Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أَسَنَّ، وكان يقرأ قاعدًا، حتى إذا أراد أن يركع قام، فقرأ نحوًا من ثلاثين أو أربعين
آية، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك. وهذا يدل على جواز
الركوع من قيام لمن قرأ قاعدًا. فيحمل على أنه كان يفعل أحيانًا هذا، وأحيانًا
ذاك. وبهذا يحصل التوفيق بين الحديثين. قال العراقي: يحمل على أنه كان يفعل
مرة كذا، ومرة بكذا، فكان مرة يفتتح قاعدًا، ويتم قراءته قاعدًا، ويركع قاعدًا،
وكان مرة يفتتح قاعدًا، ويقرأ بعض قراءته قاعدًا، وبعضها قائمًا، ويركع قائمًا،
فإن لفظ: ((كَانَ)) لا يقتضي المداومة، انتهى.
**
واعلم أن هاهنا أربع صور، الأولى: أن ينتقل من القيام إلى الركوع والسجود،
والثانية: أن ينتقل من القعود إليهما، وهاتان مذكورتان في حديث عبد الله بن
شقيق عن عائشة. والثالثة: أن يتنقل من القعود إلى القيام، ويقرأ بعض القراءة
قائمًا، ثم يتنقل من القيام إلى الركوع والسجود. وهذه مذكورة في حديث عائشة
الذي ذكرنا، والرابعة: عكس الثالثة، وهي أن يتنقل من القيام إلى القعود، فيقرأ
بعض القراءة قاعدًا، ثم ينتقل من القعود إلى الركوع والسجود، ولم ترو هذه
الصورة، وعلى هذا فكان ◌َّ في صلاة الليل على ثلاث أحوال: قائمًا في كلها،
وقاعدًا في كلها، وقاعدًا في بعضها ثم قائمًا. وأما أن يكون قائمًا في بعضها ثم
قاعدًا، وهي الصورة الرابعة فذهب الجمهور إلى جوازها. قال العينى: جواز
الركعة الواحدة بعضها من قيام، وبعضها من قعود هو مذهب أبي حنيفة ومالك
والشافعي وعامة العلماء، وسواء في ذلك قام ثم قعد، أو قعد ثم قام، ومنعه بعض
السلف، وهو غلط. ولو نوى القيام ثم أراد أن يجلس جاز عند الجمهور، وجوزه
من المالکیة ابن قاسم، ومنعه أشهب، انتهى.
وقال الشوكاني في ((النيل)): حديث عائشة الثاني يدل على أنه يجوز فعل بعض
الصلاة من قعود، وبعضها من قيام، وبعض الركعة من قعود، وبعضها من قيام.
قال العراقي: وهو كذلك، سواء قام ثم قعد، أو قعد ثم قام، وهو قول جمهور
العلماء؛ كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وحكاه النووي عن عامة
العلماء. وحكي عن بعض السلف منعه. قال: هو غلط. وحكى القاضي عياض عن
أبي يوسف ومحمد في آخرين كراهة القعود بعد القيام. ومنع أشهب من المالكية
الجلوس بعد أن ينوي القيام. وجوزه ابن القاسم والجمهور، انتهى.

٤١
بَابُ الشُّئَنِ وَفَضَائِلَهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
(صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ) أي: خفيفتين، وقد تقدم بيان ما يقرأ فيهما في باب القراءة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج٢ ص ٤٧١ - ٤٨٩) مختصرًا ومطولًا. (وَزَادَ أَبُو دَاودَ) أشار بهذا إلى
الاعتراض على الشيخ محيي السنة، حيث أدرج هذه الجملة في حديث عائشة في
الصحاح، مع أنها لم تكن في واحد من ((الصحيحين)). (ثُمَّ يَخْرُجُ) أي: إلى
المسجد. (فَيُصَلَّ بِالنَّاسِ) إمامًا لهم. (صَلَاةَ الْفَجْرِ) أي: فرض الصبح.
١١٧٠ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ رِو ◌ُّا قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ◌َهِ عَلَى شَيْءٍ
مِنَ الثَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ .
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١١٧٠ - قوله: (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ونَ عَلَى شَيْءٍ) أي: على تحفظ شيء. (مِنَ
التَّوَافِلِ) أي: الزوائد على الفرائض من السنن. (أَشَدَّ) قال ابن حجر: خبر (لم
يكن))، أي: أكثر. (تَعَاهُدًا) أي: تفقدًا وتحفظًا. وفي رواية أبي داود: أشد
معاهدة، أي: محافظة ومدوامة. وفي رواية لمسلم: ما رأيت رسول اللّه وَل إلى
شيء من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر. زاد ابن خزيمة في هذه الرواية:
ولا إلى غنيمة. (مِنْهُ) أي: من تعاهده عليه السلام.
(عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ) قال الطيبي: قولها: (عَلَى) متعلقة بقولها: ((تعاهدً)).
ويجوز تقديم معمول التمييز. والظاهر أن ((خبر لم يكن)) عَلَى شَيْءٍ أي: لم يكن
يتعاهد على شيء من النوافل، وأشد تعاهدًا حال، أو مفعول مطلق على تأويل أن
يكون التعاهد متعاهدًا كقوله: ﴿أَوْ أَشَدَ خَشْيَةٌ﴾، انتهى. وفي الحديث دليل على
عظم فضل ركعتى الفجر، وأن المحافظة عليهما أشد من المحافظة على غيرهما،
وقد ثبت أنه يَّ كان لا يتركهما حضرًا ولا سفرًا، وعلى أنهما سنة ليستا واجبتين،
وبه قال جمهور العلماء. وحكى ابن أبي شيبة عن الحسن البصري أنه ذهب إلى
وجوبهما. وذكر المرغيناني عن أبي حنيفة: أنها واجبة. وفي ((جامع المحبوبي))
(١١٧٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١١٦٩) مُسْلِم (٩١/ ٧٢٤) فِيهِ عَنْهَا .

٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i **
روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: لو صلى سنة الفجر قاعدًا بلا عذر لا يجوز.
والصواب: عدم الوجوب؛ لقولها: ((على شيء من النوافل))؛ ولأنه يَّ ساقها مع
سائر السنن في حديث المثابرة. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود وابن خزيمة
والبيهقي (ج٢ ص ٤٧٠).
١١٧١ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّهِ: ((رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ
مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٧١ - قوله: (رَكْعَتَا الْفَجْرِ) أي: سنة الفجر هي المشهورة بهذا الاسم.
(خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) أي: أثاثها ومتاعها، يعني: أجرهما خير من أن يعطى تمام
الدنيا في سبيل الله تعالى، أو هو على اعتقادهم أن في الدنيا خيرًا، وإلا فذرة من
الآخرة لا يساويها الدنيا وما فيها، قال الطيبي: إن حمل الدنيا على أعراضها
وزهرتها، فالخير إما مجرى على زعم من يرى فيها خيرًا، أو يكون من باب: ﴿أَىُّ
اُلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا﴾، وإن حمل على الإنفاق في سبيل الله، فتكون هاتان الركعتان
أکثر ثوابًا منها، انتهى.
وقال في ((حجة اللَّه البالغة)): إنما كانتا خيرًا منها؛ لأن الدنيا فانية، ونعيمها لا
يخلو عن کدر النصب والتعب، وثوابهما باق غیر كدر، انتهى. وقد استدل به على
أن ركعتي الفجر أفضل من الوتر، وهو أحد قولي الشافعي، ووجه الدلالة: أنه
جعل ركعتى الفجر خيرًا من الدنيا وما فيها، وجعل الوتر خيرًا من حمر النعم،
وحمر النعم جزء ما في الدنيا. وأصح القولين عن الشافعي: أن الوتر أفضل. وقد
استدل لذلك بما في ((صحيح مسلمٍ)) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((أَفْضَلُ الصَّلَاةِ
بَعْدَ الْفَرِيْضَةِ، الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ))، وبالاختلاف في وجوبه كما سيأتي. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي والبيهقي (ج٢ ص ٤٧٠). وفي
(١١٧١) مُسْلِم (٩٦/ ٧٢٥) عَنْهَا فِيهِ .

٤٣
بَابُ السُّئَنِ وَقَضَائِلَهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
رواية لمسلم أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر: ((لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا
وَمَا فِيهَا جَمِيعًا)).
١١٧٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّل قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: ((صَلُّوا قَبْلَ
صَلَةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنٍ، صَلَّوا قَبْلَ صَلَاةِ اَلْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنٍ)) قَالَ فِي الثَّالِئَةِ :
(لِمَنْ شَاءَ)). كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.
[متفق عليه]
الشَّرْخُ
١١٧٢ - قوله: (صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنٍ، صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ
رَكْعَتَيْنِ) كذا وقعت هذه الجملة مكررة في بعض النسخ المطبوعة بالهند، وكذا
وقعت في ((المصابيح)). وهو موافق لما في ((سنن أبي داود))، قال الحافظ: وأعادها
الإسماعيلي ثلاث مرات، انتهى. ووقعت في بعض نسخ ((المشكاة)) الأخرى مرة
فقط، كما في نسخة صاحب ((أشعة اللمعات شرح المشكاة)) بالفارسية. وفي
النسخة التي على هامش ((المرقاة))، وفي نسخة القاري التي صحها على عدة نسخ
معتمدة مقروءة مسموعة صحيحة بيَّنَهَا في أول شرحه، وأخذ من مجموعها أصلاً
اعتمده في الشرح. واختلف النسخ أيضًا في ذكر قوله: ((ركعتين))، فيوجد هذا
اللفظ في طبعات الهند، وفي النسخة التي على هامش ((المرقاة))، وكذا هو موجود
في (المصابيح))، وهذا هو موافق لرواية أبي نعيم في ((المستخرج))، ولرواية أبي
داود أيضًا. ويظهر من كلام صاحب ((الأشعة)) والقاري في شرحيهما: أن هذا اللفظ
لم يكن في النسخ الموجودة عندهما، حيث لم يذكرا ولم يأخذا ذلك في أصلي
شرحهما. ففي ((أشعة اللمعات)) (ج ١ ص٥٣٥). (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ: صَلَّوا قَبْلَ
صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) نماز بكزارید بيش از نماز مغرب يعني: دو ركعت اين راسه بار
مكرر فرمود. وفي المرقاة (ج٢ ص١١٢). (قَالَ النَّبِيُّ وَهِ: صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ
الْمَغْرِبِ) أي: ركعتين، كما في رواية صحيحة، وكرر ذلك ثلاثًا، انتهى. أي:
كما يدل عليه قوله في الثالثة. فعلى ما في نسختى القاري وصاحب الأشعة لا
(١١٧٢) الْبُخَارِي (١١٨٣) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ فِهِ.

٤٤
ge
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اعتراض على صاحب ((المشكاة)) في عزو الحديث للبخاري. وأما على ما في
طبعات الهند، فيرد عليه أنه كيف نسب هذه الرواية إلى البخاري مع أنه لم تقع هذه
الجملة عنده مكررة، ولا وقع في روايته لفظ: ركعتين. ويرد عليه أيضًا: أنه جعل
الحديث متفقًّا عليه، مع أنه لم يخرجه مسلم أصلاً، نعم أخرج مسلم من حديث
حديث عبد الله بن مغفل بلفظ: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ))، قالها ثلاثًا، قال في
الثالثة: ((لِمَنْ شَاءَ)). وأخرجه البخاري أيضًا، وقد تقدم في باب فضل الآذان.
والظاهر: أن المصنف تبع في ذلك الجزري، حيث صرح في ((جامع الأصول))
(ج ٧ ص٢٤) بأنه أخرجه البخاري ومسلم. وقد أخطأ أيضًا صاحب ((المصابيح))
في ذكر هذه الرواية في الصحاح. والحديث فيه دليل على استحباب الركعتين بين
الغروب وصلاة المغرب. وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، ومن المتأخرين
أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث، وهو الحق. والقول بأنه منسوخ مما لا التفات
إليه؛ لأنه لا دليل عليه. (قَالَ) أي: النبيِ وَلَّ. (فِي) المرة. (الثَّالِئَةِ) أي: عقبها.
(لِمَنْ شَاءَ) يعني: أنه وَِّ ذكر في المرة الثالثة لفظ: ((لِمَنْ شَاءَ)).
قال الطيبي: أي: ذلك الأمر لمن شاء، انتهى. وفيه إشارة إلى أن الأمر حقيقة
في الوجوب، إلا إذا قامت قرينة تدل على التخيير بين الفعل والترك. فقوله: ((لِمَنْ
شَاءَ)) إشارة إليه، فكان هذا صارفًا عن الحمل على الوجوب. قال الطيبي: فيه دليل
على أن أمر النبي ◌َّر محمول على الوجوب، حتى يقوم دليل غيره. ويوضحه قول
ابن حجر: سنة، أي: عزيمة لازمة متمسكين بقوله: ((صَلّوا))، فإنه أمر، والأمر
للوجوب، فتعليقه بالمشيئة يدفع حمله على حقيقته، فيكون مندوبًا، انتهى.
(كَرَاهِيَةً) منصوب على التعليل، أي: قال ذلك لأجل كراهية. (أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ
سُنَّةً) أي: طريقة لازمة لا يجوز تركها، أو سنة راتبة يكره تركها. قال المحب
الطبري: لم يرد نفي استحبابها؛ لأنه لا يمكن أن يأمر بما لا يستحب، بل هذا
الحديث من أقوى الأدلة على استحبابها. ومعنى قوله: سنة أي : شريعة وطريقة
لازمة. وكان المراد: انحطاط مرتبتها عن رواتب الفرائض، ومن ثم لم يذكرها
أكثر الشافعية في الرواتب، وقد عدها بعضهم.
وتعقب: بأنه لم يثبت أنه وَ لّ واظب عليه. قال ابن القيم: الصواب في هاتين
الركعتين: أنهما مستحبتان مندوب إليهما، وليستا راتبة كسائر السنن الرواتب.

٤٥
بَابُ السُّنَنِ وَقَضَائِلَهَا
كِتّابُ الصَّلَاةِ
قال القسطلاني: والذي صححه النووي، أنها سنة للأمر بها في هذا الحديث.
وقال مالك بعدم السنية. وقال النووي في (المجموع)): واستحبابهما قبل الشروع
في الإقامة، فإن شرع فيها كره الشروع في غير المكتوبة؛ لحديث: ((إِذَا أُقِيمَتِ
الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ)). وعن النخعي: أنها بدعة؛ لأنه يؤدي إلى تأخير
المغرب عن أول وقتها.
وأجيب: بأنه خيال فاسد منابذ للسنة، فلا يلتفت إليه، ومع هذا فَزَ مَنُّهُمَا يسير لا
تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. قال ابن الهمام: وما ذكر من استلزام تأخير
المغرب، فقد قدمنا عن القنية استثناء القليل، والركعتان لا تزيد على القليل، إذا
تجوز فيهما، انتهى. قال الحافظ: ومجموع الأدلة يرشد إلى تخفيفهما، كما في
ركعتي الفجر، انتهى. وذهب الحنفية إلى عدم استحبابهما، بل قال بعضهم
بكراهتها، واستدلوا لنفي الاستحباب بأحاديث، منها: ما رواه أبو داود ومن طريقه
البيهقي عن طاووس قال: سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب، فقال: ما رأيت
أحدًا على عهد رسول اللّه ◌َل يصليهما، ورخص في الركعتين بعد العصر، انتهى.
سكت عنه أبو داود، ثم المنذري. قال النووي في ((الخلاصة)): إسناده حسن.
وأجيب عنه: بأن في سنده شعيبًا بياع الطيالسة، وهو وإن كان ممن لا بأس به، لكن
الظاهر أن الحديث وهم منه، وقد تفرد بروايته عن طاوس، وكيف يصح هذا
الحديث، وقد روي في ((الصحيحين)) وغيرهما عن أنس وعقبة بن عامر: أن
الصحابة كانوا يصلون بين الأذان المغرب وإقامته في عهده وَلخلّ وبحضرته؟ كما
سيأتي، وروي عن عبد الله بن مغفل الأمر بذلك، وأنه ◌َ ل قد صلاهما، وروى عن
جماعة من الصحابة أنهم كانوا يصلونهما بعد وفاته، منهم: أنس وعبد الرحمن بن
عوف، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو الدرداء، وجابر بن عبد الله،
وأبو موسى، وأبو برزة وغيرهم، وكذلك روي عن جماعة من التابعين، أنهم كانوا
يصلون قبل فرض المغرب بين الأذان والإقامة.
وقال النووي في ((الخلاصة)): وأجاب العلماء عنه: بأنه نفي، فتقدم رواية
المثبت، ولكونها أصح وأكثر رواة ولما معهم من علم ما لم يعلمه ابن عمر،
انتهى. ذكر هذا الجواب الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢ ص ١٤٠) وأقره، ولم
يتكلم عليه بشيء، وتكلم عليه ابن الهمام في ((فتح القدير)) بما لا يعبأ به، فإن

٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حاصل كلامه: معارضة حديث ابن عمر هذا بأحاديث ((الصحيحين)) المثبتة، ثم
ترجيح حديث ابن عمر عليها بعمل أكابر الصحابة على وفقه كأبي بكر وعمر، ثم
إنكار ترجح حديث أنس وغيره على حديث ابن عمر؛ لكون الأول مثبتًا، والثاني
نافيًا بناء على أن النفي هاهنا كالإثبات؛ فإنه لو كان الحال على ما في رواية أنس لم
يَخْفَ على ابن عمر. قلت: قد حقق وقرر في محله أن حديث غير ((الصحيحين)) لا
يساوي ولا يعارض حديثهما، وأن حديثهما يقدم على حديث غيرهما عند
المخالفة، وهذا مما تمالأ عليه كلمة المحدثين خلفًا وسلفًا، والفقهاء المتقدمين
والمتأخرين قاطبة، إلا ابن الهمام، ومن تبعه من تلامذته وغيرهم. فالشيخ ابن
الهمام هو أول من خالف هذا الأصل، وخرق هذا الإجماع. وغرضه من ذلك كما
قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في مقدمة ((شرح سفر السعادة)) بعد ما مشى ممشاه
ورضي بما ارتضاه، تأييد مصادمة الفقهاء الحنفية بالمحدثين ومعارضتهم إياهم،
قال الشيخ الدهلوي: مشيرًا إلى الكلام ابن الهمام في مخالفة هذا الأصل: وهذا
نافع مفيد في غرضنا من شرح هذا الكتاب - يعني: السفر - وهو تأييد المذهب
الحنفي، وهذا صريح في إقرارهم بأن تأييد مذهب الحنفية إنما يتأتى بصيرورة
((الصحيحين)) كغيرهما من الصحاح بإبطال الخصوصية منهما صحةً وثقةً، وأن
محاولة هذه المخالفة إنما هو لكون هذا المذهب في الأغلب على خلاف ما في
((الصحيحين)). هذا، وقد أشبع الكلام في الرد على ابن الهمام الشيخ محمد معين
الحنفي أحد تلامذه الشاه ولي الله الدهلوى في دراساته، وخص الدراسة
(ص٢٧٧ - ٣٢٢) الحادية عشر لذلك، فعليك أن تطالعها، وإذا كان الأمر
كذلك، فلا يعارض حديث ابن عمر هذا ما روى الشيخان من الأحاديث المثبتة
للصلاة قبل فرض المغرب بين الأذان والإقامة. وأما ترجيحه لحديث ابن عمر
على توهم أن عمل أكابر الصحابة على وفقه، ففيه: أنه لم يثبت عن أحد منهم
العمل على خلاف ما في الأحاديث المثبتة، بل يرد ما ادعاه ويبطله حديثُ أنس عند
البخاري في باب الصلاة إلى الأسطوانة. قال: لقد رأيت كبار أصحاب النبي وَل
يبتدرون السواري عند المغرب حتى يخرج النبي وَالر. قال الحافظ: وعند النسائي:
قام كبار أصحاب رسول اللَّه وَ له. وأما قوله: لو كان الحال على ما في رواية أنس
لم يخف على ابن عمر. ففيه: أنه خفي ذلك على ابن عمر؛ لأنهم لم يكونوا

٤٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّئَنِ وَفَضَائِلَهَا
يواظبون عليه كالرواتب. وهذا على تقدير أن يكون حديث ابن عمر صحيحًا
ومعارضًا لحديث أنس وغيره من الصحابة. وأما على ما هو مقرر عند المحدثين
والفقهاء من عدم مساواة حديث غير ((الصحيحين)) لحديثهما، وترجيح حديثهما
على حديث غيرهما عند المخالفة فلا حاجة إلى هذا الجواب. ومنها: ما رواه
الدار قطني، ثم البيهقي في ((سننهما)) عن حيان بن عبيد اللَّه العدوي ثنا عبد الله بن
بريدة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه بِّهِ: ((إِنَّ عِنْدَ كُلِّ أَذَانَيْنِ رَكْعَتَيْنِ مَا خَلاَ
الْمَغْرِبَ))، انتهى. ورواه البزار في ((مسنده)) وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إِلّا
حيان بن عبيد الله، وهو رجل مشهور من أهل البصرة لا بأس به، انتهى. قلت:
حيان بن عبيد اللّه وإن كان صدوقًا لكنه اختلط. قال البخاري: ذكر الصلت منه
الاختلاط. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢ ص٣٣١): قيل: اختلط،
وذكره ابن عدي في الضعفاء فالحديث ضعيف. وأيضًا كان بريدة وابنه عبد الله
يصليان قبل صلاة المغرب، فلو كان هذا الاستثناء الذي زاده حيان محفوظًا لم
یکونا يخالفان خبر النبي ◌َلڑ .
قال الحافظ في ((الفتح)): رواية حيان شاذة؛ لأنه وإن كان صدوقًا عند البزار
وغيره، لكنه خالف الحافظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث
ومتنه، وقد وقع في بعض طرقه عند الإسماعيلي: وكان بريدة يصلي ركعتين قبل
صلاة المغرب، فلو كان الاستثناء محفوظًا لم يخالف بريدة راوية، انتهى. وقال
البيهقي في ((المعرفة)): أخطأ فيه حيان بن عبيد اللّه في الإسناد والمتن جميعًا. أما
السند فأخرجاه في الصحيحين عن سعيد الجريري وكهمس عن عبد الله بن بريدة
عن عبد الله بن مغفل عن النبي ◌َّ قال: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ))، قال في الثالثة:
((لِمَنْ شَاءَ)). وأما المتن فكيف يكون صحيحا؟ وفي رواية لمبارك عن كهمس في
هذا الحديث قال: وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين. وفي رواية حسين
المعلم: عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول اللَّه ◌َل :
((صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنٍ))، وقال في الثالثة: ((لِمَنْ شَاءَ)) خشية أن يتخذها الناس
سنة. رواه البخاري في ((صحيحه))، انتهى. ومنها: ما رواه الطبراني في كتاب
((مسند الشاميين)) عن جابر قال: سألنا نساء رسول اللَّه وَ له: هل رأيتن رسول الله
وَّ يصلي ركعتين قبل المغرب؟ فقلن: لا، غير أن أم سلمة قالت: صلاهما عندي

٤٨
eseex
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
مرة، فسألته ما هذه الصلاة؟ فقال: ((نَسِيتُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا
الْآنَ))، انتهى. قلت: في سنده يحيى بن أبي الحجاج. قال ابن معين والنسائي:
ليس بشيء. وقال أبوحاتم: ليس بالقوى. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن
عدي: لا أرى بحديثه بأسًا. وقال الحافظ في ((التقريب)): لين الحديث. وفي سنده
أيضًا عيسى بن سنان القسملي، ضعفه أحمد والنسائي وأبو زرعة وابن معين،
وذكره الساجي والعقيلي في ((الضعفاء)). وقال أبوحاتم: ليس بقوي في الحديث،
وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن خراش: صدوق، وذكره ابن حبان في
((الثقات)). وقال الحافظ: لين الحديث. وعلى تقدير صحة هذا الحديث فجوابه
هو ما ذكره الزيلعي نقلًا عن النووي من أنه نفي فتقدم رواية المثبت ... إلخ.
منها: ما رواه محمد بن الحسن في كتاب ((الآثار))، أخبرنا أبو حنيفة ثنا حماد بن أبي
سليمان، أنه سأل إبراهيم النخعي عن الصلاة قبل المغرب، قال: فنهاه عنها،
وقال: إن رسول اللَّه ◌َله وأبا بكر وعمر لم يكونوا يصلونها، انتهى. قلت: هذا
الحديث معضل فلا يصلح للاستدلال؛ قال الحافظ في ((الفتح)): هو منقطع ولو
ثبت لم يكن فيه دليل على النسخ ولا الكراهة، وسيأتي أن عقبة بن عامر سئل عن
الركعتين قبل المغرب فقال: كنا نفعلهما على عهد النبي وَّل، قيل له: فما يمنعك
الآن؟ قال: الشغل، فلعل غيره أيضًا منعه الشغل. وقد روى محمد بن نصر وغيره
من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وأبي
الدرداء وأبي موسى وغيرهم أنهم كانوا يواظبون عليهما. وأما قول ابن العربي
اختلف الصحابة ولم يفعلهما أحد بعدهم، فمردود بقول محمد بن نصر. وقد
روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون الركعتين قبل المغرب.
ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن بريدة
ويحيى بن عقيل والأعرج وعامر بن عبد الله بن الزبير وعراك بن مالك. ومن طريق
الحسن البصري أنه سئل عنهما فقال: حسنتين والله جميلتين لمن أراد الله بهما،
انتھی .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه نظر كما أوضحنا ذلك، والحديث أخرجه أبو داود وابن حبان
والبيهقي (ج٢ ص٤٧٤) وزاد ابن حبان فيه: وأن النبي وقال صلى قبل المغرب
ركعتين. قال بعض الحنفية: هذا الحديث أخرجه البخاري في الأذان أيضًا بلفظ

٤٩
بَابُ السُّئَنِ وَفَضَائِلَهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
عام: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ)) وأخرج هاهنا بلفظ المغرب خاصة، وحصل لي
الجزم، بأنها رواية المعنى لا رواية بالمعنى، فإن الراوي استنبط المسألة من
الحديث: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ))، ثم أجرى عمومه في المغرب، وترك الصلوات
الأربع، ثم عبر عنها بقوله: ((صَلَّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ))، وما حاشى به؛ لأنه قد تعلمها
من الحديث العام وفيه تلك. قلت: هذا القول بعيد عن الحق والصواب، بل هو
باطل جدًّا؛ لأنه تحكم محض وادعاء مجرد، وتخرص بحت، ولا يكفي في مثل
هذه الأمور فتوى القلب، لا سيما من مثل هذا المقلد، بل لا بد لذلك من دليل
قوي، أو قرينة ظاهرة، ولا شيء هاهنا، ولم يذهب إلى ذلك قبله ذهن ذاهن؛ لأنه
تَقَوُّلٌ على الراوي من غير برهان، ولم يتفكر هذا البعض في هذا الحديث سنين
حتى جزم بما جزم، إلا لأنه كان مخالفًا لمذهبه.
١١٧٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ كَانَ
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
مِنْكُمْ مُصَلِّيًّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا)).
- وفْيَ أُخْرَى لَهَ قَالَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا
أَرْبَعًا))(*).
الشَّرْحُ
١١٧٣ - قوله. (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والبيهقي (ج٣ ص ٢٤٠). (وفْيَ أَخْرَى لَهُ) أي:
المسلم. (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا) وأخرجها أيضًا أحمد (ج٢
ص٢٤٩ - ٤٤٢ - ٤٩٩) وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي. وفي رواية
لمسلم: ((إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَصَلُّوا أَرْبَعًا)). والرواية الثانية تدل: على الأمر
(١١٧٣) مُسْلِم (٦٩ / ٨٨١) عَنْهُ فِيهِ.
(٢) مُسْلِمٍ (٦٧ / ٨٨١)، وَأَبُو دَاوُد (١١٣١)، والترمذي (٥٢٣)، وابنُ ماجه (١١٣٢)، والنَّسَائِي (٣/
١١٣) عَنْهُ فِیهِ .

٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ese
*
بأربع ركعات. وظاهره الوجوب، إلا أنه أخرجه عنه الرواية الأولى، فإنها تدل
على أنها ليست بواجبة. قال النووي: نبه وَله بقوله: ((إِذَا صَلَى أَحَدُكُمْ بَعْدَ
الْجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا))، على الحث عليها، فأتى بصيغة الأمر، ونبه بقوله:
((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلَّيًّا))، على أنها سنة ليست بواجبة، انتهى. وحديث أبي هريرة
هذا يدل على أن السنة بعد الجمعة أربع ركعات: وقد تقدم حديث ابن عمر أن
النبي گآیێ کان لا يصلي بعد الجمعة، حتی ینصرف فيصلي ركعتين، وهذا يدل على
أن السنة بعدها ركعتان.
قال النووي: في هذه الأحاديث استحباب سنة الجمعة بعدها، والحث عليها،
وأن أقلها ركعتان، وأكملها أربع. قال: وذكر الأربع؛ لفضيلتها وفعل الركعتين في
أوقات بيانًا؛ لأن أقلها ركعتان. وقال إسحاق بن راهويه: إن صلى في المسجد يوم
الجمعة صلى أربعًا وإن صلى في بيته صلى ركعتين. وكذا قال ابن تيمية وابن
القيم، كما في ((زاد)) المعاد (ج١ ص١٢٤). وكأنهم جمعوا بذلك بين الحديثين،
فإن حديث الأربع مطلق، وليس مقيدًا بكونها في البيت. وأما حديث الركعتين،
فهو مقيد بكونهما في البيت، فحملوا حديث الركعتين على ما إذا صلى في البيت،
وحديث الأربع على ما إذا صلى في المسجد. وفيه: أنه لو كان الأمر كما قال
هؤلاء لما صلی ابن عمر بعد الجمعة في المسجد ر کعتين، فإنه هو الذي روى عن
النبي وَلَّ، أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. قال الترمذي بعد ذكر قول
إسحاق بن راهويه ما نصه: وابن عمر هو الذي روى عن النبي ◌َّ، كان يصلي بعد
الجمعة ركعتين في بيته، وابن عمر بعد النبي ◌َّ صلى في المسجد بعد الجمعة
ركعتين، وصلى بعد الركعتين أربعًا، وحمل النسائي حديث ابن عمر على أنه
للإمام حيث بوب عليه بلفظ: ((صلاة الإمام بعد الجمعة))، وحمل حديث أبي
هريرة على أنه لمن يصلي في المسجد، فقد بوب له: ((عدد الصلاة بعد الجمعة في
المسجد)). ومال الشوكاني إلى أن الأربع للأمة سواء كانت في المسجد، أو في
البيت؛ لإطلاقه، وعدم تقييده بالبيت. وأما الركعتان، فللنبي وَ ل خاصة، قال:
وفعله لا ينافي مشروعية الأربع؛ لعدم المعارضة بين قوله الخاص بالأمة، وفعله
الذي لم يقترن بدليل خاص يدل على التأسي به فيه؛ وذلك لأن تخصيصه للأمة
بالأمر يكون مخصصًا لأدلة التأسي العامة، انتهى.

٥١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ السُّنَنِ وَفَضَائِلَهَا
واختلف العلماء في عدد الراتبة بعد الجمعة: فأقلها عند الحنابلة ركعتان،
وأكثرها ستة، فنقل ابن قدامة في ((المغني)) عن أحمد أنه قال: إن شاء صلى بعد
الجمعة ركعتين وإن شاء صلى أربعًا. وفي رواية عنه: وإن شاء ستًّا. وأما عند
الشافعية: فالمؤكدة ركعتان، والمستحب أربع ركعات. وحكى الترمذي عن
الشافعي وأحمد: أنهما قالا بحديث ابن عمر. قال العراقي: لم يرد الشافعي
وأحمد بذلك إلا بيان أقل ما يستحب، وإلا فقد استحبا أكثر من ذلك. فنص
الشافعي في ((الأم)): على أنه يصلي بعد الجمعة أربع ركعات، ذكره في باب: صلاة
الجمعة والعيدين. ثم ذكر العراقي ما تقدم من كلام أحمد نقلا عن ((المغني)). وأما
المالكية: فالمستحب عندهم ركعتان في البيت، لأنه لا رغيبة عندهم إلا للصبح.
قال في ((المدونة)): قال ابن القاسم: قال مالك: بلغني أن النبي وَليل كان إذا صلى
الجمعة انصرف ولم يركع في المسجد، قال: وإذا دخل بيته ركع ركعتين، قال
مالك: وينبغي للأئمة اليوم، إذا سلموا من صلاة الجمعة، أن يدخل الإمام منزله،
ويركع ركعتين، ولا يركع في المسجد، قال: ومن خلف الإمام، إذا سلموا أحب
إليَّ أن ينصرفوا أيضًا، ولا يركعوا في المسجد، قال: وإن ركعوا فذلك واسع،
انتھی .
وأما الحنفية: فالمؤكد عندهم أربع لحديث أبي هريرة، وأما ما روي من
فعله ◌َّ فليس فيه ما يدل على المواظبة. وقال أبويوسف: يصلي ستًّا جمعًا بين
قوله ◌َّ وفعله، وروي ذلك عن علي وابن عمر وأبي موسى، وهو قول عطاء
والثوري، إلا أن أبا يوسف: استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين كي لا يصير
متطوعًا بعد صلاة الفرض يمثلها. قال الشيخ في ((شرح الترمذي)): ثبت عنه وَل
ركعتان بعد الجمعة فعلًا، وأربع قولًا. وأما الست، فلم تثبت عنه وَل بحديث
صحيح صريح، نعم ثبتت عن ابن عمر من فعله، وروي عن علي أنه أمر بها. وأما
حديث ابن عمر يعني: الذي يأتي في آخر الفصل الثالث، فقال العراقي: إنما أراد
رفع فعله بالمدينة فحسب، لأنه لم يصح أنه قال صلى الجمعة بمكة، انتهى.
والأولى بالعمل عندي أن يصلي الرجل بعد الجمعة أربعًا، سواء كان في المسجد،
أو في بيته؛ لإطلاق حديث أبي هريرة؛ لأنه قد ثبت عنه وَّل قولًا، وأمرنا به وحثنا
علیه، انتھی.

٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
HENS
الفصل الثاني
١١٧٤ - [٩] عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((مَنْ
حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعِ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ والتَّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٧٤ - قوله: (مَنْ حَافَظَ) أي: داوم وواظب. (عَلَى أَرْبَعْ رَكَعَاتٍ قَبْلَ
الظُّهْر) فيه دليل على أن السنة قبل الظهر أربع ركعات، وقد تقدمَ الكلام عليه.
(وَأَرْبَعِ بَعْدَهَا) قال القاري: ركعتان منها مؤكدة، وركعتان مستحبة، فالأولى
بتسليمَّتين بخلاف الأولى. (حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) وفي رواية: ((لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ)).
وفي أخرى: ((حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ)). قال الشوكاني: وقد اختلف في معنى
ذلك، هل المراد: أنه لا يدخل النار أصلًا، أو أنه وإن قدر عليه دخولها لا تأكله،
أو أنه يحرم على النار أن تستوعب أجزاءه، وإن مست بعضه؟ كما في طرق
الحديث عند النسائي بلفظ: ((فَتَمَسُّ وَجْهَهُ النَّارُ أَبَدًا))، وهو موافق لقوله في
الحديث الصحيح: ((وَحَرَّمَ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مَوَاضِعَ السُّجُودِ)) فيكون قد أطلق
الكل، وأريد البعض مجازًا، والحمل على الحقيقة أولى، وإن اللّه تعالى يحرم
جمیعه على النار. وفضل الله أوسع، ورحمته أعم، انتهى.
وقال السندي: ظاهره: أنه لا يدخل النار أصلًا، وقيل: على وجه التأبيد،
وحمله على ذلك بعيد، ويكفي في ذلك الإيمان وعلى هذا، فلعل من داوم على
هذا الفعل يوفقه الله تعالى للخيرات، ويغفر له الذنوب كلها، انتهى. (رَوَاهُ أَحْمَدُ
له ... ) إلخ، للحديث طرق: منها: طريق حسان بن عطية عن عنبسة بن أبي سفيان
عن أم حبيبة، وهى عند أحمد (ج٢ ص٣٢٥) والنسائي والبيهقي (ج٢ ص ٤٧٣).
(١١٧٤) أَحْمَد (٣٢٦/٦)، وَأَبُو دَاوُد (١٢٦٩)، والترمذي (٤٢٧)، وابن ماجه (١١٦٠)، والنَّسَائِي
(٣/ ٢٦٤) عَنْهَا بِهَذَا فِي الطَّهَارَةِ.

٥٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّنَنِ وَفَضَائِلَهَا
جمعـ
ومنها: طريق محمد بن عبد الله الشعيثي عن أبيه عن عنسبة عن أم حبيبة وهي عند
أحمد (ج٦ ص٤٢٦) والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقد حسنه الترمذي من هذا
الطريق. ومنها: طريق القاسم بن عبد الرحمن عن عنسبة عن أم حبيبة، وهي عند
الترمذي والنسائي. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه،
والقاسم بن عبد الرحمن ثقة شامي. ونقل المنذري في ((الترغيب)) كلام الترمذي
هذا وأقره، وقال في ((مختصر السنن)): وصححه الترمذي من حديث القاسم بن
عبد الرحمن، والقاسم هذا اختلف فيه: فمنهم من يضعف روايته، ومنهم من
یوثقه، انتھی.
قلت: قال الحافظ في ((التقريب)): إنه صدوق. ووثقه ابن معين والعجلي
ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة. وقال أبوحاتم: حديث الثقات عنه مستقيم، لا
بأس به، وإنما ينكر عنه الضعفاء. وقال أبو إسحاق الحربي: كان من ثقات
المسلمين. وقال الجوزجاني: كان خيارًا فاضلاً، أدرك أربعين رجلاً من
المهاجرين والأنصار. وتكلم فيه أحمد. وقال الغلابي: منكر الحديث. وقال
ابن حبان: يروي عن الصحابة المعضلات، كذا في ((تهذيب التهذيب)). ومنها:
طريق سليمان بن موسى عن مكحول عن مولى لعنسبة بن أبي سفيان عن عنسبة عن
أم حبيبة، وهي عند أحمد (ج٦ ص٣٢٦). ومنها: طريق سليمان بن موسى
والنعمان بن المنذر عن مكحول عن عنسبة عن أم حبيبة. أما طريق سليمان، فهي
عند النسائي. وأما طريق النعمان، فهي عند أبي داود والحاكم والبيهقي (ج٢
ص٤٧٢)، ومن طريق مكحول عن عنسبة عن أم حبيبة أخرجه ابن خزيمة في
((صحيحه))، كما في ((الترغيب)). قال البخاري ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبوحاتم
والنسائي وأبومسهر: إن مكحولًا لم يسمع من عنسبة. وخالفهم دحيم وهو أعرف
بحديث الشاميين، فأثبت سماع مكحول من عنسبة، قاله الحافظ. ومنها: طريق
سليمان بن موسى عن محمد بن أبي سفيان عن أم حبيبة، وهي عند النسائي
وابن خزيمة، كما في ((الترغيب)). قال النسائي: هذا خطأ، والصواب: حديث
مروان من حديث سعيد بن عبد العزيز عن سليمان عن مكحول عن عنسبة. وقال
الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج٩ ص١٩٢): وهو الصواب. وهكذا قال غير
واحد عن مكحول، انتهى.

٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
قلت: الظاهر: أن حديث أم حبيبة هذا حسن صحيح من طريق حسان ومحمد
ابن عبد الله الشعيثي والقاسم بن عبد الرحمن ومكحول كلهم عن عنسبة عن أم
حبيبة. فهذه طرق أربع للحديث من بين حسان وصحاح. وأما الطريق الرابع:
فلعل مكحولًا سمع أولًا من مولى لعنبسة، ثم لقي عنسبة، وسمع منه من غير
واسطة، والله أعلم.
١١٧٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ:
((أَرْبَعْ قَبْلَ الظَّهْرِ، لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ وابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشّرْحُ
١١٧٥ - قوله. (أَرْبَعٌ) أي: من الركعات يصليهن الإنسان. (قَبْلَ الظُّهْر)
أي: قبل صلاته. (لَيْسَ فِيهِنَّ) أي: بين الركعتين الأوليين، والركعتين الأخيرتين.
(تَسْلِيمٌ) أي: فَصْلٌ بِسَلَام، يعني: تُصَلَّى بتسليمة واحدة. قال القاري: أي:
الأفضل فيها ذلك. وقد استدل بهذا من جعل صلاة النهار أربعًا أربعًا، ويمكن أن
يقال: المراد ليس فيهن تسليم واجب، فلا ينافي أن الأفضل مَثْنَى مَثْنَى، ليلًا
ونهارًا، لخبر أبي داود وغيره: ((صَلاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى)). وبه قال الأئمة غير
أبي حنيفة، فإنه قال: الأفضل أربعًا أربعًا ليلا ونهارًا، ووافقه صاحباه في النهار
دون الليل. قاله البيجوري في ((شرح الشمائل)). قال القاري: وينبغي أن يكون
الخلاف فيما لم يرد فيه تعيين تسليم أو تسليمتين. (تُفْتَحُ لَهُنَّ) أي: لأجلهن.
(أَبْوَابُ السَّمَاءِ) كناية عن حسن القبول. وهذا لفظ أبي داود، ورواه ابن ماجه
بلفظ: كان يصلي قبل الظهر أربعًا، إذا زالت الشمس، لا يفصل بينهن بتسليم،
وقال: ((إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفَتَّحُ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ))، انتهى. وتسمى هذه سنة
الزوال، وهي غير سنة الظهر. قال ابن القيم: هذه الأربع صلاة مستقلة كان يصليها
(١١٧٥) أَبُو دَاوُد (١٢٧٠)، وَالتِّرْ مِذِي في الشمائل (٢٩٤)، وَابن مَاجَهْ (١١٥٧)، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ
فِیهِ .

٥٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*ac on cax:
بَابُ السُّنَن وَقَضَائِلَهَا
بعد الزوال، وورد مستقل سببه انتصاف النهار وزوال الشمس. وسر هذا والله
تعالى أعلم أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل، وأبواب السماء تفتح بعد زوال
الشمس، ويحصل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل، فهما وقتا قرب ورحمة، هذا
يفتح فيه أبواب السماء، وهذا ينزل فيه الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، انتهى.
وقيل: بل هي سنة الظهر القبلية، والحديث رواه الترمذي في ((الشمائل)) بلفظ:
أن النبي ◌َّ كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشمس، فقلت: يا رسول الله إنك
تدمن هذه الأربع ركعات عند زوال الشمس، فقال: ((إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفَتَّحُ، فَلَا
تَرْتَجِ حَتَّى يُصَلَّى الظَّهْرُ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِي تِلْكَ السَّاعَةِ خَيْرٌ ... )) الحديث.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) ((الأوسط)) بلفظ: لما نزل رسول اللَّه وَلَ علىَّ رأيته
يديم أربعًا قبل الظهر، وقال: ((إِنَّهُ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَلَا يُغْلَقُ
مِنْهَا بَابٌ حَتَّى يُصَلَّى الظَّهْرُ ... )) إلخ، وروى البيهقي نحوه: قال البيجوري: ويبعد
الأول أي: كون المراد سنة الزوال غير سنة الظهر التعبير بالإدمان المراد به :
المواظبة؛ إذ لم يثبت أنه ◌ّل﴿ واظب على شيء من السنن بعد الزوال إلا على راتبة
الظهر، انتهى. (رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٤١٦)
والترمذي في ((الشمائل)) والطحاوي (ص١٩٦) والبيهقي في ((السنن)) (ج٢
ص٤٨٨) كلهم من طريق عبيدة عن إبراهيم عن سهم بن منجاب عن قرثع، وقال
بعضهم: عن قزعة عن قرثع عن أبي أيوب، وعبيدة هذا هو ابن متعب الضبي
الكوفي الضرير. قال في ((التقريب)): ضعيف، واختلط بآخره، ونقل الزيلعي عن
((صاحب التنقيح)): أنه قال: وروى ابن خزيمة هذا الحديث في ((مختصر
المختصر)) وضعفه، فقال: وعبيدة بن متعب ليس ممن يجوز الاحتجاج بخبره،
انتھی.
قلت: عبيدة هذا ضعفه أيضًا أبو داود وابن معين وأبوحاتم والنسائي وابن
عدي. وذكره ابن المبارك فيمن يترك حديثه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ترك
الناس حديثه. وقال يحيى بن سعيد: كان عبيدة سيئ الحفظ ضريرًا، متروك
الحديث. وقال الساجي: صدوق سيئ الحفظ يضعف عندهم. وقال يعقوب بن
سفيان: حديثه لا يساوى شيئًا. وقال أبو داود عن شعبة: أخبرني عبيدة قبل أن يتغير
كذا في (تهذيب التهذيب)). قلت: قد روى هذا الحديث أبو داود من طريق شعبة

٥٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
عن عبيدة، وأخرجه الطيالسي أيضًا عن شعبة عن عبيدة. كما في ((الميزان)) (ج٢
ص١٧٥) وللحديث طريق أخرى عند أحمد (ج٥ ص٤١٨) والبيهقي في ((السنن))
(ج٢ ص٤٨٩) وابن خزيمة، وهي طريق شريك عن الأعمش عن المسيب بن رافع
عن علي بن الصلت عن أبي أيوب، وليس فيه: ((لا يسلم بينهن))، وأخرجه محمد
في ((موطئه)) عن بكير بن عامر البجلي عن إبراهيم والشعبي عن أبي أيوب. قال
الزيلعي: وتكلم الدار قطني في ((علله))، وذكر الاختلاف فيه، ثم قال: وقول أبي
معاوية، يعني: عن عبيدة عن إبراهيم عن سهم عن قزعة عن قرثع عن أبي أيوب
بذكر، هل فيهن تسليم فاصل؟ قال: لا أشبه بالصواب، انتهى. وحديث أبي
معاوية عند الترمذي وأحمد (ج٥ ص٤١٦). واعلم أنه أطلق المنذري عزو حديث
أبي أيوب هذا إلى الترمذي في مختصره، وكان عليه أن يقيده بـ((الشمائل)).
١١٧٦ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظَّهْرِ، وَقَالَ: ((إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا
أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] (صحيح}
الشّرْجُ
١١٧٦ - قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ) هو وأبوه صحابي. (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
وَهِ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظَّهْرِ) أي: قبل فرضه، وهل هي سنة
الزوال، أو سنة الظهر القبلية؟ فيه خلاف علم مما تقدم. قال العراقي: هي غير
الأربع التي هي سنة الظهر قبلها، وتسمى: هذه سنة الزوال. وقال القاري: تلك
الركعات الأربع سنة الظهر التي قبله. كذا قاله بعض الشراح من علمائنا، وأراد به
الرد على من زعم، أنها غيرها، وسماها سنة الزوال، انتهى.
(وَقَالَ: إِنَّهَا) أي: قطعة الزمن التي بعد الزوال. وقال القاري: أي: ما بعد
الزوال. وأنثه باعتبار الخبر وهو. (سَاعَةٌ تُفْتَح) بالتأنيث وبالتخفيف، ويجوز
التشديد. (فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ) لصعود الطاعة، ونزول الرحمة. (فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ)
(١١٧٦) التِّرْمِذِي (٤٧٨)، وَالنَّسَائِي في الكبرى (٣٣١) عنه فِیهِ.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ السُّئَنِ وَقَضَائِلَهَا
٥٧
بفتح الياء ويضم. (فِيْهَا) أي: في تلك الساعة. (عَمَلٌ صَالِحُ) أي: إلى السماء.
ويستشكل: بأن الملائكة الحفظة لا يصعدون إلا بعد صلاة العصر. وبعد صلاة
الصبح، ويبعد أن العمل يصعد قبل صعودهم، وقد يراد بالصعود: القبول، قاله
البيجوري. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في ((جامعه))، وفي ((شمائله)) وبوب له في ((جامعه))
باب: الصلاة عند الزوال، وأشار إلى حديث أبي أيوب المتقدم بقوله: وفي الباب
عن أبي أيوب. قال الترمذي: حديث عبد الله بن السائب حديث حسن غريب.
قلت: بل هو حديث صحيح متصل الإسناد رواته ثقات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣
ص٤١١).
١١٧٧ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((رَحِمَ اللَّهُ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وأبو داود] {حسن}
امْرَأَ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًّا)).
الشّرْجُ
١١٧٧ - قوله: (رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَ) أي: شخصًا. قال العراقي: يحتمل أن يكون
دعاء. وأن يكون خبرًا (صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا) أي: أربع ركعات تطوع العصر،
وهي من المستحبات. قال النووي في ((شرح المهذب)): إنها سنة، وإنما الخلاف
في المؤكد منه، وقال في ((شرح مسلم)): لا خلاف في استحبابها عند أصحابنا.
وممن كان يصليها أربعًا من الصحابة علي. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يصلون
أربعًا قبل العصر، ولا يرونها من السنة. وممن كان لا يصلي قبل العصر شيئًا سعيد
ابن المسيب والحسن البصري وسعيد بن منصور وقيس بن أبي حازم
وأبو الأحوص، انتهى. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ ص١١٧).
(والتِّرْمِذِيُّ) وحسنه. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، وأخرجه أيضًا الطيالسي
والبيهقي (ج٢ ص ٤٧٣) وابن حبان وصححه وكذا شيخه ابن خزيمة. وفيه: محمد
ابن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى، روى عن جده مسلم بن مهران عن ابن
عمر. قال الحافظ في ((التلخيص)): محمد بن مهران فيه مقال، لكن وثقه
(١١٧٧) أَحْمَد (٣/ ٤١١)، وَأَبُو دَاوُد (١٢٧١)، وَالتِّرْمِذِي (٤٣٠) عَنْهُ فِيهِ .

٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
mces
ابن حبان، انتهى. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال الدارقطني: بصري، روى
عن جده ولا بأس بهما. وقال الحافظ في ترجمة مسلم بن مهران: قال أبو زرعة:
ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وفي البابِ عن أم حبيبة عند أبي يعلى، وعن أم
سلمة عند الطبراني في ((الكبير))، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبراني
في ((الكبير)) الأوسط، وعن علي عند الطبراني في ((الأوسط))، ذكر هذه الأحاديث
الشوكاني في ((النيل))، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص٢٢٢)، والمنذري
في ((الترغيب)). واعلم أن الحافظ في ((الفتح)) والزرقاني في ((شرح الموطأ)) تبعًا
للحافظ قد نسبا حديث ابن عمر هذا إلى أبي هريرة.
قال الحافظ: قد ورد في الصلاة قبل العصر حديث لأبي هريرة مرفوع لفظه:
((رَحِمَ اللهُ امْرَأَ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا))، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي
وصححه ابن حبان، انتهى. وهو وهم منهما؛ لأن الحديث من مسند ابن عمر لا
أبي هريرة كما لا يخفى، نعم، أخرج أبو نعيم من حديث الحسن عن أبي هريرة
مرفوعًا: ((مَنْ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ غَفَرَ اللهُ رَكَ لَهُ مَغْفِرَةً عَزْمًا)). والحسن
لم يسمع من أبي هريرة. ذكره الشوكاني والعيني.
١١٧٨ - [١٣] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ
أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشَّرْجُ
١١٧٨ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) فيه دلیل
على استحباب أربع ركعات قبل العصر كالحديث السابق، ولا منافاة بينه وبين ما
يأتي بعد ذلك من حديث عَليٍّ أيضًا أنه وَّ كان يصلي قبل العصر ركعتين؛ لأن
المراد أنه وَ لّ أحيانًا يصلي أربع ركعات، وأحيانًا ركعتين، فالرجل مخير بين أن
يصلي أربعًا، أو ركعتين، والأربع أفضل. (يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ) أي: بين الركعتين
(١١٧٨) التِّرْمِذِي (٤٢٩) عَنْهُ فِيهِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّنَنِ وَقَضَائِلَهَا
٥٩
EXCE
الأوليين، والركعتين الأخيرتين. (بِالتَّسْلِيم) المراد به: تسليم التشهد دون تسلیم
التحلل من الصلاة كما سيأتي. (عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ) زاد الترمذي في رواية :
والنبيين والمرسلين. (وَمَنْ تَبِعَهُمْ) أي: النبيين والمرسلين. (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) بيان
لمن، أي: المنقادين ظاهرًا وباطنًا. (وَالْمُؤْمِنِينَ) المصدقين بقلوبهم المقرين
بألسنتهم، فلا فرق بينهما إلا في مفهوم اللغة دون عرف الشريعة، قاله القاري. قال
الترمذي: اختار إسحاق بن راهويه، أن لا يفصل في الأربع قبل العصر، واحتج
بهذا الحديث، وقال: معنى قوله: ((يفصل بينهن بالتسليم)) يعني: التشهد. وقال
البغوي: المراد بالتسليم: التشهد دون السلام. أي: وسمي تسليمًا على من ذكر
لاشتماله عليه. قال الطيبي: ويؤيده حديث عبد الله بن مسعود: كنا إذا صلينا قلنا:
السلام على اللَّه قبل عباده، السلام على جبريل، وكان ذلك في التشهد، انتهى.
وقيل: المراد به: تسليم التحلل من الصلاة، حمله على هذا من اختار أن صلاة
الليل والنهار مثنى مثنى. قال العراقي: حمل بعضهم هذا على أن المراد بالفصل
بالتسليم: التشهد؛ لأن فيه السلام على النبي وَّل، وعلى عباد الله الصالحين، قاله
إسحاق بن إبراهيم، فإنه كان يرى صلاة النهار أربعًا، قال: وفيما أوله عليه بعد،
انتهى كلام العراقي. قال الشيخ في ((شرح الترمذي)): ولا بُعد عندي فيما أوّله
عليه، بل هو الظاهر القريب بل هو المتعين، إذ النبيون والمرسلون لا يحضرون
الصلاة، حتى ينويهم المصلي بقوله: السلام عليكم، فكيف يراد بالتسليم: تسليم
التحلل من الصلاة؟ انتهى. قلت: ولقائل أن يقول: يكفي للخطاب بقوله: السلام
عليكم شهود الأنبياء والمرسلين، واستحضارهم في القلب، وتصورهم في
النفس، وإن لم يكونوا حاضرين في الخارج، فلا مانع من أن يراد بالتسليم: تسليم
التحلل من الصلاة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أي: من طريق أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة عن
علي في باب: ((ما جاء في الأربع قبل العصر))، وحسنه. ونسبه الحافظ في
((التلخيص)) لأحمد (ج ١ ص ٨٥) والبزار والنسائي أيضًا، وهو مختصر من حديث
طويل أخرجه الترمذي من الطريق المذكور في باب: كيف كان يتطوع النبي وَالم
بالنهار؟ وذكر هناك أنه روي عن ابن المبارك أنه كان يضعف هذا الحديث، وإنما
ضعفه عندنا - والله أعلم - من أجل عاصم بن ضمرة، وعاصم بن ضمرة ثقة عند
بعض أهل الحديث. وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد القطان: قال