Indexed OCR Text
Pages 1-20
مُحَاءُ الْقَارة
شَرَّحُ
مِشِكَاةِ المصابيح
لِلعَلَامَةِ المَحَدِّثْ
أَبِيْ الْحَسِنْ عُبَيْدِ اللهِبنِ الْعَلَّمَةِ مُحَدِ عَبْدِ السَّلَامُ الْبَّارَكَفُورِيّ
رَحمَهُمَا الَّتَعَالى
تَقْيَ تَفِيَ الشَّيخ
الدكتور وَضِيَّ اللَّهِبْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَهُ الله
المدس بالسّجِالَّمَ وَالأَسْتَاذُ المُشَارِ يَامِعْ أُم العُرى- بمَّ الَكرََّة
حقّقه وخرج أحاديثه
الشَّيْخُ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بِرْمُحَمَّدٍ أَمِيِّنْ
غَّمَّ اللّه لَه وَكَوَالدَيْهِ
للجَلَُّ الرَّبِع
تَتِمَّةُ كِتَابِ الصَّلَاة
حَديث (٨٩٤ - ١١٥٦)
و
هـ
شركاء المقاربة
شِرُ
مِشَكَاةِ المِصَاِح
المُجَلَّدُ الرَّابِعُ
محمد سليمان أمين، ١٤٣٨ هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المباركفوري، عبيد الله محمد
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛
محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ
١٤ مج
ردمك ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٠-٨٧٦٩-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٤)
١ - الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان
١٤٣٦/٧١٢٣
دیوي ٢٣٧،٢
رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣
ردمك: ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٠-٨٧٦٩-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج٤)
جميع الحقوق محفوظة لِلُحقّق وللنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧م
حقوق الطبع محفوظة ٤ ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي
لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر.
صَفْ وَتصميم وَإِخْرَارُ
قَارُ القَبِسَ الَشَرِوَالتَّوَيِ
الرياض - المملكة العربية السعودية
شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز
ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥
جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨
darulqabas@yahoo.com
فِرْعَاء الْقَالّة
شَرَّحُ
مِشَكَاةِ المِصَابع
لِلَعَلَامَةِ المُحدِّث
أَيْ الْحَسَنْ عُبَيْدِ اللهِبْنِ الْعَلَّمَةِ محَدَ عَبْدِ السَّلَامِ المُّارَكُوْرِيّ
رَحَهُمَا اللّه تَعَالى
تَقْيِم نَضِيَ الشّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللّهِبْنْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَهُ اللّه
المدرّس بالَجِالحَآَمَ وَالأسْنَاذ المُثَارِ يَجَامِعِة أُمّ الُرى- بِمَّة المكرَة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيِّخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَرْ مُحَمَّدْ أَمِّيْنَ
غَفَّ اللّه لَوَكَوَالَدَيْهِ
المُجَلَّدُ الرَّبِعُ
تَتِمُِّ كِتَابِ الصَّلَاة
حَديث (٨٩٤ - ١١٥٦)
قرار القَّبِ النّشْرِ وَالتَّوْزِيعُ
٥
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٤ - بَابُ السُّجُودِ وَفَضْلِهِ
(بَابُ السُّجُودِ) أي: كيفيته. (وَفَضْلِهِ) أي: ما ورد في فضيلته؛ لأنه بانفراده
عبادة بخلاف الركوع. والسجود في الأصل: تذلل مع تطامن وانحناء، وفي
الشرع: عبارة عن وضع الوجه على الأرض على وجه مخصوص. وقيل: عبارة عن
وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة.
الفصل الأول
٨٩٤ - [١] عَنِ ابْن عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ
عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم: عَلَّى الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنٍ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا
نَكْفِتُ الثِّيَابَ وَلا الشَّعْرَ )).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْحُ
٨٩٤- قوله: (أُمِرْتُ) بضمِ الهمزة على صيغة المجهول، والآمر هو الله جل
جلاله. وفي رواية للبخاري: ((أَمِرْنا)) - بضم الهمزة ونون الجمع - أي: أنا
وأمتي، وهو دال على أن الخطاب لعموم الأمة لا للنبي وَّ خاصة، واللفظ يقتضي
الوجوب، قيل: وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه صيغة: افْعَلْ.
قال الشوكاني: هذا النظر ساقط؛ لأن لفظ: ((أُمِرِ)) أدلُّ على المطلوب من صيغة
افْعَلْ، كما تقرر في الأصول، وعرف ابن عباس هذا بإخباره وَ لّ له أو لغيره. (سَبْعَةِ
أَعْظُم) جمع عظم، وفي رواية: سبعة أعضاء. قال ابن دقيق العيد: سمي كل من
(٨٩٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٨١٢)، ومُسْلِم (٢٣٠ / ٤٩٠) فِي الصَّلَاةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى
عَنْهُمًا .
٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هذه الأعضاء عظمًا وإن اشتمل على عظام باعتبار الجملة، ويحتمل أن يكون ذلك
من باب تسمية الجملة باسم بعضها. (عَلَى الْجَبْهَةِ) بدل بإعادة الجار. والجبهة :
مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية. وقيل: هي ما بين الجبينين، وهما قرنا
الرأس وجانباه، وقدمها لكونها أشرف الأعضاء المذكورة، أو أشهرها في تحصيل
هذا الركن. قيل: والأنف تبع للجبهة، وقد وقع في رواية لمسلم والنسائي:
((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ، وَلَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ وَلَا الثِّيَابَ: الْجَبْهَةِ وَالأَنْفِ ... )) إلخ.
قال السندي: قوله: ((الْجَّبْهَةِ وَالأَنَّفِ)) لكونهما من أجزاء الوجه فعدهما بمنزلة عَدِّ
الوجه، عدتا واحدة من السبعة، وإلا يلزم الزيادة على السبعة، انتهى. وفي رواية
للشيخين: ((عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ)). قال السندي: أي: إلى الأنف وما
يتصل به من الجبهة ليوافق الأحاديث السابقة، انتهى. وفي رواية للنسائي في
آخرها: قال ابنُ طاوس: ووضع يده على جبهته وأمرَّها على أنفه، وقال: هذا
واحد. وهذه رواية مفسرة. قال القرطبي: هذا يدلّ على أن الجبهة الأصل في
السجود، والأنف تبع. (وَالْيَدَيْنِ) أي: الكفين، فقد وقع في رواية لمسلم بلفظ:
((الْكَفَّيْنِ)) وقال ابن حجر: أي: بطونهما لخبر البيهقي: ((كان رسول اللَّه وَه إذا
سجد ضم أصابعه وجعل يديه حذو منكبيه، ويرفع مرفقيه، ويعتمد على راحتيه)).
قيل: ويندب ضم أصابع اليدين؛ لأنها لو انفرجت انحرفت رؤوس بعضها عن
القبلة .
(وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ) بأن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما وعقباه
مرتفعان فيستقبل بظهور قدميه القبلة.
والحديث: يدل على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة جميعًا؛ لأن
الأمر للوجوب، وإليه ذهب طاوس، وإسحاق، وأحمد، وزفر، والشافعي في أحد
قوليه. وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في القول الآخر: إنه لا يجب السجود
على غير الوجه. والراجح عندي: ما ذهب إليه الأولون، وهو الأصحُّ الذي رجحه
الشافعي لحديث الباب، ولحديث العباس بن عبد المطلب: إنه سمع النبي وَ ل
يقول: ((إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ ... )) الحديث. رواه الجماعة إلا
البخاري. ولحديث البراء الآتي: ((إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ ... )) إلخ. ولحديث ابن
عمر رفعه: ((إِنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ
٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا)). رواه أحمد وأبو داود والنسائي. واحتج مَن قال: إن
الواجب الجبهة دون غيرها بحديث المسيء صلاته حيث قال فيه: ((وَيُمَكِّنَ
جَبْهَتَهُ))، فكان قرينة على حمل الأمر هاهنا على غير الوجوب. وأجيب عنه: بأن
هذا لا يتم إلا بعد معرفة تقدم هذا على حديث المسيء صلاته ليكون قرينة على
حمل الأمر على الندب، وأما لو فرض تأخره لكان في هذا زيادة شرع، ويمكن أن
تتأخر شرعيته، ومع جهل التاريخ يرجح العمل بالموجب لزيادة الاحتياط. وقال
ابنُ دقيق العيد: هذا غايته أن تكون دلالته - أي: دلالة حديث المسيء صلاته -
دلالة مفهوم لقب أو غاية، والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء
مقدم عليه، وليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم. قال: وأضعف من هذا
استدلالهم بحديث: (سَجَدَ وَجْهِي))، قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه، فإنه لا
يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه. وقال ابن قدامة: سجود
الوجه لا ينفي سجود ما عداه. قال ابن دقيق العيد: وأضعف من هذا الاستدلال
على عدم الوجوب بأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة، فإن هذا الحديث
يدل على إثبات زيادة على المسمى فلا تترك.
وأضعف من هذا المعارضة بقياس شبهي ليس بقوي مثل أن يقال: أعضاء لا
يجب كشفها فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء سوى الجبهة. قال ابن قدامة :
سقوط الكشف لا يمنع وجوب السجود، فإنا نقول كذلك في الجبهة على رواية،
وعلى الرواية الأخرى فإن الجبهة هي الأصل وهي مكشوفة عادة بخلاف غيرها،
انتهى. قال ابنُ دقيق العيد: وظاهر الحديث أنه لا يجب كشف شيء من هذه
الأعضاء؛ لأن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها، ولم يختلف في أن
كشف الركبتين غير واجب لما يحذر فيه من كشف العورة، وأما عدم وجوب
كشف القدمين فلدليل لطيف، وهو أن الشارع وقت المسح على الخف بمدة تقع
فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض
الطهارة فتبطل الصلاة، انتهى.
ويمكن أن يخص ذلك بلابس الخف لأجل الرخصة، وأما كشف اليدين
والجبهة، فقيل: يجب، وقيل: لا يجب، والأحاديث من الجانبين غير ناهضة كما
قال البيهقي، والأولى أن يكشف المصلي اليدين والجبهة، ويباشر بهما ليخرج من
*
٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الخلاف، ويأخذ بالعزيمة، ثم إنه يجب أن يجمع الجبهة والأنف في السجود عند
أحمد في رواية، وابن حبيب من المالكية، وسعيد بن جبير، وإسحاق، وأبي
خيثمة، وهو قول للشافعي فلا يجوز عندهم الاقتصار على أحدهما. وقال أحمد في
رواية أخرى، ومالك، والشافعي، وعطاء، وطاوس، وابن سيرين، وصاحبا أبي
حنيفة أبو يوسف ومحمد: لا يجب السجود على الأنف بل يجوزُ الاقتصار على
الجبهة، ولا يجزئ الاقتصار على الأنف. وقال أبو حنيفة: يجوز الاقتصار على
الأنف وحدها .
والحق ما ذهب إليه الأولون من وجوب السجود على مجموع الجبهة والأنف
لما تقدم من حديث ابن عباس عند مسلم والنسائي، فإن فيه ذكر الجبهة والأنف
معًا، ولما تقدم أيضًا من رواية ابن عباس بلفظ: ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم:
الْجَبْهَةِ، وأشار بيده على أنفه)). فإن إشارتَهُ إلى أنفه تدلَّ على أنه أراده. ولما روَّي
عن ابن عباس عن رسول اللّه وَ لّه قال: ((من لم يلزِق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد
لم تجز صلاته)). رواه الطبراني في ((الْكَبِير)) و((الْأَوْسَطَ)). ذكره الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (ج٢: ص١٢٦) وقال: رجاله موثقون وإن كان في بعضهم اختلافٍ من
أجل التشيع، انتهى. ولما روى أحمد من حديث وائل قال: ((رأيتُ رسول اللَّهُ وَله
يسجد على الأرض واضعًا جبهته وأنفه في سجوده)) .
ولما روي عن أبي حميد أنه وَّر كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض.
أخرجه الترمذي، وأبو داود، وابن خزيمة في ((صحيحه))، وصححه الترمذي.
ولما روى عكرمة أن النبي وَ ل﴿هقال: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لاَ يُصِيبُ أَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ مَا
يُصِيبُ الْجَبْهَةَ)). رواه الأثرم والإمام أحمد، ورواه أبو بكر بن عبد العزيز،
والدارقطني في ((الأفراد)) متصلاً عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي وَّه
والصحيح أنه مرسل، قاله ابن قدامة في ((المغني)) (ج١: ص ٥٦٠) وقال
ابن حجر: هو مرسل، ورفعه لا يثبت، انتهى. قال القاري: والمرسل حجة عندنا.
وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال مثل هذا بالرأي. ولما روى إسماعيل بن
عبد الله المعروف بسمويه في فوائده عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((إذا سجد
أحدكم فليضع أنفه على الأرض، فإنكم قد أُمرتم بذلك)). ولما روي عن أبي سعيد
٩
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
في حديث طويل، قال: ((حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول اللَّه وَله
وأرنبته تصديق رؤياه)). قال الخطابي: فيه دليل على وجوب السجود عليهما،
ولولا ذلك لصانهما عن لوث الطين. واستدلَّ للجمهور بحديث ابن عباس الذي
أورده المؤلف، فإنه لم يذكر الأنف فيه.
وفيه: أنه قد ذكرها في رواية مسلم والنسائي، فتحمل رواية الباب على
الاختصار. وبحديث جابر، قال: رأيتُ النبي وَله سجد بأعلى جبهته على قصاص
الشعر. رواه تمام في ((فوائده)) وغيره، وإذا سجد بأعلى الجبهة لم يسجد على
الأنف، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) بلفظ: ((أن النبي وَّر كان يسجد على
جبهته مع قصاص الشعر)). قال: رواه أبو يعلى والطبراني في ((الأوسط)) إلا أنه
قال: ((على جبهته على قصاص الشعر)). وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم،
وهو ضعيف لاختلاطه. واستدل لأبي حنيفة بما في رواية للشيخين: ((أُمِرْتُ أَنْ
أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْظُمِ: الْجَبْهَةِ، وأشار بيده على أنفه)) فإنه سمى الجبهة وأشارة
إلى الأنف، والتسميةً إذا تعارضت بالإشارة فالعبرة عند الحنفية بالإشارة، فإنها
أبلغ في التعيين، وحينئذٍ لما كانت الإشارة إلى الأنف دلّت على أن الاقتصار عليه
كافٍ. وتُعُقِّب بأن قوله: ((عَلَى الْأَنْفِ)) تعبير من الراوي لاتحاد جهة الأنف
والجبهة، فكيف تعين كونها إلى الأنف؟ لم لا يجوز أن يكون أشار إلى الجبهة؟
ولما كانت جهته جهة الأنف عبر عنه الراوي بما ترى.
وقال ابن دقيق العيد: الحق أن الإشارة لا تعارض التصريح بالجبهة؛ لأنها قد لا
تعين المشار إليه، فإنها إنما تتعلق بالجهة، فإذا تقارب ما في الجهة أمكن أن لا
يعين المشار إليه يقينًا، وأما اللفظ فإنه معين لما وضع له فتقديمه أولى، انتهى.
وقد رأيتُ أن لفظ الحديث إنما عين الجبهة فلا يجزئ الأنف وحدها، وإلا لزم
تقديم الأضعف دلالة وهو الإشارة على الأقوى وهي العبارة.
واستدل أيضًا لأبي حنيفة بالرواية التي جمع فيها ذكر الجبهة والأنف معًا،
ووجه الاستدلال: أنه جعلهما كعضو واحد، فإنه لو كان كل واحد منهما عضوًا
مستقلًا للزم أن تكون الأعضاء ثمانية، وإذا كان كعضو واحد لزم منه أن يكتفي
بالسجود على الأنف وحدها؛ لأن كل واحد منهما بعض العضو، والعضو الواحد
١٠
reset
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يجزيه السجود على بعضه، وأنت خبير بأن المشي على الحقيقة هو المتحتم،
والمناقشة بالمجاز بدون موجب للمصير إليه غير ضائرة، ولا شك أن الجبهة
والأنف حقيقة في المجموع، ولا خلاف أن السجود على مجموع الجبهة والأنف
مستحب .
قال في ((الشرح الكبير)) (ج١: ص٥٦١) بعد ذكر قول أبي حنيفة: هذا قول
يخالف الحديث الصحيح والإجماع الذي قبله. قال ابنُ المنذر: لا أعلم أحدًا سبق
إلى هذا القول، انتهى. وكذا قال ابن قدامة في ((المغني)).
واعلم أن ابن الهمام اختار أن وضع السبعة واجب، والمشهورُ في كتب الحنفية
وجوب وضع الجبهة وإحدى الرجلين فقط، لكن ذكر ابن عابدين في وضع
القدمين ثلاث روايات: فرضية وضعهما، وفرضية وضع إحداهما، وعدم
الفرضية، أي: سنية الوضع، ثم ذكر بعد بسط الروايات في المذهب: الحاصل أن
المشهور في كتب المذهب اعتماد الفرضية، والأرجح من حيث الدليل والقواعد
عدم الفرضية.
(وَلَا نَكْفِتَ) بفتح النون وسكون الكاف وكسر الفاء، آخره مثناة فوقية، روي
بالنصب عطفًا على المنصوب السابق وهو: (يَسْجُد))، أي: أمرت أن لا نكفت،
ويجوز رفعه على أن الجملة مستأنفة من كفت الشيء إليه، ضمه وجمعه. ومنه
قوله تعالى: ﴿أَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتَا (٣٥)﴾ [المرسلات: ٢٥] أي: كافتة، اسم لم يكفت
أي يضم ويجمع. وفي رواية لمسلم: ((ولا أكف))، من الكف بلفظ الواحد، وهو
أنسب لقوله: (أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ).
(الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ) وفي بعض النسخ: ((وَلَا الشَّعَرَ))، بزيادة (لَا)) للتأكيد،
والمراد: شعر الرأس، والمعنى: أمرت أن نرسل الثياب والشعر، ولا نضمهما إلى
أنفسنا وقاية لهما من التراب، بل نتركهما حتى يقعا على الأرض لنسجد بجميع
الأعضاء والثياب. وكفتهما: أن يعقص الشعر ويعقده خلف القفا، أو يضمه تحت
عمامته، أو يشده بشيء، وأن يشمر ثوبه، أو يشد وسطه، أو يغرز عذبته. قيل:
النهي هاهنا محمول على التنزيه. والحكمة فيه أن الشعر والثوب یسجدان معه،
وفي رفعهما نقص الأجر الذي يترتب على سجود الثياب والشعر. وقيل: إنه إذا
ERSE
١١
بَابُ الشّجُودِ وَفَضْلِهِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
رفع شعره أو ثوبه عن مباشرة الأرض أشبه المتكبرين، وجاء في حكمة النهي عن
ضم الشعر أن غرزة الشعر يقعد فيها الشيطان حالة الصلاة، كما في ((سنن أبي داود))
بإسناد جيد أن أبا رافع رأى الحسن بن علي يصلي قد غرز ضفيرته في قفاه فحلها،
قال: سمعت رسول اللّه وَ له يقول: (ذَلِكَ مَقْعَدُ الشَّيْطَانِ)).
وظاهر الحديث يقتضي أن النهي في حال الصلاة، وإليه مال الداودي، ورده
القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله
في الصلاة أو قبل أن يدخلها. قال النووي: وهو المختار الصحيح، وهو الظاهر
المنقول عن الصحابة وغيرهم، انتهى. قال الحافظُ: واتفقوا على أنه لا يفسد
الصلاة، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد، وللحديث ألفاظ عند الشيخين، وأحمد،
وأصحاب السنن، وفي الباب عن العباس بن عبد المطلب، وأبي هريرة، وابن
مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم.
٨٩٥- [٢] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((اعْتَدِلُوا فِي
السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِّرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرُ
٨٩٥- قوله: (اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ) يعني: توسطوا بين الافتراش والقبض
بوضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عنها وعن الجنبين، والبطن عن الفخذ
رفعًا بليغًا بحيث تظهر بواطن آباطكم إذا لم تكن مستورة، إذ هو أشبه بالتواضع،
وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من الكسالة. قال ابن دقيق
العيد: لعلَّ المراد بالاعتدال هنا وضع هيئة السجود على وفق الأمر؛ لأن الاعتدال
الحسي المطلوب في الركوع لا يتأتى هنا، فإنه هناك استواء الظهر والعنق،
(٨٩٥) البُخَارِيُّ (٨٢٢)، مُسْلِمٌ (٢٢٣/ ٤٩٣)، أَبُو دَاوُد (٨٩٧)، التِّرْمِذِي (٢٧٦)، النَّسَائِي (٢]
٢١٣)، ابن مَاجَهْ (٨٩٢) فِيهَا عَنْ أَنَسٍ .
١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي. قال: وقد ذكر الحكم هنا مقرونًا
بعلته، فإن التشبه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة، انتهى.
والهيئة المنهي عنها أيضًا مشعرة بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها، والإقبال
عليها. قيل: وهذا في حق الرجل لا المرأة، فإنها تخالفه في ذلك، لما أخرجه أبو
داود في ((مراسيله)) عن يزيد بن أبيٍ حبيب: أن النبي ◌َلَّ مرَّ على امرأتين تصليان
فقال: ((إِذَا سَجَدَتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ
كَالرَّجُلِ)). قال البيهقي: وهذا المرسلَ أحسن من موصولين فيه، يعني: من
حديثين موصولين ذكرهما البيهقي في ((سننه))، وضعفهما؛ لأن في كل منهما
متروكًا. وارجع للتفصيل إلى فتاوى (ص١٤٨) شيخ مشائخنا خاتمة الحفاظ
الشيخ حسين بن محسن الأنصاري [م١٣٢٧ هـ].
(وَلَا يَبْسُطْ) بضم السين من نصر، وهي نهي، وقيل: نفي. (أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ)
أي: لا يجعل ذراعيه على الأرض كالبساط والفراش. (انْبِسَاطَ الْكَلْبِ) بالنصب،
أي: مثل انبساط الكلب، وهو وضع الكفين مع المرفقين على الأرض، والانبساط
مصدر فعل محذوف تقديره: ولا يبسط ذراعيه فينبسط انبساط الكلب، ومثله قوله
[نوح: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا
تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَنْبَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا
حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: أنبتكم فنبتم نباتًا، وأنبتها فنبتت نباتًا حسنًا. وروى
أحمد، والترمذي، وابن خزيمة عن جابر مرفوعًا: ((إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ ، وَلَا
يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ))، وهو بمعنى حديث الباب.
قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)» (ج٢: ص ٧٦،٧٥): أراد به كون السجود
عدلًا باستواء الاعتماد على الرجلين والركبتين واليدين والوجه، ولا يأخذ عضو من
الاعتدال أكثر من الآخر، وبهذا يكون ممتثلاً لقوله: ((أُمِرْتُ بِالسُّجُودِ عَلَى سَبْعَةٍ
أَعْظُم)). وإذا فرش ذراعيه فرش الكلب كان الاعتماد عليهما دون الوجه، فيسقط
فرضً الوجه، انتھی.
قال ابن حجر: فيكره ذلك لقبح الهيئة المنافية للخشوع إلا لمن أطال السجود
حتی شق علیه اعتماد کفیه، فله وضع ساعديه على ركبتيه لخبر: اشتكى أصحاب
النبي وَّلية مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا - أى: باعدوا اليدين عن الجنبين ورفعوا
١٣
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
كِتَابُ الصَّلاةِ
البطن عن الفخذين في السجود - فقال: ((اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ)). أخرجه الترمذي،
وأبو داود من حديث أبي هريرة موصولًا. وروي مرسلًا، قال البخاري والترمذي:
إرساله أصح من وصله. قيل: هذا الإعلال غير قادح؛ لأنه أسنده الليث عن ابن
عجلان، وهو زيادة ثقة، وتفرده غیر ضائر، فتقبل زيادته.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود، والنسائي وابن ماجه.
٨٩٦- [٣] عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ
كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ)).
[رَوَاهُ مُسلِم] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٩٦- قوله: (فضع) أي على الأرض. (كَفَّيْكَ) أي: مضمومتي الأصابع،
مكشوفتين حذاء المنكبين أو حيال الأذنين، معتمدًا عليهما، ولا يجب كشفهما لما
روي عن عبد الله بن عبد الرحمن، قال: ((جاءنا النبي ◌َّ فصلى بنا في مسجد بني
الأشهل، فرأيته واضعًا يديه في ثوبه إذا سجد)). رواه أحمد وابن ماجه، وقال:
علی ثوبه .
ففيه: دليل على جواز ترك كشف اليدين، لكن الأولى والمستحب كشفهما
ليخرج من الخلاف ويأخذ بالعزيمة.
(وَارْفَعْ) من الأرض، ومن جنبيك.
(مِرْفَقَيْك) بكسر الميم وفتح الفاء ويعكس. والحديث دليل على وجوب هذه
الهيئة للأمر بها، وحمله العلماء على الاستحباب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد.
(٨٩٦) مُسْلِم (٢٣٤ / ٤٩٤) فِيهَا عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ.
١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٨٩٧- [٤] وَعَنْ مَيْمُونَةَ قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ بَّهِ إِذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ
يَدَيْهِ حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّتْ. هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاود كَمَا
صَرَّحَ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) بِإِسْنَادِهِ.
وَلِمُسْلِم بِمِعْنَاهَ: قَالَت: كَانَ الَِّ نَّهِ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ
يَدَيْهِ لَمَرَّتْ.
{صحیح}
الشّرْجُ
٨٩٧- قوله: (جَافَى) أي: أبعد وفرق. (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: وما يحاذيهما، وفي
رواية النسائي وابن ماجه: جافى يديه، أي: نحاهما عما يليهما من الجنب.
(بَهْمَةً) بفتح فسكون الموحدة، من أولاد الغنم. يقال للذكر والأنثى، والتاء
للوحدة، والبهم بلا تاء يطلق على الجمع. قال في ((القاموس)): البهمة: أولاد
الضأن والمعز، وقال أبو عبيد وغيره من أهل اللغة: البهمة: واحدة البهم، وهي
أولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع البهمة بهام - بكسر الباء - وقال
الجوهري: البهمة من أولاد الضان خاصة، ويطلق على الذكر والأنثى، قال:
والسخال أولاد المعز.
(تَحْتَ يَدَيْهِ) وفي رواية ابن ماجه: بين يديه. (مَرَّتْ) جواب (لَوْ). (هَذَا) أي:
هذا اللفظ. (كَمَا صَرَّحَ) أي: البغوي.
(وَلِمُسْلِم) أي: لفظ هذا الحديث لمسلم. (بِمَعْنَاهُ) أي: بمعنى لفظ أبي داود
وهو. (قَالَتّ) أي: ميمونة. (كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا سَجَدَ ... ) إلخ. فالاعتراض على
صاحب ((المصابيح)) واقع في الجملةِ حيث ذكر لفظ أبي داود في الصحاح.
(٨٩٧) مُسْلِم (٢٣٧/ ٤٩٦) فِيهَا عَنْهَا .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
١٥
BRCE
٨٩٨- [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: كَانَ النَِّيُّ وَ إِذَا
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَیَاضُ إِنْطَيْهِ.
الشَّرْحُ
٨٩٨- قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَالِك) بالتنوين. (ابْنِ بُحَيْنَةَ) بضم الباء
الموحدة وفتح الحاء المهملة بعدها ياء ساكنة، ثم نون مفتوحة وتاء تأنيث، اسم
امرأة مالك بن القشب الأزدي. وابْنٍ بُحَيْنَةَ، صفة: عَبْدِاللَّهِ لا مَالِك؛ لأن بُحَيْنَةَ:
أم عبد الله، ومَالِكًا: أبوه، ولهذا لا يحذف التنوين لفظًا، والألف كتابة، كما
يحذفان في العلم الموصوف بابن. قال النووي: الصواب أن ينون (مَالِك) ويكتب
ابْنِ بالألف؛ لأن ابْنِ بُحَيْنَةَ، ليس صفة لمالك بل صفة لعبد الله؛ لأن اسم أبيه
(مَالِك) واسم أمه (بُحَيْنَةَ) امرأة مالك.
قال الحافظُ: عبد الله بن مالك بن القشب - بكسر القاف وسكون المعجمة
بعدها موحدة - الأزدي أبو محمد، حليف بني المطلب المعروف بابن بحينة،
وهي أمه. قال محمد بن سعد: أبوه مالك بن قشب، حالف المطلب بن عبد مناف
فتزوج بحينة بنت الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عبد الله، فأسلم قديمًا،
وكان ناسكًا فاضلاً، يصوم الدهر، ومات ببطن ريم على ثلاثين ميلًا من المدينة في
عمل مروان بن الحكم، وكان ينزل به، وكان ولاية مروان على المدينة من سنة
(٥٤) إلى سنة (٥٨).
(فَرَّجَ) بفتح الفاء وتشديد الراء آخره جيم، أي: وسع، وفرق، وباعد. (بَيْنَ
يَدَيْهِ) أي: بينهما وبين ما يليهما من الجنب، وإلا لا يستقيم قوله: (حَتَّى يَبْدُوَ)،
فليس المتعدد الذي يضاف إليه: بَيْنَ لفظ: (يَدَيْهِ)، بل هو أحد طرفي المتعدد،
والطرف الثاني محذوف، وهذا معنى قول الحافظ في ((شرح صحيح البخاري))،
أي: نحى كل يد عن الجنب الذي يليها .
(٨٩٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٩٠)، ومُسْلِم (٤٩٥/٢٣٥) عَنْهُ فِيهَا، والنَّسَائِي (٢/ ٢١٢).
١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(حَتَّى يَبْدُوَ) أي يظهر (بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) بسكون الباء وتكسر، قال القرطبي: الحكمة
في استحباب هذه الهيئة في السجود أنه يخف بها اعتماده على وجهه، ولا يتأثر أنفه
ولا جبهته، ولا يتأذى بملاقاة الأرض. وقال غيره: هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في
تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان. وقال ابن المنير:
الحكمة في ذلك أن يظهر كل عضو بنفسه، ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في
سجوده كأنه عدد، ومقتضى هذا أن يستقبل كل عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض
الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضد ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم
ببعض؛ لأن المقصود هناك إظهار اتحاد المسلمين، حتى كأنهم جسد واحد.
وأخرج الطبراني وغيره من حديث ابن عمر بإسناد صحيح: أنه وَّ قال: ((لَا
تَفْتَرِش اقْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَادْعَمْ عَلَى رَاحَتَيْكَ، وَابْدٍ ضَبعيْكَ، فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ سَجَدَ
كُلُّ عُضْوٍ مِنْك))، وظاهر هذا مع حديث ابن بحينة، وما تقدم من حديث ميمونة،
والبراء، وأنس وما في معناه من الأحاديث الدالة على التفريج والتخوية، والنهي
عن افتراش السبع، يقتضي وجوب التفريج في السجود، ولكن حمل العلماء هذه
الأحاديث على الاستحباب.
قلتُ: الظاهر أن التفريج في السجود واجب عند عدم المشقة فيه، وأما عند
وجود المشقة فيه فيجوز ترك التفريج والاستعانة بالركب، أي: وضع المرفقين
على الركبتين، يدل على ذلك ما قدمنا من حديث أبي هريرة: اشتكى أصحاب
النبي وَّ مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: ((اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ)).
واستدل بقوله: ((حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ)) على أنه لم يكن وََّ لابسًا لقميص.
وتعقب: باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقيل: قد يبدو منه أطراف
إبطيه مع كونه لابسًا للقميص؛ لأنها كانت قمصان أهل ذلك العصر غير طويلة،
فيمكن أن يرى الإبط من كمها.
واستدل به أيضًا على أنه لم يكن على إبطيه شعر، وفيه نظر؛ لأنه يمكن أن
المراد يرى أطراف إبطيه لا باطنهما حيث الشعر، فإنه لا يرى إلا بتكلف.
وأيضًا لا يلزمُ من ذكر الراوي رؤية بياض إبطيه أن لا يكون له شعر، فإنه إذا نتف
بقي المكان أبيض، وإن بقي فيه آثار الشعر، ولذلك ورد في حديث حسنه
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّجُودِ وَقَضْلِهِ
١٧
الترمذي: ((كنت أنظر إلى عفرتي إبطيه إذا سجد))، والعفرة: بياض ليس بالناصع
كلون عفرة الأرض، أي: وجهها، وهو يدل على أن آثار الشعر هو الذي جعل
المحل أعفر، إذ لو خلا عنه جملة لم يكن أعفر. وإن صح ما قيل: إن من خصائصه
أنه ليس على إبطيه شعر، فلا إشكال، لكن قال العراقي في ((تقريب الأسانيد)): إن
ذلك لم يثبت، بل لم يرد في كتاب معتمد، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، نعم
إن الذي نعتقد فيه نالَّلا أنه لم يكن لإبطيه رائحة كريهة، بل كان نظيفًا طيب
الرائحة. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا النسائي.
٨٩٩- [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ :
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٨٩٩- قوله: (كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ) أي: أحيانًا مع التسبيح أو
بدونه. (كُلَّهُ) للتأكيد، وما بعده تفصيل لأنواعه، أو بيانه، ويمكن نصبه بتقدير :
أَعِنِّي. (دِقَّهُ) بكسر الدال، أي: دقيقه وصغیره.
(وَجِلَّهُ) بكسر الجيم وقد تضم، أي: جليله وكبيره. قيل: إنما قدم الدق، على
الجل؛ لأن السائل يتصاعد في مسألته، أي: يترقى، ولأن الكبائر تنشأ غالبًا من
الإصرار على الصغائر، وعدم المبالاة بها، فكأنها وسائل إلى الكبائر، ومن حق
الوسيلة أن تقدم إثباتًا ورفعًا.
(وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) المقصود الإحاطة. (وَعَلَانِيَتَهُ) بفتح العين وكسر النون وخفة
الياء، مصدر ((علن)) أي: ظاهره. (وَسِرَّهُ) أي: عند غيره تعالى، وإلا فهما سواء
عنده تعالى، فإنه يعلم السر وأخفى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود.
(٨٩٩) مُسْلِم (٢١٦ / ٤٨٣) عَن أبي هريرة فِيهَا .
١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٩٠٠ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: فَقَدتُ رَسُولَ اللّهِ وَِّ لَيْلَةً مِنَ
الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنٍ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجَدِ، وَهُمَا
مَنْصُوبَتَانٍ، وَهُوَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ
عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَّيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٩٠٠ - قوله: (مِنَ الْفِرَاشِ) متعلق بفقدت، والمعنى: استيقظت فلم أجده
على الفراش. (فَالْتَمَسْتُهُ) وفي رواية للنسائي: فجعلت أطلبه بيدي. (فَوَقَعَتْ يَدِي)
بالإِفراد. (عَلَى بَطْنٍ قَدَمَيْهِ) بالتثنية، وفي ((صحيح مسلم)) (قَدَمِهِ)) بالافراد، وفي
رواية للنسائي، وفي الترمذي: على قدميه، وفي ابن ماجه ((عَلَى بَطْنٍ قَدَمَيْهِ)) كما في
الكتاب. واستدل به على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، وأجاب من ذهب إلى
كونه ناقضًا بأن الملموس لا يفسد وضوئه، وحمل من اختار انتقاض وضوء
الملموس على أنه كان بين اللامس والملموس حائل فلا يضر، وظاهر الحديث
يوافق من قال بعدم انتقاض الوضوء مطلقًا، وهو الراجح، وقد أسلفنا الكلام فيه
مفصلًا.
(وَهُوَ فِي الْمَسْجَدِ) بفتح الجيم، أي: في السجود، فهو مصدر ميمي، أو في
الموضع الذي كان يصلي فيه في حجرته. وفي نسخة بكسر الجيم، وهو يحتمل
مسجد البيت بمعنى معبده، والمسجد النبوي، قاله القاري. وفي رواية أبي داود:
((فلمست المسجد فإذا هو ساجد))، وهذه الرواية تدل على أن المراد مسجد البيت
أي: الموضع الذي كان يصلي فيه في حجرته. (وَهُمَا) أي: قدماه. (مَنْصُوبَتَانِ)
أي: قائمتان ثابتان، وفيه: أن السنة نصب القدمين في السجود.
(أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ) أي: متوسلا برضاك أن تسخط وتغضب. وقيل: أي
من فعل يوجب سخطك علي أو على أمتي. (وَبِمُعَافَاتِكَ) أي: بعفوك، وأتى
(٩٠٠) مُسْلِم (٢٢٢ / ٤٨٦) فِيهَا عَنْهُ.
١٩
بَابُ الشُّجُودِ وَفَضْلِهِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بالمغالبة للمبالغة أي بعفوك الكثير. (مِنْ عُقُوبَتِكَ) إذ هي أثر من آثار السخط،
وإنما استعاذ بصفات الرحمة لسبقها وظهورها من صفات الغضب.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)، أي: بذاتك من آثار صفاتك. وقيل: أعوذ بصفات جمالك
من صفات جلالك، فهذا إجمال بعد شيء من التفصيل، وتعوذ بتوسل جميع
صفات الجمال عن صفات الجلال، وإلا فالتعوذ من الذات مع قطع النظر عن شيء
من الصفات لا يظهر. وقيل: هذا من باب مشاهدة الحق والغيبة عن الخلق، وهذا
محض المعرفة الذي لا يحيطه العباد.
(لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك) قال الطيبي: الأصل في الإحصاء العد بالحصى، أي: لا
أطيق أن أثني عليك كما تستحقه، وقيل: أي لا أستطيع فردًا من ثناءك على شيء من
نعمائك. وهذا بيان لكمال عجز البشر عن أداء حقوق الرب تعالى. وقال
السيوطي: أي: لا أطيقه، أي: لا أنتهي إلى غايته، ولا أحيط بمعرفته، كما
قال ◌َّر في حديث الشفاعة: ((فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الآن)). وروي عن
مالك، أنه قال: لا أحصى نعمتك، وإحسانك، والثناء بها عليك، وإن اجتهدت في
ذلك، والأول أولى لما ذكرناه، ولقوله في الحديث: ((أنت كما أثنيت على
نفسك)). ومعنى ذلك: اعتراف بالعجز عندما ظهر له من صفات جلاله تعالى،
وكماله، وصمديته، وقدوسيته، وعظمته، وكبريائه، وجبروته، مالا ينتهي إلى
عده، ولا يوصل إلى حده، ولا يحمله عقل، ولا يحيط به فكر، وعند الانتهاء إلى
هذا المقام انتهت معرفة الأنام. وقال الجزري في ((النهاية)): بدأ في هذا الحديث
بالرضا، وفي رواية بدأ بالمعافاة ثم بالرضا، وإنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة؛
لأنها من صفات الأفعال كالإحياء والإماتة، والرضا والسخط من صفات الذات،
وصفات الأفعال أدنى مرتبة من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقيًا إلى الأعلى، ثم
لما ازداد يقينًا وارتقاء ترك الصفات وقصر نظره على الذات، فقال: ((وَأَعُوذُ بِكَ
مِنْكَ)). ثم لما ازداد قربا استحيى معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى
الثناء فقال: ((لا أحصي ثناء عليك))، ثم علم أن ذلك قصور، فقال: ((أنت كما أثنيت
على نفسك))، وأما على الرواية الأولى فإنما قدم الاستعاذة بالرضا من السخط ؛
لأن المعافاة من العقوبة تحصل بحصول الرضا، وإنما ذكرها لأن دلالة الأول