Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
E*
لجواز أن يكون مفسدًا، ويحمل له ذلك لضرورة أو بلا ضرورة، نعم يلزم أن تكون
إرادته غير مفسدة، فليفهم، انتهى. (حَتَّى تَنْظُرُوا) وفي رواية: ((حَتَّى تُصْبِحُوا
فَتَنْظُرُوا)). (إِلَيْهِ) أي: إلى الشيطان في حالة المذلة نظرة عبرة. (كُلَّكُمْ) أي:
صغاركم وكباركم. وهو بالرفع توكيد للضمير المرفوع. فيه: دليل على جواز رؤية
الجن. قال الخطابي: في الحديث: دليل على أن رؤية الجن للبشر غير مستحيلة،
والجن أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف فدركه غير ممتنع أصلًا. وأما قوله
تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فإن ذلك حكم الأعم
الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم الله بذلك وابتلاهم ليفزعوا إليه ويستعيذوا به
من شرهم ويطلبون الأمان من غائلتهم. ولا ينكر أن يكون حكم الخاص والنادر
من المصطفين من عباده بخلاف ذلك. وقال الكرماني: لا حاجة إلى هذا التأويل؛
إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا؛ إذ المستفاد منها أن رؤيته إيانا مقيدة
من هذه الحيثية، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا قط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك
الوقت، انتهى.
وفهم أكثر العلماء منها العموم، حتى قال الشافعي: من زعم أنه يرى الجن أي :
على صورهم التي خلقوا عليها أبطلنا شهادته، واستدل بهذه الآية. وفيه: دليل على
أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم الناري وإلا لأحرق إذا مس شيء من أعضائه ابن
آدم، كما تحرق الآدمي النار الحقيقية بمجرد اللمس، فدل على أن تلك النارية
انغمرت في سائر العناصر حتى صار إلى البرد، ويؤيد ذلك قوله وقّ عند النسائي
من حديث عائشة: ((حتى وجدت برد لسانه على يدي)). وفي رواية: ((برد لعابه)).
وقال ابن بطال: رؤيته وَلَه للعفريت هو مما خص به، كما خص برؤية الملائكة،
وقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح، ورأى النبي ◌َّ الشيطان في هذه الليلة وأقدره
الله علیه، ولکن ألقى في روعه ما وهب سلیمان فلم ینفذ ما قوي علیه من حبسه؛
رغبة عما أراد سليمان الانفراد به، وحرصًا على إجابة اللَّه تعالى دعوته، وأما غير
النبي وَلّ من الناس فلا يمكن منه، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره ◌َلآ؛
لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٢٧]، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في
غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته على صورة حية
فقتله، فمات الرجل به، رواه مالك في ((الموطأ)). وفيما ادعى ابن بطال من الفرق

٢٤١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
Bax
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
بينه وَّه وبين الناس في رؤية الشيطان على صورته الأصلية، عندي نظر، فإن هذه
دعوى مجردة، فإن لم يصح لها مستند فهي مردودة. (فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي) في
النبوة. (سُلَيْمَانَ) أي: التي استجابها اللَّه تعالى له. وهي قوله الآتي طلبًا لأن يميز
بخصوصيةٍ لا يشاركه فيها غيره، كما وقع لغيره من الأنبياء، أو غيره على ملكه
ونفوذ حكمه في الجن والإنس والهواء أن يناله غير نبي. (رب هب لي ملكًا) وقع
في رواية البخاري: في باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد: ((رب اغفرلي
وهب لي ملكًا))، أي: كما في التلاوة. قال الحافظ في الفتح: كذا في رواية أبي
ذر، وفي بقية الروايات هنا: (رب هب لي)). قال الكرماني: لعله ذكره على طريق
الاقتباس من القرآن لا على قصد التلاوة. قال الحافظُ: ووقع عند مسلم، كما في
رواية أبي ذر على نسق التلاوة، فالظاهر أنه تغيير من بعض الرواة. (لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ
مِنْ بَعْدِي) من البشر مثله. (فَرَدَدْتُهُ) أي: دفعت العفريت حال كونه (خَاسِئًا) أي:
مبعدًا مطرودًا صاغرًا ذليلًا، كأنه ◌َّه نظر إلى أن من أعظم ذلك الملك وأخصه
التصرف في الشياطين والتمكين منهم، فيتوهم بربط الشياطين عدم خصوص ذلك
الملك بسليمان، وعدم استجابة دعائه؛ لما فيه من المشاركة معه في جملة ما هو
من أخص أمور ذلك الملك، فترك الربط خشية ذلك التوهم الباطل، ولم يرد أن
ربط الشياطين يوجب المشاركة معه في تمام ملكه، ويفضي إلى عدم خصوص
ذلك الملك بسليمان، فإن التمكن من شيطان واحد - بل من ألف شيطان - لا يقدح
في الخصوص قطعًا، فإن الخصوص كان بالنسبة إلى تمام الملك، كما لا يخفى.
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((اللمعات)): من جملة ملك سليمان تسخير
الريح والجن والشياطين، وهو مخصوص بسليمان عليه السلام، فيلزم عدم إجابة
دعائه لو ربط العفريت، فتركه ليبقى دعاؤه محفوظًا في حقه، ونبينا وَ لّ كان له
القدرة على ذلك على الوجه الأتم والأكمل، ولكن التصرف في الجن في الظاهر
كان مخصوصًا بسليمان، فلم يظهره وَّ لأجل ذلك. وقيل: يمكن أن يكون عموم
دعاء سليمان ظلَّلا مخصوصًا بغير سيد الأنبياء وَّه، بدليل إقداره على أخذه ليفعل
فيه ما يشاء، ومع ذلك تركه على ظاهره رعاية لجانب سليمان. والله أعلم.
ويحتمل أن تكون خصوصية سليمان استخدام الجن في جميع ما يريده، لا في هذا
القدر فقط. قال ابن الملك: إن قلت: يفهم من هذا الحديث أنه ظلَّلا تذكر دعوة

٢٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سليمان بعد أخذه، ومن الحديث الآتي في آخر الباب أنه تذكر قبله فيتنافيان.
قلتُ: لا منافاة؛ لأن الحديثين صدرا في وقتين. قال القاري: أو يكون الأخذ
للربط؛ فإنه المنافي للدعوة، فلا منافاة، وإن قلنا بوحدة القضية، وفي أخذه نَليه-
العفريت ثم رده إياه دليل على جواز العمل القليل في الصلاة، وأنه لا تبطل به
الصلاة. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصلاة في موضعين، وفي صفة إبليس،
وفي أحاديث الأنبياء، وفي تفسير ((ص))، وأخرجه مسلم في الصلاة، وأخرجه
النسائي في التفسير من ((سننه الكبرى))، واللفظ المذكور للبخاري في أحاديث
الأنبياء .
٩٩٥ - [١١] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «مَنْ نَابَهُ
شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ؛ فإِنَّمَّا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((التَّسْبِيحُ
لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرُْ
٩٩٥ - قوله: (مَنْ نَابَهُ) أي: من الرجال. قال الطيبي: النوب رجوع الشيء
مرة بعد أخرى، ونابته نائبة أي: حادثة من شأنها أن تنوب دائمًا، ثم كثرت حتى
استعمل في كل إصابة تصيب الإنسان، أي: من أصابه. (شَيْءٌ) أي: عارض. (فِي
صَلَاتِهِ) وفي بعض النسخ: في الصلاة، أي: من عرض له ونزل به أمر في الصلاة،
كتنبيه إمام على سهو، وإذن لمستأذن في الدخول، وإنذار أعمى أن يقع في بئر
ونحوها. (فَلْيُسَبِّحْ) أي: فليقل: سبحان الله، كما في رواية للبخاري زاد في
رواية: ((فإنه إذا سبح التفت إليه)). (فإِنَّمَا التَّصْفِيقُ) بالقاف، وفي رواية مسلم وأبي
داود وغيرهما: التصفيح بالحاء المهملة. قال العراقي: المشهور أن معناهما
واحد. قال سهل بن سعد راوي الحديث: التصفيح هو التصفيق. وكذا قال عقبة
وأبو علي القالي والخطابي والجوهري وغيرهم. وادعى ابن حزم نفي الخلاف في
ذلك، وتعقب بما حكاه عياض في ((الإكمال)). والقرطبي في ((المفهم)): أنه بالحاء
(٩٩٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٢٠٣)، ومُسْلِم (١٠٦ / ٤٢٢) أَيْضًا عَنْهُ فِيهَا .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٤٣
ARE
الضرب بظاهر إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف بباطنها على باطن الأخرى.
وقيل: بالحاء الضرب بإصبعين للإنذار والتنبيه. وبالقاف بجميعها للهو واللعب.
وروى أبو داود في ((سننه)) عن عيسى بن أيوب: أن التصفيح الضرب بإصبعين من
اليمين على باطن الكف اليسرى. (لِلنِّسَاءِ) أي: مشروع للنساء؛ لأن صوتهن
عورة. قاله ابن الملك. وقال ابن حجر: أي: لا للرجال، فإنه بعد أن غلب في
النساء صار لا يليق بشهامة الرجال. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: للبخاري. (قَالَ) أي:
رسول اللَّه وَلَلـ (التَّسْبِيحُ) بأن يقول من نابه شيء في صلاته سبحان الله، لا يكون
إلا (لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ) بالصاد والقاف لا يكون إلا (لِلنِّسَاءِ) إذا نابهن شيء في
صلاتهن، وهذا مذهب الجمهور والشافعي وأحمد وأبي حنيفة؛ للأمر به في رواية
البخاري في الأحكام بلفظ: ((إذا رابكم شيء فليسبح الرجال ولتصفح النساء)).
ولأبي داود: ((إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء))، خلافًا
لمالك حيث قال: المشروع في حق الرجال والنساء جميعًا التسبيح دون التصفيق،
وأما قوله: ((والتصفيق للنساء))، أي: من شأنهن في غير الصلاة، وهو على جهة
الذم له، ولا ينبغي فعله في الصلاة لرجل ولا امرأة، أي: لأنه من دأب النساء
الناقصات ولهوهن خارج الصلاة. ورواية البخاري وأبي داود ترد هذا التأويل
وتبطله؛ إذ هي نص فيما قاله الجمهور. قال القرطبي: القول بمشروعية التصفيق
للنساء هو الصحيح خبرًا ونظرًا؛ لأنها مأمورة بخفض صوتها مطلقًا لما يخشى من
الافتتان، ومن ثم منعت من الأذان مطلقًا، ومن الإقامة للرجال، ومنع الرجال من
التصفيق؛ لأنه من شأن النساء. وقال ابن عبد البر بعد ذكر لفظ أبي داود: هذا قاطع
في موضع الخلاف برفع الإشكال؛ لأنه فرق بين حكم الرجال والنساء، انتهى.
وفي الحديث أنواع من الفقه: منها: أن الالتفات في الصلاة لا يبطلها ما لم
يتحول المصلي عن القبلة بجميع بدنه. ومنها: أن التصفيق سنة النساء في الصلاة،
والتسبيح سنة الرجال. ومنها: أن المأموم من الرجال إذا سبح ومن النساء إذا صفق
يريد بذلك تنبيه الإمام وإعلامه لم يكن ذلك مفسدًا للصلاة.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي، وهو حديث طويل، هذا طرف
منه، والرواية الثانية من أفراد البخاري، ورواها ابن ماجه والبيهقي أيضًا وفي
الباب عن أبي هريرة أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه .

٢٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٩٩٦ - [١٢] عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َه
وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ
الْحَبَشَةِ أَتَيْتُهُ فَوَجَدتُّهُ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى إِذَا قَضَى
صَلَاتَهُ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا
فِي الصَّلَاةِ». فَرَدَّ عَلَّ السَّلَام. وقَالَ: ((إِنَّمَا الصَّلَاةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ،
فَإِذَا كُنْتَ فِيهَا فَلْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَكَ))(*).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرْجُ
٩٩٦- قوله: (كُنَّا نُسَلَّمُ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ) وفي رواية لأحمد
(ج١: ص٤٣٥): كنا نتكلم في الصلاة ويسلم بعضنا على بعض ويؤمن ( ** ) أحدنا
بالحاجة. واعلم أن لفظ الحديث بالسياق الذي ذكره المصنف تبعًا للبغوي لم
أجده في ((سنن أبي داود))، والحديث أخرجه أحمد والنسائي، وليس عندهما أيضًا
هذا السياق كما لا يخفى على المتتبع. وسياق أبي داود هكذا: كنا نسلم في الصلاة
ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول اللّه وَ له وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي
السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول اللَّه وَ ل الصلاة قال: ((إن
اللَّه رَّن يحدث من أمره ما يشاء، وإن اللّه تعالى قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في
الصلاة))، فرد علي السلام، انتهى. (قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ) أي: نهاجر إليها
من مكة. (فَيَرُدُّ عَلَيْنَا) أي: السلام نطقًا وقولًا. (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ)
أي: إلى المدينة على ما هو الراجح. (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) استصحابًا لما كان من حل
الكلام في الصلاة. (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ) أي: السلام باللفظ. (حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ)
(٩٩٦) أَبُو دَاوُد (٩٢٤)، وَالنَّسَائِي (١٩/٣) فِي الصَّلاَةِ عَنْهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(*) أَبُو دَاوُد (٩٣١) فِي الصَّلَاةِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ.
( ** ) كذا في الأصل، ولعله ((يؤمر)) أو ((يأمر)).

٢٤٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
XE
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
أي: أداها وكملها. (إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ) أي: يظهر. (مِنْ أَمْرِهِ) أي: شأنه أو أوامره.
(وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ) أي: جدد من الأحكام، بأن نسخ حل الكلام في الصلاة بقوله
ناهيًّا عنه. (أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ) ويحتمل كون الأحداث في تلك الصلاة أو
قبلها، كذا قال القاري. (فَرَدَّ عَلَيَّ) بتشديد الياء. (السَّلَامَ) أي: باللفظ بعد فراغه
من الصلاة، وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز لمن سلم عليه في الصلاة أن يرد
السلام فيها نطقًا وقولًا، وعلى أنه يستحب له أن يرد باللفظ بعد الفراغ من الصلاة،
ولا دليل فيه على منع الرد في الصلاة بالإشارة، بل مرسل ابن سيرين عند ابن أبي
شيبة يدل صريحًا على أنه وَلورد السلام على ابن مسعود في هذه القصة بالإشارة
كما تقدم. (إِنَّمَا الصَّلَاةُ) أي: موضوعة. (لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ) أي: الشامل
للدعاء. قال القاري: وفي بعض النسخ بفتح اللام ورفع القراءة والذكر. وفي
نسخة: ((إِنَّمَا الصَّلَاةُ قِرَاءَةُ القُرْآنِ وذِكْرُ اللَّهِ)). (فَإِذَا كُنْتَ فِيهَا) أي: في الصلاة.
(فَلْيَكُنْ ذَلِكَ) إشارة إلى ما ذكر من القراءة وذكر الله وهو اسم فليكن، وخبره:
(شَأْنَكِ) بالنصب أي حالك المهم، لا غير ذلك من التكلم وغيره. قال الطيبي:
الشأن الحال والأمر والخطب، والجمع شئون، ولا يقال إلا في ما يعظم من
الأحوال والأمور. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) فيه نظر؛ لأن هذه الألفاظ ليست في أبي داود
كما قدمنا. وفيه أيضًا ما قال مَيْرك: إن أبا داود لم يخرج قوله: ((إنما الصلاة لقراءة
القرآن ... )) إلخ من حديث عبد الله بن مسعود، بل أخرجه من حديث معاوية بن
الحكم السلمي في حديث طويل، والذي أوقع صاحب ((المشكاة)) في هذا الخبط
إيراد صاحب ((المصابيح)) بعد قول عبد الله بن مسعود: فرد علي السلام وقال:
((إنما الصلاة)) ... إلخ فظن صاحب ((المشكاة)) أنه من تتمه حديث ابن مسعود
عطفًا على قوله: (فَرَدَّ)) وليس كذلك، ومقصود صاحب ((المصابيح)) إيراد حديث
آخر كعادته، والله تعالى أعلم، انتهى.
قلتُ: الظاهر أن أصل الوهم من البغوي، يدل على ذلك تصرفه في ألفاظ
الحديث، حيث ذكر للحديث سياقًّا لا يوجد في أبي داود لا وفي غيره، كـ(مسند
أحمد)) و((سنن النسائي)) و((البيهقي))، ويدل على ذلك أيضًا أنه لم يذكر اسم
الصحابي كعادته قبل قوله: وقال: ((إنما الصلاة ... )) إلخ، فصنيعه هذا قرينة
واضحة على أنه لم يقصد بقوله: ((إنما الصلاة ... )) إلخ إيراد حديث آخر. والله

٢٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
أعلم. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ :
ص٣٧٧، ٤١٥، ٤٣٥) والنسائي وابن حبان في ((صحيحه)) والبيهقي (ج٢ :
ص٢٤٨).
٩٩٧ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِلَالٍ: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَرُهُ
عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشّرْحُ
٩٩٧ - قوله: (كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ) أي: على الصحابة. (حِينَ
كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ) قال القاري: ظاهره أنه أراد قبل نسخ الكلام، ويحتمل أن
یکون بعده، ویبعد، انتھی.
وفيه: أن الظاهر أن ذلك كان بعد نسخ الكلام، كما قال الشيخ عبد الحق
الدهلوي في ((أشعة اللمعات))، بل هو المتعين عندي لما سيأتي. (كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ)
وفي حديث صهيب الآتي قال: لا أعلمه إلا أنه قال إشارة بإصبعه، ولا اختلاف
بينهما، فيجوز أن يكون إشار مرة بإصبعه، ومرة بجميع يده، ويحتمل أن يكون
المراد باليد الإصبع حملًا للمطلق على المقيد. والحديث: فيه دليل على جواز رد
السلام في الصلاة بالإشارة، وهو مذهب الجمهور، واختلفت الحنفية، فمنهم من
كرهه ومنهم الطحاوي، ومنهم من قال: لا بأس به. قلتُ: ما ذهب إليه الجمهور
هو الحق، يدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة:
١ - منها حدیث بلال هذا.
٢ - ومنها حديث صهيب: مررت برسول اللّه وَ ل﴾ وهو يصلي فسلمت عليه، فرد
علي إشارة، وقال: لا أعلم أنه قال إشارة بإصبعه، أخرجه الترمذي وحسنه، وأبو
داود والنسائي والبيهقي.
(٩٩٧) التِّرْمِذِي (٣٦٨) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.

٢٤٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٣ - ومنها حديث ابن عمر قال: دخل النبي ◌َّيّ مسجد قباء ليصلي فيه، فدخل
عليه رجال يسلمون عليه، فسألت صهيبًا وكان معه، كيف كان النبي ◌َّ يصنع إذا
سُلِّمَ عليه؟ قال: كان يشير بيده، أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي
والحاكم والبيهقي.
٤ - ومنها حديث عمار بن ياسر: أنه سلم على رسول اللَّه ◌َلّ في الصلاة وهو
يصلي، فرد عليه، أخرجه النسائي وبوب عليه باب: رد السلام بالإشارة في
الصلاة .
٥ - ومنها حديث ابن جابر: أن رسول اللَّه ◌َ ل بعثني لحاجة ثم أدر کته وهو یسیر
- قال قتيبة: يصلي - فسلمت عليه، فأشار إليَّ، أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي.
٦ - ومنها حديث أبي سعيد: أن رجلًا سلم على النبي وَل فرد عليه إشارة،
وقال: ((كُنَّا نَرُدُّ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ فَنُهِینَا عَنْ ذَلِك»، أخرجه الطحاوي والبزار، وفي
الباب عن جماعة من الصحابة، ذكر أحاديثهم الشوكاني في ((النيل)). واستدل من
منع رد السلام بالإشارة في الصلاة بحديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه وَله :
التسبيح للرجال - يعني: في الصلاة - والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة
تفهم عنه فليعد لها، يعني: الصلاة، أخرجه أبو داود. والجواب عنه: إن هذا
الحديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج؛ فإن في سنده محمد بن إسحاق وهو
مدلس، ورواه عن يعقوب بن عتبة بالعنعنة. وقال أبو داود بعد روايته هذا
الحديث: وهم. وقال الزيلعي في ((نصب الراية)): قال إسحاق بن إبراهيم بن
هانئ: سئل أحمد عن حديث: من أشار إشارة يفهم عنه فليعد الصلاة، فقال: لا
يثبت، إسناده ليس بشيء، انتهى. وعلى فرض صلوحه للاحتجاج يجب أن تحمل
الإشارة المذكورة فيه على الإشارة لغير رد السلام والحاجة؛ جمعًا بينه وبين
الأحاديث الصحيحة التي فيها ذكر الإشارة لرد السلام، أو حاجة تعرض.
واستدلوا أيضًا بأن الرد بالإشارة منسوخ؛ لأنه كلام معنى وقد نسخ الكلام في
الصلاة. والجواب عنه: أنا لا نسلم أن رد السلام بالإشارة كلام معنى. قال
الطحاوي في ((شرح الآثار)) (ص٢٦٢) بعد ذكر حديث أبي هريرة الذي مر آنفًا:
ذهب قوم إلى أن الإشارة التي تفهم إذا كانت من الرجل في الصلاة قطعت عليه

٢٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
صلاته، وحكموا لها بحكم الكلام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وخالفهم
في ذلك آخرون، فقالوا: لا تقطع الإشارة في الصلاة، ثم ذكر ما احتج به هؤلاء
من حديث ابن عمر وصهيب وأبي سعيد، ثم قال: ففي هذه الآثار ما قد دل أن
الإشارة لا تقطع الصلاة، وقد جاءت مجيئًا متواترًا غير مجيء الحديث الذي
خالفها، فهي أولى منه، وليست الإشارة في النظر من الكلام في شيء؛ لأن
الإشارة إنما هي حركة عضو، وقد رأينا حركة سائر الأعضاء غير اليد في الصلاة لا
تقطع الصلاة، فكذلك حركة اليد، انتهى كلام الطحاوي ملخصًا.
ولو سلمنا أن رد السلام بالإشارة كلام معنى فلا نسلم كون الكلام في الصلاة
منسوخًا مطلقًا، سواء كان حقيقة أو معنى، بل نقول إنما المنسوخ في الصلاة هو
الكلام حقيقة دون الكلام معنى، ألا ترى أن الإشارات المفهمة قد ثبتت عنه وَ لّ في
الصلاة بعد نسخ الكلام فيها. وأجاب الحنفية عن أحاديث الجمهور، أي:
أحاديث رد السلام بالإشارة: بأن تلك الإشارة لم تكن ردًّا للسلام، وإنما كانت
نهيًا عن السلام والكلام. قاله الطحاوي وغيره. وهذا مردود، يرده حديث ابن عمر
المذكور في الكتاب، وحديث صهيب عند الترمذي وغيره بلفظ: مررت
برسول اللَّه ◌َ لّه وهو يصلي فسلمت عليه، فرد علي إشارة، وحديث ابن عمر عند
النسائي وابن ماجه والحاكم بلفظ: دخل النبي ◌َّ مسجد قباء ليصلي فيه، فدخل
عليه رجال يسلمون عليه، فسألت صهيبًا وكان معه: كيف كان النبي وَيّ يصنع إذا
سلم عليه؟ قال: كان يشير بيده، وحديث أبي سعيد عند الطحاوي والبزار بلفظ:
أن رجلًا سلم على النبي ◌َّ فرد عليه إشارة ... إلخ، وحديث عمار عند النسائي
بلفظ: أنه سلم على رسول اللّه وَّل وهو يصلي فرد عليه. فإن هذه الأحاديث
الصحيحة نصوص صريحة في أن إشارته وَّ في الصلاة عند السلام علیه كانت ردًّا
للسلام على من سلم عليه، لا نهيًا عنه. قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)) (ج٢:
ص١٦٢): قد تكون الإشارة في الصلاة لرد السلام، وقد تكون لأمر ينزل
بالصلاة، وقد تكون في الحاجة تعرض للمصلي، فإن كانت لرد السلام ففيها الآثار
الصحيحة، كفعل النبي ◌َّل في قباء وغيره، وقد كنت في مجلس الطرطوشي،
وتذاكرنا المسألة، وقلنا الحديث، واحتججنا به، وعامي في آخر الحلقة، فقام
وقال: ولعله كان يرد عليهم نهيًّا لئلا يشغلوه، فعجبنا من فقهه، ثم رأيت بعد ذلك

٢٤٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
أن فهم الراوي؛ لأنه كان رد السلام قطعي في الباب على حسب ما بيناه في أصول
الفقه، انتهى.
وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((التعليق الممجد)) (ص١٢٢): وحملوا -
أي: الحنفية. الأحاديث على أن إشارته وَليل كان للنهي عن السلام لا لرده، وهو
حمل يحتاج إلى دليل مع مخالفته لظاهر بعض الأخبار، انتهى. وأجابوا أيضًا بأن
هذه الأحاديث منسوخة. قال النيموي: حديث ابن عمر - أي: المذكور في
الكتاب - قد يدل على أن رد السلام بالإشارة كان في الابتداء، ولذلك ما رآه ابن
عمر وسأل عنه بلالاً وصهيبًا. وقد رد شيخنا هذا الجواب في ((أبكار المنن))
(ص٢٦٠ / ٥٤٥ - ٥٤٦)، فقال: جواب النيموي هذا مردود عليه بوجهين:
الأول: أن ابن عمر كان يجوز رد السلام بالإشارة في الصلاة، ثم ذكر الشيخ أثر
ابن عمر الآتي في آخر الفصل الثالث عن ((موطأ محمد))، قال: والثاني: أنه لو
كان رد السلام بالإشارة في الصلاة في الابتداء قبل نسخ الكلام لرد السلام
بالكلام، لا بالإشارة. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) بعد ذكر هذه الأحاديث: قد
يجاب عنها بأنه كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، ويؤيده حديث ابن مسعود: كنا
نسلم على رسول اللّه ◌َليل وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي
سلمنا عليه فلم يرد علينا، ولم يقل: ((فَأَشَارَ إِلَيْنَا))، وكذا حديث جابر: ((إِنَّهُ لَمْ
يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْت أُصَلِّي))، فلو كان الرد بالإشارة جائزًا لفعله.
وأجيب عن هذا بأن أحاديث الإشارة لو لم تكن بعد نسخه لرد باللفظ؛ إذ الرد
باللفظ واجب إلا لمانع كالصلاة، فلما رد بالإشارة علم أنه ممنوع من الكلام،
وأما حديث ابن مسعود وجابر فالمراد بنفي الرد فيه: الرد بالكلام بدليل لفظ
ابن حبان في حديث ابن مسعود: ((وَقَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ))، انتهى
كلام الزيلعي. وقال الحافظ في ((الدراية)) (ص١٠٨): وأجاب بعضهم باحتمال أن
يكون ذلك قبل نسخ الكلام في الصلاة. ورد بأنه لو كان كذلك لرد باللفظ لوجوب
الرد، فلما عدل عن الكلام دل على أنه كان بعد نسخ الكلام، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن صحيح. وقال الشوكاني: رجاله رجال
الصحيح. والحديث أخرجه أيضًا أحمد وابن حبان والبيهقي وأبو داود، وسكت
عنه هو والمنذري.

٢٥٠
ONCE
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٩٨ - [١٤] وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِي نَحْوَهُ، وَعِوَضُ بِلَالٍ صُهَيْبٌ.
{صحيح}
الشَّرْحُ
٩٩٨ - وفي (رِوَايَةِ النَّسَائِي نَحْوَه) أي: نحو حديث الترمذي. (وَعِوَضُ بِلَالٍ
صُهَيْبٌ) مبتدأ وخبرٍ، وفي بعض النسخ بنصب ((عوض)) على الظرفية، ولا مانع من
أن ابن عمر سأل كلَّا منهما وأجابه بذلك. وقد ذكر الترمذي أن الحديثين جميعًا
صحيحان، قال: احتمل أن يكون سمع منهما جميعًا، وحديث ابن عمر عن صهيب
أخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه والدارمي وابن حبان والبيهقي والحاكم في
((المستدرك))، وقال: على شرطهما. وصهيب هذا هو صهيب بن سنان أبو يحيى
النمري المعروف بالرومي؛ لأنه أخذ لسان الروم؛ إذ سبوه وهو صغير، وأصله من
العرب من النمر بن قاسط، كانت منازلهم بأرض الموصل في قرية على شط
الفرات مما يلي الجزيرة والموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية فَسَبَتْ صُهيبًا
وهو غلام صغيرٍ، فنشأ بالروم فصار ألكن، فابتاعته منهم كلب، ثم قدمت به مكة،
فاشتراه عبد الله بن جدعان التميمي فأعتقه، فأقام معه بمكة إلى أن هلك ابن
جدعان وبعث النبي ◌َّ. ويقال: إنه لما كبر في الروم وعقل هرب منهم، وقدم
مكة فحالف عبد الله بن جدعان وأقام معه حتى هلك، وأسلم قديمًا بمكة، يقال:
إنه أسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحد، ورسول الله وَ ل بدار الأرقم معه بضعة
وثلاثون رجلًا، وكان من المستضعفين معذبين في اللّه بمكة، ثم هاجر إلى المدينة
مع علي في النصف من ربيع الأول، فأدرك النبي وَّ بقباء، وشهد بدرًا والمشاهد
بعدها. قال أنس: قال النبي وَجَّ: ((صُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّوم)) وقيل: فيه نزلت: ﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] وإليه أوصى عمر أن يصلي
بالناس حتى يجتمع أهل الشورى على رجل، وفضائله كثيرة، وله أحاديث انفرد
البخاري بحديث، ومسلم بثلاثة، مات بالمدينة سنة (٣٨) في شوال في خلافة
علي، وقيل: سنة (٣٩) وهو ابن ٧٣ سنة، وقيل: ابن ٩٠ سنة. ودفن بالبقيع.
(٩٩٨) النَّسَائِيُّ (٥/٣) عَنْ صُهَيْبٍ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
ess ** ce
٢٥١
٩٩٩ - [١٥] وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِع قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ،
فَعَطَسْتُ، فَقلتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمَّدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا
يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ وَانْصَرَفَ، فَقَالَ: (مَنِ
الْمُتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ؟» فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ
قَالَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَ رِفَاعَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َ: ((وَالذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلاثُونَ مَلَكًّا، أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٩٩ - قوله: (صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ) قال الحافظ في ((الفتح)): وأخرجه
الطبراني، وبين أن الصلاة المذكورة المغرب، وسنده لا بأس به، انتهى. وهذه
الزيادة ترد على من قال: إنه في التطوع، على أن المعتاد في الصلاة جماعة هو
الفرض لا النفل. (فَعَطَسْتُ) بفتح الطاء وتكسر. (طَيِّبًا) أي: خالصًا عن الرياء
والسمعة. (مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ) قال ابن الملك: كلاهما واحد، ولعل المراد
أنواع البركة، وهي الزيادة عليه. وقال الطيبي: الضميران في ((فِيهِ)) و((عليه))
للحمد، ففي الأول البركة، بمعنى: الزائد من نفس الحمد أي: المستلزم لزيادة
ثوابه، وفي الثاني من الخارج لتعديتها بـ((عَلَى)) للدلالة على معنى الإفاضة أي على
الحمد، ثم على قائله من حضرة الحق. (كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى) أي: حمدًا
موصوفًا بما ذكر، وبأنه مماثل للحمد الذي يحبه الله ويرضاه. وفيه من حسن
التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد. (انْصَرَفَ) أي: سلم، وانصرف
عن جهة القبلة. (فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ) أي: بالجواب، وهذا مسبب عن قوله: ((مَنِ
الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟)) فإن النبي ◌َّلَ سألهم سؤال مستفهم، فتوهموا أنه سؤال
منكر، ظنًّا منهم أن هذا القول غير جائز في الصلاة، كان ذلك سببًا لعدم الإجابة
هيبة وإجلالاً، فلما زال التوهم في المرة الثانية أجاب بقوله: ((أَنَا)). (فَقَالَ رِفَاعَةُ)
(٩٩٩) أَبُو دَاوُد (٧٧٣)، والتِّرْمِذِي (٤٠٤)، والنَّسَائِي (٢/ ١٤٥) فِي الصَّلاَةِ عَنْهُ.

٢٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيه تجريد، وأصله فقلت. (أَنَّا) أي: المتكلم. (لَقَدِ ابْتَدَرَهَا) أي: استبق إليها.
(أيهم يصعد بها) أي: يسبق بعضهم بعضًا؛ لأن يصعد بها، قاله ابن الملك.
وقال الطيبي: الجملة سدت مسد مفعولي ينظرون المحذوف على التعليق.
والحديث: فيه دليل على أن العاطس في الصلاة يحمد الله بغير كراهة، ويؤيد
ذلك عموم الأحاديث الواردة بمشروعيته، فإنها لم تفرق بين الصلاة وغيرها،
وعلى جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور، وعلى
جواز رفع الصوت بالذكر المذكور ما لم يشوش على من معه.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٢: ص ٩٥) وحسنه
الترمذي، وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وأصل
الحديث في ((صحيح البخاري))، لكن ليس فيه ذكر العطاس، ولا زيادة «كَمَا يُحِبُّ
رَبَِّا وَيَرْضَى)). ولم يعين فيه الرجل القائل بل أبهمه، وزاد فيه أن ذلك عند رفع
الرأس من الركوع. وقد أورده المصنف في باب الركوع، وتقدم هناك شرحه،
ويجمع بين الروايتين: بأن الرجل المبهم في رواية البخاري هو رفاعة، كما في
حديث الباب، ولا مانع أن يكني عن نفسه إما لقصد إخفاء عمله، أو لنحو ذلك.
ويجمع: بأن عطاسه وقع عند رفع رأسه من الركوع، لكن إيراد المصنف رواية
البخاري في باب الركوع، ورواية الترمذي هذه في باب ما لا يجوز من العمل في
الصلاة وما يباح منه، يدل على أنه لم يذهب إلى اتحاد الواقعة في الروايتين، بل
جعلهما قصتين، خلافًا لما جزم به الحافظ وابن بشكوال.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
**
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
٢٥٣
١٠٠٠ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((التََّاؤُبُ
فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
وفي أخرى له ولابن ماجه: ((فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ))(*).
الشّرْحُ
١٠٠٠ - قوله: (التَّاؤُبُ) بالهمز، وقيل: بالواو. (فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ)
أضافه إلى الشيطان؛ لأنه يحبه ويتوسل به إلى ما يرضاه من قطع الصلاة والمنع من
العبادة. قال ابن حجر: التقييد بالصلاة ليس للتخصيص؛ بل لأن القبح فيها أكثر؛
لأن معنى كونه من الشيطان أن أسبابه من الامتلاء والثقل وقسوة القلب هي التي من
الشيطان، وهذا يوجب كونه منه في الصلاة وخارجها. ومن ثم قال النووي وغيره:
يكره التثاؤب بالأذكار في الصلاة وخارجها، انتهى.
(فَإِذَا تَثَاءَبَ) أي: شرع في التثاؤبٍ أو أراد أن يتثاءب أو يأخذ في أسبابه.
(فَلْيَكْظِمْ) أي: ليدفعه وليحبسه. (مَا اسْتَطَاعَ) أي: ما أمكنه بضم الشفتين، وتطبيق
السن، أو بوضع الثوب، أو اليد على الفم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضًا ابن
حبان في صحيحه، نقله مَيْرَك، وأخرجه مسلم بدون ذكر الصلاة. (وَفِي أَخْرَى لَهُ)
أي: في رواية أخرى للترمذي أي في ((الأدب))، وقد حسنها الترمذي. (ولابْنُ
مَاجَهْ) في سنده عبد الله بن سعيد المقبري. قال في ((الزوائد)): اتفقوا على ضعفه.
(فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ) أي: بدل ((فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ)). ولفظ ابن ماجه: ((إذا تثاءب
أحدكم فليضع يده على فيه)) - أي: إذا لم يدفعه بضم شفتيه - ولا يعوى، فإن
الشيطان يضحك منه. وقوله: ((لا يعوى)) بالعين المهملة أي لا يصيح شبه التثاؤب
(١٠٠٠) التِّرْمِذِي (٣٧٠) عَنْهُ فِيهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الصِّحَاحِ .
(*) ابن مَاجَهْ (٩٦٨) فِيهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

BOW
٢٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الذي يسترسل معه بعواء الكلب؛ تنفيرًا عنه واستقباحًا له، فإن الكلب يرفع رأسه
ويفتح فاه ويعوي، والمتثائِبُ إذا أفرط في التثاؤب شابهه. ومن هاهنا تظهر النكتة
في كونه يضحك منه؛ لأنه صيره ملعبة له بتشويه خلقه في تلك الحالة.
١٠٠١ - [١٧] وَعَنْ كَعْبٍ بنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِذَا
تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ
أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٠٠١ - قوله: (فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) بمراعاة السنن وحضور القلب وتصحيح
النية. (ثُمَّ خَرَجَ) أي: من بيته. (عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ) أي: قاصدًا إليه. (فَلَا يُشَبِّكَنَّ
بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أي: لا يدخل بعضها في بعض من التشبيك، وهو إدخال الأصابع
بعضها في بعض. (فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ) أي: حُكْمًا. والحديث يدل على كراهة التشبيك
من وقت الخروج إلى المسجد للصلاة. وفيه: أنه يكتب لقاصد الصلاة أجر
المصلي من حين يخرج من بيته إلى أن يعود إليه، ويدل على ذلك أيضًا ما روي عن
أبي هريرة مرفوعًا: ((من توضأ ثم خرج يريد الصلاة فهو في صلاة حتى يرجع إلى
بيته، فلا تقولوا هكذا)) يعني: يشبك بين أصابعه. أخرجه الدارمي والحاكم من
طريق إسماعيل بن أمية عن سعيد عن أبي هريرة. وقال الحاكم: صحيح على شرط
الشيخين، وما روي عن أبي سعيد مرفوعًا: ((إذا كان أحدكم في المسجد، فلا
يشبكن فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في الصلاة مادام في المسجد
حتى يخرج منه)). أخرجه أحمد (ج٣: ص٤٣) وابن أبي شيبة. قال الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص٢٥): بعد عزوه إلى أحمد: إسناده حسن. وعزاه
الحافظ في ((الفتح)) لابن أبي شيبة فقط، وقال بعد ذكر لفظه: في إسناده ضعيف
و مجهول، انتهى.
(١٠٠١) أَبُو دَاوُد (٥٦٢)، وَالتِّرْمِذِي (٣٨٦) فِيهَا: عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةً.

٢٥٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
واختلف في حكمة النهي عن التشبيك في المسجد، كما في حديث أبي سعيد؛
وفي غيره، كما في حديث كعب بن عجرة وأبي هريرة. فقيل: لما فيه من العبث.
وقيل: لأنه ينافي الخشوع. وقيل: لأنه من الشطان، كما تقدم في رواية أحمد
وابن أبي شيبة. وقيل: لأن التشبيك ربما يجلب النوم وهو من مظان الحديث.
وقيل: لما في ذلك من الإيماء إلى تشبيك الأحوال والأمور على المرء وملابسة
الخصومات والخوض فيها .
وحين ذكر رسول اللَّه وَال الفتن قال: واختلفوا فصاروا هكذا، وشبك بين
أصابعه. وقيل: لأن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبه عليه في حديث
ابن عمر عند البخاري، فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في المنهي
عنه، وهو قوله ◌َّليله للمصلين: ((ولا تختلفوا فتخلف قلوبكم)). قال العراقي: وفي
معنى التشبيك بين الأصابع تفقيعها. فيكره أيضًا في الصلاة ولقاصد الصلاة.
وروى أحمد والدارقطني والطبراني من حديث أنس بن معاذ مرفوعًا: ((إن
الضاحك في الصلاة والملتفت والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة)). وفي إسناده ابن
لهيعة وزبان بن فائد، ورشدين بن سعد وسهل بن معاذ، وكلهم ضعفاء. ويؤيده ما
روى ابن ماجه من حديث علي: أن النبي وَّر قال: ((لا تفقع أصابعك في الصلاة)).
وفي سنده الحارث الأعور. والتفقيع: هو غمز الأصابع حتى يسمع لها صوت، فإن
قلتُ: أحاديث النهي عن التشبيك معارضة لحديث أبي موسى مرفوعًا: ((إن
المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا))، ولحديث أبي هريرة في قصة ذي
اليدين: ((ووضع يده اليمنى على اليسرى ثم شبك بين أصابعه)). أخرجهما
الشيخان. ولحديث ابن عمر قال: ((شبك النبي ◌َّ أصابعه)). أخرجه البخاري
وترجم على هذه الأحاديث ((باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره)). قلتُ:
أحاديث النهي عن التشبيك لا تصلح لمعارضة أحاديث الجواز المروية في
الصحيحين؛ لانتفاء شرط المعارضة والمقاومة، وهو المساواة في الصحة
والقوة. وقيل: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض؛ إذ المنهي عنه فعله
على وجه العبث، وهو منهي عنه في الصلاة ومقدماتها ولواحقها من الجلوس في
المسجد والمشي إليه. والذي في حديث أبي موسى وابن عمر إنما هو المقصود
التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس، وأما تشبيكه في قصة ذي

٢٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
***
اليدين، فكان لاشتباه الحال عليه في السهو الذي وقع منه. ولذلك وقف كأنه
غضبان. وقيل: يجمع بينها بأن النهي مقيد بما إذا كان في الصلاة أو قاصدًا لها؛ إذ
منتظر الصلاة في حكم المصلي. والأحاديث الدالة على الجواز خالية عن ذلك.
أما حديث أبي موسى وابن عمر فظاهران.
وأما حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، فلأن تشبيكه إنما وقع بعد انقضاء
الصلاة في ظنه، فهو في حكم المنصرف من الصلاة. والرواية التي فيها النهي عن
ذلك مادام في المسجد ضعيفة، كما تقدم عن الحافظ. أن في إسناده ضعيفًا
ومجهولًا، فهي غير معارضة لحديث أبي هريرة. وقيل: يجمع بينها بأن فعله وَالخلال
يفيد عدم التحريم ولا يمنع الكراهة أي: لغيره؛ لكونه فعله نادرًا، أي: لبيان
الجواز أو لِمَعْنَّى، كما في حديث أبي موسى وابن عمر. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤:
ص٢٤١ - ٢٤٢). (والتِّرْمِذِيُّ) ولم يحكم عليه بشيء من الصحة والحسن
والضعف، واشتغل عنه بذكر الاختلاف في سنده.
(وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. (وَالنَّسَائِيُّ) كذا في النسخ الموجودة عندنا من طبعات
الهند ومصر بذكر النسائي، والظاهر أنه خطأ، فإن الحديث لم أجده في سنن
النسائي، اللهم إلا أن يكون في ((الكبرى)). ويدل على ذلك أيضًا عدم وجوده في
نسخة القاري التي اعتمدها في شرحه، فإنه قال بعد ذكر قول المصنف: رواه أحمد
والترمذي وأبو داود ما لفظه، وفي نسخة والنسائي أيضًا. (والدَّارِمِي) الحديث في
إسناده عند الترمذي رجل غير مسمى، وهو الراوي له عن كعب بن عجرة، وقد
كنى أحمد في رواية وأبو داود والدارمي والبيهقي هذا الرجل المبهم، فرووه من
طريق سعد بن إسحاق، قال: حدثني أبو ثمامة الحناط - بالحاء المهملة والنون -
عن كعب، وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وأخرجه أيضًا أحمد والدارمي في
رواية من حديث المقبري عن كعب، وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد
المقبري عن كعب، ولم يذكر الثلاثة في رواياتهم الرجل، وأخرجه أيضًا أحمد من
طريق سعيد المقبري عن رجل من بني سالم عن أبيه عن جده عن كعب بن عجرة،
ومن طريق سعيد المقبري عن بعض بني كعب بن عجرة عن كعب، ومن طريق
سعيد بن أبي سعيد عن كعب بن عجرة. وبسط البيهقي الاختلاف فيه على سعيد،
وأخرجه ابن حبان والبيهقي أيضًا من حديث الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلي

٢٥٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
عن كعب بن عجرة، ولأجل هذا الاختلاف ضعف بعضهم حديث كعب بن عجرة
هذا. قال ابن بطال: قد وردت في النهي عن التشبيك مراسيل ومسندة من طرق غير
ثابتة. قال الحافظ في ((الفتح)) وكأنه يشير إلى حديث كعب بن عجرة، فذكر لفظه،
ثم قال: أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وفي إسناده اختلاف،
ضعفه بعضهم بسببه، انتھی .
قلتُ: الظاهر أن الحديث من طريق سعد بن إسحاق عن أبي ثمامة الحناط
القماح عن كعب عند أحمد وأبي داود والدارمي والبيهقي، ومن طريق الحكم عن
عبد الرحمن بن أبي ليلي عن كعب عند ابن حبان والبيهقي، لا ينحط عن درجة
الحسن. وقد أيده ما تقدم من حديث أبي سعيد عند أحمد بإسناد حسن، ومن
حديث أبي هريرة عند الدارمي والحاكم. والله أعلم.
١٠٠٢ - [١٨] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((لَا يَزَالُ اللَّهُ
رَ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٠٠٢ - قوله: (لَا يَزَالُ اللَّهُ وَ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ) بالإحسان والغفران والعفو
لا يقطع عنه ذلك. قال القاري: أي: ناظرًا إليه بالرحمة وإعطاء المثوبة، والمعنى:
لم ينقطع أثر الرحمة عنه. (مالم يلتفت) أي: مالم يتعمد الالتفات إلى مالا يتعلق
بالصلاة. وقال الحافظُ: المراد بالالتفات مالم يستدبر القبلة بصدره أو عنقه كله.
وسبب كراهة الالتفات يحتمل أن يكون لنقص الخشوع أو لترك استقبال القبلة
ببعض البدن، انتهى. (فَإِذَا الْتَفَتَ) وفي رواية النسائي ((فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ)) أي :
بالالتفات إلى مالا يتعلق بالصلاة. (انْصَرَفَ عَنْهُ) أي: أعرض عنه بقطع الرحمة
المسببة عن الإقبال على الصلاة. وقال ابن الملك: المراد منه: قلة الثواب. (رَوَاهُ
أَحْمَدُ) في (ج٥ ص١٧٢). (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه.
(١٠٠٢) أَبُو دَاوُد (٩٠٩)، وَالنَّسَائِي (٨/٣) عَنْهُ فِيهَا.

٢٥٨
Be
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في ((صحيحه)) والبيهقي (ج٢
ص٢٨١)، والحاكم (ج١ ص٢٣٦)، وصححه كلهم من طريق الزهري عن أبي
الأحوص عن أبي ذر. قال المنذري في ((الترغيب)): وأبو الأحوص هذا لا يعرف
اسمه ولم يَرْوِ عنه غير الزهري، وقد صحح له الترمذي وابن حبان وغيرهما،
انتھی .
وقال ابن عبد البر: هو مولى بني غفار، إمام مسجد بني ليث. قال ابن معين:
أبو الأحوص الذي حدث عنه الزهري ليس بشيء، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وليس لقول ابن معين هذا أصل إلا كونه انفرد الزهري بالرواية عنه. قال ابن عبد
البر: قد تناقض ابن معين في هذا، فإنه سئل عن ابن أكيمة، وقيل له: إنه لم يَرْوِ
عنه غير ابن شهاب، فقال: يكفيه قول ابن شهاب، حدثني ابن أكيمة، فيلزمه مثل
هذا في أبي الأحوص؛ لأنه قال في حديث الباب: سمعت أبا الأحوص. وقال أبو
أحمد الكرابيسي: ليس بالمتين عندهم. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، كذا في
((تهذيب التهذيب)) (ج١٢ ص٥) وقال في ((التقريب)): أبو الأحوص مولى بني ليث
أو غفار مقبول من أوساط التابعين لم يرو عنه غير الزهري، انتهى. وقال النووي في
((الخلاصة)): هو فيه جهالة لكن الحديث لم يضعفه أبو داود فهو حسن عنده،
انتھی .
١٠٠٣ - [١٩] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَِّيَّ ◌ََّ قَالَ: ((يَا أَنَسُ اجْعَلْ بَصَرََ
حَيْثُ تَسْجُدُ)).
[ رَوَاهُ ... ]
الشّرْجُ
١٠٠٣- قوله: (اجْعَلْ بَصَرَكَ حَيْثُ تَسْجُدُ) الحديث بظاهره يدل على
استحباب النظر إلى موضع السجود في سائر الصلاة، وعليه عمل الشافعية، كما
يدل عليه كلام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿الَِّينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ
[المؤمنون: ٢]، وهو مذهب أحمد كما في ((المغني)) (ج١ ص ٦٦٤)، والشافعي، كما
(١٠٠٣) البَيْهَقِي (٢ / ٢٨٤) فِي الصَّلاَةِ مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَوُلَهُ، عنه فِيهَا .

٢٥٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
قاله ابن حجر وغيره. لكن قال الطيبي: يستحب للمصلي أن ينظر في القيام إلى
موضع سجوده، وفي الركوع إلى ظهر قدميه، وفي السجود إلى أنفه، وفي التشهد
إلى حجره، انتهى.
وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه مع زيادة أن ينظر في السلام إلى منكبيه كما في
((النهاية شرح الهداية)). قلتُ: وذهب مالك إلى أن يكون نظر المصلي إلى جهة
القبلة. وإليه يظهر ميل البخاري حيث قال في ((صحيحه)): باب رفع البصر إلى
الإمام في الصلاة، وذكر فيه أحاديث تدل على ذلك. قال الحافظ في ((الفتح)): قال
الزين بن المنير: نظر المأموم إلى الإمام من مقاصد الائتمام، فإذا تمكن من
مراقبته بغير التفات كان ذلك من إصلاح صلاته. وقال ابن بطال: فيه حجة لمالك
في أن نظر المصلي يكون إلى جهة القبلة. وقال الشافعي والكوفيون: يستحب له أن
ينظر إلى موضع سجوده؛ لأنه أقرب إلى الخشوع.
وقال العيني في شرح البخاري (ج ٥ ص٣٠٦): قد اختلف العلماء في رفع البصر
إلى أي موضع في صلاته، فقال أصحابنا والشافعي وأبو ثور: إلى موضع سجوده،
وروي ذلك عن إبراهيم وابن سيرين، وفي التوضيح: واستثنى بعض أصحابنا إذا
كان مشاهدًا للكعبة، فإنه ينظر إليها. وقال القاضي حسين: ينظر إلى موضع
سجوده في حال قيامه، وإلى قدميه في ركوعه، وإلى أنفه في سجوده، وإلى حجره
في تشهده؛ لأن امتداد النظر يلهي، فإذا قصر كان أولى. وقال مالك: ينظر أمامه،
وليس عليه أن ينظر إلى موضع سجوده وهو قائم. قال: وأحاديث الباب تشهد له؛
لأنهم لو لم ينظروا إليه عليه الصلاة والسلام ما رأوا تأخره حين عرضت عليه
جهنم، ولا رأوا اضطراب لحيته، ولا استدلوا بذلك على قراءته ولا نقلوا ذلك،
ولا رأوا تناوله فيما تناوله في قبلته حين مثلت له الجنة. ومثل هذا الحديث
قوله وَله: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامِ لِيُؤْتَمَّ بِهِ)) لأن الائتمام لا يكون إلا بمراعاة حركاته في
خفضه ورفعه، انتهى.
وقال الحافظ بعد ذكر ما تقدم من كلام ابن المنير وابن بطال: وورد في ذلك، أي
في النظر إلى موضع السجود حديث أخرجه سعيد بن منصور من مرسل محمد بن
سيرين، ورجاله ثقات، وأخرجه البيهقي موصولًا، وقال: المرسل هو المحفوظ.