Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٤٥ - [٢١] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَِفَهُ قَالَ: إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ حَتَّى تُصَلَّيَ عَلَى نَبِيِّكَ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٩٤٥ - قوله: (لَا يَصْعَدُ) بفتح الياء. (مِنْهُ) أي: من الدعاء جنسه. (حَتَّى تُصَلَِّ
عَلَى نَبِيِّكَ) قال الطيبي: يحتمل أن يكون من كلام عمر رَوَّهُ فيكون موقوفًا، وأن
يكون ناقلاً كلام رسول اللّه ◌َ لَ فحينئذٍ فيه تجريد، جرد ◌َّل من نفسه نبيًّا وهو هو،
وعلى التقديرين للخطاب عام، لا يختص بمخاطب دون مخاطب، والأنسب أن
يقال: النبي مشتق من النُّبْوَةِ بمعنى الرفعة، أي: لا يرفع الدعاء إلى الله - تعالى -
حتى يستصحب الرافع معه، يعني: أن الصلاة على النبي وَّ هي الوسيلة إلى
الإجابة، انتهى. والحديث يقوي قول من ذهب إلى وجوب الصلاة في قعود
التشهد الأخير. قال ابن العربي: ومثل هذا يقال من قبل الرأى فيكون له حكم
الرفع، انتهى.
قال الحافظُ: وورد له شاهد مرفوع في جزء الحسن بن عرفة أخرج العمري في
((عمل يوم وليلة) عن ابن عمر بسند جيد، قال: ((لَا تَكُونُ صَلَةٌ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ، وَتَشَهُّدٍ،
وَصَلَاةٍ عَلَيَّ)). وأخرج البيهقي في ((الخلافيات)) بسند قوي عن الشعبي، وهو من
كبار التابعين. قال: من لم يصل على النبيٍّ في التشهد فليعد صلاته. وأخرج
الطبري بسند صحيح، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين،
قال: كنا نعلم التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يحمد ربه ويثني
عليه، ثم يصلي على النبي ◌َّ﴾ ثم يسأل حاجته، انتهى. وقد تقدم ما روي عن ابن
مسعود، قال: ((يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ثم يدعو لنفسه))، أخرجه
الحاكم بسند قوي، وهو أقوى شيء يحتج به للشافعي في وجوب الصلاة على
النبي ◌َّله في قعود التشهد الأخير.
(٩٤٥) التِّرْ مِذِي (٤٨٦) عنه من قوله في الدعوات.
١٤١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَفَضْلِهَا
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الصلاة من طريق أبي قرة الأسدي. عن سعيد بن المسيب،
عن عمر موقوفًا، لكن للوقف في مثل هذا حكم الرفع؛ لأن ذلك مما لا مجال
للاجتهاد فيه. قال ابن العربي في ((العارضة)) (ج٢: ص٢٧٣، ٢٧٤): مثل هذا إذ
قاله عمر لا يكون إلا توقيفًا؛ لأنه لا يدرك بنظر، ويعضده ما خرج مسلم: قال
النبي وَّر: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى
علي صلاة، صلى اللَّهُ بها عشرًا، ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة)) ... الحديث. قلتُ:
لكن رواية عمر هذه ضعيفة؛ لأن أبا قرة الأسدي مجهول كما صرح به الحافظ في
((التقريب)) والذهبي في ((الميزان))، وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) عن علي بن أبي
طالب قال: ((كل دعاء محجوب حتى يُصلى على محمد وٍَّ وآل محمد)). قال
المنذري: إنه موقوف، ورواته ثقات، ورفعه بعضهم، والموقوف أصح، انتهى.
وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وأخرجه البيهقي في ((الشعب)) من حديثه،
وأخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث أنس بلفظ: ((كل دعاء محجوب
حتى يُصَلَّى على النبيِوَّ)) وفي إسناده محمد بن عبد العزيز الدينوري، قال الذهبي
في ((الضعفاء)): منكر الحديث، ويشهد لذلك كله ما تقدم من حديث فضالة بن
عبيد مرفوعًا، وفي ((الحصن الحصين)) (ص٢٤٧) قال الشيخ أبو سليمان
الداراني: إذا سألت الله حاجة فابدأه بالصلاة على النبي وَّر، ثم ادع بما شئت، ثم
اختم بالصلاة عليه؛ فإن الله سبحانه بكر مه يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع
ما بينهما، انتهى.
١٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧ - بَابُ الذُّعَاءِ في التَّشَهُدِ
(بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ) أي: في آخره أو عقبه بعد الصلاة على النبي ◌َّ، وفي
كيفية الانصراف عن الصلاة.
الفصل الأول
٩٤٦ - [١] عَنْ عَائِشَةَ رِؤُنَا قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَدْعُو فِي
الصَّلَاةِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةٍ
الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ
بِكَ مِنَّ الْمَأْثُم وَالمَغْرَمِ) فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ ! فَقَالَ:
((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرُْ
٩٤٦ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهُ نَّهِ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ) أي: في آخرها بعد
التشهد قبل السلام للحديث الآتي عقب هذا. ففيه تعيين محل هذه الاستعاذة بعد
التشهد الأخير، وهو مقيد، وحديث عائشة هذا مطلق فيحمل عليه. (يَقُولُ) بدل أو
بيان. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) هو ضرب من لم يوفق للجواب بمقامع
من حديد وغيره من العذاب، كشدة الضغطة ووحشة الوحدة، والمراد بالقبر
البرزخ، والتعبير به للغالب، أو كل ما استقر فيه أجزاؤه فهو قبره. وفيه إثبات
لعذاب القبر، ورد على المنكرين لذلك من المعتزلة. والأحاديث في الباب
متواترة كما تقدم. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيح) قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان
والاختبار. قال عياض: واستعمالها في العرفَ لكشف ما يكره، وقد تطلق على
(٩٤٦) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٨٣٢)، ومُسْلِم (١٢٩ /٥٩٨) فِي الصَّلَاةِ عَنْهَا .
١٤٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
القتل، والإحراق، والنميمة، وغير ذلك.
والمسيح - بفتح الميم وكسر السين المخففة آخره حاء مهملة - وفيه ضبط
آخر، وهذا المشهور الأصح، يطلق على الدجال، وعلى عيسى بن مريم عليه
السلام، لكن إذا أريد الدجال قيد به، واختلف في تلقيب الدجال بذلك، فقيل:
لأن إحدى عينيه ممسوحة، فعيل بمعنى مفعول، أي: عينيه ذاهبة. وقيل: لأن أحد
شقي وجهه خلق ممسوحًا لا عين فيه ولا حاجب. وقيل: فعيل بمعنى فاعل من
المساحة؛ لأنه يمسح الأرض إذا خرج، أي: يقطعها بتردده فيها في أيام معدودة
إلا مكة والمدينة؛ فإن الله تعالى حماهما منه بفضله، وآخر الأمر يقتله المسيح
عيسى ابن مريم في محاصرة القدس. وأما عيسى، فقيل: سمي بذلك؛ لأنه خرج
من بطن أمه ممسوحًا بالدهن. وقيل: لأن زكريا مسحه. وقيل: لأنه كان لا يمسح
ذا عاهة إلا برئ. وقيل: لأنه كان سَيَّحًا يمسح الأرض، أي: يقطعها بسياحته
وكثرة سيره في الأرض. وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها. وقيل: للبسه
المسوح. وقيل: أصله ((ما شيخا)) بالعبرانية، وهو المبارك، فعرب المسيح.
وقيل: المسيح الصديق. وذكر المجد الشيرازي صاحب ((القاموس)) أنه جمع في
وجه تسمية عيسى بذلك خمسين قولًا، أوردها في شرح ((مشارق الأنوار)).
(الدَّجَّالِ) أي: الخداع الكذاب، فعال من الدجل، وهو الخدع، والكذب،
والتغطية، والمراد به هنا الكذاب المعهود الذي سيظهر في آخر الزمان، وفي معناه
كل مفسد مضل. والمراد بفتنة المسيح الدجال هي ما يظهر على يده من الأمور
الخارقة للعادة التي يضل بها من ضعف إيمانه، كما اشتملت على ذلك الأحاديث
المشتملة على ذكره، وذكر خروجه وما يظهر للناس من تلك الأمور.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ) المحيا بالقصر مفعل من الحياة
كالممات من الموت، والمراد الحياة والموت، ويحتمل أن يريد زمان ذلك ويريد
بذلك محنة الدنيا وما بعدها، ويحتمل أن يريد بذلك حالة الاحتضار وحالة
المسألة في القبر، وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما، قاله
القرطبي. وقال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من
الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات، وأعظمها - والعياذ بالله - أمر الخاتمة
عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها
١٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك ويجوز أن يراد بها فتنة القبر،
وقد صح، يعني : حديث أسماء عند البخاري: ((إنکم تفتنون في قبور کم مثل أو قريبًا
من فتنة الدجال)). ولا يكون مع هذا الوجه متكررًا مع قوله: ((عَذَابِ الْقَبْرِ))؛ لأن
العذاب مرتب عن الفتنة، والسبب غير المسبب. وقال الطيبي: ((فِتْنَةِ الْمَحْيَا))
الابتلاء مع زوال الصبر والرضاء، والوقوع في الآفات، والإصرار على
السيئات، وترك متابعة طريق الهدى، و((فتنة الممات)) سؤال منكر ونكير مع الحيرة
والخوف، وعذاب القبر وما فيه من الأهوال والشدائد، وهذا من العام بعد
الخاص؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة
المحيا .
(مِنَ الْمَأْثُم) أي: مما يأثم به الإنسان، أو مما فيه إثم، أو مما يوجب الإثم، أو
الإِثم نفسه، مصدر وضع موضع الاسم. (ومِنَ الْمَغْرَم) قال الجزري: هو مصدر
وضع موضع الاسم، يريد به مغرم الذنوب والمعاصي. وقيل: المغرم كالغرم وهو
الدَّيْنُ، ويريد به ما استدين فيما يكرهه الله أو فيما يجوز ثم عجز عن أدائه، فأما
دين احتاج إليه وهو قادر على أدائه فلا يستعاذ منه، انتهى. وقال الحافظُ: المغرم
الدين، يقال: غرم - بكسر الراء - أي أدان. قيل: والمراد به ما يستدان فيما
لا يجوز، أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه. ويحتمل أن يراد به ما هو أعم من ذلك،
وقد استعاذ ◌ِّه من غلبة الدَّين، انتهى. وقال السندي: الظاهر أن المراد ما يفضي
إلى المعصية بسببٍ ما.
(فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ) في رواية للنسائي أن السائل عن ذلك عائشة، ولفظها: قلتُ:
يارسول الله، ما أكثر ما تستعيذ ... إلخ. (مَا أَكْثَرَ) بفتح الراء فعل التعجب. (مَا
تَسْتَعِيذُ) في محل النصب وما مصدرية، أي: استعاذتك، كأن هذا القائل رأى أن
الدين إنما يتعلق بضيق الحال ومثله لا يحترز عنه أصحاب الكمال. (إِنَّ الرَّجُلَ)
المراد به الجنس، وغالب حاله. (إِذَا غَرِمَ) بكسر الراء أي لزمه دين، والمراد
استدان واتخذ ذلك دأبه وعادته كما يدل عليه السياق. (حَدَّثَ) بتشديد الدال أي:
أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد عذر في التقصير. (فَكَذَبَ)؛ لأنه إذا تقاضاه رب
الدين ولم يحضره ما يؤدي به دينه يكذب ليتخلص من يده ويقول: لي مال غائب
إذا حضر أؤدي دينك. (وَوَعَدَ) أي: في المستقبل بأن يقول: أعطيك غدًا أو في
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
١٤٥
المدة الفلانية. (فَأَخْلَف) في وعده، وبما تقرر علم أن ((غَرِمَ)) شرط و((حَدَّثَ))
جزاء، و(كَذَبَ)) عطف على الجزاء مرتب عليه، و((وَعَدَ)) عطف على ((حَدَّثَ)) لا
على ((غَرِمَ)) و((أَخْلَفَ)) مرتب عليه. وحاصل الجواب: أن الدين يؤدي إلى خلل
بالدين، فلذلك وقعت العناية بالمسألة وقد استشكل دعاؤه وَ ال# بما ذكر مع أنه
معصوم مغفور له ما تقدم وما تأخر. وأجيب بأجوبة: أحدها: أنه قصد التعليم
لأمته. ثانيها: أن المراد السؤال منه لأمته فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي.
ثالثها: سلوك طريق التواضع، وإظهار العبودية، وإلزام خوف الله، وإعظامه،
والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق
الإجابة؛ لأن ذلك يحصل الحسنات، ويرفع الدرجات. وفيه: تحريض لأمته على
ملازمة ذلك؛ لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع، فمن لم يتحقق ذلك
أحرى بالملازمة. وأما الاستعاذة من فتنة الدجال مع تحققه أنه لا یدر که فلا إشكال
فيه على الوجهين الأولين. وقيل: على الثالث يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم
إدراكه، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: ((إن يخرج وأنا فيكم فأنا
حجيجه ... )) الحديث. والله أعلم، كذا في ((الفتح)). (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا
أحمد وأبو داود والنسائي.
٩٤٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((إِذَا فَرَغَ
أَحَدُكُمْ مِن التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعِ: مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَمِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْخُ
٩٤٧ - قوله: (إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ) أي: آخر الصلاة ولو كان
أولًا. وفيه تقييد لحديث عائشة السابق، وبيان أن الاستعاذة المأمور بها بعد التشهد
الأخير، ويدل التعقيب بالفاء وقوله: ((إِذَا فَرَغَ)) أنها تكون قبل الدعاء المخير فيه بما
(٩٤٧) مُسْلِم (١٣٠ / ٥٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
١٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
شاء. وفيه رد على ابن حزم فيما ذهب إليه من وجوبها في التشهد الأول. قال
النووي: فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير والإشارة إلى أنه لا يستحب في
الأول. وهكذا الحكم؛ لأن الأول مبني على التخفيف.
(فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ) ظاهره وجوب الاستعاذة مما ذكر، وقد ذهب إليه ابن حزم،
وروي عن طاوس، وحمله الجمهور على الندب، وادعى بعضهم الإجماع على
الندب، وهو لا يتم مع مخالفة من تقدم. (مِنْ أَرْبَع) ينبغي أن يزاد على هذه الأربع
التعوذ من المأثم والمغرم المذكورين في حديث عائشة.
(مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ) قدم فإنه أشد وأبقى، بدل بإعادة الجار. (وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيح
الدَّجَّالِ) قيل: أخره هنا؛ لأنه إنما يقع آخر الزمان قرب الساعة. قال القاري: قيل :
له شر وخير، فخيره أن يزداد المؤمن إيمانًا، ويقرأ ما هو مكتوب بين عينيه من أنه
كافر، فيزيد إيقانًا. وشره أن لا يقرأ الكافر ولا يعلمه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الصلاة،
وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٩٤٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَِّ: أَنَّ النَّبِ نَّهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا
الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِن الْقُزَّآنِ يَقُولُ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ
مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ
الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالمَمَاتِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٩٤٨ - قوله: (كَانَ يُعَلِّمُهُمْ) أي: أصحابه أو أهل بيته. (هَذَا الدُّعَاءَ) أي:
الذي يأتي. (يَقُولُ: قُولُوا) ذهب طاوس إلى وجوبه، وأمر ابنه بإعادة الصلاة حين
لم يدع بهذا الدعاء فيها، وإليه ذهب ابن حزم، والجمهور على أنه مستحب.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ) فيه إشارة إلى أنه لا مخلص من عذابها إلا
بالالتجاء إلى بارئها. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْتَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) أي: على تقدير لَقِْهِ.
(٩٤٨) مُسْلِم (١٣٤ / ٥٩٠) عَنْهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهْدِ
١٤٧
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) هذا تعميم بعد تخصيص، وكرر ((أَعُوذُ)) في
كل واحدة إظهارًا لعظم موقعها، وأنها حقيقة بإعادة مستقلة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الصلاة، وأخرجه أيضًا مالك، وأبو داود في أواخر الصلاة،
والترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة.
٩٤٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَْنَهُ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
عَلَّمْنِي دُعَاءَ أَدْعُوٍ بِهِ فِي صَلَاتِيَّ. قَالَ: ((قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا
كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذَّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدَِ، وَارْحَمْنِي إِنََّ
أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْجُ
٩٤٩ - قوله: (وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ) هو عبد الله بن عثمان أبي قحافة - بضم
القاف - بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، أبو بكر
الصديق الأكبر، خليفة رسول اللَّه ◌َله وصاحبه في الغار، وإنما سمي ((عتيقًا))؛
لأنه وَّه قال: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَتيقٍ مِنَ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ))، وهو أول
الرجال إسلاما. وقال ميمون بن مهران: لقد آمن أبو بكر بالنبي وَل ﴾ زمان بحيراء
الراهب، واختلف بينه وبين خديجة حتى تزوجها، وذلك قبل أن يولد علي، وكان
مولد أبي بكر بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أيامًا، وشهد مع النبي وَله
المشاهد كلها، ولم يفارقه في الجاهلية، ولا في الإسلام، وكان أفضل الصحابة،
ولأبويه، وولده، وولد ولده صحبة، ولم يجتمع هذا لأحد من الصحابة. كان
أبيض، أشقر، لطيفًا، نحيفًا، مسترق الوركين، خفيف العارضين. قال عمر: أبو
بكر خيرنا وسيدنا، وأحبنا إلى رسول اللَّه وَ ل، ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا مدونة
في كتب العلماء. مات بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الأخرى سنة
ثلاث عشرة من الهجرة بين المغرب والعشاء، وله ثلاث وستون سنة، وأوصى أن
(٩٤٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهُ: البُخَارِي (٨٣٤)، والنَّسَائِي (٣/ ٥٣) فِي الصَّلَاةِ، وَمُسْلِم (٢٠٧٥/٤٨)،
والتِّرْمِذِي (٣٥٣١)، وابن مَاجَهْ (٣٨٣٥) فِي الدُّعَاءِ.
١٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تغسله زوجته أسماء بنت عميس، فغسلته، وصلى عليه عمر، ودفن مع رسول الله
وَالر، وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر. روى مائة واثنين وأربعين حديثًا، اتفقا
على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث، ولم يرو عنه من الحديث
إلا هذا القدر القليل لقلة مدته بعد النبي وَلّ، وترجمته في تاريخ الشام في مجلد
ونصف. (أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي) أي: عقب التشهد الأخير والصلاة عليك
والاستعاذة، وإليه جنح البخاري في (صحيحه)) حيث قال ((باب الدعاء قبل
السلام))، ثم ذكر حديث أبي بكر هذا.
قال ابن دقيق العيد في الكلام على هذا الحديث: هذا يقتضي الأمر بهذا الدعاء
في الصلاة من غير تعيين محله، ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين إما السجود
وإما بعد التشهد؛ لأنهما أمر فيهما بالدعاء، ولعله يترجح كونه فيما بعد التشهد
بظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل. ونازعه الفاكهاني، فقال:
الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين أي: السجود والتشهد. وقال
النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله: ((فِي صَلَاتِي)) يعم جميعها، ومن
مظانه هذا الموطن. وقال العيني: ظاهر الحديث عموم جميع الصلاة. ولكن
المراد بعد التشهد الأخير قبل السلام؛ لأن لكل مقام من الصلاة ذكرًا مخصوصًا
فتعين أن يكون مقامه بعد الفراغ من الكل وهو آخر الصلاة، وبيانه أن للصلاة
قيامًا، وركوعًا، وسجودًا، وقعودًا، فالقيام محل قراءة القرآن، والركوع والسجود
لهما دعاءان مخصوصان، والقعود محل التشهد، فلم يبق للدعاء محل إلا بعد
التشهد قبل السلام.
(ظَلَمْتُ نَفْسِي) أي: بملابسة ما يوجب العقوبة، أو ينقص الحظ والأجر.
(ظُلْمًا كَثِيرًا) يروى بالمثلثة وبالموحدة، فيخير الداعي بين اللفظين، ولا يجمع
بينهما؛ لأنه لم يرو إلا أحدهما. وقيل: يأتي مرة بالمثلثة، ومرة بالموحدة، فإذا
أتى بالدعاء مرتين فقد نطق بما نطق به النبي ◌َّ بيقين. قال الحافظُ: في الحديث
أن الإنسان لا يعرى عن تقصير، ولو كان صِدِّيقًا. قال السندي: بل فيه أن الإنسان
كثير التقصير وإن كان صِدِّيقًا؛ لأن النعم عليه غير متناهية، وقوته لا تطيق بأداء أقل
قليل من شكرها، بل شكره من جملة النعم أيضًا فيحتاج إلى شكر هو أيضًا كذلك،
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
*K
١٤٩
فما بقي له إلا العجز والاعتراف بالتقصير الكثير، كيف وقد جاء في جملة
أدعيته بَِّ ((ظَلَمْتُ نَفْسِي)) انتهى.
(وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) فيه إقرار بوحدانية الباري تعالى، واستجلاب
لمغفرته بهذا الإقرار، كما قال تعالى: ((علم أن له ربًّا يغفر الذنب. ويأخذ
بالذنب))، وقد وقع في هذا الحديث امتثال لما أثنى اللَّه تعالى عليه في قوله:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأُسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فأثنى على المستغفرين، وفي ضمن ثنائه
بالاستغفار لوح بالأمر به كما قيل: إن كل شيء أثنى اللَّه على فاعله فهو آمر به،
وكل شيء ذم فاعله فهو ناهٍ عنه. وقوله: ((لَا يَغْفِرُ الذَّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ)) كقوله تعالى:
﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللّهُ﴾. (مَغْفِرَةً) نكرها للتعظيم، أي: مغفرة عظيمة،
وزادها تعظيمًا بوصفها بقوله: (مِنْ عِنْدِلَكَ)؛ لأن ما يكون من عنده لا تحيط بوصفه
عبارة. وقيل: معناه: من محض فضلك من غير سابقة استحقاق مني، أو مغفرة
لائقة بعظیم کرمك.
قال الطيبي: دل التنكير على أنه غفران لا يكتنه كنهه، ثم وصف بقوله: ((مِنْ
عِنْدِك)) مبالغة في ذلك التعظيم؛ لأن ما يكون من عند الله ومن لديه لا يحيط به
وصف واصف، كقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]. وقال ابن دقيق
العيد: يحتمل وجهين: أحدهما: الإشارة إلى التوحيد المذكور، كأنه قال: لا
يفعل هذا إلا أنت فافعله لي أنت. والثاني - وهو أحسن -: أنه إشارة إلى طلب
مغفرة متفضل بها، لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره، فهي رحمة
من عنده بهذا التفسير ليس للعبد فيها سبب، وهذا تبرؤ من الأسباب، والإدلال
بالأعمال والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبًا عقليًا، وبهذا الثاني جزم ابن
الجوزي فقال: المعنى هب لي المغفرة تفضلاً وإن لم أكن لها أهلًا بعملي. (إِنَّك
أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) هما صفتان ذكرتا ختما للكلام على جهة المقابلة لما قبله،
فالغفور مقابل لقوله: ((اغفر لي) والرحيم مقابل لقوله: ((ارْحَمْنِي)) وهي مقابلة
مرتبة. وفي هذا الحديث من الفوائد: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه عند طلب
الحاجات، واستدفاع المكروهات، وأنه يأتي من صفاته في كل مقام ما يناسبه
١٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كالغفور الرحيم عند طلب المغفرة والرحمة، ونحو: ﴿وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الَّزِقِينَ﴾
[المائدة: ١١٤] عند طلب الرزق، والقرآن والأدعية النبوية مملوءة بذلك. وفيه أيضًا:
استحباب طلب التعليم من العالم سيما في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
٩٥٠ - [٥] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ
وَ﴿ يُسَلُّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ. [رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح}
الشَّرْجُ
٩٥٠ - قوله: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) بن أبي وقاص الزهري القرشي، ثقة، من
أوساط التابعين، مات سنة أربع ومائة. (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقاص، تقدم
ترجمته. (كُنْتُ أُرَى) بفتح الهمزة. (يُسَلَّمُ عَنْ يَمِينِهِ) قال الطيبي: أي مجاوزًّا نظره
عن يمينه، كما يسلم أحد على من في يمينه. (وَعَنْ يَسَارِهِ) فيه مشروعية أن يكون
التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار. (حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ) قال الأبهري:
أي وجنته الخالية عن الشعر، وكان مُشْربًا بالحمرة، انتهى.
والمعنى: حتى أرى بياض خده الأيمن في الأولى، والأيسر في الثانية، وفيه
دليل على مبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين، وإلى جهة اليسار.
واعلم أن السلام للتحلل عن الصلاة فرض لا يقوم غيره مقامه، وبهذا قال
مالك، والشافعي، وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يتعين السلام للخروج من
الصلاة، بل إذا خرج بما ينافي الصلاة من عمل، أو حدث أو غير ذلك جاز. قال
العيني: اختلف العلماء في هذا؛ فقال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم: إذا
انصرف المصلي بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف
ومحمد إلى أن التسليم ليس بفرض حتى لو تركه لم تبطل صلاته، انتهى. قلتُ:
السلام عند الحنفية واجب يجب إعادة الصلاة بتركه، كما صرح به بعض الحنفية،
(٩٥٠) مُسْلِم (١١٩ /٥٨٢)، وَالنَّسَائِي (٣/ ٦١)، وَابن مَاجَهْ (٩١٥) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.
١٥١
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
وهذا مبني على ما أَصَّلُوهُ من التفريق بين الواجب والفرض، قال في ((البدائع)): أما
الخروج عن الصلاة بلفظ السلام فواجب عندنا على ما هو القاعدة عند الحنفية أن
خبر الواحد - يعني قوله: ((تحليلها التسليم)) - يفيد الوجوب، انتهى.
والحق: ما ذهب إليه الجمهور من تعيين السلام للخروج عن الصلاة، وأنه لا
يقوم غيره مقامه وأنه يبطل صلاة من تركه. والدليل عليه قوله بَّه: ((وَتَحْلِيلُهَا
التَّسْلِيمُ)) فإن الإضافة تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم، أي:
انحصر تحليلها في التسليم لا تحليل لها غيره. ولأنه أحد طرفي الصلاة، فكان فيه
نطقًا واجبًا. ولأن النبي ◌َّ كان يسلم من صلاته، ويديم ذلك، ويواظب عليه ولا
يخل به، وقد قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). ولأنه قد تواتر العمل عليه من
لدن صاحب الشريعة وَّه إلى يومنا هذا، وتلقاه الكافة عن الكافة طبقة عن طبقة،
فهو ثابت متواتر عملًا، وطبقة عن طبقة، وهذا كالقعدة الأخيرة عند الحنفية، فإنها
فرض عندهم تبطل الصلاة بتركها، ولا دليل على فرضيتها إلا أخبار الآحاد أو تواتر
العمل. وأما ما قيل: من أن النبي ◌َّ لم يعلم السلام المسيء في صلاته، ولو
وجب لأمره به؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ففيه أن النبي وَ لّلم
يعلمه كل الواجبات، بدليل أنه لم يعلمه التشهد والقعود وغيرهما، ويحتمل أنه
اقتصر على تعليمه ما رآه أساء فيه.
وأما ما روي: أن رسول اللَّه وَ ل صلى الظهر خمسًا فلما سلم أخبر بصنيعه، فثنى
رجله، فسجد سجدتين، أخرجه الجماعة عن ابن مسعود بطريق متعددة، وألفاظ
مختلفة. قال الطحاوي: في هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل
التسليم، ولم ير ذلك مفسدًا للصلاة، فدل ذلك على أن السلام ليس من أصلها،
ولو كان واجبًا كوجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضًا كذلك، ولكنه
بخلافه فهو سنة. ففيه أنه ليس فيه إلا تأخير السلام لا تركه رأسًا، وهذا لا يدل على
كون السلام من غير أصل الصلاة مع أن ذلك كان في حالة النسيان، وعلى ظن عدم
الزيادة والإدخال، والكلام هنا فيمن ترك السلام عمدًا، وخرج من الصلاة بغير
السلام مما ينافي الصلاة. وأما ما روي عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: ((إذا أحدث
الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته)). أخرجه أبو داود
والترمذي، وسيأتي في باب: مالا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه. ففيه
١٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
KE
أنه حديث ضعيف مضطرب، قد تفرد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي،
وضعفه أكثر الحفاظ. قال الترمذي بعد إخراجه: ليس إسناده بذاك القوي، وقد
اضطربوا في إسناده، انتهى. وفيه أيضًا: أنه مخالف للحديث الصحيح:
(وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)) فلا يقوى على معارضته بل يؤخذ بالأصح، قال الخطابي في
المعالم (ج١: ص ١٧٥): هذا الحديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته،
وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم، انتهى. وأما ما روي أن
رسول اللَّهِ وَ له أخذ بيد عبد الله بن مسعود، فعلمه التشهد في الصلاة، ثم قال:
((إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن
تقعد فاقعد)). أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني. ففيه أن قوله: إذا قلت
هذا ... إلخ. مدرج من قول ابن مسعود، قال الدارقطني: الصحيح أن قوله:
((إذا قضيت هذا فقد قضيت صلاتك)) من كلام ابن مسعود، فَصَّلَهُ شبابة عن زهير
ابن معاوية، وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه، وقد
اتفق من روى تشهد ابن مسعود على حذفه، كذا في ((المنتقى)).
قال الشوكاني: أما حديث ابن مسعود، فقال البيهقي في ((الخلافيات)): إنه
كالشاذ من قول عبد الله، وإنما جعله كالشاذ؛ لأن أكثر أصحاب الحسن بن الحر
لم يذكروا هذه الزيادة، لا من قول ابن مسعود مفصولة من الحديث، ولا مدرجة
في آخره، وإنما رواه بهذه الزيادة عبد الرحمن بن ثابت عن الحسن، فجعلها من
قول ابن مسعود وزهير بن معاوية عن الحسن، فأدرجها في آخر الحديث في قول
أكثر الرواة عنه، ورواها شبابة بن سوار عنه مفصولة كما ذكر الدار قطني. وقد روى
البيهقي من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود ما يخالف هذه الرواية بلفظ :
((مفتاح الصلاة التكبير وانقضاؤها التسليم، إذا سلم الإمام فقم إن شئت)). قال:
وهذا الأثر صحيح عن ابن مسعود. وقال ابن حزم: قد صح عن ابن مسعود إيجاب
السلام فرضًا، وذكر رواية أبي الأحوص هذه عنه.
قال البيهقي: إن تعليم النبي ◌َّر التشهد لابن مسعود كان قبل فرض التسليم ثم
فرض بعد ذلك، وقد صرح بأن تلك الزيادة المذكورة في الحديث مدرجة جماعة
من الحفاظ، منهم: الحاكم والبيهقي والخطيب، وقال البيهقي في ((المعرفة)):
ذهب الحفاظ إلى أن هذا وهم من زهير بن معاوية. وقال النووي في ((الخلاصة)):
**=
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
١٥٣
اتفق الحفاظ على أنها مدرجة، انتهى. وقد رواه عن الحسن بن الحر حسين
الجعفي، ومحمد بن عجلان. ومحمد بن أبان، فاتفقوا على ترك هذه الزيادة في
آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وغيره عن ابن مسعود على
ذلك، انتهى كلام الشوكاني.
وقد تأول القاضي أبو بكر بن العربي في ((شرح الترمذي)) (ج ٢: ص١٩٩)
حديث ابن مسعود هذا بأنه إنما يعني به فقد قضيت صلاتك فاخرج منها بتحليل
كما دخلتها بإحرام، انتهى. وهو تأويل حسن جيد ظاهر من السياق. وقال
ابن حجر: معنى ((قَضَيْتَ)) قاربت أو قضيت معظمها، وهذا على تقدير تسليم أنه
من الحديث، وقد عرفت مما قدمنا أن الحق هو كونه مدرجًا في آخر الحديث من
كلام ابن مسعود، وقد عارضه ما صح عن ابن مسعود عند البيهقي وابن حزم من
إيجاب السلام فرضًا، والله أعلم.
ثم إن حديث سعد هذا يدل على مشروعية التسليمتين على اليمين واليسار،
واختلف فيه أيضًا فالتسليمتان معًا فرض في المشهور عن أحمد، لكن صحح في
((المغني)) و((الشرح الكبير)) (ج١: ص٥٩٤) أن الفرض تسليمة واحدة، والثانية
سنة. ونقل ابن المنذر والنووي إجماع العلماء على ذلك، وأما عند الحنفية
فالأولى واجبة، والثانية سنة، وقيل: كلتاهما واجبتان عندهم على ما صرح به
الشامي، وصاحب ((البرهان))، والكبيري، وعليه يدل كلام صاحب ((البدائع)).
وأما عند الشافعي فالأولى فرض، والثانية مستحبة. قال في ((الأم)) (ج١ :
ص١٠٦) بعد رواية أحاديث التسليمتين ما نصه: وبهذه الأحاديث كلها نأخذ،
فنأمر كل مُصَلُّ أن يسلم تسليمتين، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا، ونأمر المصلي
خلف الإمام إذا لم يسلم الإمام تسليمتين أن يسلم هو تسليمتين ويقول في كل
واحدة منهما: السلام عليكم ورحمة الله ثُمَّ قَالَ: وإن اقتصر رجل على تسليمة فلا
إعادة عليه، وأقل ما يكفيه من تسليمه أن يقول: السلام عليكم، فإن نقص من هذا
حرفًا عاد فسلم، انتهى. وأما عند مالك فغير المأموم وهو الإمام والمنفرد يسلم
واحدًا قبالة وجهه، ويتيامن قليلًا، والمأموم يسلم ثلاثًا، أي: عن يمينه أولًا ثم يرد
على إمامه، وإن كان على يساره أحد يرد عليه. وقد ظهر بهذا كله أن الاختلاف
هاهنا في شيئين: الأول في عدد الواجب، فالجمهور على أن الواجب واحد
١٥٤
RE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
والثاني سنة؛ خلافًا للمشهور عن أحمد والحنفية في قول. والثاني في عدد السنة،
فعند الجمهور المسنون تسليمتان لكل مصل إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا. وقال
أنس وعائشة وسلمة بن الأكوع من الصحابة والحسن، وابن سيرين، وعمر بن
عبد العزيز من التابعين، والشافعي في قول: إن المشروع تسليمة واحدة لكل
مصل.
وقال مالك: يسلم غير المأموم سلامًا واحدًا قبالة وجهه، والمأموم ثلاثًا إن كان
على يساره أحد. واستدل على ذلك بما روى في ((موطئه)) عن ابن عمر من فعله أنه
كان يسلم عن يمينه، ثم يرد على الإمام، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه
أيضًا. وأخرجه أيضًا البيهقي في ((سننه))، وهذا من متفردات ابن عمر، لم يوافقه
عليه أحد من الصحابة. والحق أن المشروع تسليمتان فقط لكل مصل، والواحدة
منهما ركن لا تجزئ الصلاة إلا بها، والتسليمة الثانية سنة يدل على ذلك الأحاديث
الواردة في المسألة، وفيه جمع بين الأخبار، وأقوال الصحابة في أن يكون
المشروع والمسنون تسليمتين، والواجب واحدة، وقد دل على صحة هذا الإجماع
الذي حكاه ابن المنذر والنووي فلا يعدل عنه. قال ابن العربي في ((العارضة)):
التسليمة الواحدة وإن كان حديثها عن عائشة معلولة لكن نقلها بصفة الصلاة في
مسجد رسول اللَّه وَّليل متواتر، فهي مقدمة على رواية الآحاد: ((فسلموا واحدة
للتحليل من الصلاة كما أحرمتم بتكبيرة واحدة، وسلموا أخرى تردون بها على
الإمام، والذي على يساركم، واحذروا عن تسليمة ثالثة، فإنها بدعة))، انتهى.
ويأتي بقية الكلام في شرح حديث عائشة في الفصل الثالث.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه والبزار والدار قطني
وابن حبان، وفي الباب أحاديث كثيرة فيها ذكر التسليمتين ذكرها الشوكاني في
((النيل)) (ج١: ص١٩٣) والحافظ في ((التلخيص)) (ص١٠٤) والزيلعي في ((نصب
الراية))، قال الأمير اليماني في (السبل)): حديث التسليمتين رواه خمسة عشر من
الصحابة بأحاديث مختلفة، ففيها صحيح، وحسن، وضعيف، ومتروك.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
١٥٥
٩٥١ - [٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِلّهِ إِذَا صَلَّى
صَلَاَة أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٥١ - قوله: (إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) معناه إذا فرغ من الصلاة
استقبل المأمومين لضرورة أنه لا يتحول عن القبلة قبل فراغ الصلاة والتسليم، وفي
الباب عن زيد بن خالد الجهني، قال: ((صلى لنا رسول اللّه وَل صلاة الصبح
بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف - أي: من صلاته - أقبل
على الناس ... )) الحديث. وعن أنس، قال: ((أخر رسول اللَّه وَ ليل الصلاة ذات
ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه ... )) الحديث.
أخرجهما البخاري. وعن يزيد بن الأسود، قال: حججنا مع رسول اللَّه و ◌َل حجة
الوداع، قال: فصلى بنا صلاة الصبح، ثم انحرف جالسًا فاستقبل الناس بوجهه
الحديث. أخرجه أحمد. وفي هذه الأحاديث دليل على مشروعية استقبال
المؤتمين بعد الفراغ من الصلاة، والمواظبة على ذلك لما يشعر به لفظ: ((كَانَ)).
قيل: والحكمة في استقبال المؤتمين أن يعلمهم ما يحتاجون إليه، وعلى هذا
يختص بمن كان في مثل حاله وّل من الصلاحية للتعليم والموعظة. وقيل:
الحكمة فيه أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة؛ إذ لو استمر الإمام على حاله لأوهم
أنه في التشهد مثلًا. وقال الزين بن المنير: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق
الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذٍ يرفع الخيلاء والترفع
على المأمومين، انتهى. هذا وحديث البراء الآتي بعد حديثين يدل بظاهره على
أنه وَ لّ كان يقبل على من في جهة اليمين لا على المؤتمين جميعًا، وسيأتي وجه
الجمع هناك.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في عشرة مواضع مطولًا ومقطعًا في الصلاة والجنازة والبيوع
(٩٥١) البُخَارِي (٧٠٤٧) مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، وَمُسْلِم (٢٢٧٥)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٢٩٤)، وَالنَّسَائِي في
((الكبرى)) (٧٦٥٨) مَخْتَصَرًا، كُلُّهُمْ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا عَنْهُ.
١٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والجهاد وبدء الخلق وصلاة الليل، والأدب، وأحاديث الأنبياء، والتفسير،
والتعبير، وأخرجه أيضًا مسلم والترمذي والنسائي كلهم في الرؤيا.
٩٥٢ - [٧] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِي وَهِ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٥٢ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ) وفي رواية لمسلم: أكثر ما
رأيت رسول الله ينصرف عن يمينه. وكذا في رواية النسائي، وهذه الرواية تدل
على أن أكثر انصرافه وَ ليل كان عن اليمين بخلاف الرواية التي ذكرها المصنف فإنها
يمكن أن تحمل على أنه كان يفعل ذلك أحيانًا. وسيأتي الكلام عليه في شرح
حديث ابن مسعود التالي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائي.
٩٥٣ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ
شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْخُ
٩٥٣- قوله: (لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ) هذا لفظ البخاري،
ولفظ مسلم: ((لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا))، وفي رواية أبي داود:
((نصيبًا)). (يَرَى) بفتح أوله، أي: يعتقدٍ، ويجوز الضم، أي: يظن، وهو استئناف
كأن قائلاً يقول: كيف يجعل أحدنا حظًّا للشيطان من صلاته؟ قال: يرى (أَنَّ حَقًّا)
أي: واجبًا. وفي رواية النسائي: أن حتمًا.
(٩٥٢) مُسْلِم (٦١/ ٧٠٨)، النَّسَائِي (٣/ ٨١) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
(٩٥٣) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: (٨٥٢)، مُسْلِم (٥٩/ ٧٠٧) عَنْهُ فِيهَا أَبُو دَاوُد (١٠٤٢)، النَّسَائِي (٨١/٣)، ابن
مَاجَهْ (٩٣٠).
١٥٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
(عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ) أي: يعتقد أنه حق عليه أن لا ينصرف إذا فرغ من الصلاة.
(إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ) أي: جانب يمينه، فمن اعتقد ذلك فقد تابع الشيطان في اعتقاده
حقية ما ليس بحق عليه، فذهب كمال صلاته. قال ابن المنير: فيه أن المندوبات
قد تنقلب إلى المكروهات إذا رفعت عن رتبتها؛ لأن التيامن مستحب في كل
شيء، أي: من أمور العبادة، لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقدوا وجوبه أشار
إلى كراهته، قال الطيبي: في الحديث أن من أصر على أمر مندوب وجعله عزمًا
ولم يعمل بالرخصة فقد أصاب منه الشيطان من الإضلال، فكيف من أصر على
بدعة أو منكر؟ ذكره القاري.
قال السندي: قوله: ((أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ)) أورد عليه أن حقًّا نكرة،
وقوله: ((أَنْ لَا يَنْصَرِفَ)) بمنزلة المعرفة، وتنكير الاسم مع تعريف الخبر لا يجوز.
وأجيب: بأنه من باب القلب، أي: يرى أن عدم الانصراف حق عليه. قلتُ: وهذا
الجواب يهدم أساس القاعدة؛ إذ يتأتى مثله في كل مبتدأ نكرة مع تعريف الخبر،
فما بقي لقولهم بعدم الجواز فائدة، ثم القلب لا يقبل بلا نكتة، فلا بد لمن يجوز
ذلك من بيان نكتة في القلب هاهنا. وقيل: بل النكرة المخصصة كالمعرفة، قلتُ:
ذلك في صحة الابتداء بها، ولا يلزم منه أن يكون الابتداء بها صحيحا مع تعريف
الخبر، وقد صرحوا بامتناعه، ويمكن أن يجعل اسم ((أَنَّ) قوله: ((أَنْ لَا يَنْصَرِفَ))
وخبره الجار والمجرور وهو ((عليه)) ويجعل ((حَقًّا)) حالًا من ضمير ((عليه)) أن يرى أن
عليه الانصراف عن يمينه حال كونه حقًّا لازمًا، انتهى كلام السندي.
(لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ) ولعل ذلك؛ لأن حاجته وَّل
غالبًا الذهاب إلى البيت، وبيته إلى اليسار، فلذلك كثر ذهابه إلى اليسار، ووقع في
رواية مسلم: ((أكثر ما رأيت رسول اللَّه مَ ليل ينصرف عن شماله))، فأما رواية
البخاري فلا تعارض حديث أنس الذي ذكره المصنف عن مسلم، كما لا يخفى
على من له أدنى تأمل. وأما رواية مسلم التي ذكرناها الآن فهي معارضة في الظاهر
لحديث أنس عند مسلم بلفظ: أكثر ما رأيت رسول اللَّه ينصرف عن يمينه؛ لأنه عبر
في كل منهما بصيغة أفعل. ووجه الجمع بينهما: أن النبي وَليّ كان يكثر هذا مدة
وهذا مدة، فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدل على جواز
الأمرين، ولا كراهة في واحد منهما. وقد صح الأمران عن رسول اللّه وَلَّهِ، وأما
١٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تخطئة ابن مسعود فإنما هي لاعتقاد أحدهما واجبًا بعينه، وهذا خطأ بلا ريب،
واللائق أن ينصرف إلى جهة حاجته، سواء كانت عن يمينه أو عن شماله، كما روى
ابن أبي شيبة عن علي أنه قال: إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجة، فكانت
حاجتك عن يمينك أو عن يسارك، فخذ نحو حاجتك، انتهى.
فإن استوى الجهتان في الحاجة وعدمها، فاليمين أفضل بلا وجوب؛ لعموم
الأحاديث المصرحة بفضل التيامن. ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر، وهو أن
يحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد؛ لأن حجرة النبي وَل
كانت من جهة يساره في حال أداء الصلاة، ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك
كحال السفر، ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود لأنه أعلم،
وأسن، وأجل، وأكثر ملازمة للنبي وَالل وأقرب إلى موقفه في الصلاة من أنس،
وبأن في إسناد حديث أنس من تكلم فيه وهو السدي، وبأنه متفق عليه بخلاف
حديث أنس في الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال؛ لأن حجرة
النبي وَّ كانت على جهة يساره، كذا في ((الفتح)). والحديث رواه أبو داود، وزاد
في آخره: قال عمارة ((يَعْنِي ابْنَ عُمَيْرٍ)): أتيت المدينة بعد، فرأيت منازل النبي وَّ
عن يساره، ورواه أحمد (ج ١: ص٤٥٩) من طريق عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد
النخعي، عن أبيه، قال: سمعت رجلاً يسأل عبد الله بن مسعود عن انصراف
رسول اللَّه ◌َله من صلاته: عن يمينه كان ينصرف أو عن يساره؟ قال: فقال عبد الله
ابن مسعود: كان رسول اللّه ◌َ اله ينصرف حيث أراد، كان أكثر انصراف رسول الله
وَلخير من صلاته على شقه الأيسر إلى حجرته.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ
١٥٩
٩٥٤ - [٩] عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ أَحْبَيْنَا
أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ
يَوْمَ تَبْعَثُ - أَوْ تَجْمَعُ - عِبَادََ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشّرْحُ
٩٥٤ - قوله: (أَحْبَيْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ) لكون يمين الصف أفضل، هذا هو
الذي فهمه النسائي فقد ترجم على حديث البراء هذا باب: المكان الذي يستحب
من الصف، وكذا ابن ماجه حيث عقد عليه باب: فضل ميمنة الصف. وبوب عليه
النووي في شرحه لمسلم باب: استحباب يمين الإمام. وقيل في بيان السبب:
لكونه ◌َّهِ (يُقْبِلُ عَلَيْنَا) أي: على أهل اليمين (بِوَجْهِهِ) أي: عند السلام أولًا قبل أن
يقبل على من يساره، أي: فنحب أن يقع بصره وَ لّ علينا عند التسليم أولًا. وعلى
هذين الوجهين لا دليل في الحديث على أنه كان يلتفت بعد الانصراف من الصلاة
إلى أهل اليمين ويستقبلهم في حالة الجلوس بعد انحرافه عن جهة القبلة، فلا
منافاة بينه وبين ما تقدم من حديث سمرة بن جندب الدال على استقبال جميع
المؤتمين. قال القاضي: يحتمل أن يكون التيامن عند التسليم وهو الأظهر؛ لأن
عادته وَلخلّ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه، انتهى. وقيل: معنى الحديث
يقبل علينا بوجهه، أي: يستقبل في حالة الجلوس بعد الانصراف من الصلاة
والانحراف عن جهة القبلة أهل الميمنة لا جميع المؤتمين، فلذلك نحب أن نكون
عن يمينه، وعلى هذا المعنى يعارض هذا حديث سمرة المتقدم. واختلفوا في وجه
الجمع بينهما، وبيان محمل الحديثين، ومحمل أحاديث الانصراف عن اليمين
وعن اليسار. فمنهم من أوّل حديث سمرة إلى حديث البراء، وجعل حديث البراء
مفسرًا لحديث سمرة، وقال: المراد بقوله: ((أَقْبَلَ عَلَيْنَا)) في حديث سمرة أي:
على بعضنا وهم أهل اليمين، أو أن سمرة كان يصلي في الميمنة، فقال ذلك باعتبار
من يصلي في جهة اليمين. ومنهم من جمع بين الحديثين بأنه وقليل كان تارة يستقبل
(٩٥٤) مُسْلِم (٦٢ / ٧٠٩)، وَأَبُو دَاوُد (٦١٥) عَنْهُ فِيهَا .