Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في التقدم، وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه، (رَوَاهُ أبو داود) وسكت عنه.
(والتِّرْمِذِي) وقال: حديث حسن. وفي بعض نسخ الترمذي: حديث حسن
صحيح. ويؤيد الأول ما نقله المنذري والشوكاني عن الترمذي من التحسين فقط،
ويفهم ذلك من قول الحافظ في التهذيب في ترجمة أبي عطية، أن ابن خزيمة
صحح حديثه، فلو كان التصحيح عنده في نسخة الترمذي لأشار إليه، وإنما حسن
الترمذي هذا الحديث، مع أن في سنده أبا عطية، وهو مجهول، كما قال الذهبي
وأبوحاتم وابن المديني وأبو الحسن القطان؛ لأن له شواهد، والترمذي قد يحسن
الحديث الضعيف لشواهده.
وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي بعد قول أبي حاتم وغيره: ولكن
تصحيح ابن خزيمة حديثه، وتحسين الترمذي أو تصحيحه إياه يجعله من
المستورين المقبولي الرواية، ولحديثه شواهد. يشير إلى ما تقدم من حديث أبي
مسعود عند أبي داود بلفظ: ((وَلَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ))، ومن حديث أبي مسعود عند
الطبراني، وحديث عبد الله بن حنظلة عند البزار والطبراني، وقد ذكرنا لفظهما في
شرح حديث أبي مسعود. (والنسائي) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣ ص٤٣٦ - ٤٣٧ و
ج٥ ص٥٣) والبيهقي (ج٣ ص١٢٦). (إِلَّا أَنَّهُ) أي: النسائي. (اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ
النَّبِّ ◌َّهِ﴾ أي: قوله، وهو: ((إِذَا زَارَ أَحَدُكُمْ قَوْمًا فَلاَ يُصَلَّیَنَّ بِهِمْ))، ولم يذكر صدر
الحديث. واللفظ المذكور في الكتاب لأبي داود إلا قوله: ((يَتَحَدَّثُ فَحَضَرَتْ
الصَّلاَةُ يَوْمًا))، فإنه للترمذي، ولفظ أبي داود: ((إِلَى مُصَلَّانَا هَذَا فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) .
١١٢٧ - [٥] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ ابْنَ أُمَّ مَكْتُوم
يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُو أَعْمَى.
[رَواهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشَّرْئُ
١١٢٧ - قوله: (اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُوم) أي : أقامه مقام نفسه
في مسجد المدينة، حين خرج إلى الغزو. (يَؤُمُّ النَّاسَ)ً قال القاري: هو بيان
(١١٢٧) أَبُو دَاوُد (٥٩٥) عَنْهُ فِيهَا .

٥٨١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
للاستخلاف. وقال ابن حجر: أي استخلافًا عامًّا على المدينة مرتين على ما روي،
وخاصًّا بكونه يؤم الناس. وقال الأمير اليماني: المراد: استخلافه في الصلاة
وغيرها، وقد أخرجه الطبراني بلفظ: ((فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا))، وإسناده حسن. وقد
عدت مرات الاستخلاف له، فبلغت ثلاث عشرة مرة، ذكره في ((الخلاصة)) (وَهُوَ
أَعْمَى) قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((أشعة اللمعات)): فيه دليل على جواز
إمامة الأعمى من غير كراهة في ذلك. وقال ابن حجر: فيه جواز إمامة الأعمى.
ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في أنه أولى من البصير أو عكسه.
قال الشوكاني: قد صرح أبوإسحاق المروزي والغزالى، بأن إمامة الأعمى
أفضل من إمامة البصير؛ لأنه أكثر خشوعًا من البصير، لما في البصير من شغل
القلب بالمبصرات. ورجح البعض أن إمامة البصير أولى؛ لأنه أشد تَوَقِّيًا
للنجاسة. والذي فهمه الماوردي من نص الشافعي، أن إمامة الأعمى، والبصير،
سواء في عدم الكراهية؛ لأن في كل منهما فضيلة غير أن إمامة البصير أفضل؛ لأن
أكثر من جعله النبي وَّ إمامًا البصراء. وأما استنابته بَ لّ لابن أم مكتوم في غزواته
فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من المؤمنين إلا معذور. فلعله لم يكن في البصراء
المتخلفين من يقوم مقامه، أو لم يتفرغ لذلك، أو استخلفه لبيان الجواز. وأما
إمامة عتبان بن مالك لقومه، أي: مع كونه ضرير البصر، فلعله أيضًا لم يكن في
قومه من هو في مثل حاله من البصراء - انتهى كلام الشوكاني.
وقال في ((البدائع)) بعد التصريح بجواز إمامة الأعمى ما لفظه: والأعمى يوجهه
غيره إلى القبلة، فيصير في أمر القبلة مقتديًا بغيره، وربما يميل في خلال الصلاة عن
القبلة، ولأنه لا يمكنه التوقي عن النجاسة، فكان البصير أولى، إلا إذا كان في
الفضل لا يوازيه في مسجده غيره، فحينئذٍ يكون أولى، ولذا استخلف النبي وَّ ابن
أم مكتوم، انتهى. وقال ابن الملك: كراهة إمامة الأعمى، إنما هي إذا كان في
القوم سليم أعلم منه، أو مساو له علمًا، انتهى. قال التوربشتي: استخلف ابن أم
مكتوم على الإمامة حين خرج إلى تبوك مع أن عليًّا رَضَِّهُ فيها؛ لئلا يشغله شاغل عن
القيام بحفظ من يستخلفه من الأهل، حذرًا أن ينالهم عدو بمكروه. وقال ابن حجر:
يمكن أن يوجه، بأنه لو استخلفه في ذلك أيضًا، لوجد الطاعن في خلافة الصديق
سبيلًا وإن ضعف. (رَوَاهُ أبو داود) وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي (ج٣ ص٨٨)

٥٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixe
وسكت عنه أبو داود والمنذري، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، وأبويعلى
والطبراني في (الأوسط)) عن عائشة. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص ٦٥)
بعد عزوه إلى أبي يعلى والطبراني: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وأخرجه
أيضًا البزار والطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عباس. قال الهيثمي: وفيه عفير بن
معدان، وهو ضعيف، وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الكبير)) من حديث عبد الله ابن
بحينة. قال الهيثمي: وفيه الواقدي، وهو ضعيف. وفي الباب عن عبد الله بن عمير
- إمام بني خطمة - أنه كان إمامًا لبني خطمة على عهد رسول اللّه ◌َله، وهو أعمى.
قال الشوكاني: أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده وابن أبي خثيمة. وقال
الهيثمي: رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله رجال الصحيح.
١١٢٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: («ثَلَاثَةٌ لَا
تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآَبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا
سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {حسن}
الشَّرْخُ
١١٢٨ - قوله: (ثَلَاثَةٌ) أي: أشخاص. (لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ) جمع
الأذن الجارحة، أي: لا ترتفع إلى السماء، كما في حديث ابن عباس الآتي، وهو
كناية عن عدم القبول، كما هو مصرح به في الحديث الذي بعده، وفي حديث ابن
عباس عند ابن حبان. قال التوربشتي: أي: لا ترفع إلى الله تعالى رفع العمل
الصالح، بل أدنى شيء من الرفع. وخص الآذان بالذكر لما يقع فيها من التلاوة
والدعاء، ولا تصل إلى الله تعالى قبولًا وإجابة. وهذا مثل قولهمعليّ في المارقة:
(يَقْرَ ءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ))، عبر عن عدم القبول بعدم مجاوزة الآذان،
انتهى. وقال في ((اللمعات)): خص الآذان بالذكر؛ لقربها؛ لأنها يقع فيها صوت
التلاوة، وإن غاية حظهم منها سماع ذكرها. (الْعَبْدُ الآبِقُ) أي: أولهم، أو منهم،
(١١٢٨) التِّرْ مِذِي (٣٦٠) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٨٣
EASE
أو أحدهم. (حَتَّى يَرْجِعَ) أي: من إباقه إلى سيده. وفي معناه: الجارية الآبقة.
وفي ((صحيح مسلم))، و((سنن أبي داود)) و((النسائي)) من حديث جرير بن عبد الله
البجلي، عن النبي ◌َّ -: ((إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ)). وهذا يؤيد ما تقدم من أن
المراد بعدم المجاوزة: عدم قبول الصلاة.
(وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ) من السخط وهو بالضم، وكعُنُقٍ وجَبَلٍ
ومَقْعَدٍ ضد الرضا، وقد سخط كفرح، وتسخط وأسخطه أغضبه، قال القاري: هذا
إذا كان السخط لسوء خلقها، أو سوء أدبها، أو قلة طاعتها. أما إن كان سخط
زوجها من غير جرم، فلا إثم عليها. قال الشوكاني في الحديث: إن إغضاب المرأة
لزوجها، حتى يبيت ساخطًا عليها من الكبائر. وهذا إذا كان غضبها عليها بحق.
وفي (الصحيحين)) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه وَّهِ: ((إِذَا دَعَا الرَّجُلُ
امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا؛ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)).
وسيأتي في عِشْرَة النساء.
(وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) أي: لأمر مذموم في الشرع، وإن كرهوا لخلاف
ذلك فلا كراهَّة. قال ابن الملك: أي: كارهون لبدعته، أو فسقه، أو جهله. أما إذا
كان بينه وبينهم كراهة، أو عداوة بسبب أمر دنيوى، فلا يكون له هذا الحكم،
والحديث يدل على كراهة أن يكون الرجل إمامًا لقوم يكرهونه. قال الشوكاني:
وقد ذهب قوم إلى التحريم، وإلى الكراهة آخرون. ويدل على التحريم نفي قبول
الصلاة، وإنها لا تجاوز أذنه، ولعن الفاعل لذلك، كما في حديث أنس عند
الترمذي: لعن رسول اللّه وَ له ثلاثة: ((رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ ... )) الحديث،
قال: وقد قيد ذلك جماعة عن أهل العلم بالكراهة الدينية لسبب شرعي. وأما
الكراهة لغير الدين، فلا عبرة بها، وقيدوه أيضًا، بأن يكون الكارهون أكثر
المأمومين، ولا اعتبار بكراهة الواحد، والاثنين، والثلاثة، إذا كان المؤتمون
جمعًا كثيرًا، إلا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، فإن كراهتهم، أو كراهة أكثرهم معتبرة،
قال: والاعتبار بكراهة أهل الدين دون كراهته غيرهم، حتى قال الغزالي في
الإحياء: لو كان الأقل من أهل الدين يكرهونه فالنظر إليهم، قال: وحمل الشافعي
الحديث على إمام غير الوالي؛ لأن الغالب كراهة ولاة الأمر، قال: وظاهر
الحدیث عدم الفرق، انتهى.

٥٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) هذا الحديث مما انفرد به الترمذي، كما قال الشوكاني.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) كذا في جميع النسخ. والذي في التر مذي حديث حسن
غريب. وهو الذي ذكره المنذري في ((الترغيب)) والشوكاني في ((النيل)).
والحديث قد ضعفه البيهقي (ج٣ ص١٢٨). قال النووي في الخلاصة: والأرجح
هنا قول الترمذي، انتهى. وفي سنده أبوغالب الراسبي البصري، ضعفه النسائي
وابن سعد. وقال أبوحاتم: ليس بالقوي. ووثقه موسى بن هارون الحمال
والدار قطني. وقال ابن معين: صالح الحديث. وقال ابن عدي: لم أر في أحاديثه
منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به. وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها.
كذا في ((تهذيب التهذيب))، وقال في ((التقريب)): صدوق يخطئ، انتهى. فالظاهر
أن حديثه لا ينحط عن درجة الحسن، والله أعلم. وفي الباب أحاديث عن جماعة
من الصحابة. ذكرها الشوكاني في ((النيل)) مع الكلام عليها.
١١٢٩ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَئِ: ((ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ
مِنْهُمْ صَلاَتُهُمْ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًّا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا -
وَالدِّبَارُ: أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ - وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَهُ)).
[رَواهُ أَبُو دَاودَ وابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
١١٢٩ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) كذا في جميع النسخ الحاضرة الموجودة
عندنا. والمراد به: عبد الله بن عمر بن الخطاب. والذي في ((سنن أبي داود))،
و ((ابن ماجه)) عبد الله بن عمرو، أي: ابن العاص. وكذا ذكره المجد ابن تيمية في
((المنتقى)) نقلًا عن أبي داود وابن ماجه. وكذا وقع في ((معالم السنن)) (ج١
ص١٦٩) ((شرح سنن أبي داود)) للخطابي، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (ج٣
ص١٢٨) وهذا هو الصواب، فإن الحديث من رواية عمران بن عبد المعافري
التابعي، وهو يرويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص لا ابن عمر. قال الذهبي في
((الميزان)) (ج٢ ص٢٨٨) في ترجمة عمران المذكور: ضعفه يحيى بن معين،
(١١٢٩) أَبُو دَاوُد (٥٩٣)، وَابن مَاجَهْ (٩٧٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٨٥
يحدث عنه الإفريقي عن عبد الله بن عمرو: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاَةٌ ... )) الحديث.
وقال الحافظ في ((التهذيب)) (ج٨ ص١٣٤): روى عن عبد الله بن عمرو وعنه عبد
الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي. وكذا قال الخزرجي في ((الخلاصة))
(ص٢٩٦). والحديث ذكره النابلسي في ((ذخائر المواريث)) في مسند عبد الله بن
عمرو بن العاص، وكذا نسبه إليه السيوطي في ((الجامع الصغير))، والعزيزي في
((السراج المنير)). ووقع في ((تيسير الوصول)) (ج٢ ص٢٦٨) و((جامع الأصول))
(ج٦ ص٣٧٩) وعن ابن عمرو بن العاص. فالظاهر: أن ما وقع في نسخ المشكاة
منٍ تصرف النُّسَّاخِ، والله أعلم. (لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلاَتُهُمَ) وفي أبي داود: (لَا يَقْبَلُ
اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاَةً))، ولفظ ابن ماجه: ((لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ))، قالوا: القبول أخص من
الإجزاء، أي: فلا يلزم من عدمه عدم الإجزاء، وهو كونه سببًا لسقوط التكليف،
والقبول كونه سببًا للثواب. والحاصل: أن المراد بنفي القبول نفي الثواب لا نفي
الصحة والإجزاء.
(مَنْ تَقَدَّمَ) خبر مبتدأ محذوف أي: أحدهم. (قَوْمًا) للإمامة. (وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ)
في ((شرح السنة)). قيل: المراد به إمام ظالم. وأما من أقام السنة، فاللوم على من
كرهه. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص ١٧٠): يشبه أن يكون هذا الوعيد في
الرجل، ليس من أهل الإمامة، فيقتحم فيها، ويتغلب عليها، حتى يكره الناس
إمامته. فأما إن كان مستحقًّا للإمامة، فاللوم على من كرهه دونه، انتهى. (وَرَجُلٌ)
أي: وثانيهم رجل. (أَتَّى الصَّلَاةَ) أي: حضرها. (دِبَارًا) بكسر الدال. وانتصابه
على المصدر، أي: إتيان دبار، يعني: صلاها حين إدبار وقتها، بحيث لا يسع
الوقت جميعها، وكان ذلك عادة له، قال في ((الفائق)): قبال الشيء ودباره: أوله
وآخره، يقال: فلان لا يدري قبال الأمر من دباره، أي: ما أوله من آخره، وفي
(الغربيين)) عن ابن الأعرابي: الدبار: جمع دَبَر ودُبُر وهو آخر أوقات الشيء، أي:
يأتي الصلاة بعد ما يفوت الوقت.
قال ابن حجر: بأن لا يدركها كاملاً فيه. وقال الجزري: دبار جمع دَبَر أو دُبُر،
وهو آخر أوقات الشيء. وقيل: أراد بعد ما يفوت الوقت، وقد ذكر في الحديث.
(وَالدِّبَارُ أَنْ يَأْتِيَهَا) أي: الصلاة من غير عذر. (بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ) أي: الصلاة جماعة،
أو أداء، قال الخطابي: هو أن يكون قد اتخذه عادة، حتى يكون حضوره الصلاة
بعد فراغ الناس، وانصرافهم عنها، انتهى. وهذا التفسير ظاهر أنه من الراوي.

٥٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ) أي: ثالثهم رجل اتخذ عبدًا. (محررة) أي: نسمة، أو رقبة، أو نفسًا
محررة. قال الطيبي: يقال: أعبدته، واعتبدته، إذا اتخذته عبدًا وهو حُرُّ، وذلك
بأن يأخذ حرًّا، فيدعيه عبدا ويتملكه، أو يعتق عبده ثم يستخدمه كرهًا، أو يكتم
عتقه؛ استدامة لخدمته، ومنافعه. قال ابن الملك: تأنيث ((محررة)) بالحمل على
النسمة؛ لتناول العبيد والإماء. وقيل: خص المحررة؛ لضعفها، وعجزها بخلاف
المحرر؛ لقوته بدفعه .
وقال في ((المفاتيح شرح المصابيح)): في بعض النسخ أي: للمصابيح محرره
بالضمير المجرور. قلت: وكذا وقع في بعض نسخ أبي داود، كما صرح به في
(عون المعبود))، وكذا ذكره المجد ابن تيمية في ((المنتقى)). وفي ((الترغيب))
للمنذري و((سنن ابن ماجه)): ((اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا)). قال الشوكاني: أي: اتخذ معتقه
عبدًا بعد إعتاقه. قال الخطابي: اعتباد المحرر يكون من وجهين: أحدهما أن يعتقه
ثم يكتم عتقه أو ينكره، وهو شر الأمرين. والوجه الآخر أن يستخدمه كرهًا بعد
العتق، أي: بالقهر والغلبة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَةَ) وكذا البيهقي كلهم من
رواية الإفريقي عن عمران بن عبدٍ بغير إضافة المعافري، والإفريقي قد تقدم الكلام
فيه. وأما عمران فقال ابن معين: ضعيف. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وذكره يعقوب بن
سفيان في ثقات المصريين كذا في ((التهذيب)) (ج٨ ص٣٤). وقال في ((التقريب)):
ضعيف .
١١٣٠ - [٨] وَعَنْ سَلَامَةَ بِنْتِ الْحُرِّ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّ
مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ لَا يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١١٣٠ - قوله: (وَعَنْ سَلَامَةَ) بفتح سين مهملة وخفة لام وهاء. (بِنْتِ الْحُرِّ)
(١١٣٠) أَبُو دَاوُد (٥٨١)، وَابن مَاجَهْ (٩٨٢) عَنْ سَلََّّمَةَ بِئْتِ الحُرِّ.

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
ISE
٥٨٧
بضم الحاء المهملة بعدها راء مهملة مشددة، أخت خرشة بن الحر الفزاري،
صحابية، لها هذا الحديث فقط. (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، أي: من علاماتها
الصغرى الدالة على قربها. واحدها شرط بالتحريك. (أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ)
أي: في الإمامة، فيدرأ كل من أهل المسجد الإمامة عن نفسه إلى غيره، ويقول:
لست أهلًا لها لما ترك تعلم ما تصح به الإمامة، ولجهلهم بما يجوز ولا يجوز. (لَا
يَجِدُونَ إِمَامًا) أي: قابلًا للإمامة. (يُصَلَّ بِهِمْ) على وجه الصحة بأداء أركانها.
وواجباتها، وسننها، ومندوباتها. وقيل: المعنى: يدفع كل من أهل المسجد
الإمامة عن غيره إلى نفسه، فيحصل بذلك النزاع، فيؤدي ذلك إلى عدم الإمام.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦ ص٣٨١). (وَأَبُو دَاوُدَ) ومن طريقه رواه البيهقي (ج ٣ ص٢٩).
(وابْنُ مَاجَهْ) واللفظ لأحمد وأبي داود. ولفظ ابن ماجه وأحمد في رواية: ((يَأْتِي
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقُومُونَ سَاعَةً، لَا يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلَّي بِهِمْ)). والحديث سكت عنه
أبو داود والمنذري. وفي سنده عندهم جميعًا طلحة أم غراب.
قال في ((التقريب)): لا يعرف حالها. وذكرها ابن حبان في ((الثقات))، روت عن
عقيلة الفزارية عن سلامة بنت الحر.
قال الحافظ في ((التقريب))، والذهبي في ((الميزان)): عقيلة الفزارية جدة علي بن
غراب، لا يعرف حالها.
١١٣١ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((الْجِهَادُ
وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْفَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ، وَالصَّلاَةُ
وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسَّلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْفَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ ، وَالصَّلَاةُ
وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْفَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ)).
[رواهُ أَبُو دَاوِدَ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
١١٣١ - قوله: (الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ): أي: فرض عين في حال، وفرض
(١١٣١) أَبُو دَاوُد (٢٥٢٣) فِيهَا مِنْ رِوَايَةٍ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مَنْقَطِعٌ.

٥٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
كفاية في أخرى. (مَعَ كُلُّ أَمِيرٍ): أي: مسلم سلطان، أو ولي أمره. (بَرًّا): بفتح
الباء. (كَانَ أَوْ فَاجِرًا): فإن الله قد يؤيد الدين بالرجل الفاجر، وإثمه على نفسه.
ويؤيده ما روي عن أنس مرفوعًا: ((الْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ
أَمَّتِي الدَّجَّالَ))، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، أخرجه أبو داود في حديث،
وسكت عنه هو والمنذري. قال ابن حجر في حديث أبي هريرة: جواز كون الأمير
فاسقًا جائرًا، وإنه لا ينعزل بالفسق والجور، وأنه تجب طاعته ما لم يأمر بمعصيته.
وخروج جماعة من السلف على الجورة، كان قبل استقرار الإجماع على حرمة
الخروج على الجائر، انتهى. (وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ) كذا في جميع النسخ الموجودة،
وكذا وقع في ((المصابيح))، وليست هذه الزيادة في ((سنن أبي داود))، ولم يذكرها
أيضًا المجد ابن تيمية في ((المنتقى))، والزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٢ ص ٢٧) ولم
تقع أيضًا في رواية البيهقي. (وَالصَّلَاةُ): أي: بالجماعة. (وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ): قال
القاري: أي: بالجماعة، كما تقدم من القول المختار، وهو فرض عملي لا
اعتقادي لثبوته بالسنة، وهي آحاد. وقال ابن حجر: أي: على الكفاية لا الأعيان،
انتهى. وهي في غاية من البعد عن شعار الإسلام، وطريق السلف العظام؛ لأنه
يؤدي إلى أنه لو صلى شخص واحد مع الإمام في مصر لسقط عن الباقين. وقال
الطيبي: القرينة الأولى: تدل على وجوب الجهاد على المسلمين، وعلى جواز
كون الفاسق أميرًا، والثانية: على وجوب الصلاة بالجماعة عليهم، وجواز أن
يكون الفاجر إمامًا، هذا ظاهر الحديث. ومن قال: الجماعة ليست بواجبة على
الأعيان تأوله بأنه فرض على الكفاية كالجهاد، وعليه دليل إثبات ما ادعاه. (خَلْفَ
كُلِّ مُسْلِم): إذا كان إمامًا. (بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ) قال ابن الملك:
أي: جازَّ اقتداؤكم خلفه؛ لورود الجواب بمعنى الجواز؛ لاشتراكهما في جانب
الإتيان بهما. وهذا يدل على جواز الصلاة خلف الفاسق، وكذا المبتدع، إذا لم
يكن ما يقوله كفرًا. قال القاري: في أمره بالصلاة خلف الفاجر مع أن الصلاة
خلف الفاسق والمبتدع مكروهة عندنا دليل على وجوب الجماعة، انتهى.
قلت: اختلف في إمامة الفاسق والمبتدع: فذهب مالك: إلى اشتراط عدالة من
يُصَلَّى خلفه، وقال: لا تصح إمامة الفاسق. وذهبت الشافعية والحنفية إلى صحة
إمامته. قال العيني: أما الصلاة خلف الخوارج وأهل البدع، فاختلف العلماء فيه:

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٨٩
فأجازت طائفة منهم ابن عمر؛ إذ صلى خلف الحجاج، وكذلك ابن أبي ليلى
وسعيد بن جبير. وقال النخعي: كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا. وروى أشهب
عن مالك: لا أحب الصلاة خلف الإباضية والواصلية، ولا السكنى معهم في بلد.
وقال ابن القاسم: أرى الإعادة في الوقت على من صلى خلف أهل البدع. وقال
أصبغ: يعيد أبدًا. وقال الثوري في القَدَرِيِّ: لا تقدموه. وقال أحمد بن حنبل: لا
يُصَلَّى خلف أحد من أهل الأهواء، إذا كان داعيًا إلى هواه، ومن صلى خلف
الجهمية، والرافضية، والقدرية يعيد. وقال أصحابنا: تكره الصلاة خلف صاحب
هوىً وبدعة، ولا تجوز خلف الرافضي، والجهمي، والقدري؛ لأنهم يعتقدون أن
الله لا يعلم الشيء قبل حدوثه، وهو كفر، والمشبهة، ومن يقول بخلق القرآن.
وكان أبو حنيفة لا يرى الصلاة خلف المبتدع، ومثله عن أبي يوسف. وأما الفاسق
بجوارحه؛ كالزاني، وشارب الخمر، فزعم ابن الحبيب أن من صلى خلف من
شرب الخمر يعيد أبدًا، إلا أن يكون واليًا. وفي رواية: يصح. وفي ((المحيط)): لو
صلى خلف فاسق أو مبتدع يكون محرزًا لثواب صلاة الجماعة، ولا ينال ثواب من
صلى خلف المتقي. وفي ((المبسوط)): يكره الاقتداء بصاحب البدعة، انتهى.
والحق عندي: أنه لا يشترط عدالة إمام الصلاة لصحة الجماعة، وصحة صلاة
المقتدين، ولكن لا يجوز تقديم الفاسق، وكذا المبتدع ببدعة غير مكفرة للإمامة؛
لأن في تقديمه تعظيمه، وقد وجب إهانته شرعًا، ولأن الفاسق لا يهتم بأمر دينه،
ولأن الإمامة من باب الأمانة، والفاسق خائن، ولأن مبنى الإمامة على الفضيلة،
ولأن الناس لا يرغبون في الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، فتؤدي إمامتهما إلى
تنفير الجماعة، وتقليلها، وذلك مكروه؛ ولقوله عليه السلام: ((اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ
خِيَارَكُمْ؛ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ)). أخرجه الدار قطني (ص١٩٧)
والبيهقي (ج٣: ص ٩٠) من حديث ابن عمر، قال البيهقي: إسناده ضعيف، انتهى.
قلت: في سنده حسين بن نصر المؤدب. قال ابن القطان: لا يعرف. وفيه أيضًا
سلام بن سليمان المدائني. قال الشوكاني: ضعيف، ولقوله عليه السلام: ((إِنْ
سَرَّكُمْ أَنْ تُقْبَلَ صَلاتُكُمْ، فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ ... )) الحديث، أخرجه الحاكم من حديث
مرثد الغنوي في كتاب الفضائل (ج٤: ص٢٢٢) وسكت عنه، وأخرجه أيضًا

٥٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الطبراني والدار قطني (ص١٩٧)، الا أن الطبراني قال: ((فَلْيَؤُمَّكُمْ عُلَمَاؤُكُمْ)). وفيه
عبد الله بن موسى. قال الدار قطني: ضعيف. وفيه أيضًا القاسم بن أبي شيبة، وقد
ضعفه ابن معين، ولما روى أبو داود وسكت عنه هو والمنذري عن السائب بن
خلاد: أن رسول الله وَ له رأى رجلاً أم قومًا، فبصق في القبلة ورسول اللّه وَ له ينظر
إليه، فقال رسول اللّه ◌ِ له حين فرغ: (لَا يُصَلِّي لَكُمْ)) فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم،
فمنعوه، وأخبروه بقول رسول اللَّه ◌َ له، فذكر ذلك لرسول اللَّه وَ ل، فقال: ((نَعَمْ))،
وحسبت أنه قال له: ((إنك آذيت الله ورسوله))، ولما روي عن علي رَوَّهُ مرفوعًا:
((لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه)). ذكره الشوكاني في ((النيل)) بلا سند. وقال العلامة
القنوجي في عرف الباسق في حكم إمامة الفاسق من رسائل ((دليل الطالب))
(ص٣٣٩): هو مرسل؛ ولقوله عليه السلام: (لَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ
بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ، أَوْ سَوْطَهُ)) أخرجه ابن ماجه من حديث جابر في صلاة
الجمعة. وفي سنده عبد الله بن محمد العدوي التميمي، وهو تالف. قال البخاري
وأبوحاتم والدارقطني: منكر الحديث. وقال الدارقطني أيضًا: متروك. وقال
وكيع: يضع الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج بخبره.
وقال ابن عبد البر: جماعة أهل العلم بالحديث يقولون: إن هذا الحديث من
وضع عبد الله بن محمد العدوي، وهو عندهم موسوم بالكذب. كذا في ((تهذيب
التهذيب)) (ج٦: ص٢١) هذا، ولا يجوز للفاسق المبتدع التقدم للإمامة، لما سبق
من حديثي أبي أمامة وعبد الله بن عمرو بن العاص، وما وافقهما من الأحاديث
الدالة على تحريم إمامة الرجل وهم له كارهون. ولو تقدم الفاسق والمبتدع
للإمامة، وجب على القوم أن يمنعوهما عن الإمامة، وإن عجزوا عن المنع
والعزل، جازت الصلاة خلفهما مع الكراهة، أى: جاز الاقتداء بهما للضرورة،
وهي: خوف الفتنة في منعهما وعزلهما عن الإمامة، وفي ترك الصلاة بالجماعة،
وتصح الجماعة، ويكون المصلي محرزًا لثواب الجماعة. لكن لا ينال مثل ما ينال
خلف تقي، وبالجملة لا تفسد صلاة من صلى خلف الفاسق والمبتدع؛ لعدم ما
يدل على اشتراط عدالة الإمام في حق صحة صلاة المقتدي، وجواز الاقتداء،
ولأن جواز الصلاة متعلق بأداء الأركان، وهما قادران عليهما، ولأن عدم قبول
صلاتهما، لا يستلزم عدم جواز الاقتداء بهما، ولا عدم قبول صلاة المؤتمین بهما،

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٩١
EX418
فضلاً عن فساد صلاتهم؛ لأن الذم والوعيد إنما هو متوجه إلى من كره القوم
وإمامته لا إلى المؤتمين، كما لا يخفى، ولأن من صحت صلاته لنفسه صحت
لغيره، أي: صحت إمامته وجاز الائتمام به؛ ولقوله عليه السلام: ((لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ
الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ))، ولحديث أبي هريرة هذا، أو غيره مما سيأتي الإشارة إليها،
وهي أحاديث كثيرة دالة على صحة الصلاة خلف كل بر وفاجر، أي: فاسق، إلا
أنها ضعيفة، كما ستعرف، ولما روى البخاري في ((تاريخه)) والبيهقي
(ج ٣: ص١٢٢) عن عبد الكريم البكاء قال: أدركت عشرة من أصحاب
النبي ◌َّ كلهم يصلي خلف أئمة الجور. قال الشوكاني: عبد الكريم هذا لا يحتج
بروايته، وقد استوفى الكلام عليه في ((الميزان»، ولكنه قد ثبت إجماع أهل العصر
الأول من بقية الصحابة، ومن معهم من التابعين إجماعًا فعليًّا، ولا يبعد أن يكون
قوليًّا على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة
الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير،
وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى، وقد أخرج
البخاري عن ابن عمر: أنه كان يصلي خلف الحجاج، وأخرج مسلم وأهل السنن :
أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد، في قصة تقديمه الخطبة على
الصلاة، ولأنه قد ثبت أنه وَّ أخبر بأنه: ((يَكُونُ عَلَى الأُمَّةِ أُمَرَاءُ يُمِيْتُونَ الصَّلَاةَ،
وَيُصَلُّونَها لِغَيْرِ وَقْتِهَا))، فقالوا: يارسول الله، فما تأمرنا؟ فقال: ((صَلَّوا الصَّلَاةَ
لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَ الْقَوْمِ نَافِلَةً))، ولا شك أن من أمات الصلاة، وفعلها
في غير وقتها غير عدل. وقد أذن الَنبي ◌َّ بالصلاة خلفه نافلة، ولا فرق بينها وبين
الفريضة في ذلك. قال الأمير اليماني بعد ذكر هذا الحديث: فقد أذن بالصلاة
خلفهم، وجعلها نافلة؛ لأنهم أخرجوها عن وقتها. وظاهره: أنهم لو صلوها في
وقتها؛ لكان مأمورًا بصلاتها خلفهم فريضة، ولما روي عن علي أنه أتاه قوم برجل
فقالوا: إن هذا يؤمنا ونحن له كارهون. فقال له علي رَو ◌ُلَهُ: إنك لخروط - أي:
مقهور في الأمور، أو متعسف في فعلك - أتؤم قومًا وهم لك كارهون؟ ففيه أنه
وإن زجره عن الإمامة، لكن لم ينه القوم عن الاقتداء به، ولا أمرهم بإعادة
الصلاة .
والحاصل: أنه يحرم على الفاسق، وفي حكمه المبتدع، التقدم للإمامة، ولا

٥٩٢
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يجوز للقوم أن يقدموه، ولو قدموه مع قدرتهم على المنع والعزل أثموا، وصحت
الجماعة خلفه مع الكراهة التحريمية، ولا تفسد الصلاة؛ لعدم ما يدل على بطلان
صلاة المؤتمين به. ولو عجزوا عن المنع والعزل، وأمكنهم الصلاة خلف غيره
بالتحول إلى مسجد آخر، فهو أفضل، وإلا فالاقتداء به أولى من الانفراد،
وصحت صلاتهم خلفه، لكن لا تخلو عن الكراهة، يعني: يكونون محرزين لثواب
صلاة الجماعة، لكن لا ينالون مثل ما ينال من صلى خلف تقي.
وبما قلنا: يحصل الجمع بين الأدلة المتعارضة الواردة في هذه المسألة. وإن
شئت مزيد التفصيل، فارجع إلى [عرف الباسق في حكم إمامة الفاسق] من رسائل
((دليل الطالب)) (ص ٣٣٥ - ٣٣٩). (وَالصَّلَاةُ): أي: صلاة الجنازة. (وَاحِبَةٌ):
أي: فرض كفاية عليكم أن تصلوا. (عَلَى كُلِّ مُسْلِم): أي: ميت ظاهر الإسلام.
(بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا): فيه دليل على أنه يصلى على كل من مات مسلمًا، ولو كان
فاسقًا. وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء. قال النووي: قال
القاضي: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم، ومحدود، ومرجوم، وقاتل
نفسه، وولد الزنا، انتهى. وتعقب بأن الزهري يقول: لا يصلى على المرجوم،
وقتادة يقول: لا يصلى على ولد الزنا، وقال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي: لا
يصلى على الفاسق، ووافقهما أبو حنيفة في الباغي والمحارب، ووافقهما الشافعي
في قول له في قاطع الطريق. والحق: أن من قال كلمة الشهادة، فله ما للمسلمين،
ومنه صلاة الجنازة؛ ولأن عموم شرعية صلاة الجنازة، لا يخص منه أحد من أهل
كلمة الشهادة إلا بدليل، نعم، يستحب للامام وكذا لأهل العلم والصلحاء
والأتقياء خاصة أن يتركوا الصلاة على الفاسق، سيما تارك الصلاة، والمديون،
والغال، وقاتل نفسه؛ زجرًا للناس. يدل على ذلك امتناعه بَّه من الصلاة على
الغال، والمديون، وأمرهم بالصلاة عليهما بقوله: ((صَلَّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ)) ويدل
عليه أيضًا، حديث الذي قتل نفسه بمشاقص، فقال ◌َّ: ((أَمَّا أَنَا، فَلَا أُصَلِّ عَلَيْهِ))،
ولم ينههم عن الصلاة عليه.
(وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ) قال ابن الملك: هذا يدل على أن من أتى الكبائر، لا يخرج
عن الإسلام، وأنها لا تحبط الأعمال الصالحة، يعني: خلافًا للمبتدعة فيهما.
(رَوَاهُ أبو داود) أي: من طريق مكحول عن أبي هريرة في باب الغزو، مع أئمة
الجور من كتاب الجهاد، وأخرجه أيضًا في باب: إمامة البر والفاجر من كتاب

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٩٣
الصلاة مختصرًا بإسناده في الجهاد على ما في بعض النسخ. ومن طريق أبي داود
أخرجه البيهقي في ((المعرفة)) و((السنن الكبرى)) (ج٣ ص١٢١)، وأخرجه أيضًا
الدار قطني (ص١٥٨) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢ ص٢٧): ضعفه أبو داود
بأن مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة. وقال الدارقطني: مكحول لم يسمع من أبي
هريرة، ومن دونه ثقات. وقال البيهقي: إسناده صحيح، إلا أن فيه انقطاعًا بين
مكحول وأبي هريرة. قال ابن الهمام بعد ذكر كلام الدارقطني: وحاصله: أنه من
مسمى الإرسال عند الفقهاء، وهو مقبول عندنا، وقد روي هذا المعنى من عدة
طرق للدار قطني وأبي نعيم والعقيلي، وكلها مضعفة من قبل بعض الرواة. وبذلك
يرتقي إلى درجة الحسن عند المحققين، وهو الصواب، انتهى.
وقال ابن حجر: الحديث، وإن كان مرسلًا لكنه اعتضد بفعل السلف. قلت: في
كلام ابن الهمام نظر لا يخفى على من له وقوف على طرق الحديث، وكلام الأئمة
فيه. والحديث أخرجه الدارقطني أيضًا، من حديث الحارث عن علي، ومن
حديث علقمة والأسود عن عبد الله، ومن حديث مكحول أيضًا عن واثلة، ومن
حديث أبي الدرداء من طرق كلها، كما قال الحافظ: واهية جدًّا. قال العقيلي:
ليس في هذا المتن إسناد يثبت. ونقل ابن الجوزي عن أحمد، أنه سئل عنه، فقال:
ما سمعنا به. وقال الدارقطني: ليس فيها شيء يثبت. قال الحافظ: وللبيهقي في هذا
الباب أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف. وأصح ما قيل: حديث مكحول عن
أبي هريرة على إرساله، يعني: انقطاعه. وقال أبوأحمد الحاكم: هذا حديث
منكر. وقد أطال الزيلعي الكلام في هذا الحديث في ((نصب الراية)) (ج٢ ص٢٦ -
٢٨).

٥٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١١٣٢ - [١٠] عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ يَمُرُّ بِنَا
الرُّكْبَانُ نَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُّ أَنَّ اللَّهَ
أَرْسَلَهُ، أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَاَ، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، فَكَأَنَّمَا يُغَرَّى
فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِم الْفَتْحَ فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ،
فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُو نَبِيِّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلَّ قَوْمِ
بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمَّ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدٍّ
النَّبِيِّ حَقًّا، فَقَالَ: ((صَلَّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينٍ كَذَا، وصَلَاةَ كَذَا فِي حِينٍ كَذَا،
فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا)) فَنَظَرُوا فَلَمْ
يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
وَأَنَا ابْنُ سِتُّ أَوَسَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي،
فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطَّونَ عَنَّ اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ فَاشْتَرَوْا فَقَطَّعُوا لِي
قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ.
[رواهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١١٣٢ - قوله: (عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ) بكسر اللام. قال الفتني في ((المغني)):
سلمة كله بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة الجرمي إمام قومه، وبني سلمة: القبيلة من
الأنصار فبكسرها، انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)): عمرو بن سلمة مختلف في
صحبته، ففي هذا الحديث أن أباه وفد. وفيه: إشعار بأنه لم يفد معه. وأخرج ابن
منده من طريق حماد بن سلمة عن أيوب ما يدل على أنه وفد أيضًا، وكذلك أخرجه
الطبراني، وقال في ((تهذيب التهذيب)): وفد أبوه على النبي وَّر، وكان عمرو يصلي
بقومه في عهده وهو صغير، لم يصح له سماع ولا رواية. وروي من وجه غريب أنه
(١١٣٢) البُخَارِي (٤٣٠٢) عنه فيها .

٥٩٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
casese
أيضًا وفد مع أبيه. روى عن أبيه، وعنه أبو قلابة الجرمي وغيره. قلت: روى ابن
منده في كتاب الصحابة حديثه من طريق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن المنهال
عن حماد بن سلمة عن أيوب عن عمرو بن سلمة قال: كنت في الوفد، الذين وفدوا
على رسول اللَّه وَل﴾. وهذا تصريح بوفادته. وقد روى أبونعيم في الصحابة أيضًا
من طرق ما يقتضي ذلك. وقال ابن حبان: له صحبة. وقال في ((التقريب)): صحابي
صغير نزل البصرة. وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (ج٢ ص ٤٤٦): أدرك زمن
النبي ◌ُّله، وكان يؤم قومه على عهد رسول اللّه وَل؛ لأنه كان أقرؤهم للقرآن. وقد
قيل: إنه قدم على النبي ◌َّيّ مع أبيه، ولم يختلف في قدوم أبيه. وقال ابن حزم في
((المحلى)) (ج٢ ص٢١٨): قد وجدنا لعمرو بن سلمة هذا صحبة ووفادة على
النبي ◌َّيل مع أبيه، انتهى. وأبوه سلمة بفتح السين وكسر اللام ابن قيس. وقيل:
نفيع الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء صحابي، ما له في البخاري سوى هذا
الحديث، وكذا ابنه. (كُنَّا بِمَاءٍ) أي: ساكنين بمحل ماء. قال الطيبي: بماء خبر
كان وقوله: (مَمَرَّ النَّاسِ) أي: عليه، صفة لماء أو بدل منه، أي نازلين بمكان فيه
ماء يمر الناس عليه. قال الحافظ: يجوز في ممر الحركات الثلاث، انتهى. (يَمُرُّ
بِنَا) استئناف، أو حال من ضمير الاستقرار في الخبر. (الرُّكْبَانِ) بضم الراء جمع
الراكب للبعير خاصة، ثم اتسع فيه، فأطلق على من ركب دابة. (نَسْأَلُهُمْ) أي:
نقول لهم.
(مَا لِلنَّاسِ مَا لِلنَّاسِ): بالتكرار مرتين أي: أيّ شيء حدث للناس، كناية عن
ظهور دين الإسلام، والتكرار لغاية التعجب. وقال الطيبي: سؤاله هذا، يدل على
حدوث أمر غريب، ولذا كرروه وقالوا: (مَا هَذَا الرَّجُلُ؟) كناية عن رسول الله
وَلّه، وهو يدل على سماعهم منه نبأ عجيبًا، فيكون سؤالهم عن وصفه بالنبوة،
ولذلك وصفوه بالنبوة، كذا قاله الطيبي، أي: هذا الرجل، الذي نسمع منه نبأ
عجيبًا أي: ما وصفه؟. وقال الحافظ: أي: يسألون عن النبي ◌ََّ، وعن حال
العرب معه. (فَيَقُولُونَ) أي: الركبان. (يَزْعُمُ) أي: الرجل يعني: يقول. (أَوْحَى
إِلَيْهِ كَذَا) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، وكذا في ((جامع الأصول» (ج٦
ص٣٧٦). والذي في البخاري: ((أوحى الله)). (بلفظ الجلالة بدل إليه)، كذا أي:
آية كذا، أو سورة كذا. قال الطيبي: كناية عن القرآن. ووقع لغير أبي ذر: ((أو

٥٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أوحى الله كذا))، أي: بزيادة لفظ ((أَوْ)) وهو للشك من الراوي، يريد به حكاية ما
كانوا يخبرونهم به مما سمعوه من القرآن. وفي ((المستخرج)) لأبي نعيم فيقولون:
نبي يزعم أن اللَّه أرسله وأن الله أوحى إليه كذا وكذا. (فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ)
أي: الذي ينقلونه عنه، ولأبي داود: وكنت غلامًا حافظًا، فحفظت من ذلك قرآنًا
کثیرًا .
(فَكَأَنَّمَا يُغَرَّى فِي صَدْرِي): بضم التحتية وفتح الغين المعجمة وتشديد الراء
المهملة على بناء المجهول من التغرية، وهو: الإلصاق بالغِرَاء، وهو الصمغ،
أي: كأنما يلصق في صدري، ونسبها الحافظ في ((الفتح)) للإسماعيلي، قال:
ورجحها عياض. قال القاري: ما وقع في أصل نسخ المشكاة الحاضرة، فهي
رواية الإسماعيلي، وكذا حققه المحقق الشيخ ابن حجر في شرح صحيح البخاري.
وقيل: بسكون الغين وفتح الراء من الإغراء. وقيل: بفتح التحتية وسكون الغين
وفتح الراء على بناء المعلوم من غيرى بالكسر يغري بالفتح، أي: يلصق بالغراء،
والغراء بالمد والقصر ما يلصق به الأشياء، ويتخذ من أطراف الجلود والسمك،
وفي الصحاح: إذا فتحت الغين قصرت، وإذا كسرت مددت. وفي رواية
الكشمهيني : يُقَرُّ بضم الياء وفتح القاف وتشديد الراء من القرار. وفي رواية عنه:
يُقَرَّى بزيادة ألف مقصورة، أي: يجمع من قريت الماء في الحوض، أي: جمعته،
والبعير يقري العلف في شدقه، أي يجمعه. وفي رواية الأكثرين: يُقْرَأُ مجهولًا
بسكون القاف آخره همزة مضمومة من القراءة، أي: يجمع من قَرَأْ بمعنى : جمع،
يقال للمرأة: ما قرأت بِسَلَّى قط، أي: لم تجمع في بطنها ولدًا. وقال الشاعر [من
الوافر، لعمرو بن كلثوم في معلقته بشرح الزوزني]:
هِجَانُ اللَّوْنِ لَمْ يَقْرَأْ جَنِينًا
(وَكَانَتِ الْعَرَبُ) أي: ما عدا قومه ظُِّ. والمراد: أكثرهم. (تَلَّوَّمُ) بفتح التاء
واللام والواو المشددة. وأصله بتائين، فحذفت إحداهما تخفيفًا، أي: تنتظر
وتتربص. (الْفَتْحَ) أي: فتح مكة، يعنى: النصرة والظفر على قومه. (فَيَقُولُونَ)
تفسير لقوله: (تَلَوَّمُ). أنث الضمير أولًا، باعتبار الجماعة، وجمع ثانيًا، باعتبار
المعنى. (وَقَوْمَهُ) أي: قريشًا، وهو منصوب على المعية. (ظَهَرَ عَلَيْهِمْ) أي: غلب
على قومه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٩٧
(فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ) إذ لا يتصور غلبته عليهم كذلك إلا بمحض المعجزة الخارقة
للعادة القاضية، بأنه لا يظهر عليهم؛ لضعفه وقوتهم. (فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْفَتْح):
في رمضان سنة ثمان من الهجرة. ((بَادَرَ) أي: سارع وسابق. (بَدَرَ أَبِي قَوْمِي) أي:
غلبهم وسبقهم. قال الطيبي: قوله: (بَدَرَ)) من باب المغالبة، أي: بادر أبي القوم
فبدرهم أي: غلبهم في البدار بالكسر أي: المبادرة. وقال العيني: قوله: ((بَادَرَ))
أي: أسرع، وكذا قوله: (بَدَرَ))، يقال: بدرت إلى شيء وبادرت، أي: أسرعت.
(فَلَمَّا قَدِمَ) أي: أبي من عند النبي نَّر. قال الحافظ في ((الفتح)) والعيني في
((العمدة)): هذا يشعر بأنه ما وفد مع أبيه، ولكن لا يمنع أن يكون وفد بعد ذلك.
(قَالَ) أي: لهم (جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ حَقًّا) قال الطيبي: هذا حال من الضمير
العائد إلى الموصول، أعنى: الألف واللام في النبي ◌َّ على تأويل الذي نبي
حقًّا، انتهى. أو حال كونه محقًّا، قاله ابن حجر، أو حق هذا القول حقًّا، قاله
القاري. (فَقَالَ) أي: النبي ◌َّل قولًا من جملته. (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ) أي: وقتها.
(فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ) أي : خيار كم خير لكم. فلا ينافي ما تقدم من حديث ابن عباس :
((لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ))؛ لأن هذا لبيان الأفضل، وذلك لبيان الإجزاء، قاله القاري.
(فَلْيَؤُمَّكُمْ) كذا في جميع النسخ الحاضرة، أي: بالفاء. والذي في البخاري:
(وَلْيَؤُمَّكُمْ)) أي: بالواو، وكذا أي: بالواو نقله المجد ابن تيمية في ((المنتقى))،
والزيلعي في ((نصب الراية))، والجزري في ((جامع الأصول)) (ج٦ ص٣٨٧).
فالظاهر: أن ما وقع في المشكاة خطأ من النساخ. (أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا) ولأبي داود:
قالوا: يا رسول الله من يؤمنا؟ قال: ((أَكْثَرُكُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ))، (فَنَظَرُوا) أي: في
الحَيِّ. (فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ) بنصبه قال القاري: وفي نسخة بالرفع، أي: فلم يوجد
أحد أكثر. (لِمَا كُنْتُ أَتَلَّقَى) أي: القرآن من التلقي، وهو التلقن والأخذ.
(فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي: للإمامة. (وَأَنَا ابْنُ سِتُّ أَوْ سَبْعٍ سِنِينَ) وللنسائي:
((وأنا ابن ثمان سنين)). ولأبي داود: ((وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين)). (وَكَانَتْ
عَلَيَّ بُرْدَةٌ) شملة مخططة. وقيل: كساء أسود مربع فيه صفر تلبسه الأعراب. وفي
رواية لأبي داود: ((وعليّ بردة لى صغير صفراء)). وفي أخرى: ((كنت أؤمهم في
بردة موصلة فيها فتق)). (تَقَلّصَتْ عَنِّي) بقاف ولام مشددة وصاد مهملة، أي:
انجمعت، وانضمت، وارتفعت عني؛ لقصرها، وصغرها، وضيقها، وفتقها حتى

٥٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يظهر شيءٍ من عورتي. وفي رواية أبي داود: تكشفت عني. وفي أخرى: خرجت
استي. (أَا) بتخفيف اللام فالهمزة للإنكار. (عَنَّا) أي: عن قبلنا أو عن جهتنا.
(اسْتَ قَارِئِكُمْ) بهمزة وصل أي دبره وعجزه، ولأبي داود: فقالت امرأة من
النساء: ((وَارُوا عنا عورة قارئكم)). قال في لسان العرب: السته والاست معروفة،
وهو من المحذوف المجتلبة له، ألف الوصل. الجوهري: والاست: العجز، وقد
يراد به حلقة الدبر، وأصله: سَتَهَ على فعل بالتحريك يدل على ذلك أن جمعه أستاه
مثل جمل وأجمال. (فَاشْتَرَوْا) مفعوله محذوف، أي: ثوبًا. ولأبي داود:
((فاشتروا لي قميصًا عمانيًا)) بضم العين مخففًا نسبه إلى عمان من البحرين. (فَرَحِي)
أي: مثل فرحي. (بِذَلِكَ الْقَمِيصِ) إما لأجل حصول التستر، وعدم تكلف
الضبط، وخوف الكشف، وإما فرح به كما هو عادة الصغار بالثوب الجديد. وزاد
أبو داود في رواية له: قال عمرو بن سلمة: فما شهدت مجمعًا من جرم إلا كنت
إمامهم. والحديث فيه دليل على أن الأحق بالإمامة الأقرأ. وأن المراد بالأقرأ في
حديث أبي مسعود وأبي سعيد السابقين: الأكثر جمعًا للقرآن لا الأحسن قراءة،
والأكثر علمًا وفقهًا. وفي تقديم عمرو بن سلمة، وهو ابن سبع سنين، أو ثمان
سنين، دليل على جواز إمامة الصبي المميز للمكلفين في النافلة والفريضة. وقد
اختلف الناس فيه: فممن أجاز ذلك الحسن البصري وإسحاق بن راهويه
والبخاري، والشافعي وله في الجمعة قولان: قال في ((الأم)): لا تجوز. وقال في
((الإملاء)): تجوز، وكرهه عطاء والشعبي ومالك والأوزاعي والثوري وأحمد،
وإليه ذهب أصحاب الرأي. قال في ((المرقاة)): في الحديث دليل على جواز إمامة
الصبي. وبه قال الشافعي، وعنه في الجمعة قولان: وقال مالك وأحمد: لا يجوز
إمامة الصبي، وكذا قال أبو حنيفة: واختلف أصحابه في النفل، فجوزه مشائخ
بلخ، وعليه العمل عندهم وبمصر والشام، ومنعه غيرهم، وعليه العمل بما وراء
النهر، انتهى ..
وقال الحافظ في ((الفتح)): وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان، والمشهور عنهما
الإجزاء في النوافل دون الفرائض، واستدل من منع إمامة الصبي، بأنه متنفل لعدم
وجوب الصلاة عليه، ولا يجوز اقتداء المفترض به، أي: بالمتنفل؛ لأن صلاة
الإِمام متضمنة لصلاة المقتدي صحة وفسادًا؛ لقوله عليه السلام: ((الإِمَامُ ضَامِنٌ)).
ولا شك أن الشيء يتضمن ما هو دونه لا ما هو فوقه، فلم يجز اقتداء البالغ

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْإِمَامَةِ
٥٩٩
بالصبي، وأجيب: بأن انتفاع وجوب الصلاة على الصبي، لا يستلزم عدم صحة
إمامته، لما تقدم من صحة صلاة المفترض خلف المتنفل في باب القراءة. وسيأتي
أيضًا. وأما قوله عليه السلام: ((الْإِمَامُ ضَامِنٌ)) فقد سبق بيان معناه، ووجه عدم
صحة الاستدلال به على مدعاهم في باب فضل الأذان، واستدلوا أيضًا بما روى
عن ابن مسعود قال: ((لا يَؤُم الغلام حتى تجب عليه الحدود))، وعن ابن عباس
قال: ((لا يؤم الغلام حتى يحتلم)). أخرجهما الأثرم في ((سننه))، وأثر ابن عباس
أخرجه عبد الرزاق عنه مرفوعًا. قال الحافظ في ((الفتح)): إسناده ضعيف، وأجيب
عنه: بأنه من قول الصحابي، وللاجتهاد فیه مسرح، فلا یکون حجة سيما وقد ورد
ما يدل على خلافه، وهو حديث عمرو بن سلمة الجرمي الذي نحن بصدد شرحه،
واحتج ابن حزم على عدم الصحة، بأنه وَل أمرهم أن يؤمهم أقرؤهم. قال: فعلى
هذا، إنما يؤم من يتوجه إليه الأمر، والصبي ليس بمأمور؛ لأن القلم رفع عنه، فلا
يؤم كذا قال: ولا يخفى فساده؛ لأنا نقول: المأمور من يتوجه إليه الأمر من
البالغين، بأنهم يقدمون من اتصف بكونه أكثر قرآنًا، فبطل ما احتج به، كذا في
((الفتح)). قال الحنيفة ومن وافقهم: حديث عمرو هذا لاحجة فيه على صحة إمامة
الصبي؛ لأنه لم يرد أن ذلك كان عن أمره وَلخيّل، ولا عن علمه، وتقريره، وإنما
قدموه باجتهادهم، ورُدَّ: بأن دليل الجواز وقوع ذلك في زمن الوحي، ولا يقرر فيه
على فعل ما لا يجوز، سيما في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام، وقد نُبِّهَ اَل
بالوحي على القذى الذي كان في نعله، فلو كان إمامة الصبي لا تصح لنزل الوحي
بذلك. وقد استدل أبوسعيد وجابر، بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل، والوفد
الذين قدموا عمرًا كانوا جماعة من الصحابة. قال ابن حزم في ((المحلى)) (ج٤
ص٢١٨) بعد رواية الحديث: فهذا فعل عمرو بن سلمة، وطائفة من الصحابة معه
لا يعرف لهم من الصحابة مخالف، فأين الحنفيون، والمالكيون المشنعون
بخلاف الصحابة؟ إذا وافق تقليدهم، وهم أترك الناس له، لا سيما من قال منهم:
إن ما لا يعرف فيه خلاف، فهو إجماع. وقد وجدنا لعمرو هذا صحبة ووفادة على
النبي ◌َّليّ مع أبيه، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): لم ينصف من قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم
يطلع النبي ◌ّ على ذلك؛ لأنها شهادة نفي، ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير فيه