Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
NONACE
المعجمة وتخفيف الواو المكي مولى بنى عامر، تابعي، ثقة. ووقع في النسخ
الحاضرة عندنا عمرو أي: بفتح أوله، وهو غلط. (أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ) بضم الجيم
مصغرًا، ابن مطعم النوفلي المدني أبو محمد، ويقال: أبوعبد الله، ثقة، فاضل،
من الطبقة الوسطى من التابعين، مات سنة تسع وتسعين. (أَرْسَلَهُ) أي: عمر بن
عطاء. (إِلَى السَّائِبِ) بن يزيد، ابن أخت نمر الصحابي رََّهُ. (يَسْأَلُهُ) أي: يسأل
عمر بن عطاء السائب. (عَنْ شَيْءٍ رَآهُ) أي: ذلك الشيء. (مِنْهُ) أي: من السائب.
(فَقَالَ) أي: السائب. (نَعَمْ) قال الطيبي: (نَعَمْ) حرف إيجاب وتقرير لما سأله نافع
من قوله: هل رأى منك معاوية شيئًا في الصلاة، فأنكر عليك؟، والمذكور معناه
(صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي: مع معاوية. (الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ) أي: في مقصورة
المسجد. قال القاري: موضع معين في الجامع مقصور للسلاطين. قال النووي:
فيه دليل على جواز اتخاذها في المسجد، إذا رآها ولي الأمر مصلحة، قالوا: وأول
من عملها معاوية بن أبي سفيان حين ضربه الخارجي. قال القاضي: واختلفوا في
المقصورة، فأجازها كثيرون من السلف وصلوا فيها، منهم: الحسن والقاسم بن
محمد وسالم وغيرهم، وكرهها ابن عمرو الشعبي وإسحاق وأحمد، وكان ابن
عمر إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة؛ خرج منها إلى المسجد. قال
القاضي: وقيل: إنما يصح فيها الجمعة، إذا كانت مباحة لكل أحد، فإن كانت
مخصوصة ببعض الناس ممنوعة عن غيرهم لم تصح فيها الجمعة؛ لخروجها عن
حكم الجامع.
(فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ) أي: خرج عن صلاة الجمعة بالسلام. (قُمْتُ فِي مَقَامِي) أي:
الذي صليت فيه الجمعة. (فَصَلَّيْتُ) فيه سنة الجمعة. (فَلَمَّا دَخَلَ) أي: معاوية
بيته. (أَرْسَلَ إِلَيَّ) رجلًا يدعوني، فحضرته. (فَقَالَ: لَا تَعُدْ) من العود. (لِمَا فَعَلْتَ)
من إتيان السنة في مكان فعل الجمعة بلا فصل، أي: لا تفعل ذلك مرة أخرى بل.
(إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَة) وفرغت منها. ذكر الجمعة على سبيل المثال، وإلا فحكم
غيرها من الصلاة كذلك كما تقدم. (فَلَا تَصِلْهَا) بفتح فكسر وِسكون اللام من
الوصل أي: لا توصلها. (بِصَلَاةٍ) أخرى نافلةً، أو قضاء (حَتَّى تَكَلَّمَ) بحذف إحدى
التائين أي: تتكلم. (أَوْ تَخْرُجُ) أي: من المقام الذي صليت فيه الجمعة. قال
القاري: تخرج أي: حقيقة، أو حكمًا بأن تتأخر عن ذلك المكان.
٨١
كِتّابُ الصَّلَاةِ
BERNExxx
بَابُ السُّئَنِ وَقَضَائِلَهَا
(أَمَرَنَا بِذَلِكَ) أي: بما تقدم وبيانه. (أنَ لَا نُوْصِلُ بِصَلَاةٍ) كذا في جميع النسخ
الحاضرة. ووقع في ((صحيح مسلم)): أن لا نوصل صلاة بصلاة. وهكذا نقله
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٧ ص ٣٠) عن مسلم. وفي أبي داود: أن لا توصل
صلاة بصلاة. (حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَونَخْرُجَ) فيه دليل: على أن النافلة الراتبة وغيرها
يستحب أن يتحول لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى
بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره ليكثرِ مواضع سجوده، ولتنفصل صورة
النافلة عن صورة الفريضة. وقوله: ((حَتَّى نَتَكَلَّمَ)) دليل: على أن الفصل بينهما
يحصل بالكلام أيضًا، ولكن بالانتقال أفضل لما ذكر، قاله النووي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
وأخرجه أيضًا أبو داود والبيهقي (ج٢ ص١٩١، ج٣ص ٢٤٠).
١١٩٤ - [٢٩] وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ
بِمَكَّةَ، تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، فَيُصَلِّي أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى
الْجُمُعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ،
فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَفْعَلُهُ.
{صحيح }
- رَوَاهُ أَبُو دَاود، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى بَعْدَ
الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعًا(*).
الشّرْجُ
١١٩٤ - قوله: (عَنْ عَطَاءِ) أي: ابن أبي رباح. (كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى
الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ تَقَدَّمَ) أي: من مكان صلى فيه، فيكون هذا التقدم بمنزلة الخروج
المذكور في حديث معاوية المتقدم. (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ) أي: من المكان الذي صلى فيه
ركعتي السنة. (فَيُصَلِّي أَرْبَعًا) كذا في جميع النسخ الحاضرة، ثم يتقدم فيصلي،
أي: بلفظ المضارع، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٧ ص٢٩). وفي
((سنن أبي داود)): ((ثم تقدم فصلى)) أي: بلفظ الماضي. وفعل ابن عمر هذا يؤيد
(١١٩٤) أَبُو دَاوُد (١١٣٠) عنه فيه.
(*) التِّرْ مِذِي (٥٢٢).
٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قول أبي يوسف: أن سنة الجمعة ست، لكنه يقول: إن تقديم الأربع أولى. (فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنٍ) أي: في بيته. (وَلَمْ يُصَلُّ فِي الْمَسْجِدِ) هذا تصريح بما علم ضمنا. (فَقِيلَ
لُهُ) أي: سئل عن سبب ذلك. (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الِهِ يَفْعَلُهُ) يعني: وأنا أفعله تبعًا له.
وظاهر هذا: يدل على أنه ◌َل # كان يفرق بين الحرمين، فإذا كان بمكة صلى في
المسجد بعد الجمعة ست ركعات، وإذا كان بالمدينة رجع بعد الجمعة إلى بيته ثم
صلى فيه ركعتين، ولم يُصَلُّ في المسجد، لكن قال العراقي: ليس في ذلك، أي:
في حديث ابن عمر هذا علم ولا ظن أنه وَّ كان يفعل بمكة ذلك، وإنما أراد ابن
عمر رفع فعله بالمدينة فحسب، لأنه لم يصح أنه صلى الجمعة بمكة، قال: والذي
صح من فعله هو صلاة ركعتين في بيته بعد الجمعة. قلت: لا شك أن الست لم
تثبت عنه گیڑ بحدیث صحیح صریح، نعم، ثبتت عن ابن عمر من فعله، وروي عن
علي أنه أمر بها. قال الشوكاني: اختلف هل الأفضل فعل سنة الجمعة في البيت أو
في المسجد؟ فذهب إلى الأول الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم، واستدلوا
بقوله ◌َخير في الحديث الصحيح: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)). وأما
صلاة ابن عمر في مسجد مكة، فقيل: لعله كان يريد التأخر في مسجد مكة
للطواف بالبيت، فيكره أن يفوته بِمُضِيِّهِ إلى منزله لصلاة سنة الجمعة، أو أنه يشق
عليه الذهاب إلى منزله، ثم الرجوع إلى المسجد للطواف، أو أنه كان يرى النوافل
تضاعف بمسجد مكة دون بقية مكة، أو كان له أمر متعلق به، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٣ ص ٢٤٠ - ٢٤١) وسكت عنه أبو
داود والمنذري. وقال العراقي: إِسناده صحيح. (وَفِي رِوَايَةِ التِّرْ مِذِيُّ) المختصرة.
(قَالَ) أي: عطاء بن أبي رباح. (ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِك) أي: بعدما ذكر من الركعتين.
(أَرْبَعًا) أي: صلى ست ركعات. وأخرج أبو داود هذه الرواية المختصرة بلفظ:
أي: عطاء رأى ابن عمر يصلي بعد الجمعة، فينماز عن مصلاه الذي صلى فيه
الجمعة قليلًا غير كثير قال: فيركع ركعتين، قال: ثم يمشي أنفس من ذلك، فيركع
أربع ركعات. قلت لعطاء: كم رأيت ابن عمر يصنع ذلك؟ قال: مرارًا، انتهى.
وأخرجه أيضًا الطحاوي، هذا ولم يذكر البغوي ولا المصنف حديثًا، ولا أثرا
في التطوع والسنة قبل الجمعة. وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث سلمان
وأبي هريرة من باب: التنظيف والتبكير من أبواب الجمعة.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ENE
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْل
٨٣
*
٣١ - بَابُ صَلَاةِ اللَّيْل
(بَابُ صَلاَةِ اللَّيْل) قال القاري: أي: في قيام الليل من التهجد وغيره، انتهى.
واعلم أن صلاة الليل، وقيام الليل وصلاة التهجد عبارة عن شيء واحد، واسم
لصلاة يبتدأ وقتها من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، فلا فرق بين الألفاظ
الثلاثة شرعًا. وقيل: صلاة التهجد مختصة بما يكون في آخر الليل بعد النوم.
والظاهر هو: الأول، قال ابن الفارس: المتهجد المصلي ليلاً. وقال كراع:
التهجد صلاة الليل خاصة .
الفصل الأول
١١٩٥ - [١] عَنْ عَائِشَةَ ﴿َا قَالَتْ: كَانَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ
يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ،
وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِّنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ
أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ قَامَ فَرَكَعَ
رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنٍ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقَّهِ الْأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلِْقَامَةِ
فَيُخْرَجُ.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١١٩٥ - قوله: (يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ) هذا
بظاهره يشمل ما إذا كان بعد نوم أم لا. (إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي: في غالب
أحواله. وقال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): قوله: إحدى عشرة ركعة، وقد جاء
(١١٩٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٩٩٤) مُسْلِمٍ (١٢٢ / ٧٣٦) عَنْهَا فِي الطَّهَارَةِ.
٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثلاث عشرة ركعة. فيحمل على أن هذا كان أحيانًا، أو لعله مبني على عد الركعتين
الخفيفتين اللتين يبدأ بهما صلاة الليل من صلاة الليل أحيانًا، وتركه أخرى. وعلى
كل تقدير، فهذه الهيئة لصلاة الليل لا بد من حملها على أنها كانت أحيانًا، وإلا
فقد جاءت هيئات أخرى في قيام الليل، انتهى. (يُسَلَّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنٍ) فيه أن
الأفضل في صلاة الليل أن يسلم من كل ثنتين، ويدل عليه أيضًا قوله: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى)). (وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) فيه: أن أقل الوتر ركعة، وأن الركعة الفردة
صلاة صحيحة، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهو الحق. وقال أبو حنيفة: لا يصح
الإِيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة قط. قال النووي: والأحاديث
الصحيحة ترد عليه. قال الحافظ: حمل الطحاوي هذا ومثله على أن الركعة
مضمومة إلى الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء،
مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يوتر بواحدة فردة ليس قبلها شيء، وهو أعم
من أن يكون مع الوصل أو الفصل، انتهى.
قلت: حديث النهي عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد))، وفيه عثمان
بن محمد بن ربيعة، وهو متكلم فيه. قال ابن القطان: الغالب على حديثه الوهم،
مع أن قول عائشة: (يسلم من كل ركعتين))، ظاهر في الفصل، فإنه يدخل فيه
الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنص في موضع النزاع. (فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ
ذَلِك) الفاء لتفصيل المجمل، يعني: فيسجد كل واحدة من سجدات تلك الركعات
طويلة. (قَدْرَ مَا يَقْرَأْ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً) وفي رواية للبخاري: كان يصلي إحدى
عشرة ركعة كانت تلك صلاته تعني: بالليل، فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ
... إلخ. وهي ظاهرة في أن المراد: بيان طول سجود ركعات صلاة الليل، لا قدر
سجدة منفردة بعد الوتر، كما فهم النسائي وغيره. وفي رواية أخرى للبخاري:
يسجد السجدة من ذلك أي: بغير الفاء. قال القسطلاني: الألف واللام لتعريف
الجنس. فيشمل سجودًا لإحدى عشرة، والتاء فيه لا تنافي ذلك. والتقدير: يسجد
سجدات تلك الركعات طويلة (قدر ما)، أي: بقدر ما، ويصح جعله وصفًّا لمصدر
محذوف، أي: سجودا قدر ما، أو يمكث مكثا قدر ما. (قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ) من
السجدة أي: قبل إتمام السجود، وكان يكثر أن يقول: في ركوعه وسجوده:
((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدَِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))، كما تقدم في باب: الركوع من
٨٥
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
حديث عائشة، وعنها كان ◌َّه يقول في صلاة الليل في سجوده: ((سُبْحَانَكَ لا إِلَهَ إِلا
أَنْتَ)). رواه أحمد في ((مسنده)) بإسناد رجاله ثقات. والحديث فيه دليل: على
استحباب تطويل السجود في قيام الليل، وقد بوب عليه البخاري باب: طول
السجود في قيام الليل .
(فَإِذَا سَكَتَ) بالتاء الفوقية. (الْمُؤَذِّنُ) أي: فرغ. (مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي: من
أذانها. (وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ) أي: ظهر وانتشر. قال الطيبي: يدل على أن التبين لم يكن
في الأذان، وإلا لما كان لذكر التبين فائدة. (قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنٍ) هما سنة الفجر.
(خَفِيفَتَيْنِ) يقرأ فيهما ((الكافرون)) و((الإخلاص)) ونحوهما. (ثُمَّ اضْطَجَعَ) أي: في
بيته؛ للاستراحة عن تعب قيام الليل؛ ليصلي فرضه على نشاط، أو ليفصل بين
الفرض والنفل بالضجعة. واستدل به: على استحباب الاضطجاع بعد ركعتي
الفجر في البيت دون المسجد. قال الحافظ: ذهب بعض السلف إلى استحبابها
أي: الضجعة في البيت دون المسجد، وهو محكي عن ابن عمر، وقواه بعض
شيوخنا بأنه لم ينقل عن النبي رؤوسلي أنه فعله في المسجد، وصح عن ابن عمر: أنه
كان يحصب من يفعله في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة، انتهى. قال شيخنا في
((شرح الترمذي)): حديث أبي هريرة، يعني: الذي يأتي في آخر الفصل الثاني
بلفظ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ) مطلق، فبإطلاقه
يثبت استحباب الاضطجاع في البيت وفي المسجد، فحيث يصلي سنة الفجر
يضطجع هناك، إن صلى في البيت فيضطجع في البيت، وإن صلى في المسجد ففي
المسجد، وإنما لم ينقل عن النبي وّل أنه فعله في المسجد، لأنه مَّ كان يصلي سنة
الفجر في البيت، فكان يضطجع في البيت، انتهى. (عَلَى شِقِّهِ) أي: جنبه (الأَيْمَنِ)
جريًا على عادته الشريفة في حبه التيامن في شأنه كله، أو للتشريع؛ لأن النوم على
الأيسر يستلزم استغراق النوم في غيره ◌َلَّا بخلافه هو؛ لأن عينه تنام ولا ينام قلبه،
فعلى الأيمن أسرع للانتباه بالنسبة لنا، وهو نوم الصالحين.
قال القسطلاني: لا يقال: حكمته أن لا يستغرق في النوم؛ لأن القلب في
اليسار، ففي النوم عليه راحة له فيستغرق فيه، لأنا نقول: صح أنه عليه الصلاة
والسلام كان تنام عينه، ولا ينام قلبه، نعم، يجوز أن يكون فعله لإرشاد أمته
وتعليمهم. (حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ) أي: يستأذنه فيها؛ لأنها منوطة بنظر
٨٦
#eesa
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإمام. (فَيَخْرُجُ) أي: للصلاة. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم إلا قوله: ((فيسجد
السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه))، فإن البخاري
إنفرد به، وإلا قوله: ((يسلم من كل ركعتين))، فإن لفظ مسلم: ((يسلم بين كل
ركعتين))، وإلا قوله: ((فيخرج)) فإنه ليس في ((صحيح مسلم)) بل ولا في البخاري
أيضًا، وبهذا تعلم أن السياق الذي ذكره المصنف تبعًا للبغوي ليس للبخاري ولا
لمسلم، ثم رأيت (المرقاة)) قال فيه: متفق عليه أي: بمجموع الحديث، وإن لم
يكن بهذا السياق في حديث واحد، كذا نقله ميرك عن التصحيح والحديث أخرجه
أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٢ ص ٧، ٣٢).
١١٩٦ - [٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ،
فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّ اضْطَجَعَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرُ
١١٩٦ - قوله: (إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: سُنَّتَه. (فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً
حَدَّثَنِي) قال الطيبي: الشرط مع الجزاءَ جزاء الشرط الأول، ويجوز أن يكون جزاء
الشرط الأول محذوفًا، والفاء تفصيلية، والمعنى: إذا صلاهما أتاني، فإن كنت
مستيقظة حدثني، ولا تضاد بين هذا وبين ما في ((سنن أبي داود)) من طريق مالك عن
سالم أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة: أن كلامه عليه الصلاة والسلام لها كان
بعد فراغه من صلاة الليل، وقبل أن يصلي ركعتي الفجر، لاحتمال أن يكون كلامه
لها كان قبل ركعتي الفجر وبعدهما. (وَإِلَّا) أي: وإن لم أكن مستيقظة. (اضْطَجَعَ)
للراحة من تعب القيام، أو ليفصل بين الفرض والنفل بالحديث، أو الاضطجاع.
وظاهره أنه كان يضطجع إذا لم يحدثها، وإذا حدثها لم يضطجع، وإلى هذا جنح
البخاري، كما سيأتي. وكذا جنح إليه ابن خزيمة، حيث ترجم له الرخصة في ترك
الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. واستدل به بعضهم: على عدم استحباب الضجعة
بعد ركعتي الفجر.
(١١٩٦) رَوَاهُ مُسْلِم في الصَّلاةِ
٨٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللّيْل
وأجيب: بأنه لا يلزم من کونه ربما تر کها عدم الاستحباب، بل يدل تر که لها
أحيانًا على عدم الوجوب، وأن الأمر بها في حديث أبي هريرة المذكور محمول
على الندب والإرشاد، وقد بوب البخاري على حديث عائشة هذا الباب: من
تحدث بعد ركعتي الفجر ولم يضطجع. قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى أنه مَله
لم يكن يداوم عليها. وبذلك احتج الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر
الوارد بذلك في حديث أبي هريرة على الاستحباب. وفائدة ذلك: الراحة والنشاط
لصلاة الصبح. وعلى هذا، فلا يستحب ذلك إلا للمتهجد. وبه جزم ابن العربي.
وقيل: إن فائدتها: الفصل بين ركعتي الفجر، وصلاة الصبح. وعلى هذا فلا
اختصاص، انتهى. ويدل على عدم الاختصاص حديث أبي هريرة، فإنه مطلق
يشمل المتهجد وغيره. فالحق أن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مشروع ومستحب
مطلقًا. وسيأتي مزيد بحث فيه في شرح حديث أبي هريرة. قال النووي: وفيه أي :
في تحديثه وَاللّه لعائشة بعد ركعتي الفجر دليل: على إباحة الكلام بعد سنة الفجر،
وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور. وقال القاضي: وكرهه الكوفيون. وروي
عن ابن مسعود وبعض السلف: إنه وقت الاستغفار، والصواب: الإباحة؛ لفعل
النبي وَلّ، وكونه وقت استحباب الاستغفار لا يمنع من الكلام، انتهى.
وقال القسطلاني: وفيه: أنه لا بأس بالكلام المباح بعد ركعتي الفجر. قال ابن
العربي: ليس في السكوت في ذلك الوقت فضل مأثور، إنما ذلك بعد صلاة
الصبح إلى طلوع الشمس، انتهى. قلت: أثر ابن مسعود رواه الطبراني في ((الكبير))
عن عطاء عنه، وكذا روي عن أبي عبيدة عنه، هو منقطع؛ لأن عطاء وأبا عبيدة لم
يسمعا من ابن مسعود، وإن صح فيحمل على أن القوم المتحدثين الذين أنكر عليهم
ابن مسعود لعلهم كانوا يتكلمون بما لا يجدي نفعًا، فنهاهم عن ذلك. والسكوت
عن مثل هذا ليس بمختص بهذا الوقت، وإن لم يحمل على هذا، فالتحديث
بالكلام المباح ثابت من الشارع. وكلام الصحابي لا يوازن كلام الشارع.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والبيهقي (ج ٣ ص ٤٥) والبخاري،
ولفظه: عن عائشة، ((أن النبي ◌ّر كان إذا صلى))، وفي رواية: ((كان يصلي
ركعتين، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة)). انتهى.
فكان ينبغي للمصنف أن يقول: متفق عليه، واللفظ لمسلم.
٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١٩٧ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَأَنَّ النَِّيُّ بَهَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ
اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ.
[متفق عليه]
الشَّرْجُ
١١٩٧ - قوله: (إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ) أي: سنته. (اضْطَجَعَ) أي: حتى
يأتيه المؤذن، فإذا أتي خرج إلى الصلاة. (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ)؛ لأنه كان يحب
التيامن في شأنه كله، أَو تشريع لنا؛ لأن القلب في جهة اليسار، فلو اضطجع عليه
لاستغرق نومًا؛ لكونه أبلغ في الراحة بخلاف اليمين، فيكون معلقًا فلا يستغرق.
وهذا بخلافه وَلّر؛ لأن عينه تنام ولا ينام قلبه. وفيه: كالحديثين المتقدمین دليل
على استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. وقد ورد فيه أحاديث أخرى: قال ابن
حجر: ومن هذه الأحاديث أخذ الشافعي أنه يندب لكل أحد - المتهجد وغيره - أن
يفصل بين سنة الصبح وفرضه بضجعة على شقه الأيمن، ولا يترك الاضطجاع ما
أمكنه، بل في حديث صحيح على شرطهما أنه ظلَّلا أمر بذلك، وأن المشي إلى
المسجد لا يجزئ عنه، انتهى. ويشير بذلك إلى ما روى أبو داود عن أبي هريرة
مرفوعًا: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ))، فقال له
مروان بن الحكم: أما يجزئ أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه؟
قال: لا. انتهى. ولذلك استحب البغوي في ((شرح السنة)) الاضطجاع بخصوصه،
واختاره في ((شرح المهذب)).
قال الحافظ: وأما إنكار ابن مسعود الاضطجاع، وقول إبراهيم النخعي: هي
ضجعة الشيطان، كما أخرجه ابن أبي شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهما الأمر
بفعله. وكلام ابن مسعود يدل: على أنه إنما أنكر تحتمه، فإنه قال في آخر كلامه:
إذا سلم فقد فصل. و کذا ما حكي عن ابن عمر أنه بدعة، فإنه شذ بذلك حتى روي
عنه أنه أمر بحصب من اضطجع. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان لا يعجبه
الاضطجاع. وأرجح الأقوال: مشروعيته للفصل لكنه بعينه، انتهى.
(١١٩٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١١٦٠) عنها فيه.
٨٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللّيْل
وقال السندي: قد جاء الأمر بهذا الاضطجاع، فهو أحسن وأولى. وما ورد من
إنكاره عن بعض الفقهاء لا وجه له أصلًا، ولعلهم ما بلغهم الحديث، وإلا فما وجه
إنكارهم، انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) لم أجد هذا الحديث بهذا السياق في ((صحيح
مسلم)). وقد أخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه والبيهقي. واعلم: أنه اختلفت أحاديث
عائشة في ذكر محل الاضطجاع، ففي أحاديثها الثلاثة المتقدمة أن الاضطجاع بعد
ركعتي الفجر. وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة الاضطجاع
قبلهما. وكذا في حديث ابن عباس الآتي الاضطجاع بعد صلاة الليل، وقبل
ركعتي الفجر. وقد أشار القاضي عياض وغيره إلى أن رواية الاضطجاع بعدهما
مرجوحة، فتقدم رواية الاضطجاع قبلهما.
قال الشوكاني: لا نسلم أرجحية رواية الاضطجاع بعد صلاة الليل، وقبل
ركعتي الفجر على رواية الاضطجاع بعدهما، بل رواية الاضطجاع بعدهما أرجح.
والحديث من رواية عروة عن عائشة. ورواه عن عروة محمد بن عبد الرحمن يتيم
عروة والزهري، ففي رواية محمد بن عبد الرحمن إثبات الاضطجاع بعد ركعتي
الفجر، وهي في ((صحيح البخاري))، ولم تختلف الرواية عنه في ذلك، واختلف
الرواة عن الزهري، فقال مالك في أكثر الروايات عنه: إنه كان إذا فرغ من صلاة
الليل اضطجع على شقه الأيمن ... الحديث. ولم يذكر الاضطجاع بعد ركعتي
الفجر. وقال معمر ويونس وعمرو بن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب
ابن أبي حمزة عن الزهري عن عروة عن عائشة: كان إذا طلع الفجر صلى ركعتين
خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن. وهذه الرواية اتفق عليها الشيخان، فرواها
البخاري من رواية معمر، ومسلم من رواية يونس بن يزيد وعمرو بن الحارث.
قال البيهقي (ج ٣ ص٤٤) عقب ذكرهما: والعدد أولى بالحفظ من الواحد، قال:
وقد يحتمل أن يكونا محفوظين، فنقل مالك أحدهما ونقل الباقون الآخر، قال:
وقد اختلف فيه أيضًا على ابن عباس، قال: وقد يحتمل مثل ما احتمل في رواية
مالك. وقال النووي: إن حديث عائشة وحديث ابن عباس لا يخالفان حديث
أبي هريرة، فإنه لا يلزم من الاضطجاع قبلهما، أن لا يضطجع بعدهما، ولعله مَله
ترك الاضطجاع بعدهما في بعض الأوقات؛ بيانا للجواز، ويحتمل أن يكون المراد
بالاضطجاع قبلهما: نومه ◌َّل# بين صلاة الليل، وصلاة الفجر، كما ذكره الحافظ،
انتهى كلام الشوكاني.
٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١١٩٨ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَّ النَّبِيُّ ◌َهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ
عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرُْ
١١٩٨ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ) أي: في الليل. (ثَلَاثَ عَشْرَةَ)
بالبناء على الفتح وسكون شين عشرة، كما أجازه الفراء. (رَكْعَةً) يسلم من كل
ركعتين، كما تقدم. (مِنْهَا) أي: من ثلاث عشرة. (الْوِتْرُ) أي: ركعة. (وَرَكْعَتَا
الْفَجْرِ) أي: سنته وهذا لفظ البخاري من طريق حنظلة عن القاسم بن محمد عن
عائشة. وفي رواية مسلم من هذا الوجه: كانت صلاته من الليل عشر ركعات،
ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة. وهذا كان غالب
عادته وَّو، فقد روى البخاري من رواية أبي سلمة عنها ما يدل على أن ذلك كان
أكثر ما يصليه في الليل. ولفظه: ((ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى
عشرة ركعة ... )) الحديث.
قال ابن الملك: وإنما ألحق الوتر ركعتي الفجر بالتهجد؛ لأن الظاهر أنه تمالتَّالدُ
كان يصلي الوتر آخر الليل، ويبقى مستيقظًا إلى الفجر، ويصلي الركعتين أي: سنة
الفجر متصلا بتهجده ووتره. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قلت: بل متفق عليه، واللفظ للبخاري.
ففي قوله: رواه مسلم، نظر ظاهر. وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٣ ص٦، ٧).
-
(١١٩٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١١٤٠)، مُسْلِم (١٢٨ / ٧٣٨) عَنْهَا فِيهِ، أَبُو دَاوُد (١٣٣٤) النَّسَائِي في
الکبری (٤٢٢).
٩١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
eex
١١٩٩ - [٥] وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ
بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، سِوَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ.
صَلىله
[رَواهُ الْبُخَارِيُّ] (صحيح}
الشّرْجُ
١١٩٩ - قوله: (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع بن مالك الهمداني الوداعي
أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم من كبار التابعين. قال الشعبي: ما رأيت
أطلب للعلم منه، وكان أعلم بالفتوى من شريح، وكان شريح يستشيره، وكان
مسروق لا يحتاج إلى شريح. وقال علي بن المديني: ما أقدم على مسروق من
أصحاب عبد الله أحدًا، صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعليًا، ولم يرو عن عثمان
شيئًا، مات بالكوفة سنة ثلاث وستين، وله ثلاث وستون سنة. قال السمعاني: سمي
مسروقًّا؛ لأنه سرقه إنسان في صغره. ثم وُجِدَ، وغَيَّرَ عُمَرُ اسم أبيه إلى
عبد الرحمن. فأثبت في الديوان مسروق بن عبد الرحمن مكان أجدع. وقال في
((تهذيب التهذيب)) (ج ١٠ ص١١٠): قال مجالد: عن الشعبي عن مسروق، قال لي
عمر: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع قال: الأجدع شيطان أنت مسروق بن
عبد الرحمن، انتهى. (سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ) أي: عن عدد صلاته.
(فَقَالَتْ) تارة. (سَبْعُ وَ) تارة. (تِسْعُ وَ) أخرى. (إِحْدَى عَشْرَةَ) أي: كل مع الوتر.
ووقع ذلك منه في أوقات مختلفة بحسب اتساع الوقت وضيقه، أو عذر من مرض،
أو غيره أو كبر سنه. وفي النسائي عنها: أنه كان يصلي من الليل تسعًا، فلما أسن
صلى سبعًا. قال الحافظ: أما ما أجابت به عائشة مسروقًا فمرادها: أن ذلك وقع منه
في أوقات مختلفة، فتارة كان يصلي سبعًا، وتارة تسعًا، وتارة إحدى عشرة. وأما
حديث القاسم عنها فمحمول على أن ذلك كان غالب حاله، انتهى. (رَكْعَةً) كذا
وقع في جميع النسخ، وكذا وقع في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص ٦٣) تمييز لإحدى
عشرة. وفي البخاري: إحدى عشرة أي: بدون لفظ ركعة.
(١١٩٩) البُخَارِي (١١٣٩) عَنْهُ فِيهَا .
٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
#e
(سِوَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ) فالمجموع ثلاث عشرة ركعة. وأما ما رواه الزهري عن
عروة عنها عند البخاري في باب: ما يقرأ في ركعتي الفجر بلفظ: ((كان يصلي
بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء للصبح ركعتين خفيفتين ... ))
إلخ. وظاهره يخالف ما ذكر، فأجيب: باحتمال أن يكون أضافت إلى صلاة الليل
سنة العشاء؛ لكونه كان يصليها في بيته، أو ما كان يفتتح به صلاة الليل، كما
سيأتي. قال الحافظ: وهذا أرجح في نظري؛ لأن رواية أبي سلمة التي دلت على
الحصر في إحدى عشرة جاء في صفتها عند البخاري وغيره: ((يصلي أربعًا، ثم
يصلي أربعًا، ثم يصلي ثلاثًا))، فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين،
وتعرضت لهما في رواية الزهري، والزيادة من الحافظ مقبولة، وسيأتي في باب:
الوتر، حديث عبد الله بن أبي قيس عن عائشة بلفظ: ((كان يوتر بأربع، وثلاث،
وست، وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع،
ولا بأكثر من ثلاث عشرة)). قال الحافظ: وهذا أصح ما وقفت عليه من ذلك، وبه
يجمع بين ما اختلف عن عائشة من ذلك، والله أعلم. قال القرطبي: أشكلت
روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب،
وهذا إنما يتم لو كان الراوي عنها واحدًا، أو أخبرت عن وقت واحد. والصواب:
أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة، وأحوال مختلفة بحسب
النشاط وبيان الجواز، انتهى.
وقال النووي: نقلًا عن القاضي عياض بعد ذكر رواياتها المختلفة في ذلك
يحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة هو الأغلب، وباقي رواياتها إخبار عنها بما كان يقع
نادرًا في بعض الأوقات، فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر، وأقله سبع، وذلك
بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت، أو ضيقه بطول قرأة، أو النوم، أو عذر
مرض وغيره، أو في بعض الأوقات عند كبر السن كما قالت: ((فلما أسن صلى سبع
ركعات))، أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل، وتعد ركعتي الفجر
تارة، وتحذفهما تارة، أو تعد أحدهما، وقد تكون عدت راتبة العشاء مع ذلك
تارة، وحذفتها تارة. قال القاضي: ولا خلاف أنه ليس لذلك حد لا يزاد عليه، ولا
ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما
الخلاف في فعل النبي ◌َّر، وما اختاره لنفسه، انتهى.
٩٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللّيْل
وقال الباجي بعد ذكر رواية عائشة: إنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي
الفجر، وروايتها: أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة ما لفظه: ورواية عائشة
في ذلك تحتمل وجهين: أحدهما: أنه کان گالژ تختلف صلاته بالليل، لأنه لا حد
لصلاة الليل، فمرة كانت تخبر بما شاهدت منه في وقت ما، ومرة تخبر بما
شاهدت منه ◌َل# في غيره، وإنما قالت: إنه وَلّ لا يزيد في رمضان، ولا في غيره
على إحدى عشرة، تريد صلاته المعتادة الغالبة، وإن كان ربما يزيد في بعض
الأوقات على ذلك، فقصدت في تلك الرواية الإخبار عن غالب صلاته وَالاله
وذكرت في هذه الرواية أكثر ما كان تنتهي إليه صلاته وَّر في الأغلب. والوجه
الثاني: أن تكون ﴿يا تقصد في بعض الأوقات الإخبار عن جميع صلاته في ليلة،
وتقصد في وقت ثان إلى ذكر نوع من صلاته في الليل. وجميع صلاته النبي وَئل
بالليل في رواية عائشة: خمس عشرة مع الركعتين الخفيفتين، وركعتي الفجر،
فعائشة كانت تخبر بالأمر على وجوه شتى، ولعله أن يكون ذلك على قدر أسباب
السؤال، انتهى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في باب: كيف كان صلاة النبي وَلَّ من أبواب
التهجد .
١٢٠٠ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَّ النَّبِيُّ وَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ
لِيُصَلِّيَ، اقْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنٍ خَفِيفَتَيْنِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٢٠٠ - قوله: (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلَّيَ) أي: التهجد. (افْتَحَ صَلَاتَهُ
بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) قال الطيبي: ليحصل بهما نشاط الصلاة، ويعتاد بهما، ثم يزيد
عليهما بعد ذلك، انتهى. وفي حديث أبي هريرة الآتي الأمر بذلك. وهذا دليل:
على استحباب افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين؛ لينشط بهما لما بعدهما.
والظاهر: أن الركعتين من جملة التهجد، وقد تقدم أن هاتين الركعتين هما
(١٢٠٠) مُسْلِم (١٩٧ / ٧٦٧) عَنْهَا فِيهِ .
ESONE
٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اللتان، إذا ضمتهما عائشة قالت في حكايتها لصلاته رٍَّلاه بالليل: ((إنها ثلاث
عشرة))، وإذا لم تضمهما قالت: ((إحدى عشرة)). (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد
والبيهقي (ج٣ص٥، ٦).
١٢٠١ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِذَا قَامَ
أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلَاةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنٍ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٢٠١ - قوله: (فَلْيَفْتَتِح) من الافتتاح أي: فليبدأ. وفي بعض النسخ:
((فَلْيَقْتَحِ)) أي: من الفتح. والأول هو: الصواب؛ لأنه موافق لما في ((المصابيح))
و((صحيح مسلم))، وكذا نقله المجد ابن تيمية في ((المنتقى))، والجزري في ((جامع
الأصول)) (ج٧ ص ٧٢) وكذا وقع عند البيهقي (ج٣ ص٦).
(الصَّلَاة) كذا وقع في جميع النسخ، وهكذا نقله الجزري. وفي ((المصابيح))
و(صحيح مسلم)) و((المنتقى)) صلاته أي: بالإضافة إلى الضمير. (بِرَكْعَتَيْنِ
خَفِيفَتَيْنِ) زاد أبو داود في رواية: (ثُمَّ لِيُطَوِّلْ بَعْدُ مَا شَاء)). (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه
أيضًا أحمد وأبو داود والبيهقي (ج٣ ص٦).
(١٢٠١) مُسْلِم (٧٦٨)، وَأَبُو دَاوُد (١٣٢٣) عن أبي هريرة فيه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ صَلَاةِ اللّيْل
SE
٩٥
١٢٠٢ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً،
وَالنَّبِيُّ نَّهِ عِنْدَهَا، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ
ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ أَو بَعْضُهُ، قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ
السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ
[آل عمران: ١٩٠]
حَتَّىٍ خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ، فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ، ثُمَّ
تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنَّا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ، وَقَدْ أَبْلَغَ فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ
وَتَوَضَّأَتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَأَمَّتْ صَلاَتُهُ
ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَاذَنَهُ بِلَالٌ
بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا،
وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًّا،
وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًّا، وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا)).
- وَزَادَ بَعْضُهُمْ: ((وَفِي لِسَانِي نُورًا)) وَذَكَرَ : ((وَعَصَبِي، وَلَحْمِي، وَدَمِي،
وَشَعَرِي، وَبَشَرِي))(*).
[متفق عليه]
- وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: ((وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا))( ** ).
- وَفِي أُخْرَى لْمُسْلِمٍ: ((اللَّهُمَّ أَعْطِي نُورًا)) ( *** ).
الشَّرْحُ
١٢٠٢ - قوله: (بتُّ) بكسر الباء وتشديد التاء على صيغة المتكلم من
البيتوتة. (عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) بنت الحارث أم المؤمنين زوج النبيِ وَّ. (وَالنَّبِيُّ
وَهِ عِنْدَهَا) أي: في نوبتها. (فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً) فيه: جواز
(١٢٠٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١١٢٠)، ومُسْلِم (١٨٧/٧٦٣) عنه فيه.
(*) متفق عليه: البُخَارِي (٦٣١٦)، ومُسْلِم (٧٦٣/ ١٨١) أيضًا فيه.
(٤٠ *** ) المُسْلِم (١٨٩/٧٦٣) عنه.
( ****** ) هي لمُسْلِم (١٩١/٧٦٣) عنه.
米
٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الكلام المباح مصلحة بعد العشاء، وإذا جاز في المباح، ففي المستحب كالموعظة
والعلم من طريق الأولى. (ثُمَّ رَقَدَ) أي: نام. وفي روايةٍ: ((فاضطجعت في عرض
الوسادة)) أي: المخدة أو الفراش، واضطجع رسول اللّه وَ الره وأهله في طولها.
(فَلَمَّا كَانَ) أي: بقي، فكان تامة. (ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ) بالرفع على أنه صفة ثلاث
أي: جميعه. (أَوْ بَعْضُهُ) أي: بعض الثلث أي: أقل منه. (قَعَدَ) أي: فمسح النوم
عن وجهه بيده. وفي رواية: ((فنام حتى انتصف الليل أو قريبًا منه، فاستيقظ)) وهذه
الرواية، كما ترى، مخالفة لرواية الكتاب. قال الحافظ: يجمع بينهما، بأن
الاستيقاظ وقع مرتين: ففي الأولى نظر إلى السماء، ثم تلا الآيات، ثم عاد
لمضجعه فنام. وفي الثانية أعاد ذلك، ثم توضأ وصلى، وقد بين ذلك محمد بن
الوليد عن كريب عن ابن عباس عند محمد بن نصر. وفي رواية في ((الصحيحين)):
«فقام رسول الله آل﴾ من اللیل، فأتی حاجته ثم غسل وجهه ویدیه، ثم نام، ثم قام
فأتى قربة ... )) الحديث. وفي رواية لمسلم: ثم قام قومة أخرى. (فَنَظَرَ إِلَى
السَّمَاءِ) يتفكر في عجائب الملكوت. (فَقَرَأَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
أي: في خلقتهما من ارتفاع السماوات، واتساعها، وانخفاض الأرض، وكثافتها
واتضاعها، أو في الخلق الكائن فيهما من الكواكب المختلفة، وغيرها في
السماوات، والبحار، والجبال، والقفار، والأشجار، والأنهار، والزروع،
والثمار، والحيوان، والمعادن، وغيرها من العجائب في الأرض. (وَاخْتِلَافٍ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي: في تعاقبهما، أو طولًا وقصرًا، أو ظلمة ونورًا، وحرًّا وبردًا
(لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أي: دلالات واضحات على وجود الصانع، ووحدته
وعلمه، وكمال قدرته لذوي العقول الخالصة الصافية، الذين يفتحون بصائرهم
للنظر، والاستدلال والاعتبار، لا ينظرون إليها نظر البهائم، غافلين عما فيها من
عجائب مخلوقاته، وغرائب مبدعاته، وقد ورد: ((ويل لمن قرأها، ولم يتفكر
فیها)). رواه ابن مردويه وابن حبان في (صحيحه)).
(حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ) فإن فيها لطائف عظيمة، وعوارف جسيمة لمن تأمل في
مبانيها، وظهر له بعض معانيها. قال الباجي: يحتمل أن يفعل ذلك؛ ليبتدئ يقظته
بذكر الله، كما ختمها بذكره عند نومه، ويحتمل أنه فعل ذلك؛ ليتذكر ما ندب إليه
من العبادة، وما وعد على ذلك من الثواب، فإن هذه الآية جامعة لكثير من ذلك،
٩٧
بَابُ صَلَاةِ اللَّيْل
كِتَابُ الصَّلَاةِ
ex
فيكون ذلك تنشيطًا له على العبادة، انتهى. (ثُمَّ قَامَ) أي: قصد. (إِلَى الْقِرْبَةِ) بكسر
القاف وسكون الراء، وفي رواية: ((إلى شن معلق)) بفتح الشين المعجمة وتشديد
النون، وهي القربة الخلقة الصغيرة من أدم. (فَأَطْلَقَ) أي: حل. (شِنَاقَهَا) بكسر
المعجمة وتخفيف النون ثم قاف، خيطها الذي يشد به فمها، أو السير الذي تعلق به
القربة. قال في ((الفتح)): هو رباط القربة يشد عنقها فشبه بما يشنق به. وقيل: هو ما
تعلق به، ورجح أبو عبيد الأول. (ثُمَّ صَبَّ) أي: أراق الماء منها. (فِي الْجَفْنَةِ)
بفتح الجيم وسكون الفاء ثم نون، القصعة الكبيرة. واستعمال (ثُمَّ) للترتيب
والتراخي في الذكر، أو للإشارة إلى أن أفعاله وَليل كانت واقعة بالتؤدة والوقار من
غير استعجال. (ثُمَّ تَوَضَّأَ) أي: من الجفنة. (وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ) أي:
من غير إسراف ولا تقتير. وقيل: أي: توضأ مرتين مرتين. (لَمْ يُكْثِرْ) أي: صب
الماء. قال القاري: هو بيان للوضوء الحسن، وهو إيماء إلى عدم الإفراط. (وَقَدْ
أَبْلَغَ) أي: أوصل الماء إلى ما يجب إيصاله إليه، إشارة إلى عدم التفريط .
وقال الحافظ: قد فسر قوله: ((وضوءًا ... بين وضوءين)) بقوله: ((لم يكثر وقد
أبلغ))، وهو يحتمل أن يكون قلل من الماء مع التثليث، أو اقتصر على دون الثلث
في الغسل. وفي رواية لمسلم: فأسبغ الوضوء ولم يمس من الماء إلا قليلًا.
والحاصل: أنه أتى بمندوبات الوضوء مع تخفيف الماء. وبذلك يجمع بين ما وقع
في رواية: ((فأسبغ الوضوء))، وبين قوله في رواية: ((فتوضأ وضوءًا خفيفًا)). (فَقَامَ
فَصَلَّى) أي: فشرع في الصلاة. (فَقُمْتُ) أي: من مضجعي، وقصدت إلى القربة.
(وَتَوَضَّأَتْ) أي: نحو مما توضأ، كما في رواية للبخاري. وفي رواية: ((فقمت
فصنعت مثل ما صنع))، وهو محمول على الأغلب. ولا يلزم من إطلاق المثلية
المساواة من كل جهة، فيحمل على الوضوء فقط، ويحتمل أنه صنع جميع ما ذكر
من النظر والقول والوضوء والسواك وغير ذلك. (فَقُمْتُ) أي: للصلاة في اقتدائه.
(عَنْ يَسَارِهِ) لعدم العلم. (فَأَخَذَ بِأُذُنِي) بالضم وبضمتين. وفي رواية: ((فوضع يده
اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني يفتلها)). قال ابن حجر: وضعها أولًا ليتمكن من
مسك الأذن، أو لأنها لم تقع إلا عليه، أو لينزل بركتها به، ليعي جميع أفعالهمظلَّلُ
في ذلك المجلس وغيره، قال: وفتلها إما لينبهه على مخالفة السنة، أو ليزداد تيقظه
لحفظ تلك الأفعال، أو ليزيل ما عنده من النعاس، لرواية مسلم: ((فجعلت إذا
٩٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أغفيت أخذ بشحمة أذني)). وفي هذا رد على من زعم أن أخذ الأذن، إنما كان في
حالة إدارته له من اليسار إلى اليمين متمسكًا بقوله: ((فأخذ بأذني، فأدارني عن
يمينه))، وهو لفظ البخاري في الدعوات، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن
لا يعود إلى مسك أذنه؛ لتأنيسه وإيقاظه. فالحق: أنه أخذ بأذنه أولًا؛ لإدارته من
اليسار إلى اليمين، ثم أخذ بها أيضًا؛ لتأنيسه لكون ذلك في ظلمة الليل، أو
لإيقاظه، أو لإظهار محبته؛ لأن حاله كانت تقتضي ذلك لصغر سنه. (فَأَدَارَنِي عَنْ
يَمِينِهِ) قال ابن الملك: ((عَنْ)) هنا بمعنى: الجانب أي: أدارني عن جانب يساره إلى
جانب يمينه. (فَتَتَامَّتْ) بمثناتين وتشديد الميم. قال الطيبي: أي: صارت تامة،
تفاعل من تم، وهو لا يجيء إلا لازمًا، انتهى. أي: تكاملت، وهي رواية شعبة عن
كريب عند مسلم (صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي: مع ركعة الوتر، يسلم من كل
ركعتين، ففي رواية للشيخين: ((ثم صلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم
ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام
فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح)).
قال الحافظ: ظاهره أنه فصل بين كل ركعتين. ووقع التصريح بذلك في رواية
طلحة بن نافع عند ابن خزيمة حيث قال فيها: ((يسلم من كل ركعتين)). ولمسلم من
رواية علي بن عبد الله بن عباس التصريح بالفصل أيضًا، وأنه استاك بين كل
ركعتين إلى غير ذلك، كما سيأتي. ومقتضى التصريح بذكر الركعتين ست مرات،
وقوله بعد ذلك: ((ثم أوتر)) أنه صلى في هذه الليلة ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، كما
وقع التصريح بذلك في رواية الكتاب. وظاهره: أنه أوتر بركعة واحدة مفصولة،
لأنه إذا صلى ركعتين ركعتين ست مرات مع الفصل بين كل ركعتين صارت الجملة
اثنتي عشرة ركعة غير ركعة الوتر، وكانت جميع صلاته ومَّ ﴾ ثلاث عشرة ركعة، فلم
يبق الوتر إلا ركعة واحدة. وأما رواية مسلم الآتية بلفظ: ((ثم أوتر بثلاث)) ففي
كونها محفوظة كلام. ولعل ذلك من حبيب بن أبي ثابت الراوي عن علي بن
عبد الله بن عباس، فإن فيه مقالًا، وقد اختلف عليه في إسناده ومتنه اختلافًا. (ثُمَّ
اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ) أي: تنفس بصوت حتى يسمع منه صوت النفخ بالفم كما
يسمع من النائم. (وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ) وفي رواية مسلم: ((ثم نام حتى نفخ، وكنا
نعرفه إذا نام بنفخه)) (فَاذَنَهُ) بالمد أي: أعلمه. (بِالصَّلَاةِ) أي: بصلاة الصبح.
٩٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ ضِلَاةِ اللَّيْلِ
(فَصَلَّى) أي: ركعتي الفجر، ثم خرج إلى المسجد، فصلى الصبح بالجماعة.
(وَلَمْ يَتَوَضَّأ) قيل: إنما لم يتوضأ وقد نام حتى نفخ؛ لأن النوم لا ينقض الطهر
بنفسه، بل لأنه مظنة خروج الخارج. ولما كان قلبه التيلا يقظان لا ينام، ولم يكن
نومه مظنة في حقه، فلا يؤثر. ولعله أحس بتيقظ قلبه بقاء طهوره. وهذا من
خصائصه ◌َّلام.
قال الطيبي: فيقظة قلبه تمنعه من الحدث، وما منع النوم قلبه إلا ليعي الوحي
إذا أوحي إليه في منامه، فالوضوء الأول، إما لنقض آخر، أو لتجديد وتنشيط.
واعلم أن قوله: ((فَتَتَامَّتْ صَلاَتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ... )) إلخ. يدل على أنه رَّ صلى
تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر، وهي رواية الثوري عن سلمة بن
كهيل عن كريب عن ابن عباس عند البخاري في الدعوات، وأخرجها أيضًا مسلم.
وقد اختلف على كريب أصحابه في بيان العدد، لكن اتفق أكثرهم على أنه وَل
صلى تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة وركعتي الفجر. وفي رواية شريك بن أبي النمر
عنه عند البخاري في التفسير: ((فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى
ركعتين)). ونحوه في رواية الضحاك بن عثمان عن مخرمة عن كريب عند مسلم،
فخالف شريك الأكثر، وروايتهم مقدمة على روايته لما معهم من الزيادة،
ولكونهم أحفظ منه. وحمل بعضهم الزيادة على سنة العشاء، ولا يخفى بُعده لا
سيما مع رواية الكتاب هذا. وقد ورد عن ابن عباس في حكاية صلاته وَاللّه بالليل،
الذي بات فيه عنده أحاديث كثيرة بروايات مختلفة رواها عنه علي بن عبد الله بن
عباس وعطاء وأبو جمرة وسعيد بن جبير ويحيى بن الجزار وغيرهم. قال الحافظ :
بعد ذكر الاختلاف في رواية كريب، وفي رواية سعيد بن جبير ما لفظه: وأكثر
الرواة عنه لم يذكروا عددًا، ومن ذكر العدد منهم لم يزد على ثلاث عشرة، ولم
ينقص عن إحدى عشرة، إلا أن في رواية علي بن عبد الله بن عباس عند مسلم ما
يخالفه، فإن فيه: ((فصلى ركعتين أطال فيهما، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ففعل
ذلك ثلاث مرات بست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات -
يعني: آخر آل عمران - ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة))، انتهى.
فزاد على الرواية، تكرار الوضوء وما معه، ونقص عنه ركعتين أو أربعًا. ولم يذكر
ركعتي الفجر أيضًا، وأظن ذلك من الراوي عنه حبيب بن أبي ثابت، فإن فيه مقالًا،
وقد اختلف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافًا، ويحتمل أنه لم يذكر الأربع الأول.