإسلام، حبس بمكة وعذبٍ في اللَّه ◌َك ومنع من الهجرة إلى المدينة
ولم يشهد بدرًا لذلك، فكان رسول اللّه وَليه يدعو له في القنوت، فأفلت ولحق
برسول اللَّه ◌َ له، ولم يزل بالمدينة حتى توفي رسول اللّه وَ له، فخرج إلى الشام
مجاهدًا حين بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام، فقتل بمرج الصفر في المحرم سنة
(١٤)، وقيل: بأجنادين. وأما عَيَّاش، بتشديد التحتية بعد العين المهملة المفتوحة
وآخره معجمة، فهو ابن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة المخزومي، وهو أخو أبي
جهل لأمه، أسلم قديمًا قبل دخول النبي وَلّر دار الأرقم، وهاجر الهجرتين، ثم
خدعه أبوجهل، فإنه لما قدم عياش إلى المدينة قدم عليه أبوجهل والحارث ابنا
هشام، فذكرا له أن أمه حلفت أن لا تدخل رأسها دهنًا ولا تستظل حتى تراه، فرجع
معهما فأوثقاه وحبساه بمكة، فكان رسول اللَّه ◌َل يدعو له، ثم تخلص وفَرَّ مع