Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١٠٩١ - [١] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُسَوِّي
صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ
يَوْمًّا فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًّا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ فَقَالَ: ((عِبَادَ
اللَّهِ لَتُسَوُّنَ صُفُوفَكُمْ، أَو لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح}
الشّرْحُ
١٠٩١ - قوله: (يُسَوِّي صُفُوفَنَا) أي: بيده، أو بأمره. (كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا) أي:
بالصفوف. (الْقِدَاحَ) بکسر القاف جمع قدح بکسر قاف فسکون دال، وهو خشب
السهم حين ينحت ويبرى. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص١٨٤): القدح:
خشب السهم إذا بري وأصلح قبل أن يركب فيه النصل والريش، انتهى. وقيل: هو
السهم مطلقًا، يعني: يبالغ في تسوية الصفوف، حتى تصير كأنما يقوم بها السهام
لشدة استوائها، واعتدالها، قاله النووي. وقال الطيبي: ضرب المثل به
للمتساويين أبلغ الاستواء في المعنى المراد منه؛ لأن القدح لا يصلح لما يراد منه،
إلا بعد الانتهاء في الاستواء، وإنما جمع مع الغنية عنه بالمفرد لمكان الصفوف
أي: يسوي كل صف على حدة، كما يسوي الصانع كل قدح على حدته. وروعي
في قوله: ((يسوي بها القداح)) نكتة؛ لأن الظاهر: كأنما يسويها بالقداح، والباء
للآلة كما في كتبت بالقلم، فعكس، وجعل الصفوف، هي التي يسوي بها القداح
مبالغة في الاستواء، انتهى. وفي رواية لأحمد (ج ٤ ص ٢٧٢): ((كان يسوي بنا في
الصفوف، حتى كأنما يحاذي بنا القداح))، وفي أخرى له (ج٤ ص٢٧١): ((يقيم
الصفوف كما تقام الرماح، أو القداح)). وفي أخرى له (ج٤ ص ٢٧٧) ولابن
ماجه: ((يسوي الصف، حتى يجعله مثل الرمح، أو القدح)). (حَتَّى رَأَى) أي:
(١٠٩١) مُسْلِم (١٢٨ /٤٣٦)، وَأَبُو دَاوُد (٦٦٣)، والتِّرْ مِذِي (٢٢٧)، والنَّسَائِي (٨٩/٢)، وابن مَاجَهْ
أيضًا (٩٩٤) فِي الصَّلاَةِ عَنْهُ.

٥٠١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
علم. (أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا) أي: فهمنا التسوية. (عَنْهُ) قال الطيبي: أي: لم يبرح يسوي
صفوفنا، حتى استوينا استواء أراده منا، وتعقلنا عن فعله. (ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا) أي: إلى
المسجد. (فَقَامَ) أي: في مقام الإمامة. (حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ) تكبيرة الإحرام.
(بَادِيًا) أي: ظاهرًا خارجًا. (صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ) أي: من صدور أهل الصف، وفي
رواية أبي داود: ((حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه وفقهنا، أقبل ذات يوم بوجهه،
إذا رجل منتبذ بصدره))، وفي رواية لأحمد: ((فلما أراد أن يكبر رأى رجلاً شاخصًا
صدره)). وفي أخرى له، ولابن ماجه: ((فرأى صدر رجل ناتًا)) يعني: مرتفعًا
بالتقدم على صدور أصحابه.
(عِبَادَ اللَّهِ) بالنصب على حذف حرف النداء، قال ابن حجر: لم ینھه بخصوصه؛
جريًا على عادته الكريمة؛ مبالغة في الستر. (لَتُسَوُّنَّ) بضم التاء المثناة وفتح السين
وضم الواو المشددة وتشديد النون المؤكدة. قال القسطلاني: ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي: (لَتُسَوُّونَ)) بواوين والنون للجمع. قال القاضي: هذه اللام
هي التي يتلقى بها القسم، والقسم هاهنا مقدر، ولهذا أكده بالنون المشددة. (أَوْ
لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ) بالرفع على الفاعلية، وفتح اللام الأولى المؤكدة وكسر الثانية وفتح
الفاء، أي: ليوقعن اللَّه المخالفة. (بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) إن لم تسووا صفوفكم أي:
بتحويلها عن مواضعها إلى أدبارها، وجعلها مواضع الأقفية، أو بتغيير صورها،
ومسخها على صورة بعض الحيوانات، كالحمار مثلًا، فهو محمول على الحقيقة.
ويؤيد حمله على ظاهره حديث أبي أمامة: (لَتُسَوُّنَّ الصُّفُوفَ، أَوْ لَتُطْمَسَنَّ الْوُجُوهُ)
أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف. وفيه وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي
المخالفة. قال الحافظ: وعلى هذا، فهو - أي: التسوية - واجب، والتفريط فيه
حرام. وقيل: هو مجاز ومعناه: يوقع بينكم العداوة، والبغضاء، واختلاف
القلوب، كما تقول: تغير وجه فلان عليَّ، أي: ظهر لي من وجهه كراهة لي؛ لأن
مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف
البواطن، ويؤيده ما في رواية لأبي داود: ((أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)) وحديث
أبي مسعود الآتي: ((لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفْ قُلُوبُكُمْ)) أي: هواها وإرادتها. وقيل:
المراد بالوجوه: الذوات. قال ابن العربي في ((العارضة)) (ج٢: ص٢٥): ((بين
وجوهكم))، يعني: مقاصدكم، فإن استواء القلوب، يستدعي استواء الجوارح،

٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*E
واعتدالها، فإذا اختلفت الصفوف دل على اختلاف القلوب، فلا تزال الصفوف
تضطرب، وتهمل، حتى يبتلي الله باختلاف المقاصد، وقد فعل، ونسأل الله
حسن الخاتمة. وقال القرطبي: معناه: تفترقون، فيأخذ كل واحد وجهًا غير الذي
يأخذه صاحبه؛ لأن تقدم الشخص على غيره، مظنة الكبر المفسد للقلب الداعي
إلى القطعية. والحاصل: أن المراد بالوجه، إما ذات الشخص، فالمخالفة بحسب
المقاصد، وإما العضو المخصوص، فالمخالفة، إما بحسب الصورة الإنسانية،
وإما بحسب الصفة، وإما بجعل القدام وراء. والحديث فيه غاية التهديد
والتوبيخ. قال الطيبي: إن مثل هذا التركيب متضمن للأمر توبيخًا، أي: والله
ليكونن أحد الأمرين، إما تسويتكم صفوفكم، أو أن يخالف اللّه بين وجوهكم.
وفيه: دليل على وجوب تسوية الصف، وتعديله. وقيل: إن هذا الوعيد من باب
التغليظ والتشديد؛ تأكيدًا وتحريضًا على فعلها، أي: فلا يدل على الوجوب. قال
العيني بعد ذكره: كذا قاله الكرماني، وليس بسديد؛ لأن الأمر المقرون بالوعيد
يدل على الوجوب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والبيهقي (ج٣: ص ١٠٠) و (ج٢: ٢١) كلهم من طريق سماك عن النعمان بن
بشير .
وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي من طريق سالم بن أبي الجعد عن النعمان بن
بشير الفصل الأخير منه، ولأحمد وأبي داود في رواية، والبيهقي قال: ((فَرَأَيْتُ
الرَّجُلَ يَلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبٍ صَاحِبِهِ، وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، وَمِنْكَبَهُ بِمِنْكَبِهِ)).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
٥٠٣
١٠٩٢ - [٢] وَعَنْ أَنَس قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ
وَلَّهِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((أَقِيمُوا صُفُوَّفَكُمْ، وَتَرَاصُوا، فَإِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
- وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: ((أَتِمُّوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ
ظَهْرِي)»(*) .
الشّرْجُ
١٠٩٢ - قوله: (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي: أقام المؤذن للصلاة. (فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللَّهِ وَلِلّهِ بِوَجْهِهِ) أي: التفت إلينا بعد إقامة المؤذن. (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ) أي:
عدلوها، وسووها، يقال: أقام العود، إذا عدله وسواه. (وَتَرَاصُّوا) بضم الصاد
المهملة المشددة، وأصله تراصصوا، أي: تضاموا، وتلاصقوا، حتى تتصل
مناكبكم، وأقدامكم في الصف، ولا يكونِ بينكم خلل وفرج، من رص البناء،
ألصق بعضه ببعض. ومنه قوله تعالى: ﴿كَأنَّهُم بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. وفيه:
جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة، وفيه: أن تسوية الصف واجبة.
(فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) أي: من خلف ظهري. والفاء فيه للسببية، أشار به
إلى سبب الأمر بذلك، أي: إنما أمرت بذلك؛ لأني تحققت منكم خلافه، وقد
تقدم القول في المراد بهذه الرؤية في باب الركوع، وأن المختار: حملها على
الحقيقة خلافًا لمن زعم أن المراد بها خلق علم ضروري له بذلك، ونحو ذلك قال
الزين بن المنير: لا حاجة إلى تأويلها؛ لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير
ضرورة. وقال القرطبي: حملها على ظاهرها أولى؛ لأن فيه زيادة في كرامة
النبي وَّل، وفيه: مراعاة الإمام لرعيته، والشفقة عليهم، وتحذيرهم من
المخالفة .
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أي: بهذا اللفظ في باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية
(١٠٩٢) البُخَارِي (٧١٩) فِيهَا عَنْ أَنَسٍ.
(*) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: البخاري (٧١٨)، ومُسْلِم (٤٣٤)، واللفظ في الرواية الثانية لمُسْلِم عَنْ أَنَسٍ فِيهَا.

٥٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*esereck
ese
الصفوف. وأخرج مسلم بنحوه، وأخرجه البيهقي (ج٢: ص٢١) بلفظ البخاري.
(وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ) ظاهر هذا أن الشيخين اتفقا على إخراج الحديث بهذا اللفظ.
وفيه نظر؛ لأن قوله: ((أَتِّمُوا الصُّفُوفَ)) من إفراد مسلم، وقوله: ((فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ
وَرَاءِ ظَهْرِي)) من إفراد البخاري، وسياق الحديث عند مسلم: ((أَتِمُّوا الصُّفُوفَ فَإِنِّي
أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي)). والظاهر أن المصنف أخذ قوله: ((أتموا الصفوف)) من رواية
مسلم، وقوله: ((فإني أراكم من وراء ظهري))، من رواية البخاري، فجعل
مجموعهما حديثًا متفقًا عليه. ولا يخفى ما فيه. ولعله تبع في ذلك الجزري، حيث
نسب هذه الرواية الثانية في ((جامع الأصول)) (ج٦: ص٣٩٣) إلى البخاري
ومسلم. (أَتِمُّوا) أي: أيها الحاضرون لأداء الصلاة معي. (الصُّفُوفَ) أي: الأول،
فالأول. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ) رؤية حقيقية. (مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) أي: من خلفه كما أراكم من
بين يدي. قيل: الفرق بين قوله: ((إني أراكم من وراء ظهري)) بذكر ((مِنْ)) وبين
قوله: ((إني أراكم خلف ظهري)) أي: بدون ((مِنْ)) أنه إذا وجد ((من)) يكون فيه إشعار
بأن مبدأ الرؤية ومنشأها من خلف، بأن يخلق الله حاسة باصرة فيه، وإذا عدم
يحتمل أن يكون منشؤها هذه العين المعهودة، وأن تكون غيرها مخلوقة في الخلف
والوراء، ولا يلزم رؤيتنا تلك الحاسة، إذ الرؤية إنما هي بخلق الله تعالى وإرادته.
والحديث أخرجه أيضًا النسائي. وزاد البخاري في رواية: ((وَكانَ أحَدُنَا يَلْزِقَ مِنْكَبِهُ
بِمِنْكبٍ صَاحبهِ، وَقدمَهُ بِقَدَمِهِ)). قال الحافظ: صرح سعيد بن منصور في روايته أن
هذه الزيادة في آخر الحديث من قول أنس، وأخرجه الإسماعيلي من رواية معمر
عن حميد بلفظ: قال أنس: فلقد رأيت أحدنا ... إلى آخره. وأفاد هذا التصريح
أن الفعل المذكور كان في زمن النبي وَلّ؛ وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد
بإقامة الصف وتسويته، وزاد معمر في روايته: ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنفر
كأنه بغل شموس، انتهى كلام الحافظ.
قلت: قوله ◌َله: (تَرَاصُوا)) وقوله: (رُصُّوا صُفُوفَكُمْ)) وقوله: ((سُدُّوا الْخَلَلَ،
وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ)) وقول النعمان بن بشير: فرأيت الرجل يلزق كعبه
بكعب صاحبه ... إلخ، وقول أنس: (وَكَانَ أَحَدُنَا يَلْزِقُ مِنْكَبَهُ بِمِنْكَبٍ
صَاحِبِهِ ... )) إلخ، كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن المراد بإقامة الصف
وتسويته: إنما هو اعتدال القائمين على سمت واحد، وسد الخلل والفرج في

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
٥٠٥
الصف بإلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم، وعلى أن الصحابة في زمنه وَالجلد.
كانوا يفعلون ذلك، وأن العمل برص الصف، وإلزاق القدم بالقدم وسد الخلل
كان في الصدر الأول من الصحابة ومن وتبعهم، ثم تهاون الناس به. قال شيخنا في
((إيكار المنز)) [ص ٤٩٩] بعد ذكر قولي النعمان وأنس: فظهر أن إلزاق المنكب
بالمنكب، والقدم بالقدم في الصف سنة، قد عمل بها الصحابة خلف النبي وَله
وهو المراد بإقامة الصف وتسويته على ما قال الحافظ، انتهى. وجزى الله أهل
الحديث أحسن ما يجزى به الصالحون، فانهم أحيوا هذه السنة، التي تهاون الناس
بها، لا سيما المقلدون لأبي حنيفة، فإنهم لا يلزقون المنكب بالمنكب في
الصلاة، فضلًا عن إلزاق القدم بالقدم، والكعب بالكعب، بل يتركون في البين
فرجة قدر شبر، أو أزيد، بل ربما يتركون فصلًا يسع ثالثًا، وإذا قام أحد من
أصحاب الحديث في الصلاة مع حنفي، وحاول لإلصاق قدمه بقدمه اتباعا للسنة
نحى الحنفي قدمه، حتى يضم قدميه، ولا يبقى فرجة بينهما، واشمأز، ونظر إلى
صاحبه المحمدي شزرًا، بل ربما نفر كالحمار الوحشي، ويعد صنيع أهل الحديث
الذي هو اتباع للسنة، وإحياؤها من الجهل والجفاء، والفظاظة، والغلظة، فإن لله
وإنا إليه راجعون، وعالمهم وعاميهم في ترك هذه السنة والاستنفار عنها سواء. قال
صاحب ((فيض الباري)) (ج ٢: ص٢٣٦): المراد بإلزاق المنكب بالمنكب عند
الفقهاء الأربعة: أن لا يترك في البين فرجة تسع فيها ثالثًا، قال: ولم أجد عند
السلف فرقًا بين حال الجماعة والانفراد في حق الفصل بين قدمي الرجل، بأنهم
كانوا يفصلون بين قدميهم في حال الجماعة أزيد من حال الانفراد. وهذه المسألة
أوجدها غير المقلدين فقط، وليس عندهم إلا لفظ الإلزاق، وليت شعري ماذا
يفهمون من قولهم: الباء للإلصاق؟ ثم يمثلونه مررت بزيد، فهل كان مروره به
متصلًا بعضه ببعض؟ أم كيف معناه؟ ثم إن الأمر لا ينفصل قط إلا بالتعامل، وفي
مسائل التعامل لا يؤخذ بالألفاظ، قال: لما لم نجد الصحابة والتابعين يفرقون في
قيامهم بين الجماعة والانفراد، علمنا أنه لم يرد بقوله: إلزاق المنكب إلا التراص
وترك الفرجة، ثم فكر في نفسك ولا تعجب أنه هل يمكن إلزاق المنكب مع إلزاق
القدم إلا بعد ممارسة شاقة؟ ولا يمكن بعده أيضًا، فهو إذن من مخترعاتهم لا أثر له
في السلف، انتهى.

٥٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلت: حمل الإلزاق هنا على المجاز يحتاج إلى قرينة، وتفسيره: بأن لا يترك في
البين فرجة تسع فيها ثالثًا، لا أثارة عليه من دليل، لا من منقول، ولا من معقول،
ولا يوجد هاهنا أدنى قرينة وأضعف أثر يدل على هذا المعنى البتة، فهو إذًا من
مخترعات هذا المقلد، الذي جعل السنة بدعة، والبدعة - أي: ترك الإلزاق بإيقاع
الفرجة، وعدم التَّضَام سنة، ثم لم يكتف بذلك بل تجاسر فنسب ما اخترعه إلى
الفقهاء الأربعة. ثم أقول: ما الدليل من السنة، أو عمل الصحابي على تحديد
الفصل بين قدمي المصلي، بأن يكون قدر أربع أصابع، أو قدر شبر في حال
الانفراد والجماعة كلتيهما. والحق أن الشارع لم يعين قدر التفريج بين قدمي
المصلي راحة له، وشفقة عليه؛ لأنه يختلف ذلك باختلاف حال المصلى في
الهزال والسمن، والقوة والضعف. فالظاهر أنه يفصل بين قدميه في الجماعة قدر
ما يسهل له سد الفرج والخلل، وإلزاق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه من
غير تكلف ومشقة. ثم إنه ليس عندنا لفظ الإلزاق فقط، بل هنا لفظ التراص، وسد
الخلل، والنهى عن ترك الفرجة للشيطان، وكل واحد من ذلك يؤكد حمل الإلزاق
على معناه الحقيقي، وماذا كان لوكان هنا لفظ الإلزاق فقط؟ وقد اعترف هو في
آخر كلامه أن المراد به: التراص، وترك الفرجة، وهذا هو الذي نقوله. ولا
يحصل التراص والتوقي عن الفرجة إلا بأن يلصق الرجل منكبه بمنكب صاحبه،
وقدمه بقدمه حقيقة، وليت شعري، ماذا يقول هو في مثال الإلصاق الحقيقي، وهو
قولهم: به داء؟ ثم ماذا يقول في قوله {وَ له: ((إِذَا أَلْزِقَ الْخِتَانُ بِالْخَانِ فَقَدْ وَجَبَ
الْغُسْلُ؟)). والسنة الصحيحة المحكمة حجة، وقاضية على التعامل، لا أن التعامل
قاض على السنة، لا فرق عندنا في ذلك بين عمل أهل المدينة، وبين عملهم وعمل
غيرهم من البلاد الإسلامية، مع أن عمل المسلمين في الزمن النبوي وعمل الخلفاء
وسائر الصحابة والتابعين بعده وَله كان على التراص والتضام وعدم إبقاء الفرجة
مطلقًا، ولا يعتد بعمل الناس بعد الصدر الأول، ولا يكون أدنى مشقة في إلزاق
المنكب بالمنكب، مع إلزاق القدم بالقدم، فنحن نفعل ذلك في الجماعة عملًا
بالحديث، واتباعًا للسنة من غير ممارسة وكلفة، ومن غير أن نفرج بين القدمين
أزيد مما نفرج في حال الانفراد، لكن لا يسهل ذلك إلا على من يحبُّ السنة
وصاحبها، ويترك التحيل لترك العمل بها، وأما المقلد الذي عمت بصيرته، فيشق

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
٥٠٧
عليه كل سنة إلا ما كان موافقًا لهواه، هدى الله تعالى هؤلاء المقلدين، ووفقهم
للعمل بالسنن النبوية الصحيحة الثابتة، وترك التأويل والتحريف.
١٠٩٣ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((سَوُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ
تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
- إِلَّا أَنَّ عِنْدَ مَسْلَمِ: ((مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ)(*).
الشُّؤْخُ
١٠٩٣ - قوله: (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ) فيه دليل على وجوب تسوية الصف. (فَإِنَّ
تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ) وفي رواية: ((الْصَّفِّ)) بِالْإِفْرَادِ والمراد به: الجنس.
(مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) أي: المأمور بها، الممدوح فاعلها في الآيات الكثيرة. وقال
القاري: أي: من جملة إقامة الصلاة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ وهي
تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها، وسننها، وآدابها .
وقال العيني: التقدير: من كمال إقامة الصلاة، فإن تسوية الصفوف ليست من
إقامة الصلاة؛ لأن الصلاة تقام بغيرها، ولا يخفى ما فيه. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه
أيضًا أحمد وأبو داود وابن ماجه. (إِلَّا أَنَّ عِنْدَ مُسْلِم: ((مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ)) وكذا
أخرج بهذا اللفظ أبو داود وابن ماجه والإسماعيلي والبيهقي وغيرهم. وروي عن
جابر قال: قال رسول اللّه ◌َّهِ: ((إِنَّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ إِقَامَةَ الصَّفِّ)) أخرجه أحمد وأبو
يعلى والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)).
قال العيني: أي: من كمال تمام الصلاة، أو من حسن تمام الصلاة. قلت: هذا
خلاف الظاهر. والحديث معناه مستقيم من غير تقدير لفظ الكمال، أو الحسن.
وقد استدل ابن حزم بقوله: ((مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ)) على أن تعديل الصفوف والتراص
فيها فرض. قال في ((المحلى)) (ج٤: ص٥٥): تسوية الصف، إذا كان من إقامة
(١٠٩٣) البُخَارِي (٧٢٣) عَنْ أَنَسٍ فِيهَا.
(*) مُسْلِم (٤٣٣) عَنْ أَنَسٍ فِيهَا.

٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EX
*
الصلاة فهو فرض؛ لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض. قال
الحافظ: ولا يخفى ما فيه، ولا سيما قد بينا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة،
يعني: أنه رواها بعضهم بلفظ: ((مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ). واستدل ابن حزم بالعبارتين.
قال العيني والحافظ: واستدل ابن بطالَ بما في البخاري من حديث أبي هريرة
بلفظ: ((فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاةِ)) على أن التسوية سنة، قال: لأن حسن
الشيء زيادة على تمامه، وأورد عليه رواية: ((مِنْ تَمَام الصَّلَاةِ)).
وأجاب ابن دقيق العيد فقال: قد يؤخذ من قوله: (تَمَام الصَّلَاةِ)) الاستحباب؛
لأن تمام الشيء في العرف أمر خارج عن حقيقته التي لا يتحقق إلا بها، وإن كان
يطلق بحسب الوضع على ما لا تتم الحقيقة إلا به. قال الحافظ: ورُدَّ بأن لفظ الشارع
لا يحمل إلا على ما دل عليه الوضع في اللسان العربي، وإنما يحمل على العرف،
إذا ثبت أنه عرف الشارع لا العرف الحادث. وقال العيني: وفيه أي: في جواب ابن
دقيق العيد نظر؛ لأن ألفاظ الشرع لا تستعمل بحسب العرف.
١٠٩٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: ((اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ،
لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)) قَالَ
أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠٩٤ - قوله: (يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا) وفي رواية للنسائي: ((يَمْسَحُ عَوَاتِقَنَا)).
والمناكب جمع منكب، وهو ما بين الكتف والعنق. وقيل: مجتمع رأس الكتف
والعضد، والعواتق جمع عاتق، وهو ما بين المنكب والعنق، أي: يمسحها؛ ليعلم
به تسوية الصف. وقال القاري: أي: يضع يده على أعطافنا، حتى لا نتقدم، ولا
نتأخر. وقال النووي: أي: يسوي مناكبنا في الصفوف، ويعدلنا فيها. (فِي الصَّلَاةِ)
أي: في حال إرادة الصلاة بالجماعة. (وَيَقُولُ) أي: حال تسوية المناكب على ما
(١٠٩٤) مُسْلِم (١٢٢ / ٤٣٢) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلاةِ
ONEaXE
بَاب تَسْوِيَةِ الصُفُ
٥٠٩
هو الظاهر. (وَلَا تَخْتَلِفُوا) أي: بالتقدم والتأخر في الصفوف، كما يدل عليه
روايات الحديث (فَتَخْتَلِفَ) بالنصب على أنه جواب للنهي. (قُلُوبُكُمْ) أي: أهويتها
وإرادتها أي: اختلاف الصفوف؛ سبب لاختلاف القلوب بجعل الله كذلك. وقيل:
لأن اختلاف الصفوف اختلاف الظواهر، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف
البواطن. وفيه: أن القلب تابع للأعضاء، فإذا اختلفت اختلف، وإذا اختلف فسد،
ففسدت الأعضاء؛ لأنه رئيسها المتبوع، وملكها المطاع، والأعضاء كلها تبع له،
فإذا صلح المتبوع صلح التبع، وإذا استقام الملك استقامت الرعية. ويبين ذلك
الحديث المشهور: ((أَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ، وَإِذَا
فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)). قيل: إن بين القلب والأعضاء تعلقًا عجيبًا،
وتأثيرًا غريبًا، بحيث إنه يسري مخالفة كل إلى آخر، وإن كان القلب مدار الأمر
إليه .
(لِيَلِنِي مِنْكُمْ) بكسر لامين وخفة نون بلا ياء قبلها. وفي ((المصابيح)): ((لِيَلِيني)).
قال شارحه: الرواية بإثبات الياء، وهو شاذ؛ لأنه من الولي بمعنى القرب، واللام
للأمر، فيجب حذف الياء للجزم، قيل: لعله سهو من الكاتب، أو كتب بالياء؛ لأنه
الأصل، ثم قرئ كذا. أقول: الأولى أن يقال: إنه من إشباع الكسرة، كما قيل:
في لم تهجو، ولم تدعي، أو تنبيه على الأصل، كقراءة ابن كثير: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِي
وَيَصْبِرْ﴾، أو أنه لغة في أن سكونه تقديري، كذا في ((المرقاة)). وقال النووي في
((شرح مسلم)): ((لِيَلِنِي)) هو بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون.
ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التو كيد. قال الشيخ أحمد محمد شاكر في
((تعليقه على الترمذي)) (ج١ ص ٤٤٠) بعد ذكر كلام النووي: وهكذا طبع في
((صحيح مسلم)) في طبعة بولاق (ج١ ص١٢٨)، وفي طبعة الآستانة (ج ٢ ص ٣٠)
في حديثي أبي مسعود وابن مسعود الآتي، وكتب بهامشها في حديث أبي مسعود
أن في نسخة: ((لِيَلِيَّنِّي))، وضبط بتشديد النون وفتح الياء قبلها، ولكن في نسخة
مخطوطة عندي من ((صحيح مسلم))، يغلب عليها الصحة بإثبات الياء فيهما من غير
ضبط، وكتب بهامشها في الموضعين أن في نسخة: (لَيَلِي)) بحذف الياء، قال:
وأظن أن حذفها من تصرف الناسخين، وكذلك ضبط الكلمة على إثبات الياء
بفتحها وتشديد النون ذهابًا منهم إلى الجادة في قواعد النحو بجزم الفعل المعتل

٥١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بحذف حرف العلة. وقد رأيت كثيرًا من الناسخين، والعلماء يجيزون لأنفسهم
تغيير ما خالف القواعد المعروفة ظنًّا منهم أنه خطأ، والدليل على ظن التصرف
منهم: أنه قال الطيبي على ما نقل عنه الشارح المباركفوري في ((شرح الترمذي)): أن
من حق هذا اللفظ أن يحذف منه الياء؛ لأنه على صيغة الأمر، وقد وجدنا بإثبات
الياء، وسكونها في سائر كتب الحديث، والظاهر أنه غلط، انتهى.
وليس هذا غلطًا كما زعم الطيبي، بل إثبات حرف العلة في مثل هذا ورد في
الحديث كثيرًا، وله شواهد من الشعر، وقد بحث فيه العلامة ابن مالك في كتاب
((شواهد التوضيح)) (ص١١ - ١٥) بحثًا طويلًا، وذكر من شواهده في البخاري قول
عائشة: ((إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَأَنَّهُ مَتَى يَقُومُ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعِ النَّاسَ))، وحديث:
((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَغْشَانَ))، وحديث: ((مُرُوا أَبَا بَكُرٍ فَلْيُصَلِّي بِالنَّاسِ)).
ووجه ذلك بأوجه متعددة أحسنها عندي الوجه الثالث، أن يكون أجرى المعتل
مجرى الصحيح، فأثبت الألف، يعني: أو الواو، أو الياء، واكتفى بتقدير حذف
الضمة، التي كان ثبوتها منويًّا في الرفع، انتهى.
(أُولُو الْأَخْلَام) أي: ذوو العقول الراجحة، واحدها حلم بالكسر، وهو الأناة
والتثُبُّت في الأمور، والسكون والوقار، وضبط النفس عند هيجان الغضب، ويفسر
بالعقل؛ لأن هذه الأمور من مقتضيات العقل. والعقل الراجح يتسبب لها. وقيل:
أولو الأحلام البالغون، والحلم بضم الحاء البلوغ، وأصله ما يراه النائم. (وَالنُّهَى)
بضم نون وفتح هاء وألف، جمع نهية بالضم بمعنى العقل؛ لأنه ينهى صاحبه عن
القبائح. وقال أبوعلي الفارسي: يجوز أن يكون النهى مصدرًا كالهدى، وأن يكون
جمعًا كالظلم. قال ابن سيد الناس: الأحلام والنهى بمعنى واحد، وهي: العقول.
وقيل: المراد بأولي الأحلام: البالغون، وبأولي النهى: العقلاء، فعلى الأول
يكون العطف فيه من باب قوله :
وألفى قولها كذبًا ومينًا
وهو أن تغاير اللفظ قائم مقام تغاير المعنى، وهو كثير في الكلام، وعلى الثاني
يكون لكل لفظ معنى مستقل، انتهى. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج١ ص١٨٤ -
١٨٥): وإنما أمر ◌َّيّ أن يليه ذوو الأحلام والنهى؛ ليعقلوا عنه صلاته؛ ولكي

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
٥١١
يخلفوه في الإمامة، إن حدث به حدث في صلاته، وليرجع إلى قولهم إن أصابه
سهو، أو عرض في صلاته عارض في نحو ذلك من الأمور.
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أي: الذين يقربونهم في هذا الوصف، وقال القاري:
كالمراهقين، أو الذين يقربون الأولين في النهى والحلم. (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)
كالصبيان المميزين، أو الذين أنزل مرتبة من المتقدمين حلمًا وعقلًا. والمعنى:
هلم جرًّا، فالتقدير: ثم الذين يلونهم كالنساء، فإن نوع الذكر أشرف على
الإطلاق. والمقصود: بيان ترتيب الصفوف في القيام. قال النووي: في هذا
الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما
احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى؛ ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو
لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها وينقلوها، ويعلموها
الناس، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم، انتهى.
(قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) أي: المذكور (فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا) أي: في الكلمة حتى
فشت فيكم الفتن؛ وذلك لعدم تسويتكم الصفوف، كذا فسره الطيبي. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص ٩٧).
١٠٩٥ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ :
((لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَخْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا، وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتٍ
الْأَسْوَاقِ)».
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٠٩٥ - قوله: (لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى) أي: ليدن مني ذوو العقول
الراجحة؛ لشرفهم ومزيد تفطنهم، وتيقظهم، وضبطهم لصلاته. قال الطيبي أخذًّا
عن التوربشتى: أمر بتقديم العقلاء ذوي الأخطار، والعرفان؛ ليحفظوا صلاته،
ويضبطوا الأحكام والسنن، فيبلغوا من بعدهم. وفي ذلك - مع الإفصاح عن
(١٠٩٥) مُسْلِم (١٢٣)، وَأَبُو دَاوُد (٦٧٥)، والتِّرْمِذِي (٢٢٨)، والنَّسَائي في الكبرى (تحفة الأشراف
٩٤١٥) عنه فیھا .

٥١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
e
جلالة شأنهم - حث لهم على تلك الفضيلة، وإرشاد لمن قصر حالهم عن
المساهمة معهم في المنزلة إلى تحري ما يزاحمهم فيها. وقد روى ابن ماجه
والبيهقي عن أنس بإسناد رجاله ثقات قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ يُحِبُّ أَنْ يَلِيَهُ
الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ)).
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا) أي: كرر (ثُمَّ) وما بعدها ثلاثًا. (وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ
الأَسْوَاقِ) بفتح الهاء وإسكان الياء وبالشين المعجمة، جمع هيشة بالفتح، أي:
اختلاطها، والمنازعة، والخصومات، وارتفاع الأصوات، واللغط والفتن التي
فيها، قاله النووي. وقال الخطابي في ((المعالم)): أصله من الهوش، وهو
الاختلاط يقال: تهاوش القوم، إذا اختلطوا، ودخل بعضهم في بعض وبينهم
تهاوش، أي: اختلاط واختلاف، انتهى. وقال الطيبي: هي ما يكون من الجلبة
وارتفاع الأصوات، نهاهم عنها؛ لأن الصلاة حضور بين يدي الحضرة الإلهية،
فينبغي أن يكونوا على السكوت، وآداب العبودية. وقيل: هي الاختلاط، أي: لا
تختلطوا اختلاط أهل الأسواق، فلا يتميز أصحاب الأحلام والعقول عن غيرهم،
ولا يتميز الصبيان من البالغين، ولا الذكور من الإناث. ويجوز أن يكون المعنى:
قوا أنفسكم من الاشتغال بأمور الأسواق؛ فإنه يمنعكم أن تلوني. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي (ج٣ ص ٩٧).
١٠٩٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ آل؛ فِی
أَصْحَابِهِ تَأَخُرًا فَقَالُ لَهُمْ: (تَقَدَّمُوا وَأْتُمُّوا بِي، وَلْيَأْتُمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا
يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٠٩٦ - قوله: (رَأَى رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه فِي أَصْحَابِهِ تَأْخُّرًا) أي: في صفوف
الصلاة، كأنهم تأخروا عن القرب والدنو منه وَّله. وقيل: المراد: التأخر في أخذ
العلم. (وَأَتَمُّوا بِي) أي: اصنعوا كما أصنع. (وَلْيَأْتَمَّ) بسكون اللام، وتكسر.
(١٠٩٦) مُسْلِم (١٣٠ /٤٣٨)، وَأَبُو دَاوُد (٦٨٠)، وَالنَّسَائِي (٨٣/٢)، وَابن مَاجَهْ (٩٧٨) عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
٥١٣
(بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ) أي: من خلفكم من الصفوف. والخطاب لأهل الصف الأول،
أي: اقتدوا بأفعالي، وليقتد بكم من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، أو
المراد: مَنْ بَعْدَكُمْ من أتباع الصحابة، والخطاب للصحابة مطلقًا، أي: تعلموا
مني أحكام الشريعة، وليتعلم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعهم إلى انقراض
الدنيا. ((وَبَعْدَ)) على الأول مستعار للمكان، وعلى الثاني للزمان، كما هو الأصل.
قال الطيبي: أراد التأخر في صفوف الصلاة، أو التأخر عن أخذ العلم، فعلى
الأول: معناه: ليقف الألباء والعلماء في الصف الأول، وليقف من دونهم في
الصف الثاني، فإن الصف الثاني مقتدون بالصف الأول ظاهرًا لا حكمًا. ففيه:
جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه، أو
صفّ قدامه يراه متابعًا للإمام، وعلى الثاني: المعنى: وليتعلم كلكم مني أحكام
الشريعة، وليتعلم التابعون منكم، وكذلك من يلونهم قرنًا بعد قرن، انتهى.
واستدل الشعبي بقوله: (وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ)) لما ذهب إليه، أن كل صف
منهم إمام لمن وراءهم مع كونهم مأمومين، وأن الجماعة يتحملون عن بعضهم،
بعض ما يتحمله الإمام، خلافًا للجمهور. قال الشعبي: فيمن أحرم قبل أن يرفع
الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة، إنه أدركها، ولو كان الإمام رفع قبل ذلك؛
لأن بعضهم لبعض أئمة، أخرجه ابن أبي شيبة. قيل: وإليه مال البخاري حيث
قال: باب الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم. قال ابن بطال: هذا موافق
لقول مسروق والشعبي: إن الصفوف يؤم بعضها بعضًا، خلافًا للجمهور. وقال
العيني: ظاهر هذه الترجمة، أن البخاري يميل إلى مذهب الشعبي في ذلك، قال:
ومما يؤكد أن ميله إلى قول الشعبي، أنه صدر هذا الباب بالحديث المعلق، يعني :
حديث أبي سعيد هذا، حيث قال: ويذكر عن النبي ◌َّ قال: ((انْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمّ
بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ))، قال العيني: فإنه صريح في أن القوم يأتمون بالإمام في الصف
الأول، ومن بعدهم يأتمون بهم. وقال الحافظ: ظاهره يدل لمذهب الشعبي،
وأجاب النووي: أن معناه يقتدي بكم من خلفكم مستدلين على أفعالي بأفعالكم،
انتھی .
قلت: لم يفصح البخاري باختياره في هذه المسألة، والظاهر أنه اتبع في وضع
الترجمة لفظ الحديث، ولم يرد التنبيه على مسألة تسلسل الاقتداء. والحديث ليس

٥١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بنص فيما قاله الشعبي ومن وافقه، كما هو ظاهر من تفسير الجمهور للحديث.
والراجح عندي: هو قول الجمهور والله أعلم.
(وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُون) أي: عن الصفوف المتقدمة. وقيل: عن الخيرات، أو
عن العلم. (حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ) أي: في دخول الجنة. وقال النووي: أي: عن
رحمته أو عظيم فضله ورفيع المنزلة وعن العلم ونحو ذلك. وفيه: الحث على
الكون في الصف الأول، والتنفير عن التأخر والبعد عنه. وقد ورد في فضيلة
الصلاة في الصف الأول أحاديث متعددة عن جماعة من الصحابة، وسيأتي ذكر
بعضها. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣
ص١٠٣).
١٠٩٧ - [٧] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَال
فَرَآَنَا حِلَقًّا، فَقَالَ: ((مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟)) ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((أَلَا تَصُفُّونَ
كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ
عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: ((يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَى، وَيَتَرَاصُونَ فِي الصَّفِّ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٠٩٧ - قوله: (فَرَآنَا حِلَقًّا) بكسر الحاء وفتحها لغتان، جمع حلْقة بإسكان
اللام. وحكى الجوهري وغيره فتحها في لغة ضعيفة. قال الجزري: الحلقة
بسكون اللام حلقة الباب، وحلقة القوم وجمعها حلق بفتح الحاء واللام على غير
قياس، قاله الجوهري، قال: وقال الأصمعي: الجمع حلق، مثل: بدرة وبدر،
وقصعة وقصع، قال: وحكى يونس عن أبي عمرو حلقة في الواحد بالتحريك،
والجمع حلق، وقال ثعلب: كلهم يجيزه على ضعفه. وقال الشيباني: ليس في
الكلام حلقة بالتحريك إلا في جمع حالق، وهو الذي يحلق الشعر، والذي رويناه
(١٠٩٧) مُسْلِم (١١٩ / ٤٣٠)، وَأَبُو دَاوُد (٦٦١ و٤٨٢٣)، وَالنَّسَائِي (٩٢/٢)، وابن مَاجَهْ (٩٩٢) عَنْه
فِيهَا .

٥١۵
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
في كتاب مسلم حِلقًا مضبوطًا بكسر الحاء، والله أعلم، انتهى. قال الطيبي: أي:
جلوسًا حلقة حلقة، كل صف منا قد تحلق، انتهى.
(مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟) بكسر العين المهملة وتخفيف الزاي جمع عزة أي:
جماعات متفرقين حلقة حلقة، نصب على الحال، قال الجزري: ((عزين)) جمع
عزة، وهي: الحلقة من الناس، والأصل عزوة، وهذا من الجموع النادرة الخارجة
عن بابها. قال الطيبي: قوله: (مَا لِي أَرَاكُمْ) إنكار على رؤيته إياهم على تلك
الصفة، ولم يقل: ما لكم؛ لأن ما لي أراكم أبلغ كقوله: ﴿مَالِى لَّ أَرَى
اُلْهُدْهُدَ﴾. والمقصود الإنكار عليهم كائنين على تلك الحالة، يعني: لا ينبغي لكم
أن تفرقوا، ولا تكونوا مجتمعين مع توصيتي إياكم بذلك. (ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا) أي:
مرة أخرى بعد هذا (أَلَا تَصُفُّونَ) بفتح التاء المثناة من فوق وضم الصاد أي: في
الصلاة. (كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا) أي: عند قيامها لطاعة ربها. قال القاري:
وقيل: أي: في محل قربه، ومكان قبوله.
(يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُولَى) كذا في جميع النسخ بضم الهمزة وسكون الواو تأنيث
الأول، وكذا في ((المصابيح)). ووقع في مسلم: ((الأَوَل)) بضم الهمزة وفتح الواو
جمع الأولى، وكذا في النسائي وابن ماجه. وعند أبي داود: ((الصفوف المقدمة))،
يعني: يتمون الصف الأول، ولا يشرعون في الثاني، حتى يتمَّ الأول، ولا في
الثالث، حتى يتمَّ الثاني، ولا في الرابع، حتى يتمَّ الثالث، وهكذا إلى آخرها.
(وَيَتَرَاصُونَ فِي الصَّفِّ) أي: يتلاصقون، ويتضامون، حتى لا يكون بينهم شيء
من الخلل والفرجة. وفي الحديث: النهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع. وفيه:
الاقتداء بأفعال الملائكة في صلاتهم، وتعبداتهم. وفيه: الأمر بإتمام الصفوف
الأول، والتراص في الصفوف.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣
ص١٠١).

٥١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٠٩٨ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((خَيْرُ
صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا
أَوَّلُهَا)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٠٩٨- قوله: (خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ) أي: أكثرها أجرًا وثوابًا وفضلًا.
(أَوَّلُهَا) فيه التصريح بأفضلية الصف الأول للرجال، وإنه خيرها؛ لما فيه من إحراز
فضيلة التقدم المأمور به، ولقربهم من الإمام، ومشاهدتهم لأحواله، واستماعهم
لقراءته، وبعدهم من النساء. (وَشَرُّهَا) أي: أقلها ثوابًا وفضلًا، وأبعدها من
مطلوب الشرع. (آخِرُهَا) لما فيه من ترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف
الأول، ولقربهم من النساء، وبعدهم من الإمام.
(وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا)؛ لبعدهن من مخالطة الرجال، ورؤيتهم وتعلق
القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم ونحو ذلك، بخلاف الوقوف في
الصف الأول من صفوفهن، فإنه مظنة المخالطة، وتعلق القلب بهم المتسبب عن
رؤيتهم، وسماع كلامِهم، ولهذا كان شرها، ثم هذا التفصيل في صفوف الرجال
على إطلاقه، وفي صفوف النساء عند الاختلاط بالرجال. قال النووي: أما صفوف
الرجال فهي على عمومها، فخيرها أولها أبدًا، وشرها آخرها أبدًا. أما صفوف
النساء، فالمراد بالحديث: صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال. وأما إذا
صلين متميزات لا مع الرجال، فهن كالرجال خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها،
انتهى. وقيل: يمكن حمله على إطلاقه لمراعاة الستر، فتأمل. وفي الحديث: إن
صلاة النساء صفوفًا جائزة من غير فرق بين كونهن مع الرجال، أو منفردات
وحدهن .
واعلم أنه اختلف في أن الصف الأول في المسجد، هل هو ما يلي الإمام
مطلقًا؟ أي: الذي هو أقرب إلى القبلة، أو هو أول صف تام يلي الإمام؟ لا ما
(١٠٩٨) مُسْلِم (١٣٢ / ٤٤٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.

٥١٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
تخلله شيء كمقصورة، أو المراد به: من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر
الصفوف. قال النووي: الصف الأول الممدوح، الذي وردت الأحاديث بفضله،
هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدمًا أو متأخرًا، وسواء تخلله
مقصورة ونحوها أم لا ، هذا هو الصحيح، الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح
به المحققون .
وقال طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه
لا يتخلله مقصورة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء، فليس بأول، بل
الأول ما لا يتخلله شيء وإن تأخر. وقيل: الصف الأول: عبارة عن مجيء الإنسان
إلى المسجد أولًا، وإن صلى في صف متأخر. وهذان القولان غلط صريح، انتهى.
قال الحافظ: وكأَنّ صاحب القول الثاني لحظ أن المطلق ينصرف إلى الفرد
الكامل، وما فيه خلل فهو ناقص. وصاحب القول الثالث لحظ المعنى في تفضيل
الصف الأول دون مراعاة لفظه، انتهى. قال العلماء في الحض على الصف الأول:
فيه المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام،
واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من اختراق
المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده
من أذيال المصلين، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قال القاري: كان يمكن للمصنف أن يجمل، ويقول: روى
الأحاديث الخمسة مسلم، كما هو دأبه، ولعل عادته فيما إذا كان للأحاديث سند
واحد باتفاق رجاله وخلافها في خلافه، انتهى. والحديث أخرجه أيضًا أحمد
والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص٩٨) وروي عن جماعة
من الصحابة، منهم أبوسعيد وابن عباس وأنس وعمر بن الخطاب وأبو أمامة،
وذكرهم الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص٩٣).

ECENE
٥١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٠٩٩ - [٩] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((رُصُوا صُفُوفَكُمْ،
وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَّاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ
يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٠٩٩ - قوله: (رُصُّوا) بضم الراء والصاد المهملتين. (صُفُوفَكُمْ) أي: في
صلاة الجماعة بانضمام بعضكم إلى بعض على السواء، من الرص وهو: ضم
البعض إلى البعض مثل لبناة الجدار، أي: کونوا في الصف كأنه بنیان مرصوص،
قال القاري: أي: سووا صفوفكم، وضموا بعضكم إلى بعض، حتى لا يكون بينكم
فرجة. (وَقَارِبُوا بَيْنَهَا) أي: بين الصفوف، بحيث لا يسع بين صفين صف آخر،
فيصير تقارب أشباحكم سبًا لتعاضد أرواحكم، قاله القاري. (وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ)
قيل: الظاهر أن الباء زائدة، والمعنى: اجعلوا بعض الأعناق في محاذاة بعض أي :
مقابلته. وقيل: المراد بمحاذاة الأعناق: المحاذاة بالمناكب. ففي حديث أبي
أمامة الآتي: ((حَاذُوا بَيْنَ مَنَاكِبِكُمْ)). وفي حديث ابن عمر: ((حَاذُوا بَيْنَ
الْمَنَاكِبِ)). والمعنى: اجعلوا الأعناق، والمناكب بعضها حذاء بعض، أي:
موازيًا، ومسامتًا، ومقابلًا له. وقال القاضي: أي: بأن لا يترفع بعضكم على بعض
بأن يقف في مكان أرفع من مكان الآخر. قال الطيبي: ولا عبرة بالأعناق أنفسها،
إذ ليس على الطويل، أن يجعل عنقه محاذيًا لعنق القصير.
(يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ) بفتح الخاء واللام أي: فرجته. قال المنذري في
((الترغيب)): الخلل بفتح الخاء المعجمة واللام أيضًا، ما يكون بين الاثنين من
الاتساع عند عدم التراص، انتهى. وعن ابن مسعود قال: ((سَوُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ
الشَّيْطَانَ يَتَخَلَّلُهَا كَالْحَذَفِ)). رواه الطبراني في ((الكبير)) موقوفًا. (كَأَنَّهَا الْحَذَّفُ)
(١٠٩٩) أَبُو دَاوُد (٦٦٧)، وَالنَّسَائِي (٢/ ٩٢) عَنْ أَنَسٍ فِيهَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُ
9
٥١٩
بحاء مهملة وذال معجمة مفتوحتين واحدتها حذفة مثل: قصب وقصبة، وهي :
الغنم السود الصغار الحجازية. وقيل: صغار جرد ليس لها آذان ولا أذناب، يجاء
بها من اليمن، أي: كأنها الشيطان، وأنث باعتبار الخبر. وقيل: إنما أنث؛ لأن
اللام في الخبر للجنس، فيكون في المعنى جمعًا. وفي ((شرح الطيبي)): قال
المظهر: الضمير في ((كَأَنَّهَا)) راجع إلى مقدر أي: جعل نفسه شاة أو ماعز، كأنها
الحذف. وقيل: يجوز التذكير باعتبار الشيطان، ويجوز تأنيثه باعتبار الحذف؛
لوقوعه بينهما فلا حاجة إلى مقدر، كذا في ((المرقاة)). قلت: ورواية النسائي
بلفظ: ((إِنِّي لَأَرَى الشَّيَاطِينَ تَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَف)). ولا إشكال
فيها. (رَوَاهُ أَبُو دَاودَ) وسكت عليه هو والمنذري. وقال النووي: إسناده على شرط
مسلم، نقله ميرك، والحديث أخرجه أيضًا النسائي وابن خزيمة وابن حبان في
(صحيحيهما)) والبيهقي (ج٣ ص ١٠٠).
١١٠٠ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَتِمُّوا الصَّفَّ
الْمُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ، فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ)).
[رواهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١١٠٠ - قوله: (أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ) ولفظ النسائي: ((الصَّفَّ الْأَوَّلَ))، (ثُمَّ
الَّذِي يَلِيهِ) أي: ثم أتموا الصف الذي يلي الصف الأول، وهكذا. (فَمَا كَانَ) أي:
وجد. (فَلْيَكُنْ) أي: النقص (فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرٍ) دل الحديث، على جعل النقص
في الصف الأخير، لكن لم يظهر منه موقف الصف الناقص، فظاهر حديث
أبي هريرة: (وَسِّطُوا الإِمَامَ)) أن يقف أهل الصف الناقص خلف الإمام عن يمينه
وشماله. (رَوَاهُ أَبُو دَاودَ) وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد
والنسائي والبيهقي (ج٣ ص ١٠٢).
(١١٠٠) أَبُو دَاوُد (٦٧١)، وَالنَّسَائِي (٢/ ٩٣) عَنْ أَنَسٍ فِيهَا.