Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
مسعود لذكر الواو فيه فيكون أولى من هذا.
(السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا) كذا رواه مسلم
وأبو داود وابن ماجه، وأحمد في رواية له بتعريف السلام في الموضعين. ورواه
الترمذي والنسائي والشافعي وأحمد في طريق أخرى بتنكير السلام فيهما. قال
النووي: يجوز فيهما حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود في
روايات ((الصحيحين)). قال الحافظُ: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود
بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم،
انتھی .
(وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) انفرد ابن عباس بهذا اللفظ؛ إذ في سائر
التشهدات الواردة عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وأبي موسى، وعبد الله بن
الزبير كلها بلفظ: ((وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)). وأما قول الرافعي المنقول:
أنه وَ ل كان يقول في تشهده: ((وأشهد أني رسول الله)) فمردود بأنه لا أصل له، قاله
القاري. قلتُ: روى النسائي وابن ماجه حديث ابن عباس هذا بلفظ: وأشهد أن
محمدًا عبده ورسوله. هذا، وقد تقدم أن الشافعي اختار تشهد ابن عباس.
قال الحافظ في ((الفتح)): قال الشافعي بعد أن أخرج حديث ابن عباس: رويت
أحاديث في التشهد مختلفة، وكان هذا أحب إليَّ؛ لأنه أكملها. وقال في موضع
آخر، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس: لما رأيته واسعًا، وسمعته عن ابن
عباس صحيحًا، كان عندي أجمع وأكثر لفظًا من غيره، وأخذت به غير معنف لمن
يأخذ بغيره مما صح. ورجحه بعضهم؛ لكونه مناسبًا للفظ القرآن في قوله تعالى:
﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةٌ﴾ [النور: ٦١]، وأما من رجحه بكون ابن عباس
من أحداث الصحابة فيكون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه، أو يكون إسناد
حديثه حجازيًّا، وإسناد ابن مسعود كوفيًّا، وهو مما يرجح به، فلا طائل فيه لمن
أنصف، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قال المجد بن تيمية في ((المنتقى)) بعد ذكر الحديث بلفظ
المصنف: رواه مسلم، وأبو داود بهذا اللفظ، ورواه الترمذي وصححه كذلك،
لكنه ذكر السلام منكرًا، ورواه ابن ماجه كمسلم، لكنه قال: ((وأشهد أن محمدًا
٦١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّشَهُّدِ
عبده ورسوله)). ورواه الشافعي وأحمد بتنكير السلام، وقالا فيه: ((وَأَنَّ مُحَمَّدًا))
ولم يذكرا ((أَشْهَدُ)) والباقي كمسلم. ورواه أحمد من طريق آخر كذلك لكن
بتعريف السلام، ورواه النسائي كمسلم، لكنه نكر السلام، وقال: ((وأشهد أن
محمدًا عبده ورسوله))، انتهى. والحديث أخرجه أيضًا الدار قطني في إحدى روايتيه
بتعريف السلام فيهما. وأخرجه ابن حبان في (صحيحه)) بتعريف السلام الأول
وتنكير الثاني. وأخرجه الطبراني بتنكير الأول وتعريف الثاني.
(وَلَا فِي الْجَمْعِ) أي: للحميدي. (بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ) وكأنه لم يقل: بينهما؛ لأنه
علم، والعلم لا يَتغير ((سَلَامٌ عَلَيْكَ)) و((سَلَامٌ عَلَيْنَا)) بغير ألف ولام) قيل: أصل
((سَلَامٌ عَلَيْك)) سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل
عن النصب إلى الرفع على الابتداء لإفادة الثبوت والدوام، ثم زيدت ((ال)) للعهد
الذهني، وقد تقدم توجيهه. (ولكن رواه) ابن الأثير (صَاحِبُ الْجَامِع) أي:
للأصول الست (عن التّرْمِذِي) وقد تقدم أن النسائي أيضًا رواه منكرًا، وكذا
الشافعي وأحمد والدار قطني في إحدى روايتيهما. ومقصود المصنف أن ذكر
البغوي حديث ابن عباس بتنكير السلام في الموضعين في الصحاح مخالف لما في
((صحيح مسلم))، ثم لا يخفى ما في قول المصنف: (رَوَاهُ صَاحِبُ الجَامِعِ)) من
التسامح، فإن الصحيح أن يقول: ذكره أو أورده صاحب ((الجامع))؛ لأن ابن الأثير
لیس من الرواة .
٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٩١٧ - [٥] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ
فَاقْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَّعَ يَدَهُ الْيُّسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ
اليُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثِْتَيْنِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ
يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٩١٧ - قوله: (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ ل﴾ أي: مرفوعًا في كيفية جلسته للتشهد،
والأظهر أن يقول المصنف: عن وائل بن حجر أنه قال في صفة صلاة رسول الله
وَلَهُ: ثم جلس ... إلخ. (قَالَ) أي: وائل ابن حجر. (ثُمَّ جَلَسَ) أي: النبي ◌َّ
وهذا عطف على ما ترك ذكره في الكتاب من صدر الحديث، وهو أن وائل بن حجر
قال: قلتُ: لأنظرن إلى صلاة رسول اللَّه وَل كيف يصلي، قال: فقام رسول الله
وَلّ، فاستقبل القبلة، فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه،
فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، قال: ثم جلس.
(فَاقْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) أي: وجلس على باطنها، ونصب اليمنى، ففي رواية
الطحاوي، وسعيد بن منصور: فرش قدمه اليسرى على الأرض، وجلس عليها.
واستدل به الحنفية على تفضيل الافتراش في التشهدين، وأجيب: بأن هذا الحديث
محمول على التشهد الأول لحديث أبي حميد المتقدم في صفة الصلاة، ولما رواه
النسائي في باب: موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول عن وائل بن حجر،
قال: أتيت رسول اللَّه وَله، فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ... الحديث.
وفيه: ((وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى، ونصب اليمنى ... )) إلخ.
(وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى) أي: ممدودة غير مقبوضة. وفي رواية
(٩١٧) أَبُو دَاوُد (٩١٢) (٩٥٧)، وَالنَّسَائِي (٣/ ٣٧) عَنْهُ فِيهَا .
٦٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّشَهُّدِ
للنسائي: وضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى. (وحَدَّ مِرْفَقَةُ) بصيغة
الماضي مشددة الدال، عطف على الأفعال السابقة و((عَلَى)) بمعنى ((عَنْ))، أي:
رفع مرفقه عن فخذه، وجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد، أو ((عَلَى)) بمعناه و((الْحَدَّ))
المنع والفصل بين الشيئين، ومنه سمى المناهي حدود الله. والمعنى: فصل بين
مرفقه وجنبه، ومنع أن يلتصقا في حال استعلائهما على الفخذ. ويجوز أن يكون
((حَدِّ) اسمًا مرفوعًا مضافًا إلى المرفق على الابتداء، خبره ((عَلَى فَخِذِهِ)) والجملة
حال، أو اسما منصوبًا عطفًا على مفعول ((وَضَعَ)) أي: وضع يده اليسرى على فخذه
اليسرى، ووضع حد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى، وهذا الوجه هو الموافق لما
في رواية للنسائي من قوله: وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، أي: جعل
غاية المرفق وطرفه مستعليًا على الفخذ مرتفعًا عنه.
قال الشوكاني: والمراد كما قال في ((شرح المصابيح)): أن يجعل عظم مرفقه
كأنه رأس وتد. قال ابن رسلان: يرتفع طرف مرفقه من جهة العضد عن فخذه،
حتى يكون مرتفعًا عنه، كما يرتفع الوتد عن الأرض، ويضع طرفه الذي من جهة
الكف على طرف فخذه الأيمن. وجوز بعضهم أنه ماض من التوحيد، أي: جعل
مرفقه منفردًا عن فخذه، أي: رفعه، وهذا أبعد الوجوه. (وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ) أي:
الخنصر والبنصر من أصابع يده اليمنى. (وَحَلَّقَ) بتشديد اللام. (حَلْقَةً) بسكون
اللام وتفتح، أي: جعل الإبهام والوسطى كالحلقة. (ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ) أي: المسبحة
كما تقدم. (فَرَأَيْتُهُ) أي: النبي ◌َِّ. (يُحَرِّكُهَا) فيه أن تحريك المسبحة سنة، وقد
أخذ به قوم. وذهب الجمهور إلى عدم التحريك لحديث ابن الزبير التالي، ولخلو
غالب الروايات عن التحريك، قالوا: والمراد بالتحريك في حديث وائل هو حركة
الإشارة لا حركة أخرى بعد الرفع للإشارة. قال البيهقي: يحتمل أن يكون مراده
بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى لا يعارض حديث ابن الزبير.
قال الشوكاني: ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي رواية أبي داود لحديث وائل،
فإنها بلفظ: وأشار بالسبابة، انتهى. قلتُ: وإليه يظهر ميل النسائي حيث ترجم
على رواية عبد الله بن الزبير التي فيها: أشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته،
بلفظ: موضع البصر عند الإشارة وتحريك السبابة، فكأنه أشار بصنيعه إلى أن
المراد بتحريك السبابة حركة الإشارة، لا تكرير تحريكها؛ لأنه لم يذكر في هذا
玉米
٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الباب رواية التحريك، بل اكتفى بذكر رواية الإشارة. وجمع بعضهم بين الروايتين
بحملهما على أوقات مختلفة، فقال: كان يحركها تارة ولا يحركها أخرى. وقال
بعضهم: حديث وائل أصح وأقوى من حديث ابن الزبير، وأيضًا حديث وائل
مثبت وذاك ناف والمثبت مقدم على النافي، فلا يجوز أن یعارض به حدیث وائل.
(يَدْعُو بِهَا) أي: يشير بها، أي: يرفعها في دعائه، أي: تشهده، سمي التشهد دعاءًا
لاشتماله عليه. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي
وابن ماجه وابن خزيمة، والبيهقي. والحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
٩١٨ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ النَّبِي ◌ِّهِ يُشِيرُ بِإِصْبُعِهِ
إِذَا دَعَا، وَلَا يُحَرِّكُهَا .
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَهُ] {حسن}
الشّرُْ
٩١٨ - قوله: (إِذَا دَعًا) أي: تشهد، واستدل به على استمرار الرفع ... إلى
آخر التشهد. وقد قدمنا أن الراجح أن يديم الرفع والإشارة إلى أن ينصرف من
الصلاة بالسلام، وقد صرح شيخ مشائخنا السيد نذير حسين المحدث الدهلوي في
بعض فتاواه: بأن المصلي يستمر على الرفع إلى آخر الدعاء بعد التشهد، وقد نقل
صاحب ((غاية المقصود)) فتواه بتمامها. (وَلا يَحَرِّكُهَا) تقدم الكلام فيه آنفًا. (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد، وابن حبان
في (صحيحه)). وقال النووي: إسناده صحيح. (ولَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ) بضم الراء .
(إِشَارَتَهُ) بالنصب على المفعولية، أي: بل كان يتبع بصره إشارته؛ لأنه الأدب
الموافق للخضوع. والمعنى: لا ينظر إلى السماء حين الإشارة إلى التوحيد، بل
ينظر إلى إصبعه، ولا يجاوز بصره عنها. وهذه الزيادة أخرجها النسائي أيضًا.
(٩١٨) أَبُو دَاوُد (٩٩٠) عَنْهُ فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ التَّشَهُّدِ
٦٥
٩١٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَدْعُو بِإِصْبَعَيْهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((أَحِّدْ أَحِّدْ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعوَاتِ الْكَبِيرِ] (حسن}
13 49
الشّرُْ
٩١٩ - قوله: (أَنَّ رَجُلًا) قيل: هو سعد بن أبي وقاص كما في رواية أبي داود
والنسائي من حديث أبي صالح عن سعد قال: مر علي النبي بَّ، وأنا أدعو
بإصبعي، فقال: ((أَحِّدْ أَحِّدْ))، وأشار بالسبابة .
(كَانَ يَدْعُو) أي: يشير. (بِإِصْبَعَيْهِ) الظاهر أنهما المسبحتان. (أَخِّدْ أَحِّدْ) كرر
للتأكيد في التوحيد. أي: أشر بإصبع واحدة؛ لأن الذي تدعوه واحد، وهو الله
تعالى، وأصله وحد أمر مخاطب من التوحيد، وهو القول بأن الله تعالى واحد،
قلبت الواو همزة. وإيراد المصنف هذا الحديث في التشهد يدل على أنه حمله على
الإشارة في جلسة التشهد، وعليه حمله النسائي أيضًا حيث أورد حديث أبي هريرة
هذا، وحديث سعد في التشهد، وترجم عليهما باب: النهي عن الإشارة بإصبعين،
وبأي إصبع يشير؟ وأخرجه الترمذي في الدعوات كالبيهقي، وصنيعهما يدل على
أنهما حملاه على الدعاء، لا على الإشارة في التشهد، بل عداه أدبًا من جملة آداب
الدعاء، وهو الذي فهمه أبو داود حيث أخرج حديث سعد في الدعاء. ولا شك أن
الحديث يحتمل كلا المعنيين، لكن الاحتمال الثاني الذي ذهب إليه الترمذي
وأبو داود والبيهقي - أي: حمله على أدب الدعاء - أظهر. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أي:
في الدعوات وحسنه .
(وَالنَّسَائِيُّ) في الصلاة. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي.
(٩١٩) التِّرْمِذِي (٣/٤) وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِي (٣٧/٣) عَنْهُ فِيهَا، وَلِلنِّسَائِيِّ (٣/ ٣٨) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي
وَقَّاصٍ نَحْوُهُ.
EECH
٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٢٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ
فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ.
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
- وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ(®
الشّرُ
٩٢٠ - قوله: (وَهُوَ مُعْتَمِدٌ) أي: متكئ. (عَلَى يَدِهِ) قال القاري: وفي نسخة
((عَلَى يَدَيْهِ)) وقال ابن رسلان في ((شرح السنن)): الرواية الصحيحة ((يَدَيْهِ)) يعني: بل
يضعهما على ركبتيه وفخذيه، فالمراد بقوله: أن يجلس الرجل في الصلاة وهو
معتمد على يده، هو أن يضع يده في التشهد على الأرض، ويتكئ عليها. وقيل: هو
أن يجلس الرجل في الصلاة، ويرسل اليدين إلى الأرض من فخذيه، والأول
أقرب إلى اللفظ، ووجه الكراهة أن ذلك من شأن المتكبرين، وبه يزول استواء
الجلوس، وظاهر النهي التحريم، وقد تقدم شيء من الكلام فيه في شرح قول ابن
عمر قبل باب التشهد. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص١٤٧). (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه.
(وفي رواية له) أي: لأبي داود. (نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ) أي: يتكئ. (الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا
نَهَضَ) أي: قام. (فِي الصَّلَاةِ) بل ينهض على صدور قدميه من غير اعتماد على
الأرض، واحتج بهذه الرواية الحنفية ومن وافقهم على أن المصلي لا يعتمد على
يديه عند قيامه، ويعتمد على ظهور القدمين، لكن هذه الرواية شاذة، والرواية
الصحيحة هي الأولى، وذلك لأن حديث ابن عمر هذا في النهي عن الاعتماد على
اليد في الصلاة، رواه أبو داود عن أربعة من شيوخه: الإمام أحمد بن حنبل،
وأحمد بن محمد بن شبوية، ومحمد بن رافع، ومحمد بن عبد الملك الغزال،
واللفظ الأول لفظ أحمد بن حنبل، والرواية الثانية لابن عبد الملك، ولفظ ابن
شبوية: ((نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة))، ولفظ ابن رافع: ((نَهَى أَنْ
يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ))، ووضعه في باب الرفع من السجود ظنًّا منه أن
(٩٢٠) أَبُو دَاوُد (٩٩٢) عَنْهُ فِيهَا .
(#) أَبُو دَاوُد (٩٩٢) عَنْهُ أَيْضًا فِيهَا .
٦٧
بَابُ التَّشَهُّدِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
الحديث في النهي عن الاعتماد في الرفع من السجود. والفرق بين هذه الروايات
أن رواية ابن شبوية وابن رافع مطلقة، يعني: أنها تدل على النهي عن الاعتماد على
اليد في الصلاة مطلقًا، سواء كان في الجلوس أو النهوض، وإن كان ذكر ابن رافع
حديثه في بَابِ: الرَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ يدل على أنه حمله على حالة النهوض من
السجود، لكن لفظ الحديث عام، والظاهر أن المراد منه أن يضع يديه على ركبتيه
بعد الرفع من السجدة، وأما رواية أحمد بن حنبل فهي مقيدة بحالة الجلوس،
فإنها تدل على أن النهي عن الاعتماد على اليد في حالة الجلوس، يعني إذا جلس
في الصلاة سواء كان في التشهدين أو بين السجدتين، أو في جلسة الاستراحة، فلا
يعتمد على يديه، وكذا رواية ابن عبد الملك أيضًا مقيدة لكن بحالة النهوض، وهي
تدل على أن النهي عن الاعتماد على اليد في حالة النهوض من السجود، فقد
تعارض القيدان، والحديث واحد، ورواية ابن عبد الملك شاذة لمخالفته من هو
أوثق منه، وهو الإمام أحمد بن حنبل، فإنه إمام ثقة، مشهور العدالة. ومحمد بن
عبد الملك وهو ابن زنجويه البغدادي أبو بكر الغزال وإن وثقة النسائي لكنه دون
أحمد بن حنبل بمراتب، وقد ذكر الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة عبد
الملك عن ابن أبي حاتم أنه قال: وهو صدوق، وقال مسلمة: ثقة، كثير الخطأ،
انتهى. فلا شك أن أحمد بن حنبل أقوى وأوثق من ابن عبد الملك، فتقدم روايته؛
لكونها أرجح على رواية ابن عبد الملك. ويرجح رواية الإمام أحمد أيضًا ما في
البخاري من حديث مالك بن الحويرث بلفظ: ((واعتمد على الأرض))، وعند
الشافعي: ((واعتمد بيديه على الأرض))، والله أعلم. ثم رأيت الشيخ أحمد محمد
شاكر قد بسط الكلام في شرح هذا الحديث في شرحه لـ((المسند)) (ج٩ : ص ١٥٧ -
١٦٢) ورجح لفظ رواية الإمام أحمد، وقد أجاد وأصاب، فعليك أن تراجعه.
٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٢١ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَِّي ◌َّهِ فِي الرَّكْعَتَينِ
[رَوَاهُ التّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] {حسن}
الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ.
الشَّرْحُ
٩٢١ - قوله: (كَانَ النَّبِيِ وَ فِي الرَّكْعَتِينِ الأُولَيَيْنِ) أي: فيما بعدهما وهو
التشهد الأول من صلاة ذات أربع أو ثلاث، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي:
((كان إذا جلس في الركعتين الأوليين)). ولفظ النسائي: ((كان النبي ◌َّ في
الركعتين)). قال السندي: المراد في جلوس الركعتين في غير الثنائية، يدل عليه
قوله: ((حتى يقوم)). (كَأَنَّه) جالس. (عَلَى الرَّضْفِ) بفتح الراء وسكون الضاد
المعجمة بعدها فاء: الحجارة التي حميت بالشمس أو النار، واحدتها رضفة، وهذا
كناية عن تخفيف الجلوس. قال المظهر: أراد به تخفيف التشهد الأول وسرعة
القيام في الثلاثية والرباعية، يعني: لا يلبث في التشهد الأول كثيرًا بل يخففه ويقوم
مسرعًا كمن هو قاعد على حجر حار، فيكون مكتفيًا بالتشهد دون الصلاة والدعاء.
(حَتَّى يَقُومَ) وفي رواية النسائي: قلتُ: حتى يقوم؟ قال: ذاك يريد.
قال السندي: ((حَتَّى)) للتعليل بقرينة الجواب بقوله: ذاك يريد، ولا يناسب هذا
الجواب كون ((حَتَّى)) للغاية فليتأمل، انتهى. قال الترمذي: والعمل على هذا عند
أهل العلم، يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين، ولا يزيد
على التشهد شيئًا في الركعتين الأوليين، وقالوا: إن زاد على التشهد فعليه سجدتا
السهو، هكذا روي عن الشعبي وغيره، انتهى. وهو الذي اختاره أبو حنيفة، وقال
الشافعي: لا بأس أن يصلي على النبي ◌َّ. قلتُ: الظاهر أن لا يزيد على التشهد،
لكن لو زاد لا يجب عليه سجدتا السهو؛ لأنه لم يقم دليل شرعي على وجوب
سجدة السهو على من زاد على التشهد في القعدة الأولى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والشافعي والحاكم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله
ابن مسعود عن أبيه.
(٩٢١) أَبُو دَاوُد (٩٩٥)، والتِّرْمِذِي (٣٦٦)، والنَّسَائِي (٢٤٣/٢) عَنْهُ فِيهَا .
٦٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ التَّشَهُّدِ
قال الترمذي: هذا حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، انتهى.
فالحديث منقطع، وإنما حسنه الترمذي مع انقطاعه لشواهده. قال الحافظ في
((التلخيص)) (ص١٠١): بعد عزو الحديث إلى الشافعي وأحمد والأربعة،
والحاكم: هو منقطع؛ لأن أبا عبيدة لمٍ يسمع من أبيه. قال شعبة عن عمرو بن مرة:
سألت أبا عبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئا؟ قال: لا. رواه مسلم وغيره. وروى
ابن أبي شيبة من طريق تميم بن سلمة: كان أبو بكر إذا جلس في الركعتين كأنه على
الرضف. إسناده صحيح. وعن ابن عمر نحوه، ثم قال: وروی أحمد وابن خزيمة
من حديث ابن مسعود: علمه التشهد، فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي
آخرها على وركه اليسرى: ((الثَّحِيَّاتُ)) إلى قوله: ((عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) قال: ثم إن كان
في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده
بما شاء الله أن يدعو ثم يسلم، انتهى. فهذه الروايات شواهد لحديث الباب حديث
ابن مسعود.
٧٠
serna
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الفصل الثالث
٩٢٢ - [١٠] عَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا
يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِن الْقُرْآنِ: ((بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ
الطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَِّيُّ وَّرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى
عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ)).
[ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٩٢٢- قوله: (بسْم اللَّهِ، وَبِاللَّهِ) قد تفرد بهذه الزيادة أيمن بن نابل الراوي
للحديث عن أبي الزبير، عن جابر، وقد رواه الليث وعمرو بن الحارث وغيرهما
عن أبي الزبير بدون هذا، وقال حمزة الكناني: لا أعلم أحدًا قال في التشهد: ((بِسْمِ
اللَّهِ، وَبِاللَّهِ)) إلا أيمن، انتهى.
قلتُ: ووقع التسمية في حديث عمر عند عبد الرزاق، وسعيد بن منصور،
وغيرهما، وصححه الحاكم مع كونه موقوفًا، وعورض برواية مالك عن الزهري،
فإنها ليست فيها هذه الزيادة، نعم ثبتت في ((الموطأ)) عن ابن عمر موقوفًا،
قال البيهقي: الرواية الموصولة المشهورة عن الزهري، عن عبد الرحمن القاري،
عن عمر ليس فيها ذكر التسمية، وأما الرواية التي فيها عن ابن عمر، فهي وإن
كانت صحيحة، فيحتمل أن تكون زيادة من جهة ابن عمر، فقد روينا عنه، عن
النبي وَّل حديث التشهد ليس فيه ذكر التسمية، انتهى.
ووردت التسمية أيضًا في حديث ابن الزبير عند الطبراني في (الكبير))
و ((الأوسط)) من طريق ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي الورد، عن عبد الله بن
الزبير، قال الطبراني: تفرد به ابن لهيعة، وهو ضعيف ولا سيما وقد خالف، كذا
(٩٢٢) النَّسَائِي (٢/ ٢٤٣) عنه في الصَّلاة.
٧١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
$33
بَابُ التَّشَهُّدِ
في ((التلخيص)). وقال في الفتح: وفي الجملة لم تصح هذه الزيادة، وقد ترجم
البيهقي عليها: من استحب أو أباح التسمية قبل التحية، وهو وجه لبعض الشافعية،
وضعف. ويدل على عدم اعتبارها أنه ثبت في حديث أبي موسى المرفوع في
التشهد وغيره: ((فإذا قعد أحدكم فليكن أول قوله: التحيات لله ... )) الحديث. كذا
رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة بسنده. وأخرج مسلم من طريق عبد الرزاق
هذه، وقد أنكر ابن مسعود وابن عباس وغيرهما على من زادها. أخرجه البيهقي
وغيره، انتهى. وقال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)): زيادة التسمية في التشهد
ليس بصحيح، وقال أبو محمد البغوي، والشيخ في ((المهذب)): ذكر التسمية في
التشهد غير صحيح. وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج١: ص ٥٨٠): سمع ابن
عباس رجلًا يقول: بِسْمِ اللَّهِ فانتهره، وبه قال مالك وأهل المدينة وابن المنذر
والشافعي وهو الصحيح؛ لأن الصحيح من التشهدات ليس فيه تسمية فيقتصر
عليها، ولم تصح التسمية عند أصحاب الحديث، ولا غيرها مما وقع الخلاف فيه،
وإن فعله جاز؛ لأنه ذكر، انتهى. وقال الباجي: ليس من سنة التشهد عند مالك
البسملة في أول التشهد؛ لأنَّا قد بينا أن السنة هو تشهد عمر، وليس فيه كذلك،
انتھی .
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه، والترمذي في ((العلل))، والحاكم من
طريق أيمن بن نابل، عن أبي الزبير عن جابر، قال الحافظ في ((التلخيص)): رجاله
ثقات، إلا أن أيمن بن نابل أخطأ في إسناده، وخالفه الليث، وهو من أوثق الناس
في أبي الزبير فقال: عن أبي الزبير، عن طاوس وسعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ،
قال حمزة الكناني: قوله: عَنْ جَابِرٍ خطأ ولا أعلم أحدًا قال في التشهد: بِسْمِ اللَّهِ
وَبِاللَّهِ، إلا أيمن. وقال الدارقطني: ليس بالقوي خالف الناس. وقال يعقوب بن
شيبة: فيه ضعف. وقال الترمذي: سألت البخاري عنه فقال: خطأ. وقال
الترمذي: وهو غير محفوظ. وقال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع أيمن بن نابل على
هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، لكن الحديث خطأ. وقال البيهقي: هو
ضعيف، وأورد الحاكم في ((المستدرك)) حديثًا ظاهره أن أيمن توبع عن أبي الزبير؛
فقال: حدثنا أبو علي الحافظ: ثنا عبد الله بن قحطبة: ثنا محمد بن عبد الأعلى:
٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ثنا معتمر: ثنا أبي، عن أبي الزبير به. قال الحاكم: سمعت أبا علي يوثق ابن
قحطبة إلا أنه أخطأ فيه؛ لأن المعتمر لم يسمعه من أبيه، إنما سمعه من أيمن،
انتھی. کذا في ((التلخيص)).
وقال في ((الفتح)): تفرد به أيمن بن نابل، وحكم الحفاظ: البخاري وغيره على
أنه أخطأ في إسناده، وأن الصواب رواية أبي الزبير عن طاوس. وغيره عن ابن
عباس. وفي الجملة لم تصح هذه الزيادة ... إلى آخر ما نقلنا من كلامه.
وقال السيوطي في ((شرح سنن النسائي)): قال الحاكم: أيمن ثقة تخرج حديثه في
((صحيح البخاري))، ولم يخرج هذا الحديث؛ إذ ليس له متابع عن أبي الزبير من
وجه يصح. وقال الدار قطني في ((علله)): قد تابع أيمنَ الثوريُّ وابنُ جريج، عن أبي
الزبير، انتهى.
قلتُ: لم يذكر السيوطي سند هذه المتابعة حتى ينظر فيه هل يصلح للمتابعة أم
لا؟ فما لم يعلم سندها لا يحكم باعتبارها وكونها مصححة لحديث أيمن.
٩٢٣ - [١١] وَعَنْ نَافِعِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ فِي
الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيَّهِ وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ وَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَّ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ: (لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِن الْحَدِيدِ)) يَعْنِي: السَّابَةَ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {حسن}
الشَّرْجُ
٩٢٣- قوله: (وَعَنْ نَافِعِ) مولى ابن عمر. (إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلاَةِ) أي:
للتشهد. (وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَّيْهِ) بقبض اليمنى وبسط اليسرى. (وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ)
أي: مسبحة اليمنى. (وَأَتْبَعَهَا) أي: الإشارة أو الإصبع. (بَصَرَهُ) حين الإشارة.
(لَهِيَ) أي: الإشارة إلى الوحدانية.
(أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ) المعنى: أن هذه الإشارة أشد على الشيطان من
(٩٢٣) أَحْمَد (٢/ ١١٩) عنه.
٧٣
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ التَّشَهُّدِ
السيف والسهم، لما فيه من التوحيد، فيقطع طمع الشيطان من وقوع المصلي في
الإشراك والكفر. (يَعْنِي) هذا كلام الراوي أي: يريد النبي ◌َّ بالضمير في ((لَهِيَ)).
(السَّبَّابَةِ) أي: الإشارة بها، فعالة من السب، وهو الشتم، وسبه أيضًا قطعه،
والحمل على المعنى الثاني أنسب لذكر الحديد، كأنه بالإشارة بها يقطع طمع
الشيطان من إضلاله، قاله الطيبي.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص١١٩) ونسبه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ :
ص١٤٠) إلى البزار أيضًا، وقال: فيه كثير بن زيد، وثقه بن حبان، وضعفه غيره،
انتهى. وروى البيهقي في ((السنن الكبرى)) عن ابن عمر مرفوعًا: تحريك الإصبع
في الصلاة مذعرة للشيطان. قال ابن حجر وغيره: سنده ضعيف.
٩٢٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِن السُّنَّةِ إِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٩٢٤ - قوله: (مِنَ السُّنَةِ) قال الطيبي: إذا قال الصحابي: من السنة كذا، أو
السنة كذا فهو في الحكم كقوله: قال رسول اللَّه وَ ليل . هذا مذهب الجمهور من
المحدثين والفقهاء، وجعله بعضهم موقوفًا، وليس بشيء، انتهى. (إِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ)
كذا في جميع النسخ بلفظ المصدر، وفي ((جامع الترمذي)) و((سنن أبي داود)) ((أَنْ
يُخْفَى التَّشَهُّدُ)) وهو يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، ولما لم يسم فاعله، وفي رواية
الحاكم ((تُخْفِي)) فيكون مبنيًّا للفاعل فقط. والحديث دليل على أن السنة في التشهد
أن يقرأ سرًا. قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وسكت عنه أبو داود، وأخرجه الحاكم (ج١ :
ص٢٦٧) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. والحديث
في سنده عند الثلاثة يونس بن بكير بن واصل الشيباني الكوفي.
(٩٢٤) أَبُو دَاوُد (٩٨٦)، والتِّرْمِذِي (٢٩١) في الصَّلاة، وقالَ: حسنٌ.
٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
قال الحافظُ: صدوق يخطىء. وقال الخزرجي: قال ابن معين: ثقة، وضعفه
النسائي. وقال أبو داود: ليس بحجة، يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله أي
بالأحاديث، روى له مسلم متابعة، وفيه أيضًا محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد
رواه معنعنًا لكنهما لم ينفردا بهذا الحديث، فقد رواه أيضًا الحاكم في ((المستدرك))
(ج١: ص ٢٣٠) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن عبيد الله، عن
عبد الرحمن بن الأسود بإسناده، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم
يخرجاه، وأقره الذهبي. وعلى هذا فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن.
٧٥
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيَِّ وَفَضْلِهَا
كِتَابُ الصَّلَاةِ
١٦ - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَّى النّبِيِّ
صَلى الله
وَسَم
وَفَضْلِهَا
ـة
(بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ﴾ أي: باب حكم الصلاة وصفتها ومحلها.
(وَفَضْلِهَا) أي: ثوابها. قال المجد الفيروز آبادي: الصلاة: الدعاء والرحمة
والاستغفار وحسن الثناء من اللَّه رَ على رسوله وَّل، وعبادة فيها ركوع وسجود،
اسم يوضع موضع المصدر، صلى صلاة لا تصلية: دعا، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر أقوال القوم في معنى الصلاة: وأولى الأقوال
ما تقدم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه. وتعظيمه. وصلاة
الملائكة وغيرهم عليه: طلب ذلك من اللَّه تعالى. والمراد: طلب الزيادة لا طلب
أصل الصلاة، وقيل: صلاة اللَّه على خلقه تكون خاصة، وتكون عامة. فصلاته
على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة، فهي التي
وسعت كل شيء.
قال: وقال الحليمي: معنى الصلاة على النبي وَّل: تعظيمه، فمعنى قولنا:
اللهم صل على محمد: عظم محمدًا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره،
وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء
فضيلته بالمقام المحمود. وعلى هذا فالمراد بقوله: ((صَلَّوا عَلَيْهِ)) ادعوا ربكم
بالصلاة عليه، انتهى. ولا يعكر عليه عطف: ((آله وأزواجه، وذريته)) عليه؛ فإنه لا
يمتنع أن يدعى لهم بالتعظيم؛ إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به. وما تقدم عن
أبي العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله، وإلى
ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، انتهى كلام الحافظ
مختصرًا. واعلم أنهم اختلفوا في أن الأمر في قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] هل هو للندب أو للوجوب؟ ثم هل الصلاة
عليه فرض عين أو فرض كفاية؟ ثم هل تتكرر كلما سمع ذكره أم لا؟ وإذا تكرر هل
تتداخل في المجلس أم لا؟ فذهب ابن جرير الطبري إلى أن الصلاة عليه من
المستحبات .
٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
وقيل: إنها تجب في العمر مرة في صلاة أو في غيرها، وهي مثل كلمة
التوحيد، قاله أبو بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم، وغيرهما، فهي عندهم
فرض بالجملة، ولا تتعين في الصلاة، ولا في وقت من الأوقات، ومن صلى عليه
مرة واحدة في عمره فقد سقط فرض ذلك عنه، وبقي مندوبًا إليه في سائر عمره
مقدار ما يمكنه، وبهذا عرف أن الصلاة عليه في التشهد الأخير من الصلاة سنة
مستحبة عندهم، وإليه ذهب أبو حنفية ومالك والثوري. وقيل: تجب في القعود
آخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعي وأحمد ومن تبعهما،
فهي عندهم من فرائض الصلاة وأركانها. والفرض منها عندهم متعين في الصلاة.
وقيل: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، نقل ذلك عن أبي جعفر الباقر.
وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية.
وقيل: كلما ذكر، قاله الطحاوي، وجماعة من الحنفية، والحليمي، وجماعة
من الشافعية. وقال ابن العربي من المالكية: إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشري.
وقال في ((الدر المختار)): اختلف الطحاوي والكرخي في وجوبها على السامع
والذاكر كلما ذكر، والمختار عند الطحاوي تكرار الوجوب كلما ذكر، ولو اتحد
المجلس في الأصح، لا لأن الأمر يقتضي التكرار، بل؛ لأنه تعلق وجوبها بسبب
متكرر، وهو الذكر فيتكرر بذكره، وتصير دينًا بالترك فتقضى؛ لأنها حق عبد
كالتشميت، بخلاف ذكر الله تعالى. والمذهب: استحباب التكرار، وعليه
الفتوى، والمعتمد قول الطحاوي، كذا ذكره الباقاني تبعًا لما صححه الحلبي
وغيره، ورجحه في ((البحر)) بأحاديث الوعيد كرغم، وإبعاد، وشقاء، وبخل،
وجفاء، انتهى. وقيل: تجب في مجلس مرة، ولو تكرر ذكره مرارًا، حكاه
الزمخشري. وقيل: في كل دعاء حكاه أيضًا. هذا إجمال الكلام في معنى الصلاة
على النبي وَلّ وحكمها.
ويؤخذ مما أوردنا من بيان الآراء في حكمها بيان محلها وحكمها في الصلاة
خاصة. ومن المواطن التي اختلف في وجوب الصلاة عليه فيها: التشهد الأول،
وخطبة الجمعة، وغيرها من الخطب، وصلاة الجنازة. ومما يتأكد ووردت فيه
أخبار خاصة أكثرها بأسانيد جيدة: عقب إجابة المؤذن وأول الدعاء ووسطه
وآخره، وفي أوله آكد، وفي آخر القنوت، وفي أثناء تكبيرات العيد وعند دخول
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِي ◌ِّ وَفَضْلِهَا
٧٧
المسجد والخروج منه، وعند الاجتماع والتفرق، وعند السفر والقدوم، وعند
القيام لصلاة الليل، وعند ختم القرآن وعند الهمِّ والكرب، وعند التوبة من
الذنب، وعند قراءة الحديث وتبليغ العلم والذكر، وعند نسيان الشيء، وورد ذلك
أيضًا في أحاديث ضعيفة، وعند استلام الحجر، وعند طنين الأذن وعند التلبية
وعقب الوضوء، وعند الذبح والعطاس، وورد المنع منها عندهما أيضًا، وورد
الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة في حديث صحيح، كذا في ((الفتح)). وأما صفتها:
فقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج١: ص٥٨٥): الأولى أن يأتي بالصلاة على
النبي وَّل على الصفة التي ذكر الخرقي؛ لأن ذلك حديث كعب بن عجرة، وهو
أصح حديث روي فيها. وعلى أي صفة أتى بالصلاة عليه مما ورد في الأخبار - أي
الصحيحة - جاز، كقولنا في التشهد، وظاهره أنه إذا أخل بلفظ ساقط في بعض
الأخبار جاز؛ لأنه لو كان واجبًا لما أغفله النبي ◌َّ. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر
كلام أحمد أن الصلاة واجبة على النبي ◌َّ حسب لقوله في خبر أبي زرعة: الصلاة
على النبي ◌َّة أمر، من تركها أعاد الصلاة، ولم يذكر الصلاة على آله، وهذا
مذهب الشافعي، ولهم في وجوب الصلاة على آله وجهان .
وقال بعض أصحابنا: تجب الصلاة على الوجه الذي في خبر كعب؛ لأنه أمر
به، والأمر يقتضي الوجوب، والأول أولى، والنبي ◌َّ إنما أمرهم بهذا حين سألوه
تعليمهم، ولم يبتدءهم به، انتهى. وسيأتي مزيد الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.
وقد أطال الكلام في مسألة الصلاة عليه فأجاد وأحسن العلامة الخفاجي في ((نسيم
الرياض)) شرح ((شفاء القاضي عياض))، والإمام ابن القيم في ((جلاء الأفهام))،
والسخاوي في ((القول البديع في الصلاة على الشفيع)) والقسطلاني في ((المواهب
اللدنية)) من أحب رجع إلى هذه الكتب.
٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الفصل الأول
٩٢٥ - [١] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ،
فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ◌َّهِ ؟ فَقلتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي.
فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ نَِّ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ
الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ. قَالَ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى
مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلٍ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنََّ
حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلٍ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)).
- إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُر: ((عَلَى إِبْرَاهِيمَ)) فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
الشّرْحُ
٩٢٥ - قوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاري المدني ثم الكوفي،
ثقة من كبار التابعين، اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم سنة ست
وثمانين. وقيل: إنه غرق بدجيل. ووالده أبو ليلي الأنصاري صحابي، اسمه
بلال، أو بليل - بالتصغير - ويقال: داود، وقيل: يسار - بالتحتانية - وقيل:
أوس. شهد أحدًا وما بعدها، وعاش إلى خلافة علي.
(لَقِيَتِي كَعْبُ) وعند الطبري: إن ذلك كان وهو يطوف بالبيت الحرام. (بْنُ
عُجْرَةَ) بضم العين المهملة وسكون الجيم، بعدها راء مفتوحة فهاء تأنيث، البلوي
حليف الأنصار، أبو محمد المدني، صحابي مشهور، نزل الكوفة قال الواقدي:
استأخر إسلامه، ثم أسلم وشهد المشاهد، وهو الذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة
في حلق رأس المحرم والفدية. روى سبعة وأربعين حديثًا، اتفقا على حديثين،
(٩٢٥) مسلم (٤٠٦)، وأَبُو دَاوُد (٩٧٦)، والتِّرْمِذِي (٤٨٣)، والنَّسَائِي (٤٧/٣)، وابن مَاجَهْ (٩٠٤)
عَنْهُ فِيهَا، لَكِنِ البُخَارِي (٣٣٧٠) فِي الدَّعَوَاتِ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
e XIBax E
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِ ◌َّ وَفَضْلِهَا
٧٩
وانفرد مسلم بمثلهما، روى عنه جماعة. مات بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثنتين،
وقيل: ثلاث وخمسين. قال بعضهم: وهو ابن خمس، وقيل: سبع وسبعين سنة.
(فَقَالَ) لي. (أَلَا) الهمزة للاستفهام. (أُهْدِي) بضم الهمزة. (هَدِيَّةً) بتشديد الياء،
وهي اسم مصدر، والمصدر إهداء؛ لأنه من أَهْدَى والهدية ما يتقرب به إلى
المهدی إلیه توددًا وإكراما. وزاد فيه بعضهم: من غير قصد نفع عوض دنيوي، بل
لقصد ثواب الآخرة، وأكثر ما يستعمل في الأجسام لا سيما والهدية فيها نقل من
مكان إلى آخر، وقد يستعمل في المعاني كالعلوم والأدعية مجازًا؛ لما يشتركان
فيه من قصد المواددة والتواصل في إيصال ذلك إليه. (فَأَهْدِهَا) بقطع الهمزة.
(فقال: سألنا) بسكون اللام. والفاء للتفسير، إذ التقدير: أردنا السؤال. (فَقُلْنَا) أراد
بإيراد صيغة الجمع نفسه وغيره من الصحابة ممن كان حاضرًا. قال في ((الفتح)):
وقد وقفت من تعيين من باشر السؤال على جماعة، وهم كعب بن عجرة عند
الطبراني، وبشير بن سعد والد النعمان في حديث أبي مسعود عند مالك، ومسلم،
وزيد بن خارجة الأنصاري عند النسائي، وطلحة بن عبيد الله عند الطبري،
وأبو هريرة عند الشافعي، وعبد الرحمن بن بشير عند إسماعيل القاضي في كتاب
((الصلاة))، فإن ثبت أن السائل كان متعددًا فواضح، وإن ثبت أنه كان واحدًا
فالحكمة بالتعبير بصيغة الجمع الإشارة إلى أن السؤال لا يختص به بل يريد نفسه
ومن يوافقه على ذلك، ولا يقال: هو من باب التعبير عن البعض بالكل، بل حمله
على ظاهره هو المعتمد لما ذكر. وعند البيهقي والخلعي عن كعب بن عجرة، قال :
لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، قلنا: يا
رسول اللَّه، قد علمنا ... الحديث. (كَيْفَ الصَّلَاة؟) أي: كيف لفظ الصلاة في
الصلاة بعد التشهد؟ قال القاضي: يحتمل أن يكون سؤالهم عن كيفية الصلاة في
غير الصلاة، ويحتمل أن يكون في الصلاة. قال: وهو الأظهر.
قال النووي: وهذا اختيار مسلم، ولهذا ذكر هذا الحديث في هذا الموضع،
أي: بعد أحاديث التشهد. (عَلَيْكُمْ) فيه تغليب، ويدل عليه الحديث الآتي: كيف
نصلي عليك؟ قاله القاري. وقال الحافظُ: أما إتيانه بصيغة الجمع في قوله:
((عَلَيْكُمْ)) فقد بين مراده بقوله: ((أَهْلَ الْبَيْتِ))؛ لأنه لو اقتصر عليها لاحتمل أن يريد
بها التعظيم، وبها تحصل مطابقة الجواب للسؤال حيث قال: ((عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ