Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ج
عَنْهَا﴾ في السجدة [٢٢]. وقد تقرر أن قوله: ((رغم أنف فلان)) كناية عن غاية الذل
والهوان، وأن الصلاة على النبي وَّل عبارة عن تعظيمه وتبجيله، فمن عظم
رسول اللَّه ◌َ ليل عظمه الله ورفع قدره في الدارين، ومن لم يعظمه أذله الله وأهانه،
فالمعنى بعيد من العاقل، بل من المؤمن المعتقد أن يتمكن من إجراء كلمات
معدودة على لسانه، فيفوز بعشر صلوات من اللَّه رحمت، ويرفع عشر درجات له،
ويحط عشر خطيئات عنه، ثم لم يغنمه حتى يفوت عنه، فحقيق بأن يحقره الله
تعالى، ويضرب عليه الذلة والمسكنة، وكذا شهر رمضان، شهر الله المعظم الذي
أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن وجد فيه فرصة
تعظيمه، بأن قام فيه إيمانًا واحتسابًا عظمه الله، ومن لم يعظمه يحقره الله، وتعظيم
الوالدين مستلزم لتعظيم الله تعالى، ولذلك قرن اللَّه الإحسان إليهما، وبرهما
بتوحيده وعبادته في قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء:
٢٣]، فمستبعد ممن منح ووفق للإحسان إليهما لا سيما في حال كبرهما، وأنهما
عنده في بيته كلحم على وضم، ولا كافل لهما سواه إن لم يغتنم هذه الفرصة،
فجدير بأن یهان ویحقر شأنه، انتهى.
(قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ) قال الطيبي: الظاهر: ((ولم يغفر له)) وإنما عدل تنبيهًا على أن
تراخي الغفران من تقصيره، وكان حقه أن يغفر له قبل انسلاخه. (فَلَمْ يُدْخِلَاهُ) أي :
أو لم يدخله. (الْجَنَّةِ) لما كان دخول الجنة من الله تعالى بواسطة برهما والإحسان
إليهما، أسند إليهما إسنادًا مجازيًّا كما في قولك: ((أنبتت الربيع البقل)) مبالغة، قاله
الطيبى .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) في الدعوات وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه،
وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه))، والبزار في ((مسنده))، والحاكم في
((مستدركه))، وقال: صحيح، وقد أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠ :
ص١٦٤ - ١٦٧) من حديث ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وعبد الله
ابن الحارث، وجابر بن سمرة، وأنس، وكعب بن عجرة، ومالك بن الحويرث،
وأبي هريرة ﴿ه. وأخرج مسلم في ((الأدب)) من صحيحه الجزء الثالث فقط من
غير طريق الترمذي.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَفَضْلِهَا
Se
١٢١
٩٣٤ - [١٠] وَعن أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَهِ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبِشْرُ
فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ جَاءَنِي جِبْرَئِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرَّضِيكَ يَا
مُحَمَّدُ أَنْ لَا يُصَلَِّ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمَ
عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا؟.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيّ]
الشَّرُْ
٩٣٤- قوله: (وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ) هو زيد بن سهل الأنصاري الصحابي
المشهور، وقد تقدم ترجمته (جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ) أي: ساعة من النهار. (وَالْبِشْرُ) بكسرٍ
الباء اسم من الاستبشار، أي: الطلاقة وَّآثار الفرح والسرور. (فِي وَجْهِهِ) أي:
لائح في بشرته. (فَقَالَ) أي: بعد سؤال الصحابة، كما في رواية للنسائي: فقلنا:
إنا لنرى البشر في وجهك، فقال: ((إنه ... )) إلخ. وعند الدارمي: ((جاءَ النبيُّ ◌َِل
يومًا وهو يرى البشر في وجهه، فقيل: يا رسول الله: إنا لنرى في وجهك بشرًا لم
نكن نراه، قال ... )) إلخ.
(أَنَّهُ) أي: الشأن (جَاءِي جِبْرَئِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ)
قال الطيبي: هذا بعض ما أعطي من الرضا في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ
﴾ [الضحى: ٥]، وهذه البشارة في الحقيقة راجعة إلى الأمة، ومن ثم تمكن البشر
في أسارير وجهه صلوات الله وسلامه عليه، حيث جعل وجهه ظرفًا ومكانًا للبشر
والطلاقة. (أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا) ((أَنْ)) مصدرية
والمعنى: أما يرضيك عدم صلاة أحد إلا مقرونة بعشر صلوات مني. (وَلَا
يُسَلِّمُ ... ) إلخ. فيه دليل على أن السلام عليه كالصلاة، وأنَّ اللَّه سبحانه يسلِّمُ على
مَنْ سلَّم على رسول اللَّه ◌َلّ كما يصلي على من صلى على رسوله عشرًا.
(رَوَاهُ النَّسَائِيّ) في الصلاة. (وَالدَّارِمِيّ) في الرقائق، وزاد الدارمي: قال -
يعني النبيِ نََّ: ((قُلْتُ: بَلَى)). وأخرجه أيضًا أحمد في ((مسنده)) (ج٤: ص٢٩،
٣٠) وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((مستدر كه)) (ج٢: ص٤٢٠) وابن
(٩٣٤) النَّسَائِي (٣/ ٤٤) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
١٢٢
se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
E
أبي شيبة في ((مصنفه))، وفي سنده عندهم سليمان الهاشمي مولى الحسن بن علي
وهو مجهول كما في ((التقريب))، وذكرَهُ ابنُ حبان في ((الثِّقات))، وقال النَّسَائي:
سليمان هذا ليس بالمشهور، والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وله طريق
آخر عن أبي طلحة عند أحمد وغيره، وشاهد من حديث أنس عند الحاكم
فالحديث صحيح .
٩٣٥ - [١١] وَعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُكْثِرُ
الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِ؟ فَقَالَ: ((مَا شِئْتَ))، قُلْتُ: الرُّبُعَ؟
قَالَ: ((مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: ((مَا شِئْتَ،
فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). قُلْتُ: فَالثُّلُفَيْنِ؟ قَالَ: ((مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَك))، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: ((إِذَا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُكَفَّرُ لَكَ
ذَنْبُكَ)).
[ْرَوَاه التِّْمِذِيُّ]
الشَّرْحُ
٩٣٥- قوله: (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) أول الحدیث عند الترمذي ھکذا :
قال أَي: أُبَيّ بْن كَعَبٍ: كان رسول اللَّه ◌َ ﴿ إذا ذهب ثلثا الليل، قام فقال: ((يَا أَيُّهَا
النَّاسُ! اذْكُرُوا اللهَ، اذْكُرُوا اللهَ، جَاءَتِ الرَّاحِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا
فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ)). قال أُبَيُّ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ وَلّ ! .
(إِنِّي أَكْثِرُ الصَّلَاةَ) أي: الدعاء، فالمراد بالصلاة هنا: الدعاء، ومن جملته
الصلاة على النبي وَلّ، وليس المراد الصلوات ذات الأذكار والأركان.
(فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟) أي: بدل دعائي الذي أدعو به لنفسي، قاله
القاري. وقال المنذري في ((الترغيب)): معناه: أكثر الدعاء، فكم أجعل لك من
دعائي صلاة عليك؟ (مَا شِئْتَ) أي: اجعل مقدار مشيئتك. (الرُّبُعَ) بضم الباء
وتسكن، أي: أَجْعَلُ ربع أوقات دعائي لنفسي مصروفًا للصلاة عليك. (أَجْعَلُ لَكَ
(٩٣٥) التِّرْ مِذِي (٢٤٥٧) فِي الزُّهْدِ عنه، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ (٢/ ٤٢١).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَفَضْلِهَا
eseri
١٢٣
EX
صَلَاتِي كُلَّهَا) أي: أصرف بصلاتي عليك جميع الزمن الذي كنت أدعو فيه لنفسي .
(إِذَّا) بالألف منونًا. (تُْفَى) مخاطب مبني للمفعول. (هَمَّكَ) مصدر بمعنى
المفعول، وهو منصوب على أنه مفعول ثان لتكفى، فإنه يتعدَّى إلى مفعولين،
والمفعول الأول المرفوع بما لم يسم فاعله، وهو أنت، والهم: ما يقصده الإنسان
من أمر الدنيا والآخرة، يعني: إذا صرفت جميع أزمان دعائك في الصلاة عليَّ
كفيت ما يهمك من أمور دنياك وآخرتك، أي: أعطيت مرام الدنيا والآخرة،
فاشتغال الرجل بالصلاة على النبي ◌َّ يكفي في قضاء حوائجه ومهماته. (وَيُكَفَّرُ)
بنصب الفاء من التكفير. (ذَنْبُكَ) بضم الباء الموحدة. ولفظ الترمذي: ((وَيُغْفَرَ
ذَنْبُكَ)). وفي هاتين الخصلتين، أي: كفاية الهم ومغفرة الذنب جماع خير الدنيا
والآخرة، فإن مَنْ كَفَاه اللهُ همَّه سلم من محن الدنيا وعوارضها؛ لأن كل محنة لا
بد لها من تأثير الهم وإن كانت يسيرة، ومن غفر الله ذنبه سلم من محن الآخرة؛
لأنه لا يوبق العبد فيها إلا بذنوبه.
قال التُّورْبَشْتِي: معنى الحديث: كم أجعل لك من دعائي الذي أدعو به لنفسي؟
ولم يزل يفاوضه ليوقفه على حدٍّ من ذلك، ولم ير النبي ◌َّ أن يحد له ذلك، لئلا
تلتبس الفضيلة بالفريضة أولًا، ثم لا يغلق عليه باب المزيد ثانيًا، فلم يزل يجعل
الأمر إليه داعيًّا لقرينة الترغيب والحث على المزيد، حتى قال: أجعل صَلاتي كلها
لك؟ أي: أصلي عليك بدل ما أدعو به لنفسي، فقال: ((إذَا تُكْفَى هَمَُّكَ))، أي: ما
أهمك من أمر دينك ودنياك، وذلك لأن الصلاة عليه مشتملة على ذكر الله تعالى
وتعظيم الرسول وَجَه والاشتغال بأداء حقٌّه عن أداء مقاصد نفسه، وإيثاره بالدعاء
على نفسه، ما أعظمه من خلال جليلة الأخطار، وأعمال كريمة الآثار.
قال الطيبي: وقد تقرَّر أن العبد إذا صلَّى مرة على النبي ◌َّ صلى اللَّه ◌َك عشرة،
وأنه إذا صلّى وفق الموافقة لله تعالى دخل في زمرة الملائكة المقربين في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَئِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فأنى يوازي هذا دعاءه
لنفسه؟ انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). أي: في الزهد، وقال: حديث حسن، وأخرجه أيضًا أحمد،
والحاکم (ج٢ ص٤٢١) وصحَّحه، وفي رواية لأحمد عنه، قال: قال رجل: يا
رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: ((إِذَا يَكْفِيكَ اللهُ تبارك وتعالى
١٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاَ وَآخِرَتِكَ)). قال المنذري: إسناد هذه الرواية جيدة، وأخرج
الطبراني بإسناد حسن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبيه، عن جده: أنَّ رجلًا
قال: يا رسول الله أجعل ثلث صلاتي عليك؟ قال: ((نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ)). قال: الثلثين؟
قال: (نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ)). قال: فصلاتي كلها؟ قال رسول اللّه وَلَهُ: ((إِذَا يَكْفِيكَ اللهُ
مَا هَمَّكَ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاَ وَآخِرَتِكَ)).
٩٣٦ - [١٢] وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: بَيْنمَا رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ قَاعِدٌ؛ إِذْ
دَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّتِ :
((عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي، إِذَا صَلَيْتَ، فَقَعَدْتَ، فَاحْمَدِ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلِّ
عَلَيَّ، ثُمَّ ادْعُهُ)) قَالَ: ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَصَلَّى عَلَى
النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ: «أَيُّهَا الْمُصَلِّي ادْعُ تُجَبْ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ] {صحيح}
الشّرُْ
٩٣٦- قوله: (فَضَالَةَ) بفتح الفاء بزنة سحابة. (بْنِ عُبَيْدٍ) بالتصغير تقدم
ترجمته. (فَصَلَّى، فَقَالَ) أي: في آخر صلاته، وفي رواية النسائي: سمع رسول الله
وَلَّه رجلًا يدعو في الصلاة، وفي بعض النسخ: في صلاته. (اللّهُمَّ اغْفِرْ لِي
وَارْحَمْنِي) وعند النسائي: لم يحمد الله ولم يصلُّ على النبي ◌ِّه. (عَجِلْتَ) بكسر
الجيم ويجوز الفتح والتشديد، قاله الأبهري، أي: حين تركت الترتيب في الدعاء
وعرضت السؤال قبل الوسيلة، أي: الحمد لله والصلاة على النبي. وفيه إشارة
إلى أن حق السائل أن يتقرب إلى المسئول منه قبل طلب الحاجة بما يوجب له
الزلفى عنده، ويتوسل بشفيع له بين يديه ليكون أطمع في الإسعاف، وأرجى
بالإجابة، فمن عِرض السؤال قبل تقديم الوسيلة فقد استعجل؛ ولذا قال ◌َّل # مؤدبًا
لأمته. (إِذَا صَلَّيْتَ) بالخطاب الخاص المراد به العام، يدل على ذلك رواية
(٩٣٦) أَبُو دَاوُد (١٤٨١)، وَالنَّسَائِي (٣/ ٤٥٤٤) فِي الصَّلَاةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤٧٦) - وَاللَّفْظُ لَهُ - فِي
الدُّعَاءِ، كُلُّهُمْ عَنْهُ.
١٢٥
كِتَابُ الضَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌ُّ وَقَضْلِهَا
النسائي، ثم علمهم رسول اللَّه وَلَه. (فَقَعَدْتَ) قال الطيبي: إما عطف على مقدر،
أي: إذا صليت وفرغت فقعدت للدعاء فاحمد الله، وإما عطف على المذكور،
أي: إذا كنت مصليًا فقعدت للتشهد فاحمد الله، أي: أَثْنٍ عليه بقولك: ((التَّحِيَّاتُ))
انتهى. قال القاري: ويؤيد الأول إطلاق قوله: (فَاحْمَد اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) من كل
ثناء جميل. قلتُ: ويؤيد كونه قبل الفراغ من الصلاة رواية النسائي المذكورة
بلفظ: ((يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ)). والروايات بعضها يفسر بعضًا. (ثُمَّ ادْعُهُ) بهاء الضميرِ،
وقيلٍ: بهاء السكت. (قَالَ) أي: فضالة بن عبيد الراوي للحديث. (فَحَمِدَ اللَّهَ
وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وََّ) أي: ولم يَدْعُ. (تُجَبْ) على بناء المجهول مجزوما على
جواب الأمر. دلهما لعلّ على الكمال، وزاد النسائي في روايته: ((وَسَلْ تُعْطَ)).
وروى أبو داود عن فضالة بن عبيد، أنه سمع رسول اللّه وَ ليه رجلًا يدعو في صلاته
لم يمجد الله، ولم يصل على النبي وَلّل، فقال رسول اللّه وَثّل: ((عجل هذا))، ثم
دعاه فقال له أو لغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه، ثم يصلي
على النبي ◌َّ، ثم يدعو بما شاء)). وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦: ص١٨) والترمذي
وصححه، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي.
قال العلامة الأمير اليماني في ((السبل)): الحديث دليل على وجوب ما ذكر من
التحميد، والثناء، والصلاة عليه وَّة، والدعاء بما شاء، وهو موافق في المعنى
لحديث ابن مسعود وغيره؛ لأن أحاديث التشهد تتضمن ما ذكر من الحمد والثناء،
وهي مُبينَة لما أجمله هذا. ويأتي الكلام في الصلاة عليه وَّة، وهذا إذا ثبت أن هذا
الدعاء الذي سمعه النبي ◌ّ من ذلك الرجل كان في قعدة التشهد، وإلا فليس في
هذا الحديث دليل على أنه كان ذلك حال قعدة التشهد، إلا أن ذكر المصنف (أي:
الحافظ بن حجر) له هنا يدل على أنه كان في قعود التشهد، وكأنه عرف من سياقه،
انتھی .
قلتُ: وكذا يدل على ذلك صنيع البغوي في ((المصابيح)) كما لا يخفى.
والحديث قد استدل به القائلون بوجوب الصلاة عليه وَّر في الصلاة، قال الأمير
اليماني: قد ثبت وجوب الدعاء في آخر التشهد كما عرفت من الأمر به، والصلاة
عليه وَّ قبل الدعاء واجبة لما عرفت من حديث فضالة، وبهذا يتم إيجاب الصلاة
عليه وَّجُل بعد التشهد قبل الدعاء الدال على وجوبه، انتهى.
DONE
١٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظُ: قد طعن ابن عبد البر في الاستدلال بحديث فضالة للوجوب فقال:
لو كان كذلك لأمر المصلي بالإعادة كما أمر المسيء صلاته، وكذا أشار إليه ابن
حزم. وأجيب باحتمال أن يكون الوجوب عند فراغه، ويكفي التمسك بالأمر في
دعوى الوجوب، انتهى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات من طريق رشدين بن سعد،
عن أبي هانئ الخولاني، عن أبي علي الجنبي، عن فضالة، وقال: حديث حسن،
وقد رواه حيوة بن شريح عن أبي هانئ الخولاني، انتهى. قلتُ: أخرج من طريق
حيوة أحمد، وأبو داود، والترمذي أيضًا، وقد ذكرنا لفظه، ورواية الترمذي التي
ذكرها المصنف، عزاها الهيثمي للطبراني، وقال: فيه رشدين بن سعد، وحديثه
في الرقاق مقبول، وبقية رجاله ثقات، انتهى. وأخرجها أيضًا النسائي في باب
التمجيد والصلاة على النبي ◌ُّ في الصلاة لكن من طريق ابن وهب عن أبي هانئ.
(وروى أبو داود) قد تقدم لفظه.
(وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) أي: بمعناه. ذكر النسائي مع أبي داود لا يخلو عن نظر؛ لأن
المتبادر منه أن رواية النسائي مثل رواية أبي داود، والأمر ليس كذلك، فكان
الأولى أن يقول: رواه الترمذي، والنسائي، واللفظ للترمذي، وروى أبو داود،
والترمذي أيضًا نحوه، والله أعلم.
٩٣٧ - [١٣] عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي وَالنَّبِىُّ ◌َّه
وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالنَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ الصَّلَاةِ
عَلَى النَّبِّ وَّةِ، ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَه)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشَّرْجُ
٩٣٧ - قوله: (كُنْتُ أُصَلِّ) أي: الصلاة ذات الأركان؛ بدليل قوله الآتي:
((فلما جلست)). (وَالنَّبِيُّ ◌ََّ) أي: حاضر أو جالس ونحوه. (وَأَبُو بَكْرِ وَعُمَرُ مَعَهُ)
جملة أخرى معطوفة على الجملة الأولى، وهي حال من فاعل ((أُصِّلِّيَ)). (سَلْ
(٩٣٧) التِّرْ مِذِي (٥٩٣) فِي الصَّلَاةِ، وَابن مَاجَهْ فِي السُّنَّةِ عَنْهُ.
١٢٧
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيَِّ وَفَضْلِهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
تُعْطَهْ) الهاء إما للسكت كقوله: ((حسابيه))، وإما ضمير للمسئول عنه لدلالة ((سَلْ))
عليه. وفي الحديث مشروعية تقديم الحمد والصلاة قبل الدعاء في قعود التشهد
ليكون وسيلة للإجابة، وهو يوافق ما روي عن ابن مسعود، قال: يتشهد الرجل،
ثم يصلي على النبي، ثم يدعو لنفسه، أخرجه الحاكم بسند قوي، قال الحافظ في
((الفتح)) بعد ذكره: هذا أقوى شيء يحتج به للشافعي، فإن ابن مسعود ذكر أن
النبي ◌َّر علمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال: ((ثم ليتخير من الدعاء ما شاء))،
فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء دل على أنه اطلع على زيادة
ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود.
(فِي التَّشَهُّدِ) في دفع ما ذهب إليه الشافعي مثل ما ذكر عياض، قال: وهذا تشهد
ابن مسعود الذي علمه له النبي وَّ ليس فيه ذكر الصلاة عليه، وكذا قول الخطابي:
إن في آخر حديث ابن مسعود: ((إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك))، لكن رد عليه
بأن هذه الزيادة مدرجة، وعلى تقدير ثبوتها فتحمل على أن مشروعية الصلاة عليه
وردت بعد تعليم التشهد، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر الصلاة من طريق محمود بن غيلان، عن يحيى بن
آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن زر، عن ابن مسعود. وقال:
حديث حسن صحيح، قلتُ: وأخرج أحمد في ((مسنده)) (ج١: ص٢٥، ٢٦، ٣٨)
من رواية عمر حديثًا طويلًا، وفيه: كان رسول اللّه وَلَّ لا يزال يسمر عند أبي بكر
الليلة كذاك في الأمر من أمر المسلمين، وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج
رسول اللّهِ وَّه وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله
وَلا يستمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه، قال رسول اللّه وَله: ((من سره أن يقرأ القرآن
رطبًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد)). قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل
رسول اللَّه ◌َله يقول له: ((سل تعطه، سل تعطه ... )) الحديث. وأخرجه ابن ماجه في
فضل ابن مسعود في أواخر السنة عن الحسن بن علي الخلال، عن يحيى بن آدم،
عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود ما يتعلق بأمر القراءة
فقط .
١٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٩٣٨ - [١٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبيِ نََّ قَالَ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ
بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ
النَّبِّ الْأُمِّيِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ
إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٩٣٨ - قوله: (مَنْ سَرَّهُ) أي: أعجبه. (أَنْ يَكْتَالَ) بفتح الياء أي يأخذ الأجر
والثواب، فحذف ذلك للعلم به. وقيل: بضم الياء، أي: يعطي الثواب.
(بِالْمِكْيَالِ) بكسر الميم، وهو ما يكال به. (الأَوْنَى) عبارة عن نيل الثواب الوافي
[النجم: ٤١]. وفيه دليل على أن
٤١
على نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَنُهُ الْجَزَاءَ الْأَوْنَى
هذه الصلاة أعظم أجرًا من غيرها، وأوفر ثوابًا. وفيه الترغيب العظيم إلى أن تكون
الصلاة على النبي ◌َّة على تلك الصفة، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر. وقيل:
لو حلف أحد أن يصلي على النبي وقلّ أفضل الصلاة، فطريق البر أن يأتي بالصفة
المذكورة في حديث كعب بن عجرة، أو أبي حميد، أو أبي سعيد الخدري عند
البخاري؛ لأن تعليمه وَ له لأصحابه الكيفية بعد سؤالهم عنها يدل على أنها أفضل
كيفيات الصلاة عليه؛ لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل، والذي يرشد إليه
الدليل أن البر يحصل بما في حديث أبي هريرة هذا لقوله: ((من سر أن يكال
بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا ... )) الحديث.
(إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ) الأشهر فيه النصب على الاختصاص، ويجوز إبداله
من ضمير ((عَلَيْنَا)) وقيل: هو عطف بيان منه، فيكون مجرورًا في هاتين الصورتين.
(فَلْيَقُلْ) قال الطيبي: قوله: ((إِذَا صَلَّى)) شرط، جزاؤه ((فَلْيَقُلْ)) ويجوز أن يكون ((إِذَا))
ظرفًا والعامل ((فَلْيَقُلْ)) على مذهب من قال: إن ما بعد الفاء الجزائية يعمل فيما
(٩٣٨) أَبُو دَاوُد (٩٨٢) فى الصَّلاة عنه.
١٢٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌َِّ وَفَضْلِهَا
﴾ [قريش: ١]، فإنه معمول لقوله :
قبلها كما في قوله تعالى: ﴿لِإِیلَفِ قُرَیْشِ
﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾. (النَّبِيِّ) بالإدغام، ويجوز فيه الهمزة، وهو فعيل بمعنى الفاعل أو
المفعول من النبأ بمعنى الخبر، أو من النبوة بمعنى الرفعة، واللام هنا للعهد،
واختير النبوة على الرسالة لعموم أحواله، أو للمبالغة، فإنه إذا كان يستحق الصلاة
بصفة النبوة فبالأولى أن يستحق بصفة الرسالة. (الأَمِّيّ) منسوب إلى الأم وهو
الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، كأنه على أصل ولادة أمه بالنسبة إلى الكتابة
وقراءة الخط. قال أبو السعود: نسبة إلى الأم، كأنه باقٍ على حالته التي ولد عليها
لا يقرأ الخط ولا يكتب، وقد جمع مع ذلك العلوم الباهرة. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ
[العنكبوت: ٤٨].
٤٨
نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكٌَ إِذَا لََّ رْتَابَ الْمُبْطِلُونَ
وقيل: نسبة إلى الأمة وهي أمة العرب، وذلك لأن العرب لا تحسب ولا تكتب،
ومنه الحديث: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)). وقيل: نسبة إلى أم القرى،
وهي مكة، والأول أولى، وكونه أميًّا من أكبر معجزاته وأعظمها. قال السيد
الغبريني المقري شارح ((البردة)): إن كونه أميًّا معجزة له كما قرروه، حتى لا يرتاب
أحد في كلام الله، يرد عليه أنه لو تم قيل عليه: لم خلق أفصح الناس ولم يخلق غير
فصيح حتى يعلم أن ما يتلوه من الكلام المعجز ببلاغته ليس كلامه؟!
قال الشهاب في ((الريحانة)): قوله هذا ليس بشيء؛ لأن الأمية سابقة في أكثر
فصحاء العرب، وهم في غناء عن الكتابة، وأما عدم الفصاحة فلكنة وعیب عظیم،
منزه عنه، عَالٍ مقامه، وطاهرٌ فطرته وجوهر جبلته، انتهى. وهل صدر عنه ذلك في
كتابة صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور أو أنه لم يكتب؟ وإنما أسند
إليه مجازًّا؟ وقيل: إنه صدر عنه ذلك على سبيل المعجزة، وتفصيله في ((فتح
الباري)). (وَأَزْوَاجِهِ) أي: نسائه الطاهرات. (أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: من جهة
التعظيم والتكريم. (وَذُرِّيَّتِهِ) أي: أولاده وأحفاده، قال في ((المجمع)): الذرية:
اسم يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى، وأصله الهمز فخفف، وتجمع على ذريات
وذراريَّ مشددًا، وقيل: أصلها من الذر بمعنى التفرق؛ لأن اللَّه ذرهم في الأرض.
(وَأَهْلِ بَيْتِهِ) قال الطيبي: من عطف العام على الخاص، على طريقة قوله تعالى:
[الحجر: ٨٧] انتهى.
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ اُلْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ
والحديث قد استدل به القائلون بأن الزوجات من الآل، والقائلون بأن الذرية
١٣٠
ERNE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من الآل، وهو أدل على ذلك من حديث أبي حميد المتقدم لذكر الآل فيه مجملًا
ومبيّنا، قاله الشوكاني.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) عن موسى بن إسماعيل، عن حبان بن يسار الكلابي، عن أبي
مطرف عبيد الله بن طلحة بن كريز، عن محمد بن علي الهاشمي أبي جعفر الباقر
عن المجمر، عن أبي هريرة. والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري.
وقال الشوكاني: وقد اختلف فيه على أبي جعفر، وأخرجه النسائي في مسند
علي من طريق عمرو بن عاصم، عن حبان بن يسار الكلابي، عن عبد الرحمن بن
طلحة الخزاعي، عن أبي جعفر، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه علي، عن
النبي ◌َّليل بلفظ حديث أبي هريرة، وقد اختلف فيه على أبي جعفر، وعلى حبان بن
يسار، انتهى .
قلتُ: حبان بن يسار الكلابي، قال أبو حاتم عنه: ليس بالقوي ولا بالمتروك.
وقال ابن عدي: حديثه فيه ما فيه لأجل الاختلاط الذي ذكر عنه. وذكره البخاري
في ((التاريخ)) وأعل حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو داود: لا بأس
به. وقال الحافظُ: صدوق اختلط .
٩٣٩ - [١٥] وَعَنْ عَلِّ رَضْ لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ: ((الْبَخِيلُ الَّذِي
مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلَّ عَلَيَّ)).
[ْرَوَاهُ النِّْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٣٩ - قوله: (الْبَخِيلُ) أي: الكامل في البخل، كما يفيده تعريف المبتدأ.
قال الشوكاني: تعريف المسند إليه يقتضي الحصر، فينبغي حمله على الكامل في
البخل؛ لأنه بخل بما لا نقص عليه فيه ولا مؤنة، مع كون الأجر عظيمًا، والجزاء
موفورًا. قالِ الفاكهاني: وهذا أقبح بخل وشح لم يبق بعده إلا الشح بكلمة
الشهادة. (الَّذِي مَنْ) قال الطيبي: الموصول الثاني مقحم بين الموصول الأول
(٩٣٩) التِّرْمِذِي (٣٥٤٦) في الدعوات عنه، وقالَ: صَحِيحٌ غريبٌ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌ِ﴿ وَفَضْلِهَا
١٣١
وصلته تأكيدًا، كما في قراءة زيد بن علي: ﴿الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]
أي: بفتح الميم، انتهى.
(ذُكِرْتُ) بصيغة المجهول. (عِنْدَهُ) أي: ذكرِ اسمي بمسمع منه. (فَلَمْ يُصَلِّ
عَلَيَّ)؛ لأنه بخل على نفسه حيث حر مها صلاة الله عليه عشرًا إذا هو صلى واحدة،
قاله المناوي. وقال القاري: فمن لم يصل عليه فقد بخل ومنع نفسه من أن يكتال
بالمكيال الأوفى، فلا يكون أحد أبخل منه، كما يدل عليه رواية: ((البخيل كل
البخيل)) انتھی.
والحديث دليل على وجوب الصلاة على النبي وَّ كلما ذكر، وهو مذهب طائفة
من العلماء، منهم الطحاوي والحليمي، ويدل عليه أيضًا ما تقدم من حديث
أبي هريرة بلفظ: ((رغم أنف رجل ذكرت عنده ... )) إلخ. وما روي من حديث
كعب بن عجرة عند الحاكم بلفظ: ((بَعُدَ من ذكرت عنده فلم يصل عليَّ)). ومن
حديث جابر عند الطبراني مرفوعًا بلفظ: ((شقی عبد ذكرت عنده فلم يصل عليَّ)).
ومن مرسل قتادة عند عبد الرزاق: ((من الجفاء أن أَذْكَرَ عند رجل فلا يصلي عليَّ)).
ومن حديث عمار بن ياسر عند الطبراني بلفظ: ((من ذكرت عنده فلم يصل علي
فأبعده الله)). وله شواهد من حديث مالك بن الحويرث، وابن عباس، وعبد الله
ابن الحارث عند الطبراني أيضًا .
قال الحافظ في ((الفتح)): قد تمسك بهذه الأحاديث من أوجب الصلاة عليه كلما
ذكر؛ لأن الدعاء بالرغم والإبعاد والشقاء، والوصف بالبخل والجفاء يقتضي
الوعيد، والوعيد من علامات الوجوب، وأجاب عنها من لم يوجب ذلك بأنها
خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه، وفي حق من اعتاد ترك الصلاة عليه
ديدنًا، انتهى. قلتُ: ظاهر الأحاديث هو الوجوب كلما ذكر، وأما حملها على
المبالغة وعلى من اتخذ ترك الصلاة عليه عادة فهو تأويل بعيد يأباه ظاهر الأحاديث
الواردة في ذلك، وقد استدل أيضًا بهذه الأحاديث من قال بوجوب الصلاة عليه
بعد التشهد الأخير؛ لأنها تدل على وجوب الصلاة عليه عند ذكره، وقد ذكر هو في
التشهد، وهذا من أحسن ما يستدل به على هذا المطلوب.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أي: في الدعوات من طريق سليمان بن بلال، عن عمارة بن
١٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
***
غزية، عن عبد الله بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن حسين
ابن علي بن أبي طالب عن علي بن أبي طالب. قلتُ: اختلفت نسخ الترمذي في
تعيين الصحابي ففي بعضها الحديث من مسند علي بن أبي طالب، وهكذا وقع في
طبعات الهند، وكذا يظهر من كلام المنذري في ((الترغيب)) حيث ذكر الحديث من
رواية الحسين بن علي بن أبي طالب وعزاه للنسائي وابن حبان في ((صحيحه))
والحاكم، ثم قال: والترمذي، وزاد في سنده علي بن أبي طالب، وقال: ((حَدِيثٌ
حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ)) وكذلك عزاه إليه من حديثه النابلسي في ((الذخائر)) (ج ٣:
ص١٤)، والجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥: ص١٥٥). وفي بعض النسخ
للترمذي هو من مسند الحسين ابن علي بن أبي طالب كما وقع عند غيره ممن
أخرجه، ومنهم من جعل ذلك من اختلاف الرواة، فقد قال ابن كثير في (تفسيره))
بعد ذكر الحديث من المسند برواية الحسين بن علي: ورواه الترمذي من حديث
سليمان بن بلال، ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ومن الرواة من جعله
من مسند الحسين بن علي، ومنهم من جعله من مسند علي نفسه، انتهى.
قال الشيخ الألباني: وقد اختلف على عبد الله بن علي بن حسين في إسناده كما
أخرجه إسماعيل القاضي مبسوطًا لكن الحديث صحيح، فإن له شاهدًا من حديث
أبي ذر، وآخر عن الحسن البصري مرسلًا بسند صحيح عنه، أخرجهما القاضي،
وثالث من حديث أنس عزاه الفيروز آبادي للنسائي، وقال: وهذا حديث صحيح،
انتھی .
٩٤٠ - [١٦] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْن عَلِيٍّ ﴿هَا، وَقَالَ التِّرْمِذِي:
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
الشَّرْجُ
٩٤٠ - قوله: (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١: ص٢٠١). (عن الحسين بن علي) بن
(٩٤٠) ذكره المنذري في ((الترغيب)) (٢٨٤/٢).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيَِّ وَفَضْلِهَا
١٣٣
أبي طالب، عن النبي وَل﴿، وكذا رواه النسائي وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم
(ج١: ص٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة))
والطبراني في ((الكبير)) وإسماعيل القاضي في ((فضل الصلاة)) (ص١٤) قال الحافظ
في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم،
وإسماعيل القاضي، وأطنب في تخريج طرقه، وبيان الاختلاف فيه من حديث علي
ومن حديث ابنه الحسين، ولا يقصر عن درجة الحسن، انتهى. والحسين بن علي
هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد اللَّه المدني، سبط رسول الله
وَّ وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، ولد لخمس ليال خَلَوْنَ من
شهر شعبان سنة أربع، وكانت فاطمة علقت به بعد أن ولدت الحسن بخمسين ليلة،
وقد حفظ الحسين عن رسول اللَّه وَله وروى عنه، وأخرج له أصحاب السنن
أحاديث يسيرة، ومناقبه كثيرة، استشهد بكربلاء يوم الجمعة، يوم عاشوراء سنة
(٦١) وله ست وخمسون سنة. وقد بسط الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج ٢ :
ص٣٤٨ - ٣٥٣) وفي ((الإصابة)) (ج١: ص٣٣٣، ٣٣٤) قصة قتله، ثم قال: قد
صنف جماعة من القدماء في مقتل الحسين تصانيف فيها الغَثُّ والسمين،
والصحيح والسقيم، وفي هذه القصة التي سقتها غنى، انتهى.
٩٤١ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ صَلَّى
عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًّا أُبْلِغْتُهُ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي (شُعَبِ اْإِيمَانِ))]
الشّرْجُ
٩٤١ - قوله: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي) أي: في بيتي قريبًا من قبري، هذا هو
الظاهر، لكنه غير ممكن اليوم؛ لكون بيت عائشة الذي هو مدفن رسول اللّه وَله قد
سد، وبنيت على القبر حيطان مرتفعة مستديرة حوله. لا يمكن لأجلها الدخول في
الحجرة، والوصول إلى قرب القبر. وقيل: المراد في حجرتي مطلقًا، وهذا أيضًا
(٩٤١) البَيْهَقِي (١٥٨٣) في ((الشُّعَب)) عنه.
١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
غير مقدور. وقيل: المراد أعم من ذلك، أي: ولو كان المصلي في المسجد خارج
الحجرة، ولا يخفى ما فيه من الخدشات، وقد تقدمت الإشارة إليها في كلام
الحافظ المقدسي، والعلامة السهسواني.
(سَمِعْتُهُ) أي: سمعًا حقيقيًّا بلا واسطة. (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًّا) أي: بعيدًا عن
قبري من نأى فلانًا وعن فلان ينأى نأيًا: بعد عنه.
(أُبْلِغْتُهُ) بضم الهمزة على بناء المفعول من الإبلاغ، وفي بعض النسخ ((بُلِّعْتُهُ))
أي: بصيغة المجهول مشددًا من التبليغ. قال المناوي: أي: أخبرت به على لسان
بعض الملائكة؛ لأن لروحه تعلقًا بمقره الشريف، وحرام على الأرض أن تأكل
أجساد الأنبياء، فحاله كحال النائم، انتهى. والضمير المنصوب راجع إلى مصدر
((صلى)) كقوله تعالى: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، والحديث يدل على
الفرق بين صلاة الحاضر عند قبره، وصلاة الغائب عنه، فيسمع صلاة المصلي عند
قبره بنفسه، ويُبَلِّغُ صلاة من صلى نائيًا عنه، وقد استدل به على أن للصلاة عند قبره
مزية وفضيلة على الصلاة من بعيد عنه، واحتج بذلك على استحباب زيارة
قبره وَّه، وعلى ندب السفر لمجرد قصد الزيارة؛ لكن الحديث ضعيف جدًّا لا
يجوز الاحتجاج به أصلًا لما عرفت ولما ستعرف؛ ولأن لفظ هذا الحديث
مختلف، فاللفظ المذكور يدل على إثبات السماع عند القبر، وقد روي عن
أبي هريرة نفسه ما يدل على عدم السماع عند القبر، فقد روى البيهقي في ((شعب
الإيمان)): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله الصفار إملاء، حدثنا
محمد بن موسى البصري، حدثنا عبد الملك بن قريب، حدثنا محمد بن مروان -
وهو يتيمٍ لبني السدي - عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال
رسول اللّه ◌َّه: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يُسَلَّمُ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ ملكًا يُبَلِّغُنِي و کَفى
أَمْرَ آخِرَتِهِ وَدُنْيَاهُ، وَكُنْتُ لَهُ شَهِيدًا وشَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
وقال أبو الحسين بن سمعون: حدثنا عثمان بن أحمد بن يزيد حدثنا محمد بن
موسى، حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي، حدثني محمد بنٍ مروان السدي،
عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه وَّةٍ: ((مَنْ صَلَّى
عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا يُبَلِّغَنِي، وَكَفَى أَمْرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهُ، وَكُنْتُ لَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
١٣٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِ﴿ وَفَضْلِهَا
شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا)). وليس أحد من اللفظين - أي: اللفظ الدال على السماع عند
القبر، واللفظ الآخر الدال على عدم السماع عند القبر - أولى وأرجح من الآخر،
فإن مدار الروايتين كلتيهما على محمد بن مروان السدي، وهو متروك الحديث،
متهم بالكذب، فتساقطت الروايتان جميعًا. ولأن حديث أبي هريرة هذا قد عارضه
أحاديث كثيرة حسنة مروية في السنن، والمسانيد، والمعاجم، كحديث أبي هريرة
عند أبي داود، وحديث الحسين بن علي بن أبي طالب، وحديث علي بن أبي طالب
عند الضياء المقدسي ونحو ذلك، فإنها متفقة على أن من صلى عليه من أمته فإن
ذلك يبلغه ويعرض عليه، سواء كان المصلي حاضرًا عند قبره قريبًا منه، أو غائبًا
بعيدًا، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي عليه بنفسه، إنما فيها أنه
يعرض عليه ويبلغه من غير فرق بين القريب والبعيد. ولأنه ينافيه ما تقدم من النهي
عن اتخاذ قبره عيدًا، والأمر بالصلاة عليه حيثما كان المصلي، ولأنه يخالفه حديث
النهي عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ لأن تحصيل مزية الصلاة عليه عند قبره
لا يتيسر لمن كان على مسافة بعيدة منه إلا بالسفر إليه. وقد نهى عن شد الرحل إلى
بقعة غير المساجد الثلاثة .
(رَوَاهُ الْبَيْهَِي فِي شُعَبِ الْإِيمَان) وأخرجه أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة، والعقيلي،
والطبراني كلهم من رواية العلاء بن عمرو الحنفي، عن أبي عبد الرحمن، عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
قال البيهقي: أبو عبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي فيما أرى، وفيه
نظر، انتهى. قلتُ: هذا الحديث وَاوٍ جدًّا لا يحتج به، فإن العلاء بن عمرو
ضعيف، لا يجوز الاحتجاج به، وأبو عبد الرحمن محمد بن مروان السدي الصغير
متروك الحديث، متهم بالكذب، وأخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب من رواية
أبي معاوية عن الأعمش، وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن مروان السدي،
وقد تفرد به. قال الحافظ محمد بن عبد الهادي المقدسي في ((الصارم المنكي)):
إسناده لا يحتج به فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدي الصغير عن
الأعمش كما ظنه البيهقي، وما ظنه في هذا هو متفق عليه عند أهل المعرفة، وهو
عندهم موضوع على الأعمش. وقال في (ص ١٩٠): هذا الحديث موضوع على
رسول اللَّه ◌َ لهو، ولم يحدث به أبو هريرة، ولا أبو صالح، ولا الأعمش، ومحمد
١٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن مروان السدي متهم بالكذب والوضع، ورواه عنه العلاء بن عمرو الحنفي،
ورواه عن العلاء جماعة. قال أحمد بن إبراهيم بن ملحان: حدثنا العلاء بن عمرو :
حدثنا محمد بن مروان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، ومَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًّا مِنْ قَبْرِي
أَبْلِغْتُهُ)). رواه العقيلي عن شيخ له، عن العلاء بن عمرو، وقال: لا أصل له من
حديث الأعمش، وليس بمحفوظ. ورواه الطبراني من رواية العلاء أيضًا، ولفظه:
(مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ قَرِيبٍ سَمِعْتَهُ، ومَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ بَعِيدٍ أُبْلِغْتُهُ)). وقد تكلم أبو
حاتم بن حبان، وأبو الفتح الأزدي في العلاء بن عمرو، فقال ابن حبان: لا يجوز
الاحتجاج به بحال، وقال الأزدي: لا يكتب عنه بحال، وقد روى بعضهم هذا
الحديث من رواية أبي معاوية عن الأعمش، وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن
مروان تفرد به، وهو متروك الحديث، متهم بالكذب. ثم ذكر كلام أئمة الجرح فيه
مفصلاً. وبالجملة حديث أبي هريرة هذا ضعيف غاية الضعف واوٍ ساقط، بل لو
ادعى أحد كونه موضوعًا لا يكون فيه شيء من المبالغة، والعجب من المصنف أنه
أورد هذا الحديث من غير أن يذكر ما فيه من الكلام الموجب لسقوطه عن
الاحتجاج والاستشهاد والاعتبار.
٩٤٢ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ
صَلى الله
وسلم
ـية
وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ صَّلَاَةً.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٩٤٢ - قوله: (وَاحِدَةً) أي: صلاة واحدة (صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ
صَلَاةً) قد تقدم الجمع بين هذا وبين ما تقدم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من
صلى عَليَّ واحدة صلى الله عليه عشرًا)). وقيل: إن حديث أبي هريرة من باب
الحسنات بعشر أمثالها. وهذا الحديث من قبيل مضاعفة الثواب، فيجوز من فضل
اللَّه تعالى أن يضاعف أكثر من ذلك إلى سبعمائة كما ورد في تضعيف أجر بعض
(٩٤٢) أَحْمَد (٢ / ١٧٨) عنه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي مِ وَفَضْلِهَا
١٣٧
الحسنات، وزيد هنا صلاة الملائكة وهم تابعون لأمر الله تعالى، فإذا صلى اللَّه
تعالى صلى كل شيء من مخلوقاته. وقال القاري: لعل هذا مخصوص بيوم
الجمعة؛ إذ ورد أن الأعمال في يوم الجمعة بسبعين ضعف.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص١٧٢، ١٨٧) بإسناد حسن، قاله المنذري في
((الترغيب))، وكذا حسنه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١: ص ١٦٠) وفيه ابن
لهيعة، وقد تقدم الكلام فيه، وتمام الحديث: ((فَلْيُقِلَّ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ))،
والحديث وإن كان من كلام عبد الله بن عمرو لكنه في حكم المرفوع؛ إذ لا مجال
للاجتهاد في بيان ثواب الأعمال، ومقداره، وكيفيته، قال السخاوي في ((القول
البديع)) بعد ذكر الحديث: رواه أحمد وابن زنجوية في (ترغيبه)) بإسناد حسن،
وحكمه الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد فيه.
٩٤٣ - [١٩] وَعَنْ رُوَيْفِعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ جِهِ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى عَلَى
مُحَمَّدٍ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ الْمَقْعَدَ الْمُقَرَّبَ عِنْدََ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَبَتْ لَهُ
شَفَاعَتِي)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٩٤٣ - قوله: (عَنْ رُوَيْفِع) بالتصغير، وهو ابن ثابت بن السكن الأنصاري
المدني، تقدم ترجمته. (مَنْ صَّلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ، وَقَالَ) أي: بعد الصلاة عليه، ففي
الحديث الجمع بين الصلاة عليه واله وسؤاله أن ينزله المقعد المقرب عنده يوم
القيامة، فمن وقع منه ذلك استحق الشفاعة المحمدية وكانت واجبة له. (الْمَقْعَدَ
الْمُقَرَّبَ عِنْدََ) وصف المقعد بالمقرب باعتبار أن كل من كان فيه فهو مقرب عند
اللَّه، فهو من قبيل وصف المكان بوصف المتمكن فيه، فعلى هذا ((الْمُقَرَّبَ)) اسم
مفعول، ويجوز أن يكون اسم مكان، أي: مقعد هو مكان التقريب والقرب عنده،
ثم قيل: هو المقام المحمود؛ لقوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وقيل: المراد به الوسيلة التي
(٩٤٣) أَحْمَد (٤/ ١٠٨) عنه.
١٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هي أعلى درجة في الجنة، لا تكون إلا له وَلَّه، وعلى هذا، المراد بيوم القيامة الدار
الآخرة.
(وَجَبَتْ) أي: ثبتت، ووقعت، وتحتمت بمقتضى وعد الله الصادق. (لَهُ
شَفَاعَتِي) أي: نوع من أنواع شفاعاته وَّ الخاصة ببعض أمته من رفع درجته أو
نحوها .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١: ص١٠٨) وإسماعيل القاضي في ((فضل الصلاة)) (ص٢١)
وفي سنده ابن لهيعة، وعزاه المنذري في ((الترغيب))، والهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (ج١٠: ص١٦٣) للبزار، والطبراني في ((الكبير))، والأوسط. قال
المنذري: وبعض أسانيدهم حسنة، وقال الهيثمي: وأسانيدهم حسنة .
٩٤٤ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ
حَتَّى دَخَلَ نَخْلًا، فَسَجَدَ، فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ
تَوَفَّاهُ، قَالَ: فَجِئْتُ أَنْظُرُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((مَا لَكَ؟)) فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ:
فَقَالَ: ((إِنَّ جِبْرَئِلَ عَّهُ قَالَ لِي: أَلَا أُبَشِّرَُ أَنَّ اللَّهَ رَتْ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى
عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {حسن}
الشَّرْجُ
٩٤٤ - قوله: (حَتَّى دَخَلَ نَخْلًا) أي: بستان نخل، وفي رواية لأحمد (ج١ :
ص١٩١): ((فتوجه نحو صدقته، فدخل، فاستقبل القبلة، فخر ساجدًا))، وفي
رواية لأبي يعلى: ((خرجت على أثره فوجدته قد دخل حائطًا من الأسواف)) - وهو
بالفاء موضع بالمدينة - فتوضأ، ثم صلى ركعتين، فسجد سجدة، فأطال السجود.
(فَسَجَدَ) أي: سجدة كما في رواية أبي يعلى. (قَدْ تَوَفَّاهُ) أي: قبض نفسه فيها: ففي
رواية أحمد المتقدمة: ((فأطال السجود حتى ظننت أن اللّه من قبض نفسه فيها)).
(٩٤٤) أَحْمَد (١ / ١٩١) عنه.
١٣٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَفَضْلِهَا
(قَالَ) أي: عبد الرحمن. (فَجِئْتُ أَنْظُرُ) هل هو حي أو ميت، وفي رواية أحمد
فدنوت منه. (فَرَفَعَ رَأْسَهُ) أي: من السجدة. (فَقَالَ) أي: وَّ. (مَا لَكَ؟) أي: أي
شيء عرض لك حتى ظهر أمارة الحزن والفزع عليك؟ وفي الرواية المذكورة ((من
هذا؟)) فقلتُ: عبد الرحمن. قال: ((ما شأنك؟)). (فَذَكَرْتُ لَّهُ ذَلِكَ) أي: الخوف
المرادف للخشية التي مستفادة من خشيت، وفي الرواية المتقدمة: قلت يا رسول
اللَّه! سجدت سجدة خشيت أن يكون اللَّه رَّك قد قبض نفسك فيها.
(أَلَا أُبَشِّرُكَ أَنَّ اللَّهَ وَتَ) بفتح ((أَنْ)) وقيل: بكسرها؛ لأن في البشارة معنى
القول. (مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ) أي: صلاة (صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ). أي سلامًا .
(سَلَّمْتُ عَلَيْهِ) زاد في الرواية المتقدمة: فسجدت لله شكرًا، وقد تقدم ذكر
الأحاديث المفسرة المصرحة بأن الله - تعالى - يصلي على من صلى على
رسوله وَّل مرة واحدة عشرة صلوات.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١: ص١٩١) قال الهيثمي: ورجاله ثقات، وأخرجه أيضًا
الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. ورواه أيضًا إسماعيل القاضي (ص٥، ٦)
والبيهقي (ج٢: ص ٣٧٠) وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، ولفظه قال: كان لا يفارق
رسول اللَّه وَله مِنَّا خمسة أو أربعة من أصحاب النبي وَلّ لما ينوبه من حوائجه
بالليل والنهار، قال: فجئته وقد خرج، فأتبعته، فدخل حائطًا من حيطان
الأسواف، فصلى فسجد، فأطال السجود، فبكيت وقلتُ: قبض اللَّه روحه، قال:
فرفع رأسه فدعاني، فقال: ((مَالَكَ؟)) فقلتُ: يارسول اللَّه، أطلت السجود، قلتُ:
قبض اللَّه روح رسوله لا أراه أبدًا. قال: ((سَجَدْتُ شُكْرًا لِرَبِِّي فِيمَا أَبْلَانِيَ فِي أُمَّتِي،
مَنْ صَلَّىَ عَلَيَّ صَلَةً مِنْ أُمَّتِي كَتَبَ اللَّه لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ))،
لفظ أبي يعلى. وقال ابن أبي الدنيا: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا)).
وفي إسنادهما موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. ورواه أيضًا إسماعيل
القاضي بنحو أبي يعلى، وفيه أيضًا موسى بن عبيدة الربذي.