Indexed OCR Text
Pages 1-20
ضْعَاء الْمُقَادّ
شَرَّحُ
مِشْكَاةِ المصانع
لِلعَلَامَةِ المَحْدِّث
أَفِي الْحَسَنْ عُبَيَدِ اللهِبنِ الْعَلَّمَةِ محمّد عَبْدِ السَّلَامُ الْبُّارَكَفُورِيّ
رحمَهُمَا الَّتَّمَالى
نَقْديم تَضِيَ الشَّيخ
الدّكتورِ وَضِيَّ اللَّهِ بْ مُحَمَّدٌ عَبَّاسِ صَفِظَهُ الله
المدرّس بالسِّجِالهَامِ وَالأَسْتَاء المُتَّارِ بَجَامِعَة أُم القُرى - بِمَّ الَكَرَّقَة
حقّقه وخرج أحاديثه
الشَّيْخُ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بِرْ مُحَمَّدْ أَمِّيَّنْ
عُمَّ اللَّه كَه وَكَوَالدَيْهِ
للجَلَّ الخَلِسُ
تَتْمَّةُ كِتَابِ الصَّلاَة
حَديث (١١٥٧ - ١٤٣٢)
قَدْاُ القَبِ النَّشِ والتّوزيع
شرّعَاء الْمَقَارّة
شَرَّحُ
مِشَكَاةِ المِصَايِع
المُجَلُّ الخَامِسُ
محمد سليمان أمين، ١٤٣٨ هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المباركفوري، عبيد الله محمد
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛
محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ
١٤ مج
ردمك ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٦ - ٨٧٧٠-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٥)
١- الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان
١٤٣٦/٧١٢٣
دیوي ٢٣٧،٢
رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣
ردمك: ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٦-٨٧٧٠-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٥)
جميع الحقوق محفوظة لِلمُحقّق والنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧م
حقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي
لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر.
صَف وَتصميم وَاخِرَاجُ
مَارُ الْقَبِسِ للنشروالتّوزيع
الرياض - المملكة العربية السعودية
شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز
ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥
جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨
darulqabas@yahoo.com
فرّغَاءُ المقاربة
شِرَحُ
مِشَكَاةِ المِصَاِح
لِلَعَلّامَةِ المُحدِّث
أَبِيِّ الْحَسِنْ عُبَيَدِ اللَّهِبْن الْعَلَّمَةِ مُحَدَ عَبْدِالسَّلَامِ المُبَّارَكِفُوْرِيّ
رَعَهُمَا اللَّه تَعَالى
تَقْيِم نَضِيَة الشّيخ
الدّكتور وَضِيّ اللّهِ بْنْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَةُ الله
المدرّس بالَجِرَامِ وَالأَسْتَذ المُشَارِ بَجَامِعَةٍ أُمّالحُرِى- بمكّة المكرَة
حقّه وخرّج أحاديثه
الشَّيِّخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَنْ مُحَمَّدْ أَمِّيْنْ
غَفَ اللّه لَوَكَوَلَدَيْهِ
المُجَلَّدُ الخَامِسَُ
تَتِمَّةُ كِتَابِ الصَّلَاة
حدیث (١١٥٧ - ١٤٣٢)
قرار القَلِ لنَشْرِوالتَوزِيعُ
5
٥
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
٢٩ - بَاب مَنْ صَلَّى صَلَاة مَرَّتَيْنِ
(بَاب مَنْ صَلَّى) أي: فيمن صلى. (صَلَاة مَرَّتَيْنٍ) أي: حقيقة، أو صورة وله
صور، والمقصود منها هاهنا بالنظر إلى أحاديث الباب هو: أن يصلي فريضة منفردًا
في منزله، أو في المسجد بالجماعة مأمومًا، ثم يذهب إلى مسجد الجماعة،
فيصلي بهم إمامًا أو معهم مأمومًا.
الفصل الأول
١١٥٧ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِّ ◌َ،
ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ.
[متفق عليه]
الشَّرْحُ
١١٥٧ - قوله (كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَل يُصَلَّ مَعَ النَّبِيِّ وَلَ) أي: العشاء الآخرة،
كما في رواية لمسلم: فكان العشاء، هي التي كان يواظب فيها على الصلاة مرتين.
(ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ) أي: مسجد قومه بني سلمة. (فَيُصَلَّي بِهِمْ) أي: الصلاة المذكورة،
ففي رواية مسلم المتقدمة: فيصلي بهم تلك الصلاة، أي: التي صلاها مع
النبي وَلّ، وللبخاري في الأدب: فيصلي بهم الصلاة، أي: المذكورة. وفي هذا
رد على من زعم، أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي ◌َّ، غير الصلاة التي كان
يصليها بقومه، واستدل به لما ذهب إليه الشافعي وأحمد، من صحة إقتداء
المفترض خلف المتنفل، بناء على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية
النفل .
(١١٥٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٧٠٠)، ومُسْلِم (١٨١ / ٤٦٥) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.
٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وأجاب بعض الحنفية: بأنه لا حجة فيه، لجواز أن يكون كان معاذ يصلي مع
النبي ◌َّ نافلة، ثم يأتي قومه، فيصلي بهم فريضة، ورد هذا الجواب: بأن الظاهر
من هذا الحديث، أن معاذًا كان يصلي مع النبي وَّ فريضة، إذ بعيد من فقاهة
معاذ، وهو أفقه الصحابة أن يدرك الفرض خلف أفضل الأئمة في مسجده، الذي
هو أفضل المساجد بعد المسجد الحرم، فيتركه ويضيع حظه منه، ويقنع من ذلك
بالنفل. قال السندي في ((حاشية النسائي)): دلالة هذا الحديث على جواز اقتداء
المفترض واضحة، والجواب عنه مشكل جدًّا، وأجابوا بما لا يتم، وقد بسطت
الكلام فيه في حاشية ابن الهمام، انتهى.
قلت: والرواية الآتية نص صريح، في صحة اقتداء المفترض خلف المتنفل،
وهي صحيحة، كما ستعرف، والحديث يدل: على جواز إعادة الصلاة بالجماعة
إمامًا، أو مأمومًا لمن صلى جماعة في مسجد، واختلف فيه. قال ابن رشيد: أكثر
الفقهاء على أنه لا يعيد، منهم مالك وأبو حنيفة. وقال بعضهم: يعيد، ومن قال:
بهذا أحمد وداود وأهل الظاهر، انتهى. قلت: وبه قال الشافعي، وهو الحق،
لحديث جابر هذا، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح الأحاديث المذكورة في
الباب. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب: إذا صلى ثم أم قومًا، وبمثله أخرجه
مسلم إلا أن فيه: ثم يأتي مسجد قومه. وللحديث طرق وألفاظ مطولة ومختصرة،
منها: ما تقدم في باب القراءة في الصلاة. وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم.
١١٥٨ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَّرِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ
يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمُ الْعِشَاءَ وُهَي لَهُ نَافِلَّةً ...
{صحیح}
الشّرْحُ
١١٥٨ - قوله: (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ) أي: بني سلمة. (فَيُصَلَّي بِهِمُ الْعِشَاءَ)
(١١٥٨) البَيْهَقِي (٨٦/٣) فِيهَا عَنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ الدَّارَقُطْني (٢٧٤/١).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٍ مَنْ صَلَى صَلَاة مَرَّتَيْنِ
٧
EXODE
أي: التي كان يصليها مع النبي ◌َّ، وفي رواية الحميدي عن ابن عيينة عن عمرو
ابن دينار: ثم يرجع إلى بني سلمة، فيصليها بهم. وفي رواية الشافعي عن ابن
عيينة: ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة، ولأحمد: ثم يرجع فيؤمنا. (وَهِي)
أي: صلاته بقومه. (لَهُ) أي: لمعاذ. (نَافِلَةً) أي: تطوع، ولقومه فريضة، ففي
رواية للدار قطني (ص ١٠٢): ثم ينصرف إلى قومه، فيصلي بهم، هي له تطوع،
ولهم فريضة، وهذه الزيادة المصرحة، أن صلاة معاذ بقومه كانت له تطوعًا، دليل
واضح على صحة اقتداء المفترض خلف المتنفل خلافًا للمالكية والحنفية. وأجاب
بعض الحنفية: بأن هذه الزيادة فيها كلام؛ لأنه تفرد بها ابن جريج عن عمرو بن
دينار. قال أحمد: أخشى أن لا تكون محفوظة. وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا
تصح. وقال الطحاوي: إن ابن عيينة قد روی هذا الحديث عن عمرو بن دينار كما
رواه ابن جريج، وجاء به تامًا، وساقه أحسن من سياق ابن جريج غير أنه لم يقل فيه
هذا الذي قاله ابن جريج: هي له تطوع ولهم فريضة، انتهى. قلت: الزيادة
المذكورة صحيحة ثابتة محفوظة، فإنها زيادة من ثقة حافظ، ليست منافية لرواية
من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا. وأما قول ابن الجوزي والطحاوي فقد رده الحافظ
أحسن رد، حيث قال: ويدل عليه - أى: على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض،
وبالثانية النفل، ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوى والدار قطني وغيرهم من
طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب، زاد هي له تطوع،
ولهم فريضة. وهو حديث صحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق
بسماعه فيه، فانتفت تهمة تدليسه. فقول ابن الجوزي: لا يصح، مردود. وتعليل
الطحاوي بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه
الزيادة، ليس بقادح؛ لأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عيينة وأقدم أخذًا عن عمرو
منه، ولو لم يكن كذلك، فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو
أحفظ منه، ولا أكثر عددًا، فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها، انتهى. ودعوى
شذوذ هذه الزيادة، كما تفوه بها بعضهم، باطلة جدًا، لأنه لا بد لكون الرواية شاذة
من أن تكون منافية لرواية، من هو أوثق من راويها، أو أكثر عددًا منه، والأمر
هاهنا ليس كذلك، كما هو ظاهر جلي.
وأجاب الطحاوي عن هذه الزيادة بوجوه: أحدها: أن هذه الزيادة ليست من
٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كلام رسول اللَّه وَ ل، ولا من كلام معاذ، وهذا ظاهر جدًّا، فيحتمل أن تكون من
قول ابن جريج أو من قول عمرو بن دينار، فعلى هذا تكون مدرجة، فلا تقبل. ومع
هذا لا تدل على حقيقة فعل معاذ أنه كذلك أم لا . وأجاب الحافظ عنه: بأن الأصل
عدم الإدراج، حتى يثبت التفصيل. فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه.
ومجرد الاحتمال لا يثبت به الإدراج. فرد هذه الزيادة بمجرد احتمال أن تكون
مدرجةً، باطل جدًّا.
وثانيها: أنه يحتمل أن تكون هذه الزيادة من قول جابر، فعلى هذا لا تكون
مدرجة، لكن لا تدل على حقيقة فعل معاذ أنه كذلك أم لا، لأنه لم يحك ذلك عن
معاذ، بل هو ظن من جابر. وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك. وأجاب
الحافظ عنه: بأن قول الطحاوي: هو ظن من جابر، مردود؛ لأن جابرًا كان ممن
يصلي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يظن بجابر أنه يخبر عن
شخص بأمر غير مشاهد، إلا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه.
وثالثها: أنه لو ثبت أن هذه الزيادة نقلها جابر عن معاذ وسمعها منه لم يكن في
ذلك دليل على أنه كان بأمر رسول اللّه وَ له، ولا أن رسول اللَّه ◌َل لو أخبره به لأقره
أو غيره، فعلى هذا لا تكون فيها حجة. وأجاب الحافظ عنه: بأنهم لا يختلفون في
أن رأي الصحابي، إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان
يصلي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عقبيًا، وأربعون بدريًا، قاله ابن
حزم، قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم:
بالجواز عمر وابن عمر وأبوالدرداء وأنس وغيرهم، انتهى. قلت: ويمكن أن
يجاب: بأن النبي ◌َّ- علم بذلك، وأمر معاذًّاً به. ففي رواية لأحمد أنه قال لمعاذ:
((لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك))، يعني: إما تصلي معي
إذا لم تخفف، وإما أن تخفف بقومك فتصلي معي.
ورابعها: أنه لو سلم أن ذلك كان من أمر رسول اللَّه ◌َلّ وإذنه لم يكن فيه حجة،
لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تصلى مرتين، فإن ذلك
قد كان يفعل في أول الإسلام، حتى نهى عنه رسول اللّه وَالَّل، كما سيأتي في حديث
سليمان عن ابن عمر في آخر الفصل الثالث، يعني: فيكون فعل معاذ منسوخًا بما
كِتَابُ الصَّلَاةِ
**=
بَاب مَنْ صَلَّى صَلَاة مَرَتَیْنِ
٩
MEE
ONE *
HOMEE
روي من النهي. وتعقب ذلك: بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا
يسوغ. وأما حديث ابن عمر ففي الاستدلال به على تقدير صحته نظر، لاحتمال أن
يكون النهي عن أن يصلوا مرتين على أنهما فريضة. وبذلك جزم البيهقي جمعًا بين
الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ لم يكن بعيدًا. ولا
يقال: إن القصة قديمة؛ لأن صاحبها استشهد بأحد. لأنا نقول: كانت أحد في
أواخر الثالثة، فلا مانع من أن يكون النهي في الأولى، والإذن في الثالثة مثلًا، وقد
قال رَّ للرجلين الذين لم يصليا معه: ((إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِ حَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ
جَمَاعَةٍ ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ))، وكان ذلك في حجة الوداع في أواخر حياة
النبي ◌َّله. ويدل على الجواز أيضًا أمره ◌َله لمن أدرك الأئمة الذين يأتون
بعده، ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها، أن صلوها في بيوتكم في الوقت، ثم اجعلوها
معهم نافلة.
(رَوَاهُ) بيّض له المصنف؛ ليبين راويه ومخرجه، وكان ينبغي تأخيره للفصل
الثاني، لأنه ليس في ((الصحيحين))، ولا في أحدهما، ولا في واحد من الكتب
الستة، وإنما رواه البيهقي. (ج ٣ ص٨٦) وغيره. وقد تقدم في كلام الحافظ أنه
رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدار قطني وغيرهم. وكأن المصنف ذكره
في الفصل الأول تبعًا لما في ((المصابيح))، وكان على البغوي أن يؤخره للحسان.
قال الطيبي: لم يبين المؤلف راويه من أصحاب السنن، يشير إلى أنه ما وجده
في ((الصحيحين)). قال التوربشتي: هذا الحديث أثبت في ((المصابيح)) من
طريقين: أما الأول: فقد رواه الشيخان، وأما الثاني: بالزيادة التي فيه، وهي
قوله: ((نافلة له))، فلم نجده في أحد الكتابين، فإما أن يكون المؤلف أورده بيانًا
للحديث الأول، فخفي قصده لإهمال التمييز بينهما أو هو سهو منه، وإما أن يكون
مزيدًا من خائض افتحم به الفضول إلى مهامه لم يعرف طرقها، انتهى. والحديث
مع هذه الزيادة صححه البيهقي وغيره. وقال الشافعي في ((مسنده)): هذه زيادة
صحيحة. وتقدم قول الحافظ : أنه حديث صحيح.
١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١١٥٩ - [٣] عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِّ وَلِّ حَجَّتَهُ،
فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْحَرَفَ،
فَإِذَا هُو بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، قَالَ: ((عَلَيَّ بِهِمَا)) فَجِيءَ بِهِمَا
تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: ((مَا مَنَعَّكُمَا أَنْ تُصَلَِّا مَعَنَا؟)) فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا
كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِ حَالِنَا، قَالَ: (فَلَ تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِ حَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا
مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١١٥٩ - قوله. (عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ) هو أبو جابر يزيد بن الأسود، ويقال:
ابن أبي الأسود السوائي - بضم المهملة وتخفيف الواو والمد - العامري، ويقال:
الخزاعي، حليف قريش، صحابي نزل الطائف، ووهم من ذكره في الكوفيين. له
هذا الحديث فقط، وروى عنه ابنه جابر بن يزيد الأسود. (شَهِدْتُ) أي: حضرت.
أي: حجة الوداع. صَلَاةَ الصُّبْحِ) فيه رد على من زعم من
(مَعَ النَّبِيِّ }.
الحنفية، بأن هذه القصة كانت في صلاة الظهر. وأما ما وقع في ((مسند أبي حنيفة))
بلفظ: ((أن رجلين صليا الظهر في بيوتهما ... ))، الحديث، فلا يعتد به، أو هي
قصة أخرى. (فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ) بفتح الخاء المعجمة وإسكان الياء، وهو مسجد
مشهور بمنى. قال الطيبي: الخيف ما انحدر من غليظ الجبل. وارتفع عن
المسيل، يعني: هذا وجه تسميته به. ﴿فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي: أداها وسلم منها.
(وَانْحَرَفَ) وفي بعض نسخ الترمذي: ((انْحَرَفَ)) بدون الواو، وهكذا نقله الجزرى
في ((جامع الأصول)). (ج ٦ ص٤١٩) ووقع عند البيهقي. (ج٢ ص ٣٠١):
(١١٥٩) الترمذي (٢١٩)، وأبو داود (٥٧٥)، والنَّسَائِي (٢ / ١١٢) فِي الصلاةِ مِنْ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ
لأَسْوِدٍ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابٍ مَنْ صَلَّى صَلَاة مَرَّتَيْنِ
وانحرف بزيادة الواو أي: انصرف عنها، والظاهر أن المعنى: انحرف عن القبلة.
(فَإِذَا هُوَ) أي: النبي ◌ََّ، (بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْم) كذا في جميع النسخ، أي:
بالمد في أوله وكسر الخاء. والذي في الترمذي: ((أخرى القوم))، أي: بضم
الهمزة تأنيث آخر بكسر الخاء، ونقله الجزري كذلك. وأخرى القوم من كان في
آخرهم، كما في ((القاموس)). (عَلَيَّ) بتشديد الياء، اسم فعل. (بِهِمَا) أي: ائتوني
بهما، واحضروهما عندي. (تُرْعَدُ) بالبناء للمجهول أي : تحرك وترجف وتضطرب
من الخوف من أُرعد الرجل إذا أخذته الرعدة، وهي الفزع والاضطراب.
(فَرَائِصُهُمَا) بالصاد المهملة جمع فريصة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف،
تهتز وترجف عند الفزع، أي: تتحرك وتضطرب. ووجه ارتعاد فرائصهما ما أعطي
رسول اللّه ◌َله من العظمة والمهابة مع كثرة تواضعه. (فَقَالَ) أي: رسول اللَّه ◌َهُ.
(مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيًا) هذه الصلاة. (مَعَنَا) معشر المسلمين. (فِي رِ حَالِنَا) أي:
منازلنا، جمع رحل بفتح الراء وسكون المهملة. (فَلَا تَفْعَلَا) أي: ما فعلتما من ترك
الصلاة مع الإِمامِ بل (إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ) لفظ
أبي داود: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَلْيُصَلِّ مَعَهُ)).
ولفظ ابن حبان: ((إِذَا صَلَّيْتُمَا فِيْ رِ حَالِكُمَا، ثُمَّ أَدْرَكْتُمَا الصَّلَاةَ فَصَلِّيَا)).
قال الشوكاني: ظاهر التقييد بقوله: ((ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ))، إن هذا الحكم
مختص بالجماعات التي تقام في المساجد لا التي تقام في غيرها، فيحمل المطلق
من ألفاظ حديث الباب، كلفظ أبي داود وابن حبان المتقدمين على المقيد بمسجد
الجماعة. (فَصَلَِّا مَعَهُمْ) أي: مع أهل المسجد. (فَإِنَّهَا) أي: الصلاة الثانية، وهي
التي صلياها مع أهل المسجد بعد صلاتهما الفريضة. (لَكُمَا نَافِلَةٌ) والفريضة هي
الأولى، سواء صليت جماعة أو فرادى لإطلاق الخبر. قال الشوكاني: فيه تصريح
بأن الثانية في الصلاة المعادة نافلة. وظاهره: عدم الفرق بين أن تكون الأولى
جماعة أو فرادى؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في
المقال. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص١٦٤): في الحديث من الفقه أن من
صلى في رحله، ثم صادف جماعة يصلون كان عليه أن يصلي معهم أي صلاةٍ كانت
من الصلوات الخمس، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق. وكان مالك يكره
أن يعيد صلاة المغرب، وكان أبو حنيفة لا يرى أن يعيد صلاة العصر والمغرب
١٢
#1
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والفجر، انتهى. قال ابن رشد: من استثنى من ذلك صلاة المغرب فقط، فإنه
خصص العموم بقياس الشبه وهو مالك، وذلك أنه زعم أن صلاة المغرب وتر، فلو
أعيدت لأشبهت صلاة الشفع؛ لأنها بمجموع ذلك تكون ست ركعات، فكأنها
تنتقل من جنسها إلى جنس صلاة أخرى. وهذا القياس فيه ضعف؛ لأن السلام قد
فصل بين الأوتار، انتهى. وعلل الحنفية استثناء العصر والفجر والمغرب، بأن
الصلاة الأولى فرض، والثانية نفل، قالوا: فيراعى فيه ما يراعى في التنفل،
كالمنع من التطوع بعد فرض العصر والصبح، وعدم مشروعية التطوع وترًا.
قال الخطابي: وظاهر الحديث حجة على الجماعة من منع عن شيء من
الصلوات كلها، ألا تراه يقول: إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الإمام ولم
يصل، فليصل معه، ولم يستثن صلاة دون صلاة، فأما نهيه عن الصلاة بعد
الصبح، حتى تطلع الشمس، وبعد العصر، حتى تغرب، فقد تأولوه على وجهين:
أحدهما: أن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداء من غير سبب. فأما إذا كان لها
سبب مثل أن يصادف قومًا يصلون جماعة، فإنه يعيدها معهم؛ ليحرز الفضيلة.
والوجه الآخر: أنه منسوخ، وذلك أن حديث يزيد بن الأسود متأخر؛ لأن في قصته
أنه شهد مع رسول اللّه وَل حجة الوداع ... ثم ذكر الحديث. وفي قوله: ((فَإِنَّهَا
نَافِلَةٌ)» دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها
سبب، انتهى. وقال السندي في ((حاشية النسائي)): قوله: ((فَصَلَّيَا مَعَهُمْ))، هذا
تصريح في عموم الحكم أوقات الكراهة أيضًا، ومانع عن تخصيص الحكم بغير
أوقات الكراهة؛ لاتفاقهم على أنه لا يصح استثناء المورد من العموم، والمورد
صلاة الفجر. قال: ولا يمكن أن يتوهم نسخ هذا الحكم؛ لكون ذلك في حجة
الوداع. قلت: الحديث نص في رد ما قاله أبو حنيفة؛ للتصريح بأن ذلك كان في
صلاة الصبح، فيكون هذا مخصصًا لعموم الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد
صلاة الصبح. ومن جوز التخصيص بالقياس ألحق ما ساواه من أوقات الكراهة.
وأما التنفل بالثلاث غير صلاة الوتر، فالظاهر: أنه يشرع في مثل هذه الصورة؛
لإطلاق حديث يزيد هذا وما وافقه من أحاديث الباب، ولا يعارض هذا حديث ابن
عمر الآتي بلفظ: ((لَا تُصَلَّوا صَلَاَةً فِي يَوْمِ مَرَّتَيْنٍ)) لما سنذكره. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدُ وَالنَّسائِيُّ) واللفظ المذكور للترمدَّي، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص١٦٠)
١٣
بَاب مَنْ صَلّ صَلَاة مَرَّتَيْنِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
**
Her
والطيالسي وابن سعد في ((الطبقات)) وابن حبان والدارقطني والحاكم (ج١
ص٢٤٥) والبيهقي (ج٢ ص ٣٠٠ - ٣٠١)، وصححه ابن السكن والترمذي،
وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره، وقد أخرجوه كلهم
من طريق يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه، قال الشافعي في
القدیم: إسناده مجهول. قال البيهقي: لأن یزید بن الأسود ليس له راو غير ابنه،
ولا لابنه جابر راو غير يعلى.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٢٢): يعلى من رجال مسلم، وجابر وثقه
النسائي وغيره، وقد وجدنا لجابر بن يزيد راويًا غير يعلى، أخرجه ابن منده في
((المعرفة)) من طريق شيبة عن إبراهيم بن أبي أمامة عن عبد الملك بن عمير عن
جابر .
١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١١٦٠ - [٤] وَعَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَلَ فَأَذِّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ فَصَلَّى، وَرَجْعَ، وَمِخَّجَنٌ
فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ، أَلَسْتَ
بِرَجُلٍ مُسْلِم؟)) فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي،
فَقَالَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا جِئْتَ الْمَسْجِدَ، وَكُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ، فَأَقِيمَتِ
الصَّلَاةُ، فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ)). [رَوَاهُ مَالِكٌ والنَّسَائِيُّ] (صحيح}
الشَّرْجُ
١١٦٠ - قوله: (عَنْ بُسْرٍ) بضم الموحدة وسكون المهملة، كذا قال مالك
في روايته عن زيد بن أسلم. وأما الثوري فقال: عن زيد بن أسلم عن بشر بكسر
الموحدة وبالمعجمة. قال أبو نعيم: والصواب ما قال مالك. وقال ابن عبد البر:
الأكثر على ما قال مالك. ونقل الدار قطني أن الثورى رجع عن ذلك. وقال ابن
عبد البر: إن عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني رواه عن زيد بن أسلم، فقال:
بشر بن محجن بالمعجمة. وقال الطحاوي: سمعت إبراهيم البرلسي يقول:
سمعت أحمد بن صالح بجامع مصر يقول: سمعت جماعة من ولده ومن رهطه،
فما اختلف اثنان أنه بشر، كما قال الثوري، يعني: بالمعجمة. وقال ابن حبان في
((الثقات)): من قال: بشر فقد وَهِمَ، روى عنه زيد بن أسلم حديثًا واحدًا. قيل
صحابي، والصواب: أنه تابعي. ذكره الحافظ في ((الإصابة)) في القسم الرابع من
حرف الباء، وهو فيمن ذكر في الصحابة على سبيل الوهم والغلط بشرط أن يكون
الوهم فيه بينًا، فقال: بسر بالضم وإسكان المهملة تابعي مشهور، جزم بذلك
البخاري والجمهور. ذكره البغوي وغيره في الصحابة لرواية سقط فيها لفظ عن
(١١٦٠) مَالِك، وَالنَّسَائِي (١١٢/٢) في الصَّلاة عنه.
١٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب مَنْ صَلَى صَلَاة مَرَّتَيْنِ
أبيه، وسنذكرها، وقال ابن الأثير في ((أسد الغابة)): لا تصح صحبته، تصح صحبة
أبيه محجن.
وقال في ((التقريب)): بسر بن محجن. وقيل: بكسر أوله والمعجمة، صدوق من
الرابعة، أي: من الطبقة التي تلي الطبقة الوسطى من التابعين، جل روايتهم عن
كبار التابعين. (بْنِ مِحْجَنٍ) بكسر الميم وسكون مهملة وفتح جيم آخره نون. (عَنْ
أَبِيهِ) أي: محجن بن أبي محجن الديلى، صحابي قليل الحديث. قال ابن
عبد البر: معدود في أهل المدينة. قال الذهبي في ((تلخيصه للمستدرك)) (ج١
ص٢٤٤): محجن تفرد عنه ابنه، انتهى. ووهم من قال فيه: محجن بن الأدرع،
كما في ((المنتقى)) لابن تيمية، فإنه صحابي آخر. (أَنَّهُ) أي: أباه. (كَانَ فِي مَجْلِسٍ)
أي: داخل المسجد. (فَأَذِّنَ) بصيغة المفعول. (بِالصَّلَاةِ) قيل: أي: بصلاة الظهر،
لما أخرج البغوي وغيره من طريق ابن إسحاق، عن عمران بن أبي أنس، عن حنظلة
ابن علي عن بسر بن محجن، قال: ((صليت الظهر في منزلي، ثم خرجت بإبل لی
لأضربها، فمررت برسول اللّه وَ له وهو يصلي الظهر في مسجده ... الحديث،
ذكره الحافظ في ((الإصابة)). وقال: قد سقط من الإسناد قوله: ((عَنْ أَبِيهِ))،
وأخرجه الطحاوي من طريق سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم بلفظ: ((صليت في
بيتي الظهر أو العصر ... )) الحديث. وذكر ابن الأثير الجزري في ((أسد الغابة))
حديث بسر هذا بلفظ: ((صلاة الظهر)). وروى أحمد عن رجل من بني الديل، قال:
(خرجت بأباعر لي، لأصدرها إلى الراعي، فمررت برسول اللّه وَّةٍ، وهو يصلي
بالناس الظهر، فمضيت، فلم أصل معه ... )) الحديث. (فَصَلَّى) أي: بعد
الإقامة. (وَرَجَعَ) وفي ((الموطأ))، وكذا عند النسائي: (ثُمَّ رَجَعَ)) أي: بعد الفراغ
من الصلاة. (وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ) أي: مكانه الأول لم يتحرك منه. (مَا مَنَعَكَ أَنْ
تُصَلَِّ مَعَ النَّاسِ) أي: جماعة المسلمين الذين صلوا معي. (أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِم؟)
قال الباجي: يحتمل الاستفهام، ويحتمل التوبيخ، وهو الأظهر. ولا يقتضَّي أنّمن
لمٍ يصل مع الناسٍ ليس بمسلم، إذ هذا لا يقوله أحد، انتهى. (فقال: بَلَى يَا رَسُولَ
اللّهِ) أنا مسلم حقًّا. (وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ) وفي ((الموطأ)): و((لكني قد صليت))
أي: بدون لفظ: ((كنت)) (فِي أَهْلِي) يعني: ما تركت الصلاة، وإنما اكتفيت
بصلاتي في أهلي. ولعله سمع قبل ذلك قوله: ((لَا تُصَلّوا صَلَاةً فِي يَوْمِ مَرَّتَيْنٍ))،
١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
(إِذَا جِئْتَ الْمَسْجِدَ، وَكُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ)، ولفظ
((الموطأ)) والنسائي: ((إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ)). ولفظ الكتاب لم أجده إلا في
((جامع الأصول)). وقد نسبه إلى ((الموطأ)) والنسائي. وزاد أحمد في رواية له:
(وَاجْعَلْهَا نَافِلَةً)). (وَإِنْ) وصلية أي: ولو. (ِكُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ) أي: في أهلك. قال
الطيبي: تكرير تقرير لقوله: ((وَكُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ))، وتحسين للكلام، كما في قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوْءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ
فقوله: ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمُ﴾، خبر لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ
رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمُ ◌َ
لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوْءَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾؛ تكرير للتقرير والتحسين،
انتهى. والحديث بعمومه وإطلاقه يدل على مشروعية الصلاة مع الإمام إذا وجده
يصلي، أو سيصلي أيَّ صلاةٍ كانت من الصلوات الخمس، لمن كان قد صلى
جماعه أو فرادى، والأولى هي الفريضة، والأخرى نافلة، كما صرح به في رواية
لأحمد.
(رَوَاهُ مَالِك) عن زيد بن أسلم، عن بسر عن أبيه محجن، والنسائي من طريق
مالك، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ ص٣٤) من طريق الثوري، ومالك عن زيد بن
أسلم. ونسبه الحافظ في ((الإصابة)) للبخاري في ((الأدب المفرد))، وابن خزيمة،
ونسبه أيضًا في ((التلخيص)) لابن حبان والحاكم. وأخرجه أيضًا الطحاوي
والدارقطني والدارمي والبيهقي (ج٢ ص ٣٠٠)، وهو في ((المستدرك)) (ج١
ص٢٤٤). من طريق مالك ومن طريق الشافعي عن عبد العزيز بن محمد عن زيد
ابن أسلم، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح، ومالك بن أنس الحكم في حديث
المدنيين، وقد احتج به في ((الموطأ»، وهو من النوع الذي قدمت ذكره أن
الصحابي إذا لم يكن له راويان لم يخرجاه، انتهى.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب مَنْ صَلَّى صَلَاة مَرَّتَيْنِ
١٧
EX1BE
١١٦١ - [٥] وَعَنْ رَجُل مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ
الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: يُصَلِّي أَحَدُنَا فِي مَنْزِلِهِ الصَّلََّةَ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ، وَتُقَامُ
الصَّلَاةُ فَأَصَلِّي مَعَهُمْ، فَأَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَأَلْنَا
عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((فَذَلِكَ لَهُ سَهْمُ جَمْع)). [رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١١٦١ - قوله. (عَنْ رَجُلِ مِنْ أَسَدِ) كذا في جميع النسخ. وكذلك نقله
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج ٦ ص٤٢٠). وهكذا وقع في رواية للبيهقي وفي
((الموطأ)) و((أبي داود)): من بني أسد. وهذا الرجل مجهول، لم يسم ولم يدر. (أَنَّهُ
سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ) النجاري الخزرجي البدري من كبار الصحابة. (قَالَ)
أي: الرجل السائل، وهذا بيان للسؤال. (يُصَلِّي أَحَدُنَا فِي مَنْزِلِهِ الصَّلَاةَ) أي:
المكتوبة. (وَتُقَامُ) وفي بعض النسخ: فتقام. (فَأَصَلَّ مَعَهُمْ) أي: مرة أخرى بعد
ما صليت في منزلي.
قال الطيبي: فيه التفات من الغيبة إلى الحكاية على سبيل التجريد؛ لأن الأصل
أن يقال: أصلي في منزلي بدل قوله: ((يُصَلَّي أَحَدُنَا))، انتهى. قال القاري:
والأظهر كان الأصل أن يقال: فيصلي معهم فالتفت، وكذا قوله. (فَأَجِدَ فِي نَفْسِي)
ولفظ ((الموطأ)): ((فقال: إني أصلي في بيتي، ثم آتي المسجد فأجد الإمام يصلي،
أفأصلي معه؟)). (شَيْئًا) أي: شبهة. (مِنْ ذَلِكَ) أي: من إعادة الصلاة. (سَأَلْنَا عَنْ
ذَلِكَ) قال الطيبي: المشار إليه بذلك، هو المشار إليه بذلك الأول والثالث - أي:
الآتي - وهو ما كان يفعله الرجل من إعادة الصلاة بالجماعة بعد ما صلاها منفردًا،
انتهى. (قَالَ) وفي بعض النسخ: ((فقال)) موافقًا لما في ((أبي داود)) و((جامع
الأصول)). (فَذَلِكَ) الظاهر أن المشار إليه هنا هو الرجل خلاف ما ذكره الطيبي،
أي: فذلك الرجل الذي أعاد الصلاة بالجماعة.
-
(١١٦١) مَالِك (١١)، والنَّسَائِي في الصَّلاة عنه فيها.
١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(لَهُ سَهْمُ جَمْع) أي: نصيب من ثواب الجماعة. وقال الخطابي في ((المعالم))
(ج١ ص١٦٥): يريد أنه سهم من الخير، جمع له فيه حظان. وفيه وجه آخر. قال
الأخفش: سهم جمع، يريد سهم الجيش. وسهم الجيش هو السهم من الغنيمة،
قال: والجمع هاهنا هو الجيش، واستدل بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ﴾ ،
وبقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾، وبقوله: ﴿فَلَمَّا تَرَّءَا الْجَمْعَانِ﴾، وقال ابن عبد البر: له أجر
الغازي في سبيل لله. وقال الباجي: يحتمل عندي أن ثوابه مثل ثواب الجماعة،
ويحتمل: مثل سهم من يبيت بالمزدلفة في الحج؛ لأن جمع اسم المزدلفة،
ويحتمل أن له سهم الجمع بين الصلاتين؛ صلاة الفذ والجماعة، فيكون فيه
الإخبار بأنه لا يضيع له أجر الصلاتين، انتهى.
قال الطيبي: قوله: ((فَأَجِدَ فِي نَفْسِي)»، أي: أجد في نفسي من فعل ذلك حزازة،
هل ذلك لي أو علي؟ فقيل له: سهم الجمع، أي: ذلك لك لا عليك، ويجوز أن
يكون المعنى: إني أجد من فعل ذلك روحًا أو راحة، فقيل: ذلك الروح نصيبك
من صلاة الجماعة، والأول أوجه، انتهى. (رَوَاهَ مَالِك وَأَبُو دَاودَ) الحديث عند
مالك موقوف، وعند أبي داود مرفوع. وكلام المصنف هذا يدل على أنه مرفوع
عندهما جميعًا، فكان ينبغي له أن يقول: رواه مالك موقوفًا، وأبو داود مرفوعًا، أو
يقول: رواه أبو داود، ورواه مالك موقوفًا، ورواه البيهقي (ج٢ ص ٣٠٠) مرفوعًا
من طريق أبي داود، وموقوفًا من طريق مالك. والحديث في سنده رجل مجهول،
كما تقدم.
١٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب مَنْ صَلَّى صَلَاة مَرَّتَيْنِ
١١٦٢ - [٦] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللّهِ مَلّهِ وَهُو فِى
الصَّلَاةِ، فَجَلَسْتُ وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمَّ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ عَه
رَآنِي جَالِسًا، فَقَالَ: ((أَلَمْ تُسْلِمْ يَا يَزِيْدُ؟)) قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ
أَسْلَمْتُ، قَالَ: ((وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ؟)) قَالَ: إِنِّي كُنْتُ
قَدْ صَلَّيْتُ فِي مَنْزِي، أَحْسَبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ، فَقَالَ: ((إِذَا جِئْتَ الصَّلَاةَ،
فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَلُّ مَعَهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً وَهَذِهِ
مَكْتُوبَةٌ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشّرْحُ
١١٦٢ - قوله: (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ) بن الأسود العامري أبو حاجز السوائي.
قال في ((التقريب)): صحابي، له حديث، يعني: هذا الحديث. وقال في
((الإصابة)): قال أبوحاتم: له صحبة، روى عن النبي وَّر في الصلاة. أخرجه
أبو داود من طريق نوح بن صعصعة عنه. ثم أخرجه الطبراني من هذا الوجه، وكان
شهد حنينًا مع المشركين، ثم أسلم. (جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَ ◌ّهِ وَهُو فِي الصَّلَاةِ) وفي
أبي داود: جئت والنبي ◌َّ في الصلاة أي: مع الجماعة. ولفظ ((المشكاة)) موافق
لما في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص٤٢٠). (فَجَلَسْتُ) أي: في ناحية من المسجد
منفردًا عن الصف. (وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ) أي: مع المصلين. (فِي الصَّلَاةِ) يعني: إذا
كنت قد صليت. (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ) أي: عن الصلاة، وانحرف عن
القبلة. (رَآنِي جَالِسًا) وفي أبي داود: قال: فانصرف علينا رسول اللَّه وَِّ، فرأى
يزيد جالسًا، أي: على غير هيئة الصلاة، أو على حدة من الصف. ولفظ
((المشكاة) موافق لما في ((جامع الأصول)). (أَلَمْ تُسْلِمْ) الهمزة للاستفهام أي: أما
أسلمت؟ (قُلْتُ) وفي بعض النسخ: ((فقلت)) وفي أبي داود: قال أي: يزيد. (وَمَا
مَنَعَكَ) وفي أبي داود: (فَمَا مَنَّعَكَ))، (أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ؟)، فإنه من
علامة الإسلام. (قَالَ) أي: يزيد. (إِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي أَحْسَبُ) حال من
(١١٦٢) أَبُو دَاوُد (٥٧٧) رَضِيْنَهُ فيها .