Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
لا يلزمه باقتداء المأموم حكم، وفي حق النساء شرط لاحتمال فساد صلاته
بمحاذاتها إياه. والأصح عند الشافعية: أنه لا يشترط مطلقًا، واستدل لذلك ابن
المنذر بحديث أنس: «أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ يَقُوْمُ فِي رَمَضَانَ، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُمْتُ
إِلَى جَتْبِهِ وَجَاءَ آخَرٌ، فَقَامَ إِلَى جَنْبِي حَتَّى كُنَّا رَهْطًا، فَلَمَّا أَحَسَّ النَّبِيُّ وَلَهَ بِنَا تَجَوَّزَ
فِي صَلَاتِهِ ... )) الحديث. وهو ظاهر في أنه لم ينو الإمامة ابتداء، وائتموا هم به
ابتداء وأقرهم، وهو حديث صحيح. أخرجه مسلم، وعلقه البخاري في كتاب
الصيام. وذهب أحمد إلى الفرق بين النافلة والفريضة، فشرط أن ينوي في الفريضة
دون النافلة. وفيه نظر لحديث أبي سعيد: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِّهِ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّ وَحْدَهُ،
فَقَالَ: ((أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ)) أخرجه أبو داود. وقد حسنه الترمذي
وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، والراجح عندنا: هو عدم الفرق بين
الفريضة والنافلة، وعدم الاشتراط في حق الرجال والنساء جميعًا؛ لانتفاء ما يدل
على الفرق والتفصيل، والله أعلم. ومنها: جواز الإمامة في النافلة، وصحة
الجماعة فيها، ومنها: التعليم في الصلاة، إذا كان من أمرها. ومنها: أن النافلة
كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنه وَّ لم يتكلم. ومنها: ما قيل: إن تقدم المأموم
على إمامه مبطل.
قال الحافظ: ذكر البيهقي أنه يستفاد من الحديث: امتناع تقديم المأموم على
الإِمام لما في رواية مسلم: ((فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَدَارَنِي مِنْ خَلْفِهِ حَتَّى جَعَلَنِي عَنْ
يَمِيْنِهِ))، وفيه نظر، قال العيني: لأنه يجوز أن تكون إدارته من خلفه؛ لئلا يمر بين
يديه، فإنه مكروه. ومنها: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد بوب لذلك
البخاري، حيث قال: باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام، فحوله الإمام إلى
يمينه، لم تفسد صلاتهما، أي: بالعمل الواقع منها؛ لكونه خفيفًا يسيرًا، وهو من
مصلحة الصلاة أيضًا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم. وقد تقدم التنبيه على ما وقع من الاختلاف بين لفظ
مسلم، وبين اللفظ الذي ذكره المصنف تبعًا للبغوي، والحديث أخرجه أيضًا
أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
EXE
بَابُ المُؤْقِفِ
EEx'
٥٤١
١١١٣ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ قِالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ لَيُصَلِّي فَجِئْتُ حَتَّى
قُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَدَارَنِ حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ
صَخْرٍ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ، فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فدفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا
خَلْفَهً.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْجُ
١١١٣ - قوله: (وَعَنْ جَابِرٍ) أي: ابن عبد الله. (فَأَخَذَ بِيَدِي) قال ابن
الملك: أي: أخذني بيده اليمنى من وراء ظهره، حتى أقامني. (عَنْ يَمِينِهِ) فيه أن
موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام. (ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ) بن أمية بن خنساء
ابن سنان السلمي الأنصاري، شهد بدرًا وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، ثم شهد
أحدًا، وما بعدها من المشاهد، وكان أحد السبعين ليلة العقبة، وآخى رسول الله
وَخلا بينه وبين المقداد بن الأسود، يكنى أبا عبد الله، توفي بالمدينة سنة ثلاثين. قال
ابن إسحاق: كان خارصًا بعد عبد الله بن رواحة. (فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا) بالتثنية. وفي
مسلم: ((بِأَيْدِيْنَا)) أي: بلفظ الجمع. (فدفَعَنَا) أي: أخرنا. قال الطيبي: لعلَّه ◌ِل
أخذ بيمينه شمال أحدهما، وبشماله يمين الآخر، فدفعهما. (حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ) فيه
أن الإمام إذا كان معه عن يمينه مأموم، ثم جاء مأموم آخر، ووقف عن يساره، فله
أن يدفعهما خلفه، إذا كان لوقوفهما خلفه مكان، أو يتقدمهما. يدل عليه حديث
سمرة الآتي في الفصل الثاني. وفيه: أن موقف الرجلين مع الإمام في الصلاة
خلفه .
قال النووي: في الحديث فوائد: منها: جواز العمل اليسير في الصلاة، وأنه لا
يكره إن كان لحاجة، فإن لم يكن لحاجة كره. ومنها: أن المأموم الواحد يقف على
يمين الإمام، وإن وقف على يساره حوله الامام. ومنها: أن المأمومين يكونان صفًّا
وراء الإمام، كما لو كانوا ثلاثة أو أكثر. وهذا مذهب العلماء كافة إلا ابن مسعود
وصاحبيه - يعني: الأسود وعلقمة - فإنهم قالوا: يقف الاثنان عن جانبيه قال :
(١١١٣) مُسْلِم (٣٠١٠) مُطَوَّلًا عَنْهُ فِي أَوَاخِرِ (صَحِيحِهِ)).
٥٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأجمعوا إذا كانوا ثلاثة أنهم يقفون وراءه، انتهى.
قلت: روى مسلم في ((صحيحه)) عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله،
فقال: أصلي من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه،
والآخر عن شماله، ثم ركعنا، فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق
بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول اللّه وَه .
وروى أحمد عن الأسود قال: دخلت أنا وعمي علقمة على ابن مسعود بالهاجرة،
قال: فأقام الظهر ليصلي، فقمنا خلفه، فأخذ بيدي ويد عمي، ثم جعل أحدنا عن
يمينه والآخر عن يساره، فصففنا صفًّا واحدًا، ثم قال: هكذا كان رسول اللّه وَله.
يصنع إذا كانوا ثلاثة، وأجاب عنه ابن سيرين بأن ذلك كان لضيق المكان، أو لعذر
آخر لا على أنه من السنة. رواه الطحاوي، وقال الحازمي: إنه منسوخ؛ لأنه إنما
تعلَّم ابن مسعود هذه الصلاة عن النبي ◌َّيّ بمكة؛ إذ فيها التطبيق وأحكام أخرى هي
الآن متروكة وهذه من جملتها، ولما قدم النبي ◌َّ المدينة تركه بدليل حديث
جابر، فإنه شهد المشاهد التى بعد بدر، انتهى. قال ابن الهمام: وغاية ما فيه خفاء
الناسخ على عبد الله، وليس ذلك ببعيد؛ إذ لم يكن دأبه لعلّله إلا إمامة الجمع
الكثير دون الاثنين، إلا في الندرة كهذه القصة، وحديث اليتيم، وهو داخل في
بيت امرأة. يعنى: حديث أنس الآتي، فلم يطلع عبد الله على خلاف ما علمه،
انتهى. وقال ابن سيد الناس: وليس ذلك - أي: وقوف الاثنين خلف الإمام -
شرطًا عند أحد منهم، ولكن الخلاف في الأولى والأحسن.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في آخر ((صحيحه)) في أثناء الحديث الطويل. وأخرجه البيهقي
(ج ٣ ص ٩٥) مختصرًا وأبو داود مطولًا، وهذا الذي ذكر المصنف بعضًا منه،
وروى أحمد عن جابر قال: ((قَامَ النَّبِيَّ وَّهِ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ عَنْ
يَسَارِهِ، فَتَهَانِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبٌ لِي فَصَفَّنَا خَلْفَهُ ... ))
الحديث .
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ المُؤْقِفِ
٥٤٣
١١١٤ - [٣] وَعَنْ أَنَس قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ
النَّبِّ وَّةِ، وَأُمُّ سُلَيْمِ خَلْفَنَا.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح }
الشرخُ
١١١٤ - قوله: (صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ) بالرفع عطفًا على الضمير المرفوع. قال
صاحب ((العمدة)): اليتيم هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة. قال ابن
الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن أبي حبيب، ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من
حسين بن عبد الله، أو من غيره من أهل المدينة. قال ضميرة: هو ابن أبي ضميرة
مولى رسول اللَّه ◌َ ل. واختلف في اسم أبي ضميرة، فقيل: روح، وقيل غير ذلك،
انتهى. وقال النووي: اسم اليتيم ضميرة بن سعد الحميري. وقال المنذري: اليتيم
وهو ابن أبي ضميرة مولى رسول اللّه وَ ليل، له ولأبيه صحبة، وعدادهما في أهل
المدينة. (فِي بَيْتِنَا) متعلق بـ(صَلَّيْتُ)). (وَأُمُّ سُلَيْمِ خَلْفَنَا) وفي البخاري: وأمي أم
سليم خلفنا. قال العيني: وأمي عطف على اليتيمَّ، وأم سليم عطف بيان، وكانت
مشتهرة بهذه الكنية، واسمها سهلة. وقيل: رميلة أو رميثة أو الرميصاء أو
الغميصاء، زوجة أبي طلحة، وکانت فاضلة دينة، انتهى.
قلت: أم سليم هي بنت مِلْحان بكسر الميم وإسكان اللام، واسمه مالك بن
خالد بن زيد بن حرام من بني النجار، وكانت أم سليم تحت مالك بن النضر،
فولدت له أنسًا في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين من الأنصار، فغضب مالك
وخرج إلى الشام، ومات بها، فتزوجها بعده أبوطلحة زيد بن سهل الأنصاري،
فولدت له عبد الله وأبا عمير، واسم والدة أم سليم مليكة بالتصغير بنت مالك بن
عدي بن زيد مناة بن عدي، فهي جدة أنس لأمه. وفي الحديث دليل على صحة
الجماعة في النفل في البيوت، وعلى صحة الصلاة للتعليم والتبرك، كما تدل عليه
القصة، وعلى أن مقام الاثنين خلف الإمام، وعلى أن إمامة المرأة للرجال غير
(١١١٤) مُسْلِم، وَالنَّسَائِي (١١٨/٢) عَنْهُ فِيهَا، قُلْتُ: وَأَصْلُهُ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، البُخَارِي (٣٨٠)،
ومُسْلِمٍ (٢٦٦/ ٦٥٨)، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ.
٥٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جائزة؛ لأنها لما زحمت عن مساواتهم في مقام الصف، كانت من أن تتقدمهم
أبعد، وعلى وجوب ترتيب مواقف المأمومين، وأن الأفضل يتقدم على من دونه
في الفضل، ولذلك قال النبي ◌َّ: (لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى))، وعلى
صحة صلاة الصبي المميز، وأن الصبي يعتد بوقوفه ويسد الجناح، وهو الظاهر من
لفظ اليتيم؛ إذ لا يتم بعد الاحتلام، ويؤيده جذبه وَّ لابن عباس من جهة اليسار
إلى جهة اليمين، وصلاته معه وهو صبي، وعلى أن الصبي الواحد يقوم مع الرجل
صفًّا، فإن اليتيم لم يقف منفردًا بل صف مع أنس، وعلى أن المرأة لا تصف مع
الرجال، وعلى أنها تقوم صفًّا وحدها، إذا لم يكن معها امرأة غيرها، فعدم امرأة
تنضم إليها عذر في ذلك، فإن انضمت المرأة مع الرجل أجزأت صلاتها؛ لأنه ليس
في الحديث إلا تقريرها على التأخر، وأنه موقفها، وليس فيه دلالة على فساد
صلاتها لو صلت في غيره، وذهب أبو حنيفة إلى أنه تفسد صلاة الرجل دون المرأة،
ولا دليل على ذلك.
قال الحافظ في الحديث: إن المرأة لا تصف مع الرجال، وأصله ما يخشى من
الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعند الحنفية : تفسد صلاة
الرجل دون المرأة، وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف، حيث قال قائلهم: دليله قول
ابن مسعود: ((أَخِّرِوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللـهُ)). والأمر للوجوب، وحيث ظرف
مكان، ولا مكان يجب تأخيرهن فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت
صلاة الرجل؛ لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، وحكاية هذا تغني عن تكلف جوابه،
والله المستعان. فقد ثبت النهي عن الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لا بسه أن
ينزعه، فلو خالف، فصلى فيه ولم ينزعه أثم، وأجزأته صلاته، فلم يقال في الرجل
الذي حاذته المرأة ذلك؟! وأوضح منه لو كان لباب المسجد صفة مملوكة، فصلى
فيها شخص بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة
واحدة، صحت صلاته وأثم، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته، ولا سيما إن
جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه، انتهى كلام الحافظ .
وقال الشوكاني في ((السيل الجرار)): إذا لم تقف المرأة في موقفها، الذي عينه
رسول اللّه وَ ليله لها، وهو وقوفها في صف النساء، أو وقوفها وحدها بعد الرجال،
فقد صارت بذلك عاصية، وأما فساد صلاتها بذلك، فلا دليل يدل عليه، وهكذا لا
٥٤٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْمُؤْقِفِ
دليل يدل على فساد صلاة الرجال؛ لأن غاية الأمر دخول الأجنبية معهم، ونظرهم
إليها، وذلك لا يوجب فساد الصلاة، بل يكون من وقف بجنبها مختارًا لذلك، أو
نظر إليها عاصيًا، وصلاته صحيحة، وأما من لم يقف بجنبها، ولا نظر إليها، فليس
بعاص فضلاً عن كون صلاته تفسد بمجرد دخولها معهم في الصلاة، ومشاركتها
لهم في الائتمام بإمامهم. والحاصل: أن التسرع إلى إثبات مثل هذه الأحكام
الشرعية بمجرد الرأي الخالي عن الدليل، ليس من دأب أهل الإنصاف، ولا من
صنيع المتورعين، انتهى. واستدل الزيلعي والخطابي وابن بطال بالحديث على
صحة صلاة المنفرد خلف الصف، قال الزيلعي: أحكام الرجال والنساء في ذلك
سواء. وقال ابن بطال: لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجال أولى، ورُدَّ هذا الاستدلال
بأنه إنما ساغ ذلك للمرأة لا متناع أن تصفّ مع الرجال بخلاف الرجل، فإن له أن
يصفّ معهم، وأن يزاحمهم، وأن يجذب رجلًا من حاشية الصفِّ فيقوم معه
فافترقا. قال ابن خزيمة: لا يصح الاستدلال به؛ لأن المرء خلف الصف وحده
منهي عنها باتفاق ممن يقول: تجزئه، أو لا تجزئه، وصلاة المرأة وحدها، إذا لم
يكن هناك امرأة أخرى مأمور بها، فكيف يقاس مأمورٌ على منهي، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ). الصواب أن يقول: متفق عليه، واللفظ للبخاري، كما قال
الحافظ في ((بلوغ المرام))، أو يقول: رواه البخاري، كما قال المجد ابن تيمية في
((المنتقى))، فإن هذه الرواية أخرجها البخاري في كتاب الصلاة في باب: المرأة
وحدها تكون صفًّا. من طريق سفيان بن عيينة عن إسحاق عن أنس، فالعجب من
المصنف، أنه عزا الحديث إلى مسلم فقط مع أن مسلمًا لم يروه بهذا اللفظ.
والظاهر أن المصنف تبع في ذلك الجزري، حيث عزاه في ((جامع الأصول))
(ج٦: ص٣٩١) لمسلم والنسائي فقط. قال الحافظ في ((الفتح)): هذا الحديث
طرف من حديث اختصره سفيان، وطوله مالك كما تقدم في باب الصلاة على
الحصير، انتهى. قلت: الحديث المطول أخرجه أحمد ومالك والبخاري ومسلم
والترمذي وأبو داود والنسائي، والظاهر أنه قضية؛ لأن المراد بالعجوز في قوله:
((وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا)) في الحديث المطول: هي مليكة جدة أنس التي دعته لطعام
صنعته، لا أم سليم.
٥٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
see
١١١٥ - [٤] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ
فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا.
﴿ صَلَّى بِهِ، وَبِأُمِّهِ أَوْخَالَتِهِ قَالَ:
عَلَىالّه
وسيلم
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْئُ
١١١٥ - قوله: (صَلَّى بِهِ) أي: بأنس. (وَبِأُمِّهِ) أي: أم سليم. (أَوْ خَالَتِهِ) شك
من الراوي، واسم خالته أم حرام بنت ملحان. (قَالَ) أي: أنس. (فَأَقَامَنِي) أي :
أمرني بالقيام. (عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا) في الحديث دليل على أنه إذا حضر
مع إمام الجماعة رجل وامرأة، كان موقف الرجل عن يمينه، وموقف المرأة
خلفهما. وإنها لا تصف مع الرجال.
واعلم: أنه اختلفت الروايات في صلاة النبي ◌ّ في بيت أنس، ففي بعضها:
أن مليكة جدة أنس دعته لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: ((قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ)).
قال أنس: فقام رسول اللَّه وَّل على حصير، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز
من ورائنا، أخرجه أحمد (ج٣: ص ١٣١، ١٤٩) ومالك وأصحاب الكتب الستة
إلا ابن ماجه. وفي بعضها: أنه دخل على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، وكان
صائمًا، فقال: ((أَعِيدُوا تَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، وَسَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ))، ثم قام إلى ناحية
البيت، فصلى ركعتين، وصلينا معه ... الحديث. أخرجه أحمد من طريق حميد
عن أنس في (ج ٣: ص١٠٨، و١٨٨) وعند أبي داود من طريق ثابت عن أنس: أنه
دخل على أم حرام، فأتوه بسمن وتمر، فقال: ((رُدُّوا هَذَا فِي وِعَائِهِ، وَهَذَا فِي سِقَائِهِ
فَإِنِّي صَائِمٌ))، ثم قام، فصلى بنا ركعتين تطوعًا، فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا.
قال ثابت: ولا أعلمه إلا قال: أقامني عن يمينه، وفي بعضها: أنه صلى في بيت
أم حرام، فأقام أنسًا عن يمينه، وأم حرام خلفهما، وهو عند أحمد (ج ٣: ص٢٠٤)
من طريق ثابت عن أنس. وفي بعضها: أنه صلى، ومعه أنس وأم سليم، فجعل
أنسًا عن يمينه وأم سليم خلفهما، وهو عند أحمد أيضًا (ج٣: ص٢١٧) من طريق
ثابت. وروى أحمد (ج ٣: ص١٩٤ - ١٩٥) والنسائي من طريق شعبة عن عبد الله
(١١١٥) مُسْلِم (٢٦٩/ ٦٦٠)، وَالنَّسَائِي (٨٦/٢) عَنْهُ فِيهَا.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمُؤْقِفِ
٥٤٧
ابن المختار عن موسى بن أنس عن أنس: أن النبي وَلّ جعل أنسًا عن يمينه، وأمه
وخالته خلفهما. وروى أحمد (ج٣: ص ١٦٠ و١٩٣ و١٩٤ و٢١٧ و٢٣٩ و٢٤٢)
ومسلم وأبو داود والنسائي هذا المعنى أيضًا من حديث ثابت عن أنس، وفي
بعضها أنه صلى بأنس وبامرأة من أهله، فجعله عن يمينه، والمرأة خلفهما وهو عند
أحمد (ج٣: ص٢٥٨ و٢٦١) وأبي داود والنسائي وابن ماجه، وفي بعضها ما يدل
على أنه كان يزورهم، فربما تحضره الصلاة، وهو عند أحمد (ج٣: ص٢١٢)
ومسلم، وهو يدل على أنه كان في بعض أحيانه يصلي الفريضة عندهم. وفي
بعضها ورد التصريح بأنه صلى بهم تطوعًا، كما في رواية لأحمد (ج٣: ص١٦٠)
وأبي داود. وقد ظن بعضهم هذا الاختلاف موجبًا للاضطراب. والحق: أنه لا
اضطراب هاهنا؛ لأن صلاته وَله في بيت أنس، وأمه، وخالته، وجدته، ليست
حادثة واحدة، بل هي حوادث متعددة مختلفة، كما يدل عليه اختلاف سياق هذه
الروايات، فلا تعارض بينها. كذا حققه الشيخ أحمد شاكر في ((تعليقه على
الترمذي)).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) من طريق شعبة عن عبد الله بن المختار عن موسى بن أنس.
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص٢٥٨ وص ٢٦١) وأبو داود والنسائي وابن ماجه من
هذا الطريق، لكنهم أبهموا المرأة. فلفظ أحمد وأبي داود: أن رسول اللّه وَله (( أَمَّ
أنسًا وامرأةَ مِنْهُم)). ولفظ النسائي: ((صَلَّى بِي وَبِامْرأَةٍ مِن أهْلِي)). ولفظ ابن
ماجه: ((صَلَّى بِامْرأةٍ من أهله وبي)).
١١١٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِّ ◌ِّهِ وَهُورَاكِعٌ، فَرَكَعَ
قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَ فَقَالَ:
((زَادََ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ)).
[رَواهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١١١٦ - قوله: (أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ وَ لَهَ وَهُوَ رَاكِعٌ) أي: والحال أن النبيِ وَل
(١١١٦) البُخَارِي (٧٨٣)، وَأَبُو دَاوُد (٦٨٣)، وَالنَّسَائِي (١١٨/٢) عَنْهُ فِيهَا .
٥٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
راكع. وفي رواية النسائي: أنه دخل المسجد والنبي ◌َّو راكع. وعند الطبراني: أنه
دخل المسجد، وقد أقيمت الصلاة، فانطلق يسعى، وللطحاوي: جئت
ورسول اللَّه وَ لّ راكع وقد حفزني النفس، فركعت دون الصف. (فَرَكَعَ) أي: كبر
قائمًا وركع. (قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ) ليدرك النبي ◌َّ في الركوع.
(ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفّ) ليس هذا عند البخاري، وإنما هو عند أحمد (ج٥ ص٤٥)
وأبي داود، ولفظهما: فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف. (فَذُكِرَ) على البناء
للمفعول، وقيل: معلوم. (ذَلِك) أي: الذي فعله أبوبكرة من السعي، والركوع
دون الصف، والمشي إلى الصفّ راكِعًا. وفي رواية للطبراني: فلما انصرف
رسول اللّهِ وَ له قال: ((أَيُّكُمْ دَخَلَ الصَّفَّ وَهُوَ رَاكِعٌ؟)) ولأبي داود: فلما قضى
النبي ◌ِّ صلاته قال: ((أَيُّكُمُ الَّذِي رَكَعَ دُوْنَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ؟)) فقال
أبوبكرة: أنا. وفي رواية أخرى للطبراني: فقال: ((مَنِ السَّاعِي؟))، وله أيضًا:
فقال: (أَيُّكُمْ صَاحِبُ هَذَا النَّفَسِ؟))، قال: خشيت أن تفوتني الركعة معك، وله
أيضًا في رواية في آخر الحديث: ((صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ، وَاقْضٍ مَا سَبَقَكَ)).
(زَادََ اللَّهُ حِرْصًا) أي: على طلب الخير. (وَلَا تَعُدْ) أي: أن منشأ هذا الفعل
هو: الحرص على العبادة وإدراك فضل الإمام، والحرص على الخير مطلوب
محبوب، لكن لا تعد إلى مثل هذا الفعل لأجله؛ لأن الحرص لا يستعمل على وجه
يخالف الشرع، وإنما المحمود أن يأتي به على وفق الشرع. وقوله: ((لَا تَعُدْ)) بفتح
أوله وضم العين من العود. قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١١٠): اختلف في
معنى قوله: (وَلَا تَعُدْ): فقيل: نهاه عن العود إلى الإحرام خارج الصف، وأنكر
هذا ابن حبان، وقال: أراد لا تعد في إبطاء المجيء إلى الصلاة، يعني: أنه نهاه عن
التأخر عن الصلاة، حتى تفوته الركعة مع الامام. وقال ابن القطان الفاسي، تبعًا
للمهلب بن أبي صفرة: معناه: لا تعد إلى دخولك في الصف، وأنت راكع، فإنها
كمشية البهائم. ويؤيده رواية حماد بن سلمة في ((مصنفه)) عن الأعلم عن الحسن
عن أبي بكرة: أنه دخل المسجد، ورسول الله وَل يصلي وقد ركع، فركع، ثم
دخل الصف وهو راكع، فلما انصرف النبي ◌َّ قال: ((أَيُّكُمْ دَخَلَ فِي الصَّفِّ وَهُوَ
رَاكِعٌ؟»، فقال له أبو بكرة: أنا، فقال: ((زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ))، وقال غيره: بل
معناه: لا تعد إلى إتيان الصلاة مسرعًا، واحتج بما رواه ابن السكن في (صحيحه))
كِتَابُ الصَّلَاةِ
**=
بَابُ الْمُؤْقِفِ
٥٤٩
بلفظ: أقيمت الصلاة، فانطلقتُ أسعى حتى دخلت في الصف، فلما قضى الصلاة
قال: ((مَنِ السَّاعِي آنِفًا؟))، قال أبوبكرة: أنا، فقال: ((زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ))،
انتھی .
وقال في ((الفتح)): قوله ((لَا تَعُدْ)) ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضم
العين من العود، أي: لا تعد إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثم من الركوع دون
الصف، ثم من المشي إلى الصف. وقد ورد ما يقتضي ذلك صريحًا في طرق
حديثه، کما تقدمت، وحکی بعض شراح (المصابیح))، أنه روي بضم أوله و کسر
العين من الإعادة، ويؤيد الروايات المشهورة ما ورد من الزيادة في آخر الحديث
عند الطبراني: ((صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ، وَاقْضٍ مَا سَبَقَكَ)). وروى الطحاوي بإسناد حسن؛
عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فَلَ يَرْكَعْ دُوْنَ الصَّفِّ حَّتَى يَأْخُذَ
مَكَانَهُ مِنَ الصَّفِّ))، انتهى. وقال الجزري: ((لَا تَعُدْ)) بفتح التاء، وضم العين
وإسكان الدال من العود، أي: لا تعد ثانيًا إلى مثل ذلك الفعل، وهو المشي إلى
الصف في الصلاة. ويحتمل أن يكون نهاه عن اقتدائه منفردًا. ويحتمل أن يكون
عن ركوعه قبل الوصول إلى الصف، والظاهر: أنه نهى عن ذلك كله. وقد أبعد من
قال: ((وَلَا تُعِدْ)) بضم التاء وكسر العين من الإعادة، أي: لا تعد الصلاة التي
صليتها، وأبعد منه من قال: إنه بإسكان العين وضم الدال من العَدو أي: لا تسرع،
وكلاهما لم يأت به رواية، وإنما يحملهم على ذلك في أمثاله من تحريفهم ألفاظ
النبوة وتغييرها كونهم لم يحفظوها، أو ما وصلت إليهم الرواية، فيذكرون ما
يحتمله الخط؛ لعدم معرفتهم باللفظ المروي، انتهى. واختلف في الركوع دون
الصف، فذهب مالك والليث: إلى أن الداخل إذا خاف فوت الركعة، بأن يرفع
الإمام رأسه من الركوع إن تمادى، حتى يصل إلى الصف أن له أن يركع دون
الصف، ثم يدب راكعًا إذا كان قريبًا، وحد القرب أن يصل إلى الصف قبل سجود
الإمام. وقيل: يدب قدر ما بين الفرجتين. وقيل: ثلاثة صفوف. وكره ذلك
الشافعي. وفرق أبو حنيفة بين الجماعة والواحد، فكرهه للواحد، وأجازه
للجماعة. وما ذهب إليه مالك روي عن زيد بن ثابت وابن مسعود وعبد الله بن
الزبير وأبي أمامة وعطاء. وروى الطبراني في ((الأوسط)) من حديث ابن وهب عن
ابن جريج عن عطاء سمع ابن الزبير على المنبر يقول: ((إذا دخل أحدكم المسجد،
٥٥٠
PHERODE
gets
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والناس ركوع فليركع حين يدخل، ثم يدب راكعًا حتى يدخل في الصف؛ فإن ذلك
السنة))، قال: قد رأيته يصنع ذلك. قال ابن جريج: وقد رأيت عطاء يصنع ذلك،
قال الطبراني: تفرد به ابن وهب، ولم يروه عنه غير حرملة، ولا يروى عن ابن
الزبير إلا بهذا الإسناد، انتهى. قلت: قد رواه البيهقي (ج٣ ص١٦) من طريق سعيد
بن الحكم بن أبي مريم عن ابن وهب. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢
ص٩٦) بعد عزوة للطبراني: رجاله رجال الصحيح.
قلت: القول الراجح المعتمد المعول عليه هو المنع؛ لحديث أبي بكرة، ولما
روى الطحاوي من حديث أبي هريرة مرفوعًا بإسناد حسن: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ
الصَّلَاةَ، فَلَ يَرْكَعْ دُونَ الصَّفِّ حَتَّى يَأْخُذَ مَكَانَهُ مِنَ الصَّفِّ))، وإليه ذهب أبو هريرة،
كما أخرج عنه ابن عبد البر وابن أبي شيبة، وبه قال الحسن وإبراهيم. واستدل
بحديث أبي بكرة على أن من أدرك الإمام راكعًا دخل معه، واعتد بتلك الركعة،
وإن لم يدرك شيئًا من القيام والقراءة؛ لأن أبا بكرة ركع خلف الصف مخافة أن
تفوته الركعة، فدعا له بزيادة الحرص، ولم يأمره بإعادة تلك الركعة، وهذا
مذهب الجمهور. وذهب أبو هريرة وأهل الظاهر وابن خزيمة وأبوبكر الضبعي
والبخاري: إلى أنه لا تجزئه تلك الركعة إذا فاته القيام وقراءة فاتحة الكتاب، وإن
أدرك الركوع مع الإمام. وقد حكى هذا المذهب الحافظ في ((الفتح)) عن جماعة
من الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي وغيره من محدثي الشافعية، ورجحه
المقبلي، قال: وقد بحثت هذه المسألة وأحطتها في جميع بحثي فقهًا وحديثًا، فلم
أحصل منها على غير ما ذكرت، يعني: من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط، وهو
القول الراجح عندي، فلا يكون مدرك الركوع مدركًا للركعة لما فاته من القيام
وقراءة فاتحة الكتاب، وهما من فروض الصلاة وأركانها، ولحديث: ((مَا أَدْرَكْتُمْ
فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتُِّّوا)). قال الحافظ: قد استدل به على أن من أدرك الإمام
راكعًا، لم يحتسب له تلك الركعة؛ للأمر بإتمامه ما فاته؛ لأنه فاته القيام والقراءة
فيه، انتهى. وأما حديث أبي بكرة، فليس فيه ما يدل على ما ذهب الجمهور إليه؛
لأنه كما لم يأمر بالإعادة، فلم ينقل إلينا أنه اعتد بها، والدعاء بالحرص لا يستلزم
الاعتداد بها؛ لأن الکون مع الإمام مأمور به سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم
معتمدًّا به أم لا، كما في حديث: ((إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا
٥٥١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمُؤْقِفِ
تَعُدُّوهَا شَيْئًا)). رواه أبو داود وغيره، على أن النبي ◌َّ قد نهى أبا بكرة عن العود إلى
مثل ذلك، والاستدلال بشيء قد نهي عنه لا يصح، كذا ذكره الشوكاني في ((النيل)).
قلت: زيادة الطبراني في آخر حديث أبي بكرة بلفظ : ((صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ، وَاقْضٍ مَا
سَبَقَك)) تدل على عدم اعتداد تلك الركعة، ويدل عليه أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة في
((المصنف)) عن معاذ بن جبل، قال: لا أجده على حال إلا كنت عليها، وقضيت ما
سبقني، فوجده قد سبقه - يعني: النبي ◌َّ - ببعض الصلاة أو قال: ببعض ركعة،
فوافقه فيما هو فيه، وأتى بركعة بعد السلام، فقال ◌َله: ((إِنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ،
فَهَكَذَا فَاصْنَعُوا)) .
وقال شيخنا في ((شرح الترمذي)) بعد ترجيح قول أهل الظاهر ومن وافقهم: أما
حديث أبي بكرة فواقعة عين، يعني: أنه يجري فيه من الاحتمالات ما لا يجري في
الأدلة القولية التي هي نص في فرضية القيام، وقراءة فاتحة الكتاب، والأمر
بإتمامه ما فاته. ورجح الشوكانيُّ في ((فتاواه)) التي سماه ولده أحمد بن محمد بن
علي الشوكاني بـ((الفتح الرباني)) القولَ باعتداد تلك الركعة خلاف ما حققه في
((شرح المنتقى))؛ حيث جعل تلك الحالة التي وقعت للمؤتم، وهي إدراك إمامه
راكعًا، مخصصة من عموم أدلة إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة على كل
مصل. واستدل لذلك بما روى ابن خزيمة والدارقطني (١٣٢) والبيهقي (ج٢
ص٨٩) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ أَدْرََكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ
يُقِيمَ الإِمَامُ صُلْبَهُ)). وإليه ذهب بعض أهل الحديث في عصرنا.
والجواب عنه أولًا : أن في سنده يحيى بن حميد، وهو مجهول الحال غير معتمد
في الحديث، كما قال البخاري في ((جزء القراءة))، وضعفه الدار قطني، وذكره
العقيلي في ((الضعفاء)) وقد تفرد بقوله: ((قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الإِمَامُ صُلْبَهُ)). قال العقيلي:
وقد رواه مالك وغيره من حفاظ أصحاب الزهري، ولم يذكروا الزيادة الأخيرة،
ولعلها كلام الزهري. وقال ابن عدي بعد أن أورد الحديث: تفرد بهذه الزيادة، ولا
أعرف له غيره. كذا في ((اللسان)) (ج٦ ص ٢٥٠)، وفيه أيضًا قرة بن عبد الرحمن،
وهو متكلم فيه، وثانيًا: بعد تسليم صحة الزيادة المذكورة، أنه قد عرف في
موضعه أن مسمى الركعة جميع أركانها وأذكارها حقيقة شرعية وعرفية، وهما
مقدمتان على اللغوية، كما تقرر في الأصول. وأما التقييد بقوله: ((قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ
٥٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
◌ِإِمَامُ صُلْبَهُ)) فلدفع توهم أن من دخل مع الإمام ثم قرأ فاتحة الكتاب، وركع الإمام
قبل فراغه منها غير مدرك. وارجع لمزيد التفصيل إلى [منية الهداة في بيان معنى
حديث من أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الصلاة] من رسائل ((دليل الطالب على
أرجح المطالب)) (ص٣٣٩ - ٣٤٥) للعلامة القنوجي، فإنه قد بسط الكلام في
ذلك أشد البسط. (رَوَاهُ الْبُخَارِي) فيه نظر؛ لأن قوله: (ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ) ليس
في البخاري. والحديث أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان
والبيهقي (ج ٣ ص ١٠٦).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ المُؤْقِفِ
٥٥٣
الفصل الثانى
١١١٧ - [٦] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبِ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِذَا كُنَّا
ثَلَاثَةً، أَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا.
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١١١٧ - قوله: (أَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا): اختلفت نسخ الترمذي في هذا الحرف:
ففي بعضها كما وقع هاهنا، وكذلك نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٦
ص٣٩٢) وفي بعضها: ((أن يتقدم أحدنا))، وهذه توافق ما نقله المجد ابن تيمية في
((المنتقى))، وفي بعضها: ((أن يتقدمنا إمامنا))، وفي بعضها: ((أن يتقدم منَّا أحدنا)).
قال الطيبي: قوله: (أَنْ يَتَقَدَّمَنَا) معمول لقوله: (أَمَرَنَا) على حذف الباء، أي: بأن
يتقدمنا أحدنا. و(إذا كنا) ظرف (يتقدمنا)، وجاز تقديمه على أن المصدرية للاتساع
في الظروف، انتهى. والمعنى: أمرنا بأن يكون أحدنا إمامًا. وفيه دليل على أن
موقف الاثنين مع الإمام في الصلاة خلفه. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من حديث إسماعيل بن
مسلم المكي عن الحسن عن سمرة، قال الترمذي: حديث غريب، وقد تكلم بعض
الناس في إسماعيل بن مسلم من قبل حفظه، انتهى.
قلت: ونقل الشوكاني في ((النيل)) عن ((الأطراف)) لابن عساكر: أنه نقل عن
الترمذي أنه قال فيه: حسن غريب، قال: وذكر ابن العربي أنه ضعفه، وليس فيما
وقفنا عليه من نسخ الترمذي إلا أنه قال: إنه حديث غريب. ولعل المراد بقول ابن
العربي: أنه ضعفه، أي: أشار إلى تضعيفه بقوله: وقد تكلم الناس في إسماعيل بن
مسلم من قبل حفظه، بعد أن ساق الحديث من طريقه، وإسماعيل هذا تابعي روى
عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، كان فقيهًا مفتيًا ضعيفًا في الحديث من قبل حفظه،
يهم في الحديث، ويخطئ ويكثر الغلط، ضعفه الجوزجاني وأبو زرعة، وأبوحاتم
وابن حبان وأبو على الحافظ .
(١١١٧) التِّرْ مِذِي (٢٣٣) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
٥٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يزل مخلطًا، كان يحدثنا بالحديث الواحد على
ثلاثة ضروب. وقال ابن عيينة: كان يخطئ، أسأله عن الحديث، فما كان يدري
شيئًا. وقال أبوحاتم: ضعيف الحديث مختلط. وقال أبوطالب عن أحمد: منكر
الحديث. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: يسند عن الحسن عن سمرة أحاديث
مناكير، وقال الفلاس: كان ضعيفًا في الحديث يهم فيه، وكان صدوقًا يكثر
الغلط. وذكره العقيلي والدولابي والساجي وابن الجارود وغيرهم في الضعفاء.
وقال ابن سعد في ((الطبقات)) (ج ٧ ص٣٤): أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري،
قال: كان له رأي، وفتوى وبصر، وحفظ للحديث وغيره، وكان الناس عليه،
وعلى عثمان البتي، وكان مجلس إسماعيل ويونس بن عبيد واحدًا، فكنت أجيء
فأجلس إليهما، فأكتب على إسماعيل، وأدع يونس لنباهة إسماعيل عند الناس لما
کان شهر به من الفتوى، انتهى.
وقال الحافظ في ((التقريب)): كان فقيهًا ضعيف الحديث، انتهى. وحديث
سمرة هذا لم أجده في غير ((سنن الترمذي))، ولم أجد أحدًا نسبه إلى غيره، وقد
تكلم الناس في سماع الحسن عن سمرة، لكنه مؤيد بما تقدم من حديثي جابر
وأنس في الفصل الأول.
١١١٨ - [٧] وَعَنْ عَمَّارٍ: أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ، وَقَامَ عَلَى دُكَانٍ
يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ، فَأَخَذَ عَلَّى يَدَيْهِ، فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ حَتَّى
أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ
وَ يَقُولُ: ((إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ، فَلَا يَقُمْ فِي مَقَامٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ))، أَو نَحْوُ
ذَلِكَ؟ فَقَالَ عَمَّارُ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَّلَى يَدَيَّ.
[رواهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشَّرُْ
١١١٨ - قوله: (عَنْ عَمَّارِ أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ) أي: صلى بالناس إمامًا. (بِالْمَدَائِنِ)
(١١١٨) أَبُو دَاوُد (٥٩٨) عَنْهُ فِيهَا.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْمُؤْقِفِ
HE
٥٥٥
EXCE
بالهمز مدينة قديمة على دجلة، وكانت دار مملكة الأكاسرة على سبعة فراسخ من
بغداد. ولفظ أبي داود عن عدي بن ثابت: حدثني رجل أنه کان مع عمار بن ياسر
بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار. (وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ) أي: مكان مرتفع
وحده، بضم الدال المهملة وتشديد الكاف واحد دكاكين، وهي: الحوانيت
فارسي معرب، والنون مختلف فيها: فمنهم من يجعلها أصيلة، ومنهم من يجعلها
زائدة. فالدكان: هي الدكة بفتح الدال، وهو المكان المرتفع المبني للجلوس
عليه. (يُصَلِّي) بالناس. (وَالنَّاسِ) أي: المقتدون به. (أَسْفَلَ مِنْهُ) أي: في مكان
أسفل منه. (فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ) أي: من الصف. (فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ) أي: أخذ حذيفة على
يدي عمار وأمسكهما، فجذب عمارًا من خلفه؛ لينزل إلى أسفل، ويستوي مع
المقتدين. (فَاتَّبَعَهُ) بالتشديد. (عَمَّارٌ) أي: طاوع عمار حذيفة. (حَتَّى أَنْزَلَهُ) أي:
عمارًا من الدكان.
(إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ) أي: صار إمامًا لهم يصلي بهم. (أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ) عطف على
مفعول يقول. وأو للشك من الراوي، أي: قال هذا اللفظ أو نحوه. (فَقَالَ عَمَّارُ)
أي: في جواب حذيفة. وفي أبي داود: ((قال عمار)) أي: بدون الفاء. (لِذَلِكَ) أي:
لأجل هذا الحديث. قال القاري: أي: لأجل سماعي هذا النهي منه أولًا، وتذكري
بفعلك ثانيًا. (اتَّبَعْتُكَ) أي: في النزول. (حِيْن أَخَذْتَ عَلَى يَدَىَّ) بالتثنية.
والحديث دليل على كراهة أن يرتفع الإمام في المكان على المأموم الذي يقتدي
به، سواء كان المكان قدر قامة الرجل، أو دونها أو فوقها، لكن في سنده رجل
مجهول، كما تقدم. ويؤيد منع ارتفاع الإمام مطلقًا ما روى أبو داود والحاكم
والبيهقي عن همام: ((أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود
بقميصه، فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟
قال: بلى قد ذكرت حين مددتني)). وقد سكت عنه أبو داود والمنذري. وقال
النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٢٨):
وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وفي رواية للحاكم التصريح برفعه .
وفيه أن حذيفة هو الإمام، وأبو مسعود هو الذي أخذ بقميصه فجذبه. ولا تخالف؛
لأنهما قضيتان، ولا بعد أن حذيفة وقع له ذلك مع أبي مسعود قبل واقعته مع عمار.
ويؤيد المنع أيضًا، ما روى الدارقطني والحاكم عن أبي مسعود، قال: نهى
٥٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
e
(*E
رسول اللَّه ◌َليل أن يقوم الإمام فوق شيء، والناس خلفه، يعني: أسفل منه. ذكره
الحافظ في ((التلخيص)) وسكت عنه. وسكت عنه الحاكم والذهبي أيضًا، وسيأتي
هذا الحديث في آخر باب المشي مع الجنازة والصلاة عليها، قال الشوكاني في
((النيل)): ظاهر النهي في حديث أبي مسعود أن ذلك محرم لو لا ما ثبت عنه وَخلال من
الارتفاع على المنبر، قال: والحاصل من الأدلة منع ارتفاع الإمام على المؤتمين
من غير فرق بين المسجد وغيره، وبين القامة ودونها وفوقها؛ لقول أبي مسعود:
كانوا ينهون عن ذلك، وقول أبي مسعود أيضًا: نهى رسول اللَّه وَلَو ... الحديث.
وأما صلاته وَيخيّل على المنبر، فقيل: إنما فعل ذلك؛ لغرض التعليم، كما يدل عليه
قوله الآتي: (وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي))، وغاية ما فيه جواز وقوف الإِمام على محل أرفع
من المأمومين، إذا أراد تعليمهم.
قال ابن دقيق العيد: فيه، أي: في حديث سهل بن سعد الآتي: دليل على جواز
صلاة الإمام على أرفع مما عليه المأموم؛ لقصد التعليم. فأما من غير هذا القصد،
فقد قيل بكراهته، قال: ومن أراد أن يجيز هذا الارتفاع من غير قصد التعليم،
فاللفظ لا يتناوله. والقياس لا يستقيم؛ لانفراد الأصل بوصف معتبر يقتضي
المناسبة اعتباره، انتهى. على أنه قد تقرر في الأصول: أن النبي وَّ إذا نهى عن
شيء نهيًا يشمله بطريق الظهور، ثم فعل ما يخالفه، كان الفعل مخصصًا له من
العموم دون غيره، حيث لم يقم دليل على التأسي به في ذلك الفعل، فلا تكون
صلاته وَلّ معارضة للنهي عن الارتفاع باعتبار الأمة، وهذا على فرض تأخر صلاته
على المنبر عن النهي من الارتفاع، وعلى فرض تقدمها، أو التباس المتقدم من
المتأخر فيه الخلاف المعروف في الأصول في التخصيص بالمتقدم والملتبس،
انتهى كلام الشوكاني في (النيل)).
وقال في ((السيل الجرار)): في هذين الحديثين دليل على منع الإمام من الارتفاع
عن المؤتم، ولكن هذا النهي يحمل على التنزيه، لحديث صلاته وَّر على المنبر،
ومن قال: إنه ◌َّليل فعل ذلك للتعليم، كما وقع في آخر الحديث، فلا يفيده ذلك؛
لأنه لا يجوز له في حال التعليم إلا ما هو جائز في غيره، ولا يصح القول باختصاص
ذلك بالنبي وَّةِ. وقد جمعنا في هذا البحث رسالة مستقلة؛ جوابًا عن سؤال بعض
الأعلام، فمن أحب تحقيق المقام، فليرجع إليها، انتهى. قلت: وذهب إلى
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمُؤْقِفِ
٥٥٧
الجوازِ مطلقًا من غير كراهة ابن حزم، كما صرح به في ((المحلى)) (ج ٤ ص٨٤)
مستدلا بحديث سهل، قال: وهو قول الشافعي وأبي سليمان، وبمثل قولنا يقول
أحمد بن حنبل والليث بن سعد والبخاري وغيرهما، انتهى.
والراجح عندي: هو المنع. وأما حديث سهل؛ فإنما فعل ذلك للتعليم، أي:
لغرض أن لا يخفي على أحد صلاته، وهذا لا يثبت منه الجواز مطلقًا، والله أعلم.
واختلفوا في قدر الارتفاع الممنوع. فقيل: قدر القامة. وقيل: قدر الذراع. وقيل:
ما يقع به الامتياز، وهو الأوجه. ذكره الكمال وغيره. وكذا في ((الدر المختار)).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ومن طريقه أخرج البيهقي (ج٣ ص١٠٩) وسكت عنه أبو داود، وقد
تقدم أن في سنده رجلًا مجهولًا، لكنه مؤيد بحديثي أبي مسعود.
١١١٩ - [٨] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ
الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ: هُو مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَه
وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ وَ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَبَّرَ، وَقَامَ
النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ
الْقَهْقَرَي، فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ
رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَي حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ.
- هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَحْوَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ
عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا؛ لِتَأْتُمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا
صَلَاتِي))(*) .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (صحيح}
13
الشّرْحُ
١١١٩- قوله: (عَنْ سَهْلِ) بسكون الهاء. (بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين
الساعدي. (أَنَّهُ سُئِلَ) رواه البخاري من طريق أبي حازم سلمة بن دينار، قال:
سألوا سهل بن سعد. (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ) النبوي المدني. فاللام فيه للعهد؛ إذ
(١١١٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٣٧٧)، مسلم (٥٤٤) عَنْهُ فِيهَا .
(*) اللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٩١٧)، وأَبُو دَاوُد (١٠٨٠)، والنَّسَائِي (٥٧/٢)، وابن مَاجَهْ (١٤١٦).
٥٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السؤال عن منبره وَله. وفي رواية: أن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد
امتروا في المنبر مِمَّ عوده، فسألوه عن ذلك. (هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ) وفي رواية: ((من
طرفاء الغابة)). والأثل بفتح الهمزة وسكون المثلة هو الطرفاء. وقيل: شجر يشبه
الطرفاء بسكون الراء والمد، إلا إنه أعظم منه. قال القسطلاني: الأثل: شجر
كالطرفاء لا شوك له، وخشبه جيد، يعمل منه القصاع والأواني، وورقه أشنان
يغسل به القصارون؛ والغابة: بالمعجمة والموحدة موضع معروف قرب المدينة
من العوالي من جهة الشام، وأصلها كل شجر ملتف. (عَمِلَهُ) أي: المنبر. (فُلَانٌ)
بضم الفاء بالتنوين. واختلف في اسمه: فقيل: ميمون، وقيل: باقوم الرومي،
وقيل: باقول، وقيل: صباح، وقيل: قبيصة المخزومي، وقيل: كلاب، وقيل:
ميناء، وقيل: تميم الداري. قال الحافظ: وأشبه الأقوال بالصواب، وأقربها قول
من قال: هو ميمون؛ لكون الإسناد من طريق سهل بن سعد أيضًا. وأما الأقوال
الأخر، فلا اعتداد بها لوهائها. ويبعد جدًّا أن يجمع بينهما، بأن النجار كانت له
أسماء متعددة، وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيمنع منه قوله في
كثير من الروايات: لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، إلا إن كان يحمل على أن
المراد بالواحد الماهر في صناعته، والبقية أعوانه فيمكن. (مَوْلَى فُلَانَةَ) بعدم
الصرف للثأنيث والعلمية. قال الحافظ: لا يعرف اسمها لكنها أنصارية، وقيل:
اسمها عائشة، قاله البرماوى كالكرمانى. ورواه الطبراني في ((الأوسط)) من
حديث جابر بلفظ: وأمرت عائشة، فصنعت له منبره، لكن إسناده ضعيف. ولو
صح لما دل على أن عائشة هي المرادة في حديث سهل هذا إلا بتعسف. وكان منبر
النبي وَّ ثلاث درجات، واستمر على ذلك مدة الخلفاء الراشدين، ثم زاده مروان
في خلافة معاوية ست درجات مِن أسفله، فهي من جملة ما أحدث في المساجد
من البدع المكروهة. (لِرَسُولِ اللَّهِ) أي: لأجله. (وَقَامَ عَلَيْهِ) أي: على المنبر. قال
الحافظ: كانت صلاته على الدرجة العليا من المنبر. (حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ) بالبناء
للمفعول فيهما أي: حين صنع ووضع في مكانه المعروف بالمسجد. (وَكَبَّرَ) أي:
للتحريمة. (وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ) اقتداء به.
(ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى) بالقصر منصوب على أنه مفعول مطلق بمعنى: الرجوع إلى
خلف، أي: رجع الرجوع الذي يعرف بذلك، وإنما فعل بذلك؛ لئلا يولى ظهره
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمُؤْقِفِ
٥٥٩
القبلة. (فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ) إلى جنب الدرجة السفلى من المنبر. (حَتَّى سَجَدَ
بِالأَرْضِ) قال القسطلاني: لاحظ في قوله: على الأرض معنى: الاستعلاء، وفي
قوله: بالأرض معنى: الإلصاق، انتهى. قيل: قوله: (عمله ... )) الخ زيادة في
الجواب، كأنه قيل: المهم أن يعرف هذه المسألة الغريبة، وإنما ذكر حكاية صنع
الصانع؛ تنبيهًا على أنه عارف بتلك المسألة، وما يتصل بها من الأحوال والفوائد.
والحديث قد استدل به البخاري على جواز الصلاة على المنبر والخشب. قال
الحافظ: وفيه جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل، وقد صرح
بذلك البخاري في حكايته عن شيخه علي بن المديني عن أحمد بن حنبل، ولابن
دقيق العيد في ذلك بحث كما تقدم، وفيه دليل على جواز العمل اليسير في
الصلاة، لكن فيه إشكال على من حدد الكثير من العمل بثلاث خطوات، فإن منبر
النبي ◌َ﴾ كان ثلاث درجات، والصلاة كانت على العليا، ومن ضرورة ذلك: أن
يقع ما أوقعه من الفعل على الأرض بعد ثلاث خطوات فأكثر، وأقله ثلاث. والذي
يعتذر به عن هذا، أن يُدعى عدم التوالى بين الخطوات، فإن التوالي شرط في
الإبطال، أو ينازع في كون قيام هذه الصلاة فوق الدرجة العليا، ذكره ابن دقيق
العيد. (هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ) في باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب. وأشار
المصنف بهذا إلى أن هذا الحديث من الفصل الأول، وإنما أورده هنا تأسيًا
بـ((المصابيح))، حيث ذكره في الحسان؛ ليبين أنه مقيد لما قبله، يعني: أن ارتفاع
الإِمام عن المأموم مكروه إلا لغرض التعليم. (وفْي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَحْوَهُ) أخرجه
البخاري في باب الخطبة على المنبر من كتاب الجمعَة، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو
داود والنسائي والبيهقي. (وَقَالَ) أي: الراوي (فِي آخِرِهٍ) أي: في آخر الحديث
المتفق عليه: (فَلَمَّا فَرَغَ) أي: من الصلاة. (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بوجهه الشريف.
(فَقَالَ) مبينًا لأصحابه حكمة ذلك.
(إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا) أي: ما ذكر من الصلاة على المكان المرتفع. (لِتَأْتُمُّوا بِي)
أي: لتقتدوا بي في الصلاة أولًا. (وَلِتَعَلَّمُوا) بكسر اللام وفتح المثناة الفوقية
والعين وتشديد اللام، أي: لتتعلموا، فخذفت إحدى التائين تخفيفًا (صَلاَتِى) أي:
كيفيتها ثانيًا. وقد عرف منه أن الحكمة في صلاته في أعلى المنبر؛ ليراه من قد
يخفى عليه رؤيته إذا صلى على الأرض. وفيه جواز قصد تعليم المأمومين أفعال
الصلاة بالفعل.