Indexed OCR Text

Pages 161-180

母米
١٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جميع المؤتمين، وتارة يستقبل أهل اليمين، قالوا: فالإمام مخير إن شاء استقبل
القوم بوجهه، وإن شاء انحرف يمنة ويسرة، أي: يجعل يمينه إليهم ويساره إلى
القبلة، أو عكسه.
قال الشوكاني: يمكن الجمع بين الحديثين بأنه كان تارة يستقبل جميع
المؤتمين، وتارة يستقبل أهل الميمنة، أو يجعل حديث البراء مفسرًا لحديث
سمرة، فيكون المراد: أقبل علينا أي على بعضنا، أو أنه كان يصلي في الميمنة،
فقال ذلك باعتبار من يصلي في جهة اليمين، انتهى. ومنهم من فصل وقال: إنه كان
من عادته وسير أنه إذا سلم تحول عن القبلة، وانحرف يمينًا أو شمالاً، ولم يمكث
مستقبل القبلة، بل يسرع الانتقال إلى المأمومين، فإن كان هناك حاجة وضرورة إلى
خطاب الناس جلس مستقبلًا لجميع المؤتمين، وخاطبهم وكلمهم، كما في حديث
سمرة، وزيد بن خالد الجهني، وأنس، ومن وافقهم، وإن لم يكن هناك شيء يتعلق
بخطاب القوم، فتارة جلس منحرفًا يمنة بأن يجعل يمينه إلى القوم ويساره إلى
القبلة، كما يدل عليه حديث البراء على المعنى الثالث. وتارة جلس منحرفًا يسرة
بأن جعل يساره إلى القوم ويمينه إلى القبلة، وتارة لا يجلس بل يذهب إلى جهة
حاجته، سواء كانت عن يمينه أو عن شماله، والأحاديث التي فيها ذكر الانصراف
عن اليمين والشمال مطلقًا كحديثي ابن مسعود وأنس الذين ذكرهما المصنف،
وكحديث هلب عند الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه بلفظ: ((كان رسول اللَّه وَيه
يؤمنا، فينصرف عن جانبيه جميعًا على يمينه وشماله)). وكحديث عبد الله بن عمرو
عند ابن ماجه بلفظ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَيُّهَ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ فِي الصَّلَاةِ))
تتناول جميع هذه الصور. ومنهم من حمل أحاديث الانصراف المطلقة على
الذهاب إلى البيت، والانصراف إلى موضع الحاجة، وقال: إن الإمام إن كان لا
يريد الجلوس بعد السلام بل يريد الذهاب إلى بيته سلم وانصرف إلى موضع حاجته
يمنة أو يسرة، وذهب إلى بيته، وإن كان يريد المكث والقعود في مصلاه، فالسنة أن
يستقبل جميع المؤتمين، فسنة الجلوس هي استقبال جميع المؤتمين، لا استقبال
أهل اليمين أو أهل اليسار فقط، فجلوس الإمام منحرفًا يمنة أي: استقبال أهل
اليمين، أو يسرة أي: استقبال أهل اليسار، وإن كان مباحًا لكنه ليس من السنة في
شيء، فمن کان یرید السنة فلینصرف بعد السلام إلى بيته و موضع حاجته إن لم يرد

كِتَابُ الصَّلَاةِ
=*:
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
١٦١
المكث والجلوس، وهذا هو محمل روايات الانصراف المطلقة، أو يجلس
مستقبلًا لجميع المؤتمين. قلتُ: هذا القول الأخير هو الراجح عندي، وقد جنح
إليه البخاري حيث عقد على أحاديث سمرة، وزيد بن خالد، وأنس باب: يستقبل
الإِمام الناس إذا سلم، فجزم بأن سنة الجلوس هو استقبال القوم جميعًا، ثم ترجم
بعد بابين باب: الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال، وذكر فيه أثر أنس بأنه
كان ينفتل عن يمينه ويساره، ثم ذكر حديث ابن مسعود. قال القسطلاني في
(شرحه)): ((باب الانفتال)) أي: لاستقبال المأمومين ((وَالاِنْصِرَافِ)) أي: لحاجته إلى
اليمين والشمال، وكأنه أخذ ذلك من كلام الزين بن المنير حيث قال: جمع
البخاري في الترجمة بين الانفتال والانصراف، للإشارة إلى أنه لا فرق في الحكم
بين الماكث في مصلاه إذا انفتل لاستقبال المأمومين وبين المتوجه لحاجته إذا
انصرف إليها، انتهى. (قَالَ) أي: البراء. (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ) أي: بعد التسليم.
قال ابن الملك: ويحتمل أنه سمعه في الصلاة. (رَبِّ) بحذف ياء المتكلم.
(قِنِي) أمر من وقي يقي وقاية. (عَذَابَك) أي: احفظني منه بفضلك وكرمك وهو
تعليم لأمته أو تواضع مع ربه. (يَوْمَ تَبْعَثُ أَوْ تَجْمَعُ عِبَادَكَ) شك من الراوي. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائي وأبو داود وابن ماجه وأبو عوانة في ((مسنده))
الصحيح .
٩٥٥ - [١٠] وَعَنْ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَه
كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْثُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَمَنْ صَلَّى مِن
الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ قَامَ الرِّجَالُ.
[ رَوَاهُ المُخَارِيُّ] {صحیح}
- وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ سَمُرَة فِي بَابِ الضَّحِكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّرْحُ
٩٥٥- قوله: (قُمْنَ) أي: خرجن إلى بيوتهن. (وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ) أي:
(٩٥٥) الْبُخَارِي (٨٦٦)، وَأَبُو دَاوُد (١٠٤٠)، وَالنَّسَائِي (٣/ ٦٧)، وَابن مَاجَهْ (٩٣٢) عَنْهَا فِيهَا .

١٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قعد رسول اللَّه وَ ليه في مكانه بعد قيامهن ليتبعه الرجال في ذلك حتى تنصرف النساء
إلى البيوت، فلا يقع اجتماع الطائفتين في الطريق، ويحصل الأمن من الفتنة
باختلاط الرجال بالنساء في الطريق. (وَمَنْ صَلَّى) عطف على (رَسُولِ اللَّهِ وَلِ)) أي:
وثبت من صلى معه. (مَا شَاءَ اللَّهُ) أي: زمانًا شاء الله أن يلبثوا فيه. وزاد في بعض
الروايات: ((قالت: فنرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن
يدركهن الرجال)). والحديث فيه: أنه يستحب للإمام مراعاة أحوال المأمومين،
والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور. وفيه: اجتناب مواقع التهم
وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلًا عن البيوت، ومقتضى التعليل
المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالًا فقط أن لا يستحب هذا المكث، وعليه حمل
ابن قدامة حديث عائشة الآتي: أنه والج ير كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول:
((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)). وسيأتي الكلام
في ذلك. وفي الحديث: أنه لا بأس بحضور النساء الجماعة في المسجد.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) باللفظ المذكور في باب: خروج النساء إلى المساجد بالليل
والغلس. وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بألفاظ متقاربة.
قوله: (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ سَمُرَة) يعني: الذي ذكره صاحب ((المصابيح)) هنا
بلفظ: كان - يعني: رسول اللّه وَ ليل - لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح
حتى يطلع الشمس، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، أي: يتحدثون
بما جرى قبل الإسلام، فیضحكون ويبتسم.
(فِي بَابِ الضَّحِك) قال القاري: لا يخفى أن إبقاءه في هذا الباب أولى من تغيير
المصنف المفتقر إلى الاعتذار المتضمن للاعتراض، فإن الحديث الطويل إذا كان
مشتملاً على أمور مختلفة يصلح لكل باب إيراده فيه لمناسبة أمر ما، ولهذا أورد
البخاري حديثًا واحدًا في أبواب كثيرة في كتابه، مع أن أول هذا الحديث أولى
بهذا المقام، انتهى. قلتُ: صنيع المصنف - أي: تغييره وإيراده حديث جابر بن
سمرة في باب الضحك - أولى من صنيع البغوي؛ فإنه لا تعلق له بالدعاء في
التشهد صراحة بخلاف الضحك، فإنه مذکور فیه صريحًا، فهو أنسب وأولی بباب
الضحك.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
besex
١٦٣
الفصل الثاني
٩٥٦ - [١١] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَةِ، فَقَالَ:
((إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ)) فَقلتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَلَا تَدَعْ أَنْ
تَقُولَ فِي دُبُرٍ كُلِّ صَلَاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرَِ وَشُكْرِلَكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّ أَنَّ أَبَا دَاود لَمْ يَذْكُرْ:
قَالَ مُعَاذٌ: وَأَنَا أُحِبُّكَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٥٦ - قوله: (إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ) فيه مزيد تشريف منه وَّ لمعاذْ رَضَِّهُ،
وترغيب له فيما يريد أن يلقى عليه من الذكر. (قَالَ: فَلَا تَدَعْ) نهى عن ودعه إلا أنه
هجر ماضيه في الأكثر استغناء عنه بترك، وقد ورد قليلاً، وقرئ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾
[الضحى: ٣] أي: إذا كنت تحبني، أو إذا كان بيني وبينك محاببة، أو إذا أردت ثبات
هذه المحبة فلا تترك، والنهي أصله التحريم، فيدل على وجوب الدعاء بهذه
الكلمات، وقيل: إنه نهي إرشاد. (أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) أي: في آخرها قبل
الخروج منها؛ لأن دبر الحيوان منه. وقيل: أي: عقبها وخلفها؛ لأن دبر الصلاة
بعدها قال في القاموس: الدبر - بضمتين - نقيض القبل ومن كل شيء عقبه. وإيراد
المصنف هذا الحديث في الباب المشتمل على الدعاء في التشهد يدل على أنه أراد
المعنى الأول، ويؤيده رواية أحمد بلفظ: ((إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل
صلاة))، ورواية النسائي بلفظ: ((فلا تدع أن تقول في كل صلاة))، لكن يشكل عليه
إيراده لأدعية وأذكار مقيدة بذلك في باب الذكر بعد الصلاة كحديث المغيرة،
وحديث أبي هريرة، وحديث كعب بن عجرة، ونحو ذلك.
(رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ) قال الطيبي: هو قريب من معنى حديث ربيعة بن كعب
في باب السجود حين سأل مرافقته وَّر، فقال: ((أعني على نفسك بكثرة السجود))،
(٩٥٦) أَبُو دَاوُد (١٥٢٢)، وَالنَّسَائِي (٥٣/٣) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.

EECHE
١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EX
حيث علق المحبة به بملازمة الذكر، والمرافقة بكثرة السجود، فقوله: ((أَعِنِّي عَلَى
ذِكْرٍلَك)) المطلوب منه شرح الصدر، وتيسير الأمر، وإطلاق اللسان، وإليه يلمح
وَاحْلُلْ عُقْدَةً
٣٦
قول الكليم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أُشْرَحْ لِ صَدْرِى وَيَسْ لِ أَمْرِى
وَنَذْكُرَ كَثِيرًا
﴾ [طه: ٢٥ - ٢٧] إلى قوله: ﴿كَىّ ◌ُيِّحَكَ كَثِيرًا
يَفْقَهُواْ قَوْلِ (
مِّن لِسَانِی
[طه: ٣٣، ٣٤]، وقوله: (وَشُكْرِكَ) المطلوب منه توالي النعم المستجلبة لتوالي
٣٤
الشكر، وإنما طلب المعاونة عليه؛ لأنه عسر جدًّا، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ
عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وقوله: (وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) المطلوب منه التجرد عما يشغله
عن الله، ويلهيه عن ذكر الله وعن عبادتَه ليتفرغ لمناجاة اللَّه، كما أشار إليه سيد
المرسلين صلوات الله عليه: ((وقرة عيني في الصلاة)) وأخبر عن هذا المقام بقوله:
((الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ))، انتهى. ووجه تخصيص الوصية بهذه الكلمات
أنها مشتملة على جميع خير الدنيا والآخرة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص٢٤٤، ٢٤٥، ٢٤٧). (وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وسكت عنه
أبو داود والمنذري. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)): سنده قوي. وقال النووي:
إسناده صحيح، ذكره مَيْرَك. والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان وابن خزيمة في
((صحيحيهما))، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. قال الشوكاني: وهذا
الحديث مسلسل بالمحبة كما ذكرته في ((إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر)).
٩٥٧ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ كَانَ
يُسَلَّمُ عَنْ يَمِينِهِ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَخْمَةُ اللّهِ)) حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ،
وَعَنْ يَسَارِهِ: ((السَّلَامُ عَلَّيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ)) حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ يَذْكَرِ التِّرْمِذِي: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ] {صحيح}
الشّرْجُ
٩٥٧ - قوله: (كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ) أي: مجاوزًا نظره عن يمينه كما يسلم على
(٩٥٧) أَبُو دَاوُد (٩٩٦)، والتِّرْمِذِي (٢٩٥)، وابن مَاجَهْ (٩١٤)، والنَّسَائِي (٣/ ٦٣)، عَنْه فِيهَا .

١٦٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
من في يمينه. (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) إما حال مؤكدة، أي: يسلم قائلًا:
((السَّلامُ عَلَيْكُمْ)) أو جملة استئنافية على تقدير: ماذا كان يقول.
(حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ) بضم الياء المثناة من تحت من قوله: (يَرَى)) مبنيًّا
للمجهول، و((بَيَاضُ)) بالرفع على النيابة و((الْأَيْمَنِ)) بالجر على أنه صفة لخده.
(وَعَنْ يَسَارِهِ) فيه مشروعية تسليمتين للخروج عن الصلاة، وأن يكون التسليم أولًا
إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار. (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) قال الحافظ في
التلخيص (ص١٠٤): وقع في ((صحيح ابن حبان)) من حديث ابن مسعود زيادة:
((وَبَرَ كَاتُهُ))، وهي عند ابن ماجه أيضًا، وهي عند أبي داود أيضًا في حديث وائل بن
حجر، فيتعجب من ابن الصلاح حيث يقول: إن هذه الزيادة ليست في شيء من
كتب الحديث، انتهى. قلتُ: حديث وائل بن حجر بزيادة: ((وَبَرَكَاتُّهُ)) قد سكت
عنه أبو داود. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)) بعد ذكره: رواه أبو داود بإسناد
صحيح، ولكن ليس فيه زيادة: ((وَبَرَكَاتُهُ)) إلا في اليمين فقط. وأما رواية ابن ماجه
لحديث ابن مسعود بزيادة ((وَبَرَ كَاتُهُ)) فليست موجودة في نسخ (السنن)) التي بأيدينا
من طبعات الهند ومصر، فكلها خالية عن هذه الزيادة. ونقل الأمير اليماني عن
الحافظ : أن ابن رسلان قال في ((شرح السنن)): لم أجدها في ابن ماجه. وهذا يؤيد
النسخ الموجودة الحاضرة عندنا - إلا أنه قال الأمير اليماني: راجعنا ((سنن ابن
ماجه)) من نسخة صحيحة مقروءة فوجدنا فيه ما لفظه: باب: التسليم، حدثنا
محمد بن عبد الله بن نمير: حدثنا عمر بن عبيد، عن ابن إسحاق، عن الأحوص،
عن عبد الله، أن رسول اللَّه وَليل كان يسلم عن يمينه وعن شماله حتى يرى بياض
خده: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، انتهى بلفظه. وهذا يؤيد ما ذكره
الحافظ في ((التلخيص)) من رواية ابن ماجه لهذه الزيادة في حديث ابن مسعود،
وهذا كله يدل على اختلاف نسخ ابن ماجه في ذكر هذه الزيادة، وكيف ما كان
الأمر لا عذر عن القول بها بعد صحة إسناد حديث وائل، وثبوتها عند ابن حبان؛ إذ
هي زيادة عدل غير منافية، وعدم ذكرها في رواية غيره ليست رواية لعدمها، ولما
ذكر النووي أن زيادة ((وَبَرَكَاتُهُ)) فردة، ساق الحافظ في ((تنقيح الأفكار بتخريج
الأذكار)) طرقًا كثيرة لهذه الزيادة، وقال بعد أن ساق تلك الطرق: فهذه عدة طرق
تثبت بها ((وَبَرَكَاتُهُ))، بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها رواية فردة، انتهى. (رَوَاهُ

١٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
iE
أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ) وصححه، وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه
والدار قطني وابن حبان، وله ألفاظ، وأصله في ((صحيح مسلم)). قال العقيلي:
الأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين، ولا يصح في تسليمة
واحدة شيء. (وَلَمْ يَذْكرُ التِّرْمِذِيُّ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّه) أي: في الوجهين.
٩٥٨ - [١٣] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ .
[صحيح]
الشَّرْجُ
٩٥٨- قوله: (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِر) أي: لا عن ابن مسعود،
وهذا من أوهام المصنف؛ فإن ابن ماجه رواه عن ابن مسعود وعمار كليهما،
وحديث عمار أخرجه أيضًا الدار قطني، قال السندي: إسناده حسن.
٩٥٩ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِ النَّبِي
وَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ إِلَی حُجْرَتِهِ.
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ] (صحيح}
الشَّرْجُ
٩٥٩ - قوله: (كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِ النَّبِي ◌َّهِ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَى شِقُّهِ الأَيْسَرِ إِلَی
حُجْرَتِه) قال الطيبي: كان باب حجرته مفتوحًا إلى المسجد عن يسار المحراب،
فهو ينصرف إلى جانب يساره ويدخل حجرته. (رَوَاهُ) أي: البغوي. (فِي شَرْحِ
السُّنَّة) قال مَيْرَك نقلا عن ((التصحيح)): حديث ابن مسعود هذا ليس في شيء من
الكتب، ورواه صاحب ((المصابيحَ في شرح السنة))، ولكن يؤيده ما قدمنا من
حديث ابن مسعود عند مسلم بلفظ: أكثر ما رأيت رسول الله وَل ينصرف عن
(٩٥٨) صحيح.
(٩٥٩) الْبَغَوِيُّ (٣/ ٢١١) فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَصْلُهُ فِي الصِّحَاحِ.

١٦٧
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
شماله. زاد أبو داود في روايته: قال عمارة - أي: ابن عمير راوي الحديث عن
الأسود عن عبد الله) أتيتُ المدينة بعدُ - أي: بعد سماع الحديث من الأسود -
فرأيت منازل النبي ◌َّ - أي: بيوته عن يساره. أي: عن يسار النبي وَّ في حال
أداء الصلاة، فقد بين عمارة وجه انصرافه إلى جانب اليسار، بأن حاجته كانت إلى
جهة اليسار.
٩٦٠ - [١٥] وَعَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ: ((لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ)).
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وقَالَ: عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ] {صحيح}
الشّرُْ
٩٦٠ - قوله: (عَنْ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِيّ) هو عطاء بن أبي مسلم أبو أيوب أو أبو
عثمان نزيل الشام، واسم أبيه ميسرة. وقيل: عبد الله، صدوق يهم كثيرًا،
ويرسل، ويدلس، قال الطبراني: لم يسمع من الصحابة إلا من أنس، فهو من
صغار التابعين. مات سنة خمس وثلاثين ومائة، لم يصح أن البخاري أخرج له،
كذا في ((التقريب))، وقد وثقه ابن معين، وأبو حاتم والدار قطني، وقال النسائي:
ليس به بأس، روى عنه مالك وغيره. (عَنِ الْمُغِيرَةِ) ابن شعبة. (لَا يُصَلِّي) نفي
بمعنى النهي. (الْإِمَامُ) ليس التقييد بالإمام لتخصيصه بذلك بل يعم المأموم
والمنفرد، والدليل على ذلك ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة
رفعه: ((أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر، أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة))
يعني: في السبحة. فسوق هذا الحديث يقتضي العموم، كيف والخطاب مع
المقتدين، وكان ◌َّه هو الإمام يومئذٍ. (فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى) أي: الفرض.
(فِيهِ حَتَّى يَتَحَوَّلَ) أي: ينتقل إلى موضع، وهذا جاء للتأكيد، فإن قوله: ((لا يصلي
في موضع صلى فيه)) أفاد ما أفاده. وعند ابن ماجه: ((لا يصلي الإمام في مقامه الذي
صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه)). وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي،
(٩٦٠) أَبُو دَاوُد (٦١٦)، وَابن مَاجَهْ (١٤٢٨) عَنْهُ فِيهَا .

١٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال: من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه. قيل: نهي عن ذلك لئلا
يتوهم أنه بعد في المكتوبة، يعني أنه كره ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة كما
يشير إليه حديث معاوية عند مسلم، وسنذكر لفظه، وقيل: العلة في ذلك أن يشهد
له الموضعان بالطاعة، ولذلك يستحب تكثير محال العبادة، فإن مواضع السجود
﴾﴾ [الزلزلة: ٤] أي : تخبر بما
تشهد له، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ
عمل عليها، وهذه العلة تقتضي أن ينتقل إلى الفرض من موضع نفله، وأن ينتقل
لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل، فإن لم ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام لما
روى مسلم عن السائب: أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفل بعدها في مقامه،
فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن
النبي ◌َّه أمرنا بذلك أن لا نُوصِلَ صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج. (رَوَاهُ أبو
داود). وأخرجه أيضًا ابن ماجه. (وَقَالَ) أي: أبو داود. (عَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ) مبتدأ،
خبره قوله: (لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ) ابن شعبة، أي: فسنده منقطع.
قال المنذري: وما قاله أبو داود ظاهر، فإن عطاء الخراساني ولد في السنة التي
مات فيها المغيرة بن شعبة، وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور، أو يكون
ولد قبل وفاته بسنة على القول الآخر، انتهى. وقال البخاري في ((صحيحه)): قال
لنا آدم: حدثنا شعبة، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي في مكان
الذي صلى فيه الفريضة، وفعله القاسم، ويذكر عن أبي هريرة رفعه: ((لا يتطوع
الإِمام في مكانه»، ولم يصح، انتهى.
قال الحافظُ: ذكر البخاري حديث أبي هريرة بالمعنى، ولفظه عند أبي داود:
((أيعجز أحدكم ... )) فذكر مثل ما ذكرنا. قال: وقوله: (لَمْ يَصِحَّ)) هو كلام
البخاري، وذلك لضعف إسناده واضطرابه، تفرد به ليث بن أبي سليم، وهو
ضعيف، واختلف عليه فيه، وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في ((تاريخه))، وقال:
ولم يثبت هذا الحديث، انتهى. قلتُ: قد ثبت التنحي في حديث معاوية عند
مسلم بقوله: ((أَوْ نَخْرُجَ)) وفي حديث علىّ عند ابن أبي شيبة بقوله: من السنة أن لا
يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه. وهذا يكفي لإثبات استحباب التطوع في غير
موضع المكتوبة .

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
١٦٩
ISE
٩٦١ - [١٦] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ النَّبِيِ نَّهِ حَضَّهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ، وَنَهَاهُمْ
أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرُ
٩٦١ - قوله: (حَضَّهُمْ) أي: حثهم. (عَلَى الصَّلَاةِ) أي: على ملازمة صلاة
الجماعة أو مطلق الصلاة والإكثار منها. (وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ
الصَّلَاةِ) قال الطيبي: علة نهيه عليه الصلاة والسلام أصحابه عن انصرافهم قبله أن
تذهب النساء اللاتي يصلين خلفه، وكان النبي ◌ّيّ يثبت في مكانه حتى ينصرف
النساء، ثم يقوم، ويقوم الرجال، قال مَيْرَك: ويحتمل أن المراد من الانصراف هو
الخروج من الصلاة قبل خروجه بالسلام، انتهى.
قلتُ: ويؤيد ما ذكره الطيبي في بيان العلة حديث أم سلمة آخر أحاديث الفصل
الأول، فهو المتعين والمعتمد.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري، ورواه أحمد (ج٣: ص٢٤٠) من
غير طريق أبي داود بأتم منه، وكذا رواه أبو عوانة في ((صحيحه)) (ج٢: ص٢٥١)
بتمامه .
(٩٦١) أَبُو دَاوُد (٦٢٤) عَنْهُ فِيهَا.

١٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٩٦٢ - [١٧] عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ، كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ يَقُولُ فِى
صَلَاتِهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ
شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ
مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرَُكَ لِمَا تَعْلَمُ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَد نَحْوَهُ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٩٦٢- قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَالِهِ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ) أي: بعد التشهد، قاله
القاري. وقال ابن حجر: أي في آخرها. وقال الشوكاني: هذا الدعاء ورد مطلقًا
في الصلاة غير مقيد بمكان مخصوص، انتهى. قلتُ: وعند أحمد في رواية: كان
رسول اللّه والجهل يعلمنا كلمات ندعو بهن في صلاتنا، أو قال: في دبر صلاتنا.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثََّاتَ فِي الأَمْرِ) أي: الدوام على جميع أمور الدين ولزوم
الاستقامة عليها. قال الشوكاني: سؤال الثبات في الأمر من جوامع الكلم النبوية؛
لأن من ثبته اللَّه في أموره عصم عن الوقوع في الموبقات ولم يصدر منه أمر خلاف
ما يرضاه الله. (وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ) العزيمة عقد القلب على إمضاء الأمر،
يقال: عزم الأمر وعليه عقد ضميره على فعله، وعزم الرجل: جد في الأمر،
و ((الرُّشْدِ)) بضم الراء المهملة وإسكان الشين المعجمة بمعنى الصلاح، والفلاح،
والصواب، والاستقامة على طريق الحق. قيل: المراد لزوم الرشد ودوامها، وفي
رواية الترمذي: أسألك عزيمة الرشد، يعني الجد: في أمر الرشد بحيث ينجز كل
ما هو رشد من أموره. (وَأَسْأَلَكَ شُكْرَ نِعْمَتِك) أي: التوفيق لشكر إنعامك.
(وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ) أي: إيقاعها على الوجه الحسن المرضي. (وَأَسْأَلُكَ قَلْبًّا سَلِيمًا)
أي: من العقائد الفاسدة، والميل إلى الشهوات العاجلة ولذاتها ويبلغ ذلك
الأعمال الصالحات؛ إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها إلى الجوارح، كما أن
(٩٦٢) أَحْمَد (١٢٣/٤)، والنَّسَائِي (٣/ ٥٤) عنه.

١٧١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
are
CHE
صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاج، والتركيب،
والاتصال، ومرضه عبارة عن زوال أحدهما. وقيل: المراد سليمًا من الغل،
والغش، والحقد، والإحن وسائر الصفات الرديئة، والأحوال الدنية. (وَلِسَانًا
صَادِقًا) أي: محفوظًا من الكذب ونسبة الصدق إلى اللسان مجاز بأن لا يبرز عنه إلا
الحق المطابق في الواقع.
(وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ) قال الطيبي: ((مَا)) موصولة أو موصوفة، والعائد
محذوف، ومن يجوز أن تكون زائدة على مذهب من يزيدها في الإثبات، أو بيانية
والمبين محذوف، أي: أسألك شيئًا هو خير ما تعلم، أو تبعيضية سأله إظهارًا
لهضم النفس، وأنه لا يستحق إلا يسيرًا من الخير. (وَأَسْتَغْفِرَُ لِمَا تَعْلَمُ) أي:
لأجل ما تعلمه من الذنوب، والتقصيرات. وفي الترمذي ((مِمَّا تَعْلَمُ)) أي: مني من
تفريط، وزاد الترمذي: إنك أنت علام الغيوب. قال الشوكاني: قوله: ((مِنْ خَيْرِ مَا
تَعْلَمُ)) هو سؤال لخير الأمور على الإطلاق؛ لأن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء،
وكذلك التعوذ من شرما يعلم، والاستغفار لما يعلم، فكأنه قال: أسألك من خير
كل شيء، وأعوذ بك من شر كل شيء، وأستغفرك لكل ذنب. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) من
طريق سعيد بن أياس الجريري، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن
شداد بن أوس. قال الشوكاني في ((النيل)): رجال إسناده ثقات. (وَرَوَى أَحْمَدُ
نَحْوَهُ) (ج٤: ص١٢٥) أي: من طريق الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن
الحنظلي، عن شداد بن أوس، ومن هذا الطريق رواه الترمذي في الدعوات، وفي
طريقهما رجل حنظلي وهو مجهول، وقد أورده الحافظ في فصل: من أبهم ولكن
ذكر نسبه من ((التَّعْجِيلِ)) (ص ٥٣٥) لهذه الرواية ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعدیلًا،
وزيادة الرجل الحنظلي بين أبي العلاء وبين شداد بن أوس يدل على أن في سند
النسائي انقطاعًا، وقد رواه أيضًا أحمد من طريق الأوزاعي، عن حسان بن عطية،
عن شداد بن أوس، والحاكم من طريق عكرمة بن عمار، عن شداد أبي عمار، عن
شداد بن أوس. وهذان الطریقان کما تری لیس فیھما انقطاع، ولا رجل مجهول،
ولذلك قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي. قال الشوكاني في
((تحفة الذاكرين)): وصححه أيضًا ابن حبان: فلا وجه لما قاله العراقي: أنه منقطع
وضعیف، بعد تصحیح هذین الإمامین له، انتهى.

١٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٦٣ - [١٨] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ
التَّشَهُّدِ: ((أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُّ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشّرْخُ
٩٦٣- قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ يَقُولُ) أي: أحيانًا. (أَحْسَنُ الْهَدْي هَدْيُ
مُحَمَّدٍ) الهدي - بفتح فسكون - السيرة والطريقة والهيئة، والحديث ظاهر في
معناه، وأن الذكر المذكور فيه مشروع في الصلاة بعد التشهد قبل السلام، وهو
الذي فهمه النسائي حيث أورد الحديث في باب: نوع آخر من الذكر بعد التشهد،
وتبعه الجزري في ((جامع الأصول))، لكن أبدي الشيخ الألباني احتمال أن المراد به
الذكر الوارد في خطبة الحاجة المعروفة بعد الشهادتين، حيث قال في ((تعليقه)):
قوله: ((فِي صَلَاتِهِ) أي: دعائه وثنائه على الله، وقوله: ((بَعْدَ التَّشَهُّدِ)) أي: في
خطبته، قال: ويبدو لي أنه - أي: هذا الحديث - مختصر من حديث جابر الذي
رواه مسلم بهذا الإسناد الذي في النسائي: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر
قال: كان رسول اللَّه ◌َ ل﴾له إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه،
ويقول: ((أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ... ))
الحديث. ورواية له بلفظ: ((كان يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله،
ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحدیث کتاب
الله ... )) الحديث. فقوله: ((يَحْمَد اللَّهَ ... )) إلخ، إشارة إلى خطبة الحاجة المعروفة
((إن الحمد لله نحمده ونستعينه ... من يهده الله فلا مضلّ له ... وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)) فهذا هو التشهد الذي عناه
الراوي في حديث جابر هذا، وذلك من الاختصار المخل. والله أعلم، انتهى.
واعلم: أنه قد ورد في الدعاء بعد التشهد ألفاظ وأدعية غير ما ذكر، كما لا يخفى
على من له إطلاع على أحاديث الباب، وللرجل أن يدعو بأي لفظ شاء من مأثور
(٩٦٣) النَّسَائِي (٣/ ٥٨) عنه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
١٧٣
وغيره مما أحب من مطالب الدنيا والآخرة، ولا حرج عليه بما شاء دعا ما لم يكن
إثم أو قطيعة رحم، ولا يدعو بدنياه إلا على تثبت من الجواز، هذا هو الصحيح إن
شاء الله لظاهر الأحاديث، فإن النبي وَّ قال: ((ثم ليتخير من الدعاء)). وقال: ((ثم
يدعو لنفسه بما بدا له)). وقال: ((ثم يدعو بعد بما شاء)). وإليه ذهب مالك،
والشافعي، قالا: يجوز أن يدعو بكل شيء من أمور الدين والدنيا مما يشبه كلام
الناس ما لم يكن إثمًا، ولا يبطل صلاته بشيء من ذلك. واحتج لهما بحديث:
((سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لنعالكم، والملح لقدوركم)). وقال أحمد وأبو
حنيفة: لا يدعو إلا بالأدعية المأثورة، أو الموافقة للقرآن العظيم، أو التي شابهت
الألفاظ المأثورة. قال ابن قدامة: والخبر محمول على أنه يتخير من الدعاء
المأثورة وما أشبه، انتهى. قلتُ: لا دليل على هذا التقييد لا من كتاب الله، ولا
من سنة رسوله، ولا من قول صحابي فلا يلتفت إليه. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) ورجاله
ثقات .
٤ ٩٦ - [١٩] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َا قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّهِ يُسَلِّمْ فِي
الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ شَيْئًا. [رَوَاهُ الثّْمِذِيُّ]
الشرخُ
٩٦٤ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه ◌ِ يُسَلِّمْ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) أي:
يبتدئ بها وهو مستقبل القبلة، قاله ابن حجر.
وقال القاري: أي يبدأ بالتسليم محاذاة وجهه ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئًا،
أي: يسيرًا. والحديث: فيه دليل على مشروعية التسليمة الواحدة في الصلاة، وقد
تقدم ذكر من ذهب إلى ذلك. والحديث ضعيف كما ستعرف. والحق ما ذهب إليه
الجمهور من أن المشروع والمسنون تسليمتان لكثرة الأحاديث الواردة
بالتسليمتين، وصحة بعضها، وحسن بعضها، واشتمالها على الزيادة، وكونها
مثبتة، بخلاف الأحاديث الواردة بالتسليمة الواحدة؛ فإنها مع قلتها ضعيفة لا
(٩٦٤) التِّرْمِذِي (٢٩٦) عنه.

١٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تنتهض للاحتجاج، ولو سلم انتهاضها لم تصلح لمعارضة أحاديث التسليمتين لما
عرفت من اشتمالها على الزيادة، مع أنه يحتمل أن يكون المقصود من أحاديث
التسليمة الواحدة بيان أنه # كان يجهر بالتسليمة الواحدة ورفع بها صوته
ويسمعهم التسليمة الواحدة، لا أنه يقتصر على التسليمة الواحدة. فمعنى هذه
الأحاديث يرجع إلى أنه يسمعهم التسليمة الواحدة يدل على ذلك ما وقع في رواية
لأحمد في قصة صلاة الليل: ثم يسلم تسليمة واحدة ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)) يرفع بها
صوته حتى يوقظنا. وما وقع في حديث ابن عمر عند أحمد: قال: كان رسول الله
وَلا يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة يسمعناها. وقيل: إن التسليمة الواحدة كانت
منه ◌َّه في بعض الأحيان في صلاة الليل، والصحابة الذين رووا عنه التسليمتين
إنما يحكون التسليم الذي رأوه في صلاته في المسجد وفي الجماعة، وقيل: يمكن
أنه اقتصر النبي ◌َّسير على التسليمة الواحدة في بعض الأحيان في صلاته بالجماعة
في المسجد لبيان الجواز، فيجوز أنه فعل الأمرين ليبين الجائز والمسنون. وقيل:
في حديث عائشة الذي ذكره المصنف: أنه ليس المقصود منه بيان عدد التسليم بل
بيان كيفية التسليم، بأنه كان يبتدئ به محاذاة وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئًا
يسيرًا، وترك بيان كيفية التسليم الثاني اكتفاء بالأول.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا الدار قطني والحاكم، والبيهقي كلهم من طريق
عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن زهير بن محمد، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن
عائشة. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
قلتُ: عمرو بن أبي سلمة التنيسي شامي، ورواية أهل الشام عن زهير بن محمد
ضعيفة. قال الحافظ في مقدمة ((الفتح)): أما رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي -
يعني: عن زهير بن محمد - فبواطيل، انتهى. وقال في ((التهذيب)): قال أحمد:
روى - أي: عمرو بنِ أبي سلمة التنيسي - عن زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها
من صدقة بن عبد الله فغلط، فقلبها عن زهير، وساق الساجي منها حديثه عن
زهير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: كان رسول اللّه وَ ل يسلم تسليمة، انتهى.
وقال صاحب ((التنقيح)): وزهير بن محمد وإن كان من رجال ((الصحيحين)) لكن
له مناكير، وهذا الحديث منها. قال أبو حاتم: هو حديث منكر. والحديث أصله
الوقف على عائشة، هكذا رواه الحفاظ، انتهى. وكذا رجح الوقف الدارقطني

١٧٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
REaKE
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
والترمذي والبزار. وقال ابن عبد البر: لا يصح مرفوعًا. وقال النووي في
((الخلاصة)): هو حديث ضعيف، ولا يقبل تصحيح الحاكم له. قيل: انفراد زهير
برفع هذا الحديث حين وقفه غيره على عائشة لا يكون علة له، والرفع زيادة من ثقة
فتقبل، ومع ذلك فإنه لم ينفرد برفعه؛ فقد رواه ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار:
حدثنا عبد الملك بن محمد الصنعاني: حدثنا زهير بن محمد، عن هشام بن عروة،
عن أبيه، عن عائشة، أن رسول اللّه وَ ل كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه.
وعبد الملك بن محمد الصنعاني لين الحديث. قاله الحافظ في ((التقريب)). وقال
أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال أبو أيوب: هو ثقة من أصحاب الأوزاعي. ومثل
هذا يصلح للمتابعة .
قلتُ: عبد الملك بن محمد الصنعاني من صنعاء دمشق شامي، ورواية
الشاميين عن زهير بن محمد ضعيفة كما عرفت.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٠٤): روى ابن حبان في ((صحيحه))، وأبو
العباس السراج في ((مسنده))، عن عائشة من وجه آخر شيء من هذا. أخرجاه من
طريق زرارة بن أوفي، عن سعد بن هشام، عن عائشة، أن النبي وَلَّ كان إذا أوتر
أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره، ثم يدعو، ثم
ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيجلس، ويذكر الله ويدعو، ثم يسلم
تسليمة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس ... الحديث. وإسناده على شرط مسلم،
ولم يستدركه الحاكم مع أنه أخرج حديث زهير بن محمد، عن هشام، انتهى. وفي
الباب عن سهل بن سعد، وسلمة بن الأكواع كلاهما عند ابن ماجه. وفي إسناده
الأول عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، وقد قال البخاري: إنه منكر
الحديث. وقال النسائي: متروك، وفي إسناد الثاني يحيى بن راشد البصري، قال
ابن معين: ليس بشئ. وقال النسائي: ضعيف. وفي الباب أحاديث أخرى كلها
ضعيفة، ذكرها الزيلعي في ((نصب الراية)) مع بيان ضعفها.

١٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٦٥ - [٢٠] وَعَنْ سَمُرَة قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَام،
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
وَنَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلَّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ.
الشّرْحُ
٩٦٥ - قوله: (أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَام) أي: ننوي الرد على الإمام بالتسليمة الثانية
من على يمينه، وبالأولى من على يساره، وبهما من على محاذاته كما هو مذهب
الحنفية، قاله القاري. وقال الشوكاني: قال أصحاب الشافعي: إن كان المأموم
عن يمين الإِمام فينوي الرد عليه بالثانية، وإن كان عن يساره فينوي الرد عليه
بالأولى، وإن حاذاه فبما شاء، وهو في الأولى أحب. ولفظ ابن ماجه: أمرنا
رسول اللّه وَ ل﴿ أن نسلم على أئمتنا. (وَنَتَحَابَّ) كذا في النسخ الموجودة عندنا،
ولفظ أبي داود: ((وَأَنْ نَتَحَابَّ)) أي: بزيادة ((أَنْ)) و((نَتَحَابَّ)) - بتشديد الباء الموحدة
- من التحابب وهو التوادد، وتحابوا أحب كل واحد منهم صاحبه. قال القاري:
أي: وأن نتحاب مع المصلين وسائر المؤمنين؛ بأن يفعل كل منا من الأخلاق
الحسنة والأفعال الصالحة، والأقوال الصادقة، والنصائح الخالصة ما يؤدي إلى
المحبة والمودة. (وَأَنْ يُسَلَّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) ظاهره شامل للصلاة وغيرها لكنه
قيده البزار بالصلاة، ولفظه: ((وأن نسلم على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض في
الصلاة))، أي: ينوي المصلي من عن يمينه وشماله من البشر، وكذا من الملك،
فإنه أحق بالتسليم المشعر بالتعظيم. وقال الشوكاني: ويدخل في ذلك سلام الإمام
على المأمومين، والمأمومين على الإمام، وسلام المقتدين بعضهم على بعض،
انتھی .
قال الطيبي: هذا عطف الخاص على العام؛ لأن التحابب أشمل معنى من
التسليم ليؤذن بأنه فتح باب المحبة ومقدمتها. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا ابن
ماجه والبزار مختصرًا، وزاد البزار: في الصلاة. وأخرجه الحاكم بلفظ أبي داود
(ج١: ص ٢٧٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وسعيد بن بشير - أي:
(٩٦٥) أَبُو دَاوُد (١٠٠١) عنه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
١٧٧
الأزدي الشامي، راوي الحديث عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة - إمام أهل
الشام في عصره، إلا أن الشيخين لم يخرجاه بما وصفه أبو مسهر من سوء حفظه،
ومثله لا ينزل بهذا القدر، انتهى. وقال الحافظُ: إسناده حسن، وسكت عنه أبو
داود، ولكنه من رواية الحسن عن سمرة. وقد تقدم الكلام في سماع الحسن منه،
وقد أخرج أبو داود من وجه آخر عن سمرة: أمرنا رسول اللّه وَ ليل إذا كان في وسط
الصلاة أو حين انقضائها: «فابدؤا قبل السلام، فقولوا: التَّحِيَّاتُ الطَِّّبَاتُ الصَّلَوَاتُ
وَالْمُلْلُكُ لِلَّهِ، ثُمَّ سَلَّمُوا عَلَى الْيَمِينِ، ثُمَّ سَلَّمُوا عَلَى قَارِبِكُمْ، وَعَلَى أَنْفُسِكُمْ)). لكنه
ضعيف؛ لما فيه من المجاهيل.

COME
١٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨ - بَابُ الذُّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاة
(بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) أي: بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة. والمراد بالذكر
أعم من الدعاء وغيره.
الفصل الأول
٩٦٦ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ّا قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولٍ
اللَّهِ وَهِ بِالتَّكْبِيرِ .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرُْ
٩٦٦ - قوله: (كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ) أي: انتهاءها.
(بِالتَّكْبِيرِ) متعلق بـ((أعرف))، ووقع في رواية لمسلم بصيغة الحصر ولفظه: ((ماكنا
نعرف انقضاء صلاة رسول اللَّه ◌َ له إلا بالتكبير))، واختلفوا في بيان المراد بالتكبيرِ،
فقيل: المراد به قوله: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)) مرة أو ثلاثًا بعد السلام، فكان ◌َّ لَه يقول: ((اللَّهُ
أَكْبَرُ)) مرة أو مكررًا إذا فرغ من الصلاة، والمعنى: كنت أعرف بسماع ((اللَّهُ أَكْبَرُ))
انصرافه وفراغه من الصلاة. وقيل: المراد التكبير الذي ورد مع التسبيح والتحميد
عشرًا أو أكثر فيحتمل أنه كان بدؤه بالتكبير قبل التسبيح والتحميد لما ورد: ((لا
يضرك بأيهن بدأت)). وقيل: المراد التكبيرات التي في الصلاة عند كل خفض
ورفع، والمعنى: كنت أعرف انقضاء كل هيئة من الصلاة إلى أخرى بتكبيرة
أسمعها من رسول اللَّه وَله. وقيل: المراد كنت أعرف انقضاء الصلاة بانقضاء
التكبيرات، وهذان التأويلان يخالفان الباب، ويخالفان أيضًا رواية الشيخين
(٩٦٦) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٨٤٢)، ومُسْلِم (١٢٠ / ٥٨٣) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
****==* E
بَابُ الذكِّرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
١٧٩
لحديث ابن عباس هذا ومن وجه آخر بلفظ: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف
الناس من المكتوبة كان على عهد رسول اللَّه وَ له. قال ابن عباس: كنت أعلم إذا
انصرفوا بذلك إذا سمعته. قال العيني: أي كنت أعلم انصرافهم بسماع الذكر،
انتھی .
وهذه الرواية تؤيد بل تعين القول الأول فهو المعتمد، لكن قوله: ((التَّكْبِيرِ))
أخص من هذه الرواية؛ لأن الذكر أعم من التكبير، فيحتمل أنهم كانوا يرفعون
الصوت بالتكبير والذكر كليهما، فيكون الحديث دليلاً على استحباب رفع الصوت
بقول: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)) مرة أو مكررًا، وبأذكار أخرى عقب المكتوبة، ويحتمل أن
يكون قوله: ((التَّكْبِيرِ)) مفسرًا لهذه الرواية، فكأن المراد أن رفع الصوت بالذكر
أي: بالتكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير مرة أو مكررًا قبل الأذكار الأخرى.
ويحتمل أن يكون المراد بالتكبير مطلق الذكر بعد الصلاة. وظاهر الحديث: أن
ابن عباس لم يكن يحضر الجماعة؛ لأنه كان صغيرًا ممن لا يواظب على ذلك، ولا
يلزم به، فكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر، ويحتمل أن يكون حاضرًا في أواخر
الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير، قال ابن
دقيق العيد: ويؤخذ منه أنه لم يكن هناك مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد، انتهى.
قال النووي: هذا الحديث دليل لما قاله بعض السلف: أنه يستحب رفع الصوت
بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن يستحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري،
ونقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم
استحباب رفع الصوت بالتكبير والذكر، وحمله الشافعي على أنه جهر وقتًا يسيرًا
حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا به دائمًا. قال: فأختار للإمام والمأموم أن
يذكر اللَّه بعد الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك إلا أن يكون إمامًا يريد أن يُتَعَلَّمَ
منه، فيجهر حتى يعلم أنه قد تُعلَّم منه ثم يُسِرُّ، وحمل الحديث على هذا، انتهى.
قلتُ: ما ذهب إليه بعض السلف، وابن حزم من المتأخرين من استحباب رفع
الصوت بالتكبير والذكر أثر كل صلاة مكتوبة هو القول الراجح عندي، وإن لم يقل
به الأئمة الأربعة ومقلدوهم؛ لأن حديث ابن عباس باللفظين نص في ذلك، ويدل
على ذلك أيضًا حديث عبد الله بن الزبير الآتي، والحق يدور مع الدليل لا مع
الادعاء أو الرجال. نعم، لا يبالغ في رفع الصوت، ولا يجهر جهرًا مفرطًا؛