Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الرازي في ((تفسيره)): الإنصات سكوت مع استماع، ومتى انفك أحدهما
عن الآخر لا يقال له: إنصات قال تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾، وقال العيني في
((شرح البخاري)): الإنصات هو السكوت مع الإصغاء. وقال محمد بن أبي بكر
الرازي في ((جواهر القرآن)): ((أَنْصِتُوا)) اسكتوا سكوت مستمعين. يقال: نصت
وأنصت وأنصت له، كله بمعنى واحد، أي: سكت مستمعًا.
وقال الجزري في ((النهاية)): قد تكرر ذكر الإنصات في الحديث، يقال: أنصت
ينصت إنصاتًا. إذا سكت سكوت مستمع. وقال الفتني في ((مجمع البحار)): باب
الإنصات للعلماء، أي: السكوت والاستماع لأجل ما يقولون، انتهى. ومثله كثير
في كتب اللغة، وغريب القرآن، والحديث، وشروح الحديث، فلا وجود
للإنصات أيضًا إلا حال القراءة، فالقول بأن الاستماع في الجهرية، والإنصات
بمعنى السكوت في السرية باطل، فيقرأ المأموم الفاتحة في سكتات الإمام في
الجهرية، وينصت عند القراءة، ويكون عاملًا بالقرآن والسنة جميعًا. قال الإمام
البخاري في ((جزء القراءة)): قيل له: احتجاجك بقول الله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ
وَأَنْصِتُوا﴾ أرأيت إذا لم يجهر الإِمام يقرأ خلفه؟ فإن قال: لا، بطل دعواه؛ لأن الله
تعالى قال: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ وإنما يستمع لما يجهر، مع أنا نستعمل
قول الله: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ نقول: يقرأ خلف الإمام عند السكتات، انتهى.
وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((إمام الكلام)) (ص ١٠٧): الإنصاف الذي
يقبله من لا يميل إلى الاعتساف أن الآية المذكورة التي استدل بها أصحابنا على
مذهبهم لا تدل على عدم جواز القراءة في السرية، ولا على عدم جواز القراءة في
حال الجهرية عند السكتة، وقال: الاستدلال بها على وجوب الإنصات مطلقًا سرية
كانت أو جهرية في حال السكتة، وفي حال القراءة غير تام إلا بتأويلات ركيكة، لا
يقبلها ذو الفهم التام، انتهى. وهاهنا وجوه أخرى تدل كلها على أن استدلال
الحنفية بها على مطلوبهم المذكور ليس بصحيح، ولا يثبت بها مدعاهم. وقد
ذكرها شيخنا في كتابه: ((تحقيق الكلام))(*) في وجوب القراءة خلف الإمام. وأما
(*) هو كتاب مبسوط في اللغة الأردوية، مفرد في هذه المسألة، عديم النظير، قد تم في جزأين
كبيرين: الجزء الأول: في ذكر دلائل وجوب القراءة خلف الإمام من الأحاديث وآثار الصحابة
والتابعين، والجزء الثاني: في ذكر مستدلات من ذهب إلى عدم الوجوب، أو المنع والكراهة =
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ في الصَّلاةِ
٥٠١
قوله بَّه: ((إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))، فقد أجمع أكثر الحفاظ على أنه وهم من الراوي،
وأنه ليس بصحيح، منهم البخاري وأبو داود وأبو حاتم وابن معين والحاكم
والدار قطني وابن خزيمة ومحمد بن يحيى الذهلي، والحافظ أبو علي النيسابوري
والحافظ علي بن عمرو البيهقي، وصححه أحمد ومسلم، ولا شك أن عدد
المضعفين أكثر من عدد من صححه بأضعاف، فيقدم تضعيفهم على تصحيح مسلم
ومن وافقه، وقد حقق وقرر شيخنا في ((أبكار المنن)) (ص ١٥٠ - ١٥٣/ ٣٣١ -
٣٣٩) و ((تحقيق الكلام)) (ج٢: ص٨١ - ٩٤ / وص ٣٢٦ - ٣٥٢) كون هذه اللفظة
غير صحيحة، وأشبع الكلام في ذلك فارجع إلى هذين الكتابين. ولو سلم أن هذه
اللفظة في حديث أبي موسى وأبي هريرة صحيحة محفوظة فالاستدلال بها على
منع القراءة خلف الإمام ليس بصحيح، كما أن الاستدلال على هذا المطلوب بقوله
تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ اُلْقُرْءَانُ﴾ ليس بصحيح كما عرفت، وعلى عدم صحة
الاستدلال بها على المنع وجوه أخرى مذكورة في: ((تحقيق الكلام)). منها: أن
قوله: (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)) محمول على ما عدا الفاتحة؛ جمعًا بين الأحاديث.
قال الحافظ في ((الفتح)): واستدل من أسقطها عنه في الجهرية كالمالكية
بحديث: ((وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))، ولا دلالة فيه لإمكان الجمع بين الأمرين فينصت
فيما عدا الفاتحة، أو ينصت إذا قرأ الإمام ويقرأ إذا سكت. وقال الإمام البخاري في
((جزء القراءة)): ولو صح لكان يحتمل سوى الفاتحة، وأن ((قرأ)) فيما سكت الإمام،
ويؤيد هذا أن أبا هريرة كان يفتي بعد وفاة رسول اللّه ◌َل بقراءة فاتحة الكتاب خلف
الإِمام في جميع الصلوات جهرية كانت أو سرية، وهو راوي حديث: ((وَإِذَا قَرَأَ
فَأَنْصِتُوا))، أيضًا. وارجع إلى ((المحلى)) (ج ٣: ص٢٤١) لابن حزم فقد أوضح
ذلك الجواب فيه. واستدل أيضًا الحنفية بحديث جابر: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةٌ
الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ)). أخرجه الطحاوي والدار قطني وغيرهما. والجواب عنه: أن هذا
= في الجهرية، أو مطلقًا. مع الجواب عن كل دليل بعدة وجوه، فعليك أن ترجع إليه. قلت: وقد نقل
هذا الكتاب المستطاب إلى اللغة العربية وعلق عليه الدکتور وصي الله بن محمد عباس - حفظه الله
- الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى وأحد مدرسي المسجد الحرام بمكة المكرمة. وقد طبعته
ونشرته مكتبة دار القبس الرياض هذه بحمد اللَّه مثل ((أبكار المنن)) في مجلد. فجميع الإحالات
الواردة إليها في ((المرعاة)) نضعها على هذه الطبعة العربية أيضًا بعد الفاصلة.
٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث بجميع طرقه ضعيف كما بينه شيخنا في ((أبكار المنن)) [ص ٣٤٥ - ٣٦٠]
و((تحقيق الكلام)) [ص ٣٩٤ - ٤٥٠].
قال الحافظ في ((الفتح)): واستدل من أسقطها عن المأموم مطلقًا كالحنفية
بحديث: ((مَنْ صَلَّى خَلْفَ الإِمَامِ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ»، لكنه ضعيف عند الحفاظ،
وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره، انتهى. وقال في ((التلخيص)):
حديث: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ)) مشهور من حديث جابر، وله طرق
عن جماعة من الصحابة وكلها معلولة، انتهى.
وقال ابن كثير في (تفسيره)) بعد ما ذكره عن ((مسند أحمد بن حنبل)): في إسناده
ضعف، ورواه مالك، عن وهب بن کیسان، عن جابر من كلامه، وقد روي هذا
الحديث من طرق لا يصح شيء منها عن النبي وَّر، انتهى. وقال البخاري في ((جزء
القراءة»: هذا الخبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم
لإرساله وانقطاعه، انتهى. ولو سلم أن هذا الحديث صحيح؛ فقد أجيب عنه
بوجوه كثيرة ذكرها شيخنا في ((تحقيق الكلام)) [ص ٣٩٤ - ٤٥٠] من شاء الوقوف
عليها رجع إليه. فمنها: أن هذا الحديث معارض بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ
اُلْقُرْءَانِ﴾، فإنه بعمومه نص صريح في أن المقتدى لا بد له من قراءة حقيقية خلف
الإمام، وهذا الحديث يدل على منع القراءة الحقيقية خلف الإمام على قول
أكثرهم، أو يدل على أن المقتدي لا حاجة له أن يقرأ خلف الإمام قراءة حقيقية، بل
قراءة إمامه تكفيه، فلا يجوز تركه بخبر الواحد.
وأما قول العيني: جعل المقتدي قارئًا بقراءة الإمام، فلا يلزم الترك، فمبني على
عدم التدبر، فإنه ليس المراد بقوله: (مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ ... )) إلخ. إلا أن قراءة الإمام
تكفي المقتدي، ولا حاجة له إلى القراءة الحقيقية، فلو يقبل هذا الحديث ويعمل
به يلزم الترك بلا شبهة. ومنها ما قال البخاري في ((جزء القراءة»: فلو ثبت الخبران
كلاهما لكان هذا مستثنى من الأول؛ لقوله: ((لَا يَقْرَأَنَّ إِلا بِأُمِّ الْكِتَابِ))، وقوله:
((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ))، جملة وقوله: ((إِلَّا بِأَمِّ الْقُرْآنِ)) مستثنى من
الجملة كقول النبي وَلَّه: ((جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا))، ثم قال في أحاديث
أخر: ((إِلَّا الْمَقْبَرَةَ))، وما استثناه من الأرض، والمستثنى خارج من الجملة،
كِتَابُ الصَّلَاةِ
Ext
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
٥٠٣
وكذلك فاتحة الكتاب خارج من قوله: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ))، مع
انقطاعه، انتهى. ومنها: أن هذا الحديث وارد فيما عدا الفاتحة.
قال الشيخ عبد الحي اللكنوى في ((إمام الكلام)) (ص١٥٠): قد يقال: إن مورد
﴾ [الأعلى: ١]
هذا الحديث هو قراءة رجل خلف النبي وَّ: ﴿سَيْحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
في الظهر أو العصر كما مر من طرق عن جابر، فهو شاهد لكونه واردًا فيما عدا
الفاتحة، انتهى. والعبرة وإن كانت لعموم اللفظ لا لخصوص المورد لكن قد
يحمل الحديث على خصوص مورده، إذا حصل بذلك الجمع بين الأحاديث
المتعارضة دفعًا للتعارض، فحديث جابر هذا يحمل على خصوص مورده أي ما
عدا الفاتحة؛ لأنه يحصل بذلك الجمع بين الأحاديث ويندفع التعارض.
وقال الزيلعي في ((نصب الراية)): وحمل البيهقي هذه الأحاديث على ما عدا
الفاتحة، واستدل بحديث عبادة، أن النبي وَ لَ صَلَّى الفجر ثم قال: ((لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ
خَلْفَ إِمَامِكُمْ))، قلنا: نعم. قال: ((فَلاَ تَفْعَلُوا إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))، وأخرجه أبو
داود بإسناد رجاله ثقات، وبهذا يجمع بين الأدلة المثبتة للقراءة والنافية، انتهى.
ومنها: ما قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((إمام الكلام)) (ص٥٠): إن هذا
الحديث يعني حديث: ((من كان له إمام ... )) إلخ. ليس بنص على ترك الفاتحة بل
يحتملها ويحتمل قراءة ما عداها، وتلك الروايات - يعني : روايات عبادة وغيره في
القراءة خلف الإمام - تدل على وجوب قراءة الفاتحة، أو استحسانها نصًّا، فينبغي
تقديمها عليه قطعًا، انتهى. وقال فيه أيضًا: حديث عبادة نص في قراءة الفاتحة
خلف الإمام، وأحاديث النهي والترك لا تدل على تركها نصًّا بل ظاهرًا، وتقديم
النص على الظاهر عند تعارضهما منصوص في كتب الأعلام، انتهى.
وقال الحازمي في ((كتاب الاعتبار)): الوجه الثالث والثلاثون أن يكون الحكم
الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقًا به، وما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملًا،
يعني: فيقدم الأول على الثاني. ومنها: أن هذا الحديث منسوخ عند الحنفية، فلا
يصح الاستدلال به على منع القراءة خلف الإمام، وتقرير النسخ أن جابرًا راوي
هذا الحدیث کان يقرأ خلف الإمام، کما روى ابن ماجه بسند صحيح عنه، وكذلك
روى هذا الحديث أبو هريرة، وأنس، وأبو سعيد، وابن عباس، وعلي، وعمران
٥٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابن حصين يه وكان كل من هؤلاء يقرأ الفاتحة خلف الإمام، ويفتي بعد وفاة
رسول اللَّه وَ ل بقراءتها، بعضهم في جميع الصلوات، وبعضهم في السرية فقط.
وقد تقرر عند الحنفية أن عمل الصحابي وفتواه على خلاف حديثه يدل على نسخه،
فهذا الحديث عند الحنفية منسوخ، وإن شئت الاطلاع على الأجوبة الأخرى،
فعليك أن تطالع ((تحقيق الكلام)).
G تنبيه:
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): اعلم أن الحنفية قد استدلوا على منع القراءة
خلف الإمام ببعض آثار الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، كأثر زيد بن ثابت، قال:
((لَا قِرَاءَةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ)). رواه مسلم، وأخرج الطحاوي عن زيد، وجابر،
وابن عمر، أنهم قالوا: لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات. قلتُ:
احتجاجهم بهذه الآثار ليس بشيء، فإن الأئمة الحنفية كالشيخ ابن الهمام وغيره قد
صرحوا بأن قول الصحابي حجة ما لم ينفه شيء من السنة، وقد عرفت أن
الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة دالة على وجوب القراءة خلف الإمام،
فهي تنفي هذه الآثار فكيف يصح الاحتجاج بها؟
قال صاحب ((إمام الكلام)): صرح ابن الهمام وغيره أن قول الصحابي حجة ما لم
ينفه شيء من السنة، ومن المعلوم أن الأحاديث المرفوعة دالة على إجازة قراءة
الفاتحة خلف الإمام، فكيف يؤخذ بالآثار وتترك السنة، انتهى. وأيضًا قد صرحوا
بأن حجية آثار الصحابة، إنما تكون مفيدة إذا لم يكن الأمر مختلفًا فيه بينهم كما
في ((التوضيح))، و((نور الأنوار))، والأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، بل فيه اختلاف
الصحابة، فكيف يصح احتجاجهم بهذه الآثار؟ فلا بد أن تحمل على قراءة السورة
التي بعد الفاتحة، أو على الجهر بالقراءة مع الإمام؛ لئلا تخالف الأحاديث
المرفوعة الصحيحة. قال النووي في ((شرح مسلم)): والثاني: أنه - أي: قول زيد
ابن ثابت - محمول على قراءة السورة التي بعد الفاتحة في الصلاة الجهرية، فإن
المأموم لا يشرع له قراءتها، وهذا التأويل متعين ليحمل قوله على موافقة
الأحاديث الصحيحة، انتهى.
وقال البيهقي في ((كتاب القراءة)): وهو - أي: قول زيد - محمول عندنا على
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٠٥
الجهر بالقراءة مع الإمام، وما من أحد من الصحابة وغيرهم من التابعين قال في
هذه المسألة قولًا يحتج به من لم ير القراءة خلف الإمام إلا وهو يحتمل، أن يكون
المراد به ترك الجهر بالقراءة، انتهى.
٨٣٤- [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَة قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي
الْأُولَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنٍ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَبَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ،
وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ.
الشرْحُ
٨٣٤- قوله: (فِي الْأُولَيَيْنِ) بيائين وضم الهمزة، تثنية الأولى وكذا
الأخريين. (بِأُمِّ الْكِتَابِ) أي: في كل ركعة منهما. (وَسُورَتَيْنِ) أي: في كل ركعة
سورة، ويدل على ذلك ما ثبت من حديث أبي قتادة في رواية للبخاري بلفظ : كان
النبي ◌َّ يقرأ في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب، وسورة سورة. واستدل به على أن
قراءة سورة أفضل من قراءة قدرها من طويلة، وكأنه مأخوذ من قوله: كان يفعل؛
لأنها تدل على الدوام أو الغالب.
(وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَبَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ) ظاهره أنه لا يزيد على أم الكتاب في
الأخريين، ويدل حديث أبي سعيد الآتي على أنه كان يقرأ في الأخريين من الظهر
غيرها معها، ويزيده دلالة على ذلك ما وقع في رواية لمسلم من هذا الحديث أن
النبي ◌َّ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين
آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال نصف ذلك. قال الأمير اليماني:
ولعل حديث أبي قتادة أرجح من حديث أبي سعيد من حيث الرواية؛ لأنه اتفق عليه
الشيخان، ومن حيث الدراية؛ لأنه إخبار مجزوم به، وخبر أبي سعيد انفرد به
مسلم، ولأنه خبر عن حزر وتقدير وتظنن. ويحتمل أن يجمع بينهما بأنه بَيّ كان
يصنع هذا تارة، فيقرأ في الأخريين غير الفاتحة معها، ويقتصر فيهما أحيانًا فتكون
(٨٣٤) البُخَارِي (٧٧٦) عَنْهُ فِيهَا .
٥٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الزيادة عليها فيهما سنة تفعل أحيانًا وتترك أحيانًا، انتهى.
قلتُ: الجمع بينهما عندي أولى من الترجيح، فالظاهر: أنه يجوز الزيادة على
الفاتحة في الأخريين من غير كراهة، ويؤيده ما رواه مالك في ((الموطأ)) عن أبي
عبد الله الصنابحي: أنه سمع أبي بكر يقرأ في الثالثة في المغرب: ﴿رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا
بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآية. وحمل الباجي وابن قدامة فعل أبي بكر هذا على أنه
كان على معنى الدعاء لا على معنى أنه قرن قراءته على حسب ما تقرن بها السورة.
وفيه: أن هذا الحمل يحتاج إلى دليل، وهو مفقود فلا يصغى إليه، ويؤيد أيضًا ما
تقدم من كون الزيادة على الفاتحة في غير الأوليين جائزة من غير كراهة بل سنة ما
رواه مالك أيضًا عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقرأ في الأربع جميعًا، في كل
ركعة بأم القرآن وسورة من القرآن. والظاهر: أن الصلاة كانت فريضة لما في
رواية محمد في هذا الأثر: في الأربع جميعًا من الظهر والعصر. قال النووي:
استحسن الشافعي قراءة السورة مع الفاتحة في الأخريين في الجديد دون القديم،
والقديم هنا أصح، وهو مذهب مالك. قلتُ: وهو قول أحمد. وعند الحنفية فيه
ثلاثة أقوال :
أحدها: أن ضم السورة يوجب سجدة السهو.
والثاني: أنه لا يوجب لكن يكره.
والثالث: أنه لا يسن ولا يكره. وهو قول فخر الإسلام، وحقق الشامي أنه لو
زاد على الفاتحة يكون خلاف الأفضل.
(وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ) من الإسماع أي: يقرأ بحيث تسمع الآية من جملة ما يقرأ.
وللنسائي من حديث البراء: كنا نصلي خلف النبي ◌َّ الظهر فنسمع منه الآية بعد
الآية من سورة لقمان والذاريات. ولابن خزيمة من حديث أنس نحوه، لكن قال:
ب﴿وَسَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾. وهذه الأحاديث دليل على
أنه لا يجب الإسرار في السرية، وأن الجهر بالشيء اليسير من الآيات في الصلاة
السرية جائز مغتفر لا يوجب سهوًا يقتضي السجود. واختلف الحنفية في وجوب
سجدة السهو إذا جهر في السرية، فقيل: تجب ولو بكلمة، وقيل: بآية تامة،
وقيل: بأكثر من الآية، وأحاديث الباب ترد هذه الأقوال كلها سواء. قلنا: كان
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٠٧
يفعل ذلك عمدًا لبيان الجواز كما هو الظاهر من لفظ الإسماع، أو بغير قصد
للاستغراق في التدبر، أو ليعلمهم أنه يقرأ، أو يقرأ سورة كذا ليتأسوا به.
واعلم: أن الجهر في مواضع الجهر والإسرار في مواضع الإسرار في
الجهرية، والإسرار في السرية سنة عند الشافعي وأحمد، فإن فعل خلاف ذلك،
أي: جهر فيما يسر فيه، أو أسر فيما يجهر فيه کره ذلك، وأجزاه، وتمت صلاته،
ولا سجود سهو فيه. وهو قول الظاهرية، وهو الحق. والدليل على ذلك: أن
الجهر فيما يجهر فيه والإسرار فيما يسر فيه إنما هما فعل رسول اللَّه وَله، وليسا أمرًا
منه، وأفعاله ◌ُلِّ على الائتساء، لا على الوجوب، وإنما كره خلاف ذلك؛ لأن
الجمهور من فعله الثّار كان الجهر في الجهرية، والإسرار في السرية، ولا سجود
سهو في ذلك، لحديث أبي قتادة، وحديث البراء وأنس، وما أبيح تعمد فعله أو
تركه فلا سهو فيه؛ لأنه فعل ما هو مباح له، ولم يقم دليل على وجوب الجهر في
الجهرية، والإسرار في السرية، لا من كتاب ولا من سنة، وقد اعترف بذلك بعض
العلماء الحنفية حيث قال: هو سنة عند الجمهور، وواجب عندنا. ولا دليل له
عندي، انتهى. وحكم المنفرد كحكم الإمام، فيسن له أيضًا الجهر عند الشافعي،
وظاهر كلام أحمد أنه يخير، وكذلك من فاته بعض الصلاة فقام ليقضيه .
قال أحمد: إنما الجهر للجماعة. (أَحْيَانًا) أي: في أحيان جمع حين، وهو يدل
على تكرر ذلك منه وَله. وفيه: دليل على جواز أن يخبر الإنسان بالظن، وإلا
فمعرفة القراءة بالسورة في السرية لا طريق فيه إلى اليقين، وإسماع الآية أحيانًا لا
يدل على قراءة كل السورة، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهرية، وكأنه أخذ
من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، ولو كانوا يعلمون قراءة
السورتين بخبر عنه ◌َل﴿ عقب الصلاة دائمًا أو غالبًا لذكروه. (وَيُطَوِّلُ) بالتشديد من
التطويل. (فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى) أي: يجعل السورة فيها أطول من التي في الثانية؛
لأن النشاط في الأولى يكون أكثر فناسب التخفيف في الثانية حذرًا من الملل،
وأيضًا ليدركها الناس كما صرح به راوي الحديث عند أبي داود، وابن خزيمة:
فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى.
(مَا لا يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) كلمة ((ما)) يحتمل أن تكون نكرة موصوفة، أي:
٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تطويلاً لا يطلبه في الثانية، وأن تكون مصدرية أي غير إطالته في الثانية، فتكون هي
مع ما في حيزها صفة لمصدر محذوف. (وَهَكَذَا) يقرأ في الأوليين بأم الكتاب
وسورتين، وفي الأخريين بها فقط، ويطول في الأولى، ويسمع الآية أحيانًا. (فِي
الْعَصْرِ) أي: في صلاة العصر. (وَهَكَذَا) أي: يطيل في الركعة الأولى (في) صلاة
(الصبح)، فالتشبيه في تطويل المقروء في الأولى فقط، بخلاف التشبيه في العصر،
فإنه أعم منه.
والحديث: يدل على استحباب تطويل الركعة الأولى بالنسبة إلى الثانية، وهذا
هو مذهب أحمد، ومحمد بن الحسن في جميع الصلوات، وبه قال بعض الشافعية
لهذا الحديث المصرح به في الظهر والعصر والفجر، وقياس غيرها عليها. وعند
أبي حنيفة، وأبي يوسف يسوى بين الركعتين إلا في الفجر، فإنه يطول الأولى على
الثانية، وبه قال بعض الشافعية، ويدل عليه حديث أبي سعيد الآتي: كان يقرأ في
الظهر في الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية .
وفي رواية لابن ماجه: إن الذين حزروا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة. وأجيب
لهما عن حديث أبي قتادة بأن تطويل الأولى كان بدعاء الاستفتاح والتعوذ لا في
القراءة. وادعى ابن حبان، أن الأولى إنما طالت على الثانية بالزيادة في الترتيل فيها
مع استواء المقروء فيهما. وقد روى مسلم من حديث حفصة: أنه وَ﴾ كان يرتل
السورة، حتى تكون أطول من أطول منها. قلتُ: والراجح عندي: هو ما ذهب إليه
أحمد ومحمد من أنه يستحب تطويل الركعة الأولى على الثانية في الصلوات
كلها، وأن تطويل الأولى في الظهر والعصر كان في القراءة لا بدعاء الاستفتاح
والتعوذ، أو بالزيادة في الترتيل؛ لأن المذكور في الحديث هو القراءة لا غير،
فالظاهر أن التطويل والتقصير راجعان إلى ما ذكر فيه وهو القراءة. ولما روى أبو
داود عن عبد الله بن أبي أوفي: أن النبي وَّر كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة
الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. وتقديم حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد
أولى؛ لأنه أصح، ويتضمن زيادة، وهي ضبط التفريق بين الركعتين. أو يجمع
بينهما بأنه وَ لّ كان يطول الأولى تارة، ويسوي بين الركعتين أخرى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): وقال البيهقي في الجمع بين الأحاديث: يطول في
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥٠٩
الأولى إن كان ينتظر أحدًا، وإلا فليسو بين الأوليين. وروى عبد الرزاق نحوه عن
ابن جريج عن عطاء قال: إني أحب أن يطول الإمام الأولى من كل صلاة حتى يكثر
الناس، فإذا صليت لنفسي فإني أحرص على أن أجعل الأوليين سواء. وذهب بعض
الأئمة إلى استحباب تطويل الأولى من الصبح دائمًا، وأما غیرها فإن کان یترجی
كثرة المأمومين ويبادر هو أول الوقت فينتظر، وإلا فلا، وذکر في حكمة اختصاص
الصبح بذلك أنها تكون عقب النوم والراحة، وفي ذلك الوقت يواطئ السمع
واللسان القلب لفراغه، وعدم تمكن الاشتغال بأمور المعاش وغيرها منه. والعلم
عند الله. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه.
٨٣٥- [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ
صَلىالله
فِي الظَّهْرِ وَالعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَوَلَيَيْنِ مِن الظَّهْرِ قَدْرَ
وسلم
قِرَاءَةِ ﴿الّ ﴾ تَنزِلُ﴾ُ السَّجْدَةِ.
- وَفِي رِوَايَةٍ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً.
- وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَبَيْنِ قَدْرَ النِّصْفٍ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ
الْأُولَيَيْنِ مِن الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَبَيْنِ مِن الظَّهْرِ ، وَفِي الْأُخْرَبَيْنِ
مِن الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرُْ
٨٣٥- قوله: (كُنَّا نَحْزُرُ) بفتح النون وسكون الحاء المهملة وضم الزاي بعدها
راء، من الحزر، أي: نخرص ونقدر. وفي قوله: ((كُنَّا نَحْزُرُ)) ما يدل على أن
المقدرين بذلك جماعة، وقد أخرج ابن ماجه أن الخارصين ثلاثون رجلاً من
الصحابة. (قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فِي الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ) أي: مقدار طول قيامه في
الصلاتين. (﴿الّ ﴾ تَنِيِلُ﴾) بالرفع على الحكاية.
قال القاري: ويجوز جره على البدل، ونصبه بتقدير: أَعْنِي. (السَّجْدَةِ) قال
النووي: يجوز جر: ((السَّجْدَةِ)) على البدل، ونصبها بأعني. ورفعها على خبر مبتدأ
(٨٣٥) مُسْلِم (١٥٦، ١٥٧/ ٤٥٢) عَنْهُ فِيهَا .
٥١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
محذوف، ولا يخفى أن هذه الوجوه الثلاثة كلها مبنية على رفع: (تَنْزِيلُ) حكاية،
وأما على إعرابه فيتعين جر: (السَّجْدَةِ) على الإضافة قاله القاري. (وَفِي رِوَايَةٍ: فِي
كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَائِينَ آيَةً)، أول هذه الرواية عند مسلم: أن النبي ◌َّ كان يقرأ في
صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية. فيحمل الرواية
المطلقة المتقدمة على هذه المقيدة بقوله: (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ)، (قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ)
أي: من الظهر. (قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) فيه: دلالة على أنه وَّ كان يقرأ غير
الفاتحة معها في الأخريين من الظهر، ويزيده دلالة على ذلك قوله: (وَحَزَرْنَا) كذا
في جميع النسخ من غير زيادة لفظ: ((قِيَامَهُ)) وفي مسلم: و((حزرنا قيامه)).
(فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَبَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ)
ومعلوم أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر سورة غير الفاتحة. (وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ
الْعَصْرِ عَلَى النَّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) أي: من الأوليين منه. وفي رواية لمسلم: وفي
الأخريين، أى: من الظهر قدر قراءة خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي
العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي
الأخريين قدر نصف ذلك. وفيه: دليل على أنه لا يقرأ في الأخريين من العصر إلا
الفاتحة، وأنه يقرأ في الأخريين من الظهر غيرها معها. وقد تقدم الكلام في هذا.
وحديث أبي سعيد هذا يدل على تخفيف الأخريين من الظهر والعصر من الأوليين
منهما .
ويدل أيضًا: على استحباب التخفيف في صلاة العصر وجعلها على النصف من
صلاة الظهر، والحكمة في إطالة الظهر أنها في وقت غفلة بالنوم في القائلة،
فطولت ليدركها المتأخر، والعصر ليست كذلك، بل تفعل في وقت تعب أهل
الأعمال فخففت. وقد ثبت أن النبي ◌َّر كان يطول في صلاة الظهر تطويلًا زائدًا
على هذا المقدار كما في حديث أبي سعيد عند مسلم، والنسائي: أن صلاة الظهر
كانت تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي
ورسول اللَّهُ وَ الّله في الركعة الأولى مما يطولها. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد
وأبو داود وأخرجه ابن ماجه بسند ضعيف بألفاظ أخرى.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥١١
٨٣٦- [٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَة قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ
ب﴿الَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾﴾ - وَفِي رِوَايةٍ: بِ﴿سَيْجِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾ -، وَفِي
[صحيح، رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ.
الشَّرْحُ
﴿ وَفِي رِوَايَةٍ ب﴿سَِّحِ
٨٣٦- قوله: (كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ: ب﴿الَّيْلِ إِذَا يَغْشَى
اسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾ وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ) أي: يقرأ قريبًا مما ذكر من السورتين.
(وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ) أي: من جميع ما ذكر؛ لأنها تفعل في وقت الغفلة
بالنوم في آخر الليل، فيكون في التطويل انتظار للمتأخر، وإعانة له على إدراكها .
وقوله: ((كَانَ يَقْرَأُ فِي الظَّهْرِ)» يفيد الاستمرار وعموم الأزمان كما تقررٍ في الأصول
من أن لفظ: ((كَانَ)) يفيد ذلك، فينبغي أن يحمل قوله: ((كَانَ يَقْرَأُ فِي الظَّهْرِ ... )) إلخ.
على الغالب من حاله وَله، أو تحمل: ((كَانَ)) على أنها لمجرد وقوع الفعل؛ لأنها قد
تستعمل لذلك كما قال ابن دقيق العيد؛ لأنه قد ثبت أنه وَ لخير كان يقرأ في الظهر
والعصر ب﴿السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾﴾ و﴿السَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾﴾ ونحوهما من السور،
أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه من حديث جابر بن سمرة، وتقدم: أنه قرأ
في الظهر سورة لقمان، والذاريات، وأنه كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين
في كل ركعة قدر ثلاثين آية. وفي رواية قدر: ﴿الّمّ ﴾ تَزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ. وفي
الباب أحاديث كثيرة مختلفة. قال الحافظ: وجمع بينهما بوقوع ذلك في أحوال
متغايرة، إما لبيان الجواز، أو لغير ذلك من الأسباب. واستدل ابن العربي
باختلافها على عدم مشروعية سورة معينة في صلاة معينة، وهو واضح فيما
اختلف، لا فيما لم يختلف، كتنزيل وهل أتى، في صبح الجمعة، انتهى. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ)، وأخرجه أيضًا أحمد، وأخرجه أبو داود بلفظ: كان إذا دحضت الشمس
والعصر كذلك، والصلوات
صلى الظهر، وقرأ بنحو من ﴿وَلَيِّلِ إِذَا يَغْشَى
كذلك إلا الصبح، فإنه كان يطيلها .
(٨٣٦) مُسْلِم (٤٦٠/١٧١) (٤٥٩/١٧٠) عَنْه فِيهَا.
٥١٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨٣٧- [١٠] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَم قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َلِ يَقْرَأُ فِى
[مُثَّفَقٌ عَلَيْه]
الْمَغْرِبِ بِالطّورِ .
الشَّرْحُ
٨٣٧- قوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ) كان سماعه لذلك قبل إسلامه لما جاء
في فداء أسارى بدر، واستدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر،
وكذا الفسق إذا أداه في حال العدالة. (يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ ب﴿ اَلُوَرَ﴾) أي: بسورة
الطور. وفيه: دليل على أن المغرب لا يختص بقصار المفصل، وقد ورد أنه مَ له قرأ
في المغرب بسورة الأعراف، وأنه قرأ فيها ب﴿حم﴾، والدخان، وأنه قرأ فيها
بالمرسلات، وأنه قرأ فيها بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ وأنه قرأ فيها بـ: ﴿التِّينِ
وَالزَّْتُونِ ﴾﴾، وأنه قرأ فيها ب﴿ اُلْكَفِرُونَ﴾، والْإِخْلَاصِ.
وقال رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب مع النبي وَّل، فينصرف أحدنا، وإنه
يبصر مواقع نبله. قال الحافظُ: طريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه وُّ كان أحيانًا
يطيل القراءة في المغرب، إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على
المأمومين. وليس في حديث جبير بن مطعم دليل على أن ذلك تكرر منه. وأما
حديث زيد بن ثابت، يعني: الذي رواه البخاري وغيره عن مروان بن الحكم قال:
قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد سمعت
النبي وَاللّه يقرأ بطولى الطوليين؟ ففيه إشعار بذلك؛ لكونه أنكر على مروان
المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبي ◌ُّ واظب
على ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يرو زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة
بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي وَّر. وفي حديث أم
الفضل، يعني: ما أخرجه البخاري عن ابن عباس: أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ
فقالت: يا بني! لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها
﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفَا (٦)
لآخرما سمعت من رسول اللّه وَله يقرأ بها في المغرب. زاد في رواية: ثم ما صلى
(٨٣٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٧٦٥)، ومُسْلِم (١٧٤ / ٤٦٣) عَنْهُ فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥١٣
لنا بعد حتى قبضه الله من؛ إشعار بأنه والر كان يقرأ في الصحة بأطول من
المرسلات؛ لكونه كان في حال شدة مرضه وهو مظنة التخفيف.
وقال ابن خزيمة: هذا من الاختلاف المباح، فجائز للمصلي أن يقرأ في
المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب، إلا أنه إذا كان إمامًا استحب له أن يخفف
في القراءة كما تقدم، انتهى. واعلم: أنه ذهب الجمهور إلى استحباب قراءة قصار
المفصل في المغرب، حتى ذكر الترمذي عن مالك أنه كره أن يقرأ في المغرب
بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات.
وقال الشافعي: لا أكره ذلك، بل أستحب أن يقرأ بهذه السور في الصلاة
للمغرب، قَالَ الحَافِطُ: وكذا نقله البغوي في ((شرح السنة)) عن الشافعي.
والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة في ذلك، ولا استحباب. وأما مالك فاعتمد
العمل بالمدينة بل وبغيرها .
قال ابن دقيق العيد: استمر العمل من الناس على التطويل في الصبح، والقصر
في المغرب، والصحيح عندنا: أن ما صح في ذلك عن النبي بَّ مما لم يكثر
مواظبته عليه فهو جائز من غير كراهة، وما صحت المواظبة عليه فهو في درجة
الرجحان في الاستحباب، انتهى. واستدل للجمهور بحديث رافع بن خديج الذي
تقدم في باب تعجيل الصلاة: أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب، فإنه يدل
على تخفيف القراءة فيها؛ لكن ليس فيه التنصيص على القراءة بشيء من قصار
المفصل. وبحديث ابن عمر قال: ((كان النبي ◌ََّ يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَأَيُّهَا
( و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾))، أخرجه ابن ماجه.
اُلْكَافِرُونَ
قال الحافظُ: ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة. فأما حديث ابن عمر فظاهر
إسناده الصحة إلا أنه معلول، قال الدار قطني: أخطأ فيه بعض رواته. وأما حديث
جابر بن سمرة ففيه سعيد بن سماك، وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في
الركعتين بعد المغرب. وبحديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة الآتي في الفصل
الثاني، فإنه يشعر بالمواظبة على قراءة قصار المفصل في المغرب، لكن في
الاستدلال به نظر. وبما روى الطحاوي وغيره عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: أن
اقرأ في المغرب بقصار المفصل. وبما روى مالك عن الصنابحي: أنه صلى
EECK
٥١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المغرب خلف أبي بكر فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورة سورة من
قصار المفصل، وبما روى أبو داود عن أبي عثمان النهدي أنه صلى خلف ابن
﴾. وبما روى أبو داود أيضًا عن
مسعود المغرب فقرأ ب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ف
عروة: أنه كان يقرأ في المغرب بالعاديات، ونحوها من السور. وقد ظهر بما ذكرنا
أنه ليس فيما ذهب إليه الجمهور حديث مرفوع صحيح صريح نص فيه على القراءة
في المغرب بشيء من قصار المفصل.
قال الحافظُ: لم أرَ حديثًا مرفوعًا فيه التنصيص على القراءة فيها بشيء من قصار
المفصل، إلا حديثًا في ابن ماجه عن ابن عمر نص فيه. الْكَافِرُونَ، والْإِخْلَاص.
ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة، انتهى. وقد تقدم ما فيهما من الكلام عن
الحافظ . وأجاب الجمهور عن الأحاديث التي تدل على تطويل القراءة في المغرب
بوجوه: أحدها: أن هذا كان شيئًا فترك، قاله محمد في ((موطئه)). وقال أبو داود
بعد ذكر أثر عروة المتقدم. هذا يدل على أن ذاك - أى: حديث زيد - منسوخ.
وفيه: أن النسخ لا يثبت بالادعاء والاحتمال، بل لا بد لمن يدعي أن تطويل القراءة
في المغرب كان أولًا ثم ترك، أن يأتي بالحديث الناسخ الصحيح الصريح، ولا
يثبت النسخ بمجرد قول محمد ولا غيره كائنًا من كان، ولم يبين أبو داود وجه
الدلالة على النسخ. وكأنه لما رأى عروة راوي الخبر عمل بخلافه، حمله على أنه
اطلع على ناسخه، ولا يخفى بُعد هذا الحمل، وكيف يصح دعوى النسخ وأم
الفضل تقول: إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بـ ﴿المَرْسَلَاتِ﴾.
وقال صاحب ((التعليق الممجد)): هذا الجواب مخدوش؛ لأن مبناه على
احتمال النسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ولأن كونه متروكًا إنما يثبت لو ثبت
تأخر قراءة القصار على قراءة الطوال من حيث التاريخ، وهو ليس بثابت، ولأن
حديث أم الفضل صريح في أن آخر ما سمعت من رسول اللَّه وَليل هو سورة
المرسلات في المغرب، فحينئذٍ إن سلك مسلك النسخ يثبت نسخ قراءة القصار لا
العكس. وثانيها: أنه لعله كان يقرأ بعض السورة، ثم يركع، ذكره أيضًا محمد في
((موطئه)). وفيه: أن إثبات التفريق في جمع ما ورد في قراءة الطوال مشكل، وأيضًا
قد ورد في رواية البخاري وغيره ما يدل على أن جبير بن مطعم سمع الطور بتمامه
قراءة رسول اللَّه وَله في المغرب، فلا يفيد حينئذٍ ليت ولعل. وأيضًا قد ورد: أن
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥١۵
ee
wiree
رسول اللَّهُ وَّله قرأ بسورة الأَعْرَافِ في المغرب، فرقها في ركعتين، كما سيأتي،
ومن المعلوم أن نصف الأَعْرَافِ لا يبلغ مبلغ القصار، فلا يفيد التفريق لإثبات
القصار، كذا في ((التعليق الممجد)).
لَوَقِعٌ ﴾
وقال الحافظُ: ادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث على تطويل
القراءة، لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة، ثم استدل لذلك بما رواه
من طريق هشيم عن الزهري في حديث جبير بلفظ: سمعته يقرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ
[الطور: ٧] قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هي هذه الآية
خاصة، انتهى. وليس في السياق ما يقتضي قوله: خَاصَّة، مع كون رواية هشيم
عن الزهري بخصوصها مضعفة، ورواية البخاري في التفسير بلفظ: سمعته يقرأ في
المغرب ب﴿اَلُوَرَ﴾ فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ
٣٥
[الطور: ٣٥] الآيات إلى قوله: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] كاد قلبي يطير، تبطل هذه
الدعوى. وفي رواية ابن حبان والطبراني: سمعته يقرأ ﴿ وَاُلْطُورِ ) وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ
[الطور: ١، ٢] ومثله لابن سعد.
وزاد في أخرى: فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد. ثم ادعى الطحاوي
أن الاحتمال المذكور يأتي في حديث زيد بن ثابت، وفيه نظر، لأنه لو كان قرأ
بشيء منها یکون قدر سورة من قصار المفصل لما كان لإنکار زید معنى، وقد روي
أن زيدًا قال لمروان: إنك لتخفف القراءة في الركعتين من المغرب، فوالله لقد
كان رسول اللَّه وَله يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعًا. أخرجه ابن
خزيمة، انتهى كلام الحافظ باختصار وتغيير يسير.
وثالثها: أن هذا بحسب اختلاف الأحوال قرأ بالطوال لتعليم الجواز. وفيه: أنه
لو كانت قراءته وجو السور الطوال في المغرب لبيان الجواز لما كان ما فعله مروان
من المواظبة على قصار المفصل إلا محض السنة، ولم يحسن من زيد بن ثابت
إنكار ما سنه رسول اللَّه ◌َثّل، ولم يفعل غيره إلا لبيان الجواز، ولو كان الأمر كذلك
لما سكت مروان عن الاحتجاج بمواظبته ويّ على ذلك في مقام الإنكار عليه،
وأيضًا بيان الجواز لا يحتاج له إلى تكرير الفعل، وقد عرفت أنه وَ لهل قرأ السور
الطويلة في المغرب مرات متعددة، فالظاهر: أن القراءة في المغرب بطوال
٥١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المفصل وقصاره وسائر السور سنة، لكن ينبغي أن يكثر من قراءة قصار المفصل،
وأما الاقتصار على نوع من ذلك، فهو إن انضم إليه اعتقاد أنه السنة دون غيره،
مخالف لهديه وَّله، والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
٨٣٨- [١١] وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
وسيلة
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِ﴿الْمُرْسَلَّاتِ عُمْفًا
الشّرْجُ
٨٣٨- قوله: (يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ﴾﴾) أي: سورة:
﴿المُرْسَلَاتِ﴾، وفي الجلالين: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ [ المرسلات: ١]. أي الرياح متتابعة
كعرف الفرس يتلو بعضه بعضًا، ونصب ((عُرْفًا)) على الحال، انتهى. والعرف -
بضم العين المهملة - شعر عنق الفرس .
قال سليمان الجمل: أقسم تعالى بصفات خمسة، موصوفها محذوف، فجعله
بعضهم: الرِّيَاحَ في الكل، وبعضهم: الْمَلَائِكَةَ في الكل، وبعضهم غاير، انتهى.
والحديث يرد على من قال: التطويل في صلاة المغرب منسوخ. كما تقدم. (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك، والشافعي، وأحمد، والترمذي، وأبو داود،
والنسائي، وابن ماجه.
(٨٣٨) الْبُخَارِي (٧٦٣) (٤٤٢٩)، مُسْلِم (١٧٣ / ٤٦٢)، أَبُو دَاوُد (٨١٠)، الترمذي (٣٠٨)، النَّسَائِي
(١٦٨/٢)، ابنُ ماجه (٨٣١) فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٥١٧
٨٣٩- [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذِ بْنُ جَبَلِ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَه
ثُمَّ يَأْنِي، فَيَؤُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَّيَِّّةً مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَّى قَوْمَهُ، فَأَمَّهُمْ،
فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَانْحَرَفَ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا
لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَآَتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ فَلَأُخْبِرَنَّهُ، فَأَتَّى
رَسُولَ اللَّهِ بَ ◌ّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ
مُعَاذًّا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ
منَِّ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ أَفَتَّانُ أَنْتَ؟ اقْرَأْ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا﴾ .
(١)﴾، ﴿َبِجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
﴿ وَالضُّحَى﴾، ﴿وَأَِّلِ إِذَا يَغْشَى
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْجُ
٨٣٩- قوله: (يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَلِّ) زاد مسلم في رواية: ((عِشَاءِ الْآخِرَةِ)»، فكان
العشاء هي التي كان يواظب فيها على الصلاة مرتين. (ثُمَّ يَأْتِي) أي: مسجد الحي.
(فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ) وفي رواية مسلم المذكورة: ((فيصلي بهم تلك الصلاة)). وللبخاري في
الأدب: ((فَيُصَلِّي بِهِم الصَّلَاةَ))، أي: المذكورة. وفي هذا رد على من زعم أن
المراد: أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي ◌َّةٍ غير الصلاة التي كان يصليها
بقومه. (فَصَلَّى) أي: معاذ. (لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ الْعِشَاءَ) أي: الآخرة. (ثُمَّ أَتَى
قَوْمَهُ) أي: بني سَلِمة، بكسر اللام. (فَأَمَّهُمْ) أي: في العشاء. (فَاقْتَتَحَ بِسُورَةٍ
الْبَقَرَةِ) أي: بعد الفاتحة. وفي رواية للبخاري: فصلى العشاء، فقرأ بالبقرة. قال
الحافظُ: كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية لأبي عوانة والطحاوي من
طريق محارب: صلى بأصحابه المغرب، فإن حمل على تعدد القصة، أو على أن
المراد بالمغرب العشاء مجازًا، وإلا فما في الصحيح أصح، انتهى.
(فَانْحَرَفَ رَجُلٌ) أي: مال عن الصف فخرج منه، أو انحرف من صلاته عن
(٨٣٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٠٥) (٦١٠٦)، مُسْلِم (١٧٨ / ٤٦٥) عَنْهُ فِيهَا، أَبُو دَاوُد (٦٠٠)، النَّسَائِي
(١٠٢/٢).
٥١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القبلة. والرجل هو حزم بن أبي بن كعب، كما في رواية أبي داود الطيالسي في
((مسنده). وقيل: سليم، كما في رواية لأحمد. وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف
بأنهما واقعتان، لكن وقوع هذه القضية مرتين بعيد كما لا يخفى، إلا أن يقال:
يحتمل أنه وقع من معاذ مرتين، ثم رفع الواقعتان إلى النبي وَير مرة. ووقع في
رواية لمسلم: ((فانطلق رجلٍ منا)). وهذا يدل على أنه كان من بني سلمة، ويقوي
رواية من سماه سليمًا. (فَسَلَّمَ) أي: قطع صلاته. قال النووي: قوله: (سَلَّمَ)) دليل
على أنه قطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها، فيدل على جواز قطع الصلاة
وإبطالها لعذر.
(ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ) أي: استأنف الصلاة منفردًا؛ لأنه لم يعلم أنه لو فارق بالنية
وانفرد وأتم بلا استئناف لجاز فيه ذلك، ذكره ابن الملك. (وَانْصَرَفَ) أي: خرج
من المسجد. (فَقَالُوا) أي: أصحاب معاذ. (أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟) أي: أفعلت ما يفعله
المنافق من الميل والانحراف عن الجماعة والتخفيف في الصلاة؟ قالوه تشديدًا
له، قاله الطيبي. (قَالَ: لَا وَاللهِ، وَلَآتِيَنَّ) هو إما معطوف على الجواب، أي: والله
لا أنافق، ولآتين، وإما إنشاء قَسَمٍ آخر والمقسم به مقدر.
(إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ) جمع ناضحة أنثى ناضح، وهو - بالنون والضاد المعجمة
والحاء المهملة - ما استعمل من الإبل في سقي النخل والزرع. (نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ)
أي: نكد فيه بعمل الزراعة لأجل أمر المعاش. (فَاقْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ) يحتمل أنه
أراد معاذ أن يقرأ بعضها ويركع، فتوهم المقتدي أنه أراد إتمامها فقطع صلاته،
فعاتب رسول اللَّهِوَ له على إبهامه ذلك، فإنه سبب للتنفير، قاله القاري. (فَقَالَ: يَا
مُعَاذُ) خطاب عتاب. (أَفْتَّانٌ) أي: منفر عن الدين، وصاد عنه، وموقع للناس في
الفتنة. قال الحافظُ: معنى الفتنة هاهنا: أن التطويل يكون سببًا لخروجهم من
الصلاة، وللنكرة للصلاة في الجماعة. وقال الداودي: يحتمل أن يريد بقوله:
(فَتَّانٌ)) أي: معذب؛ لأنه عذبهم بالتطويل. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] قيل: معناه عذبوهم. (اقْرَأْ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾ ... ) إلخ. أي
اقرأ هذه السورة وأمثالها. وفي الحديث: استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال
المأمومين، وفيه: جواز خروج المأموم من الصلاة بعذر، وغير ذلك من الفوائد.
واستدل بهذا الحديث للشافعي، وأحمد، وإسحاق على صحة اقتداء المفترض
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاةِ
٥١٩
خلف المتنفل؛ لأن الظاهر منه: أن معاذًا كان يصلي مع النبي وَّ فريضة، إذ بعيد
من فقاهة معاذ - وهو أفقه الصحابة - أن يدرك الفرض خلف أفضل الأئمة في
مسجده، الذي هو أفضل المساجد بعد المسجد الحرام فيتركه، ويضيع حظه منه،
ويقنع من ذلك بالنفلٍ. قال الخطابي: لا يجوز على معاذ مع فقهه أن يترك فضيلة
الصلاة مع رسول اللَّه وَلّه إلى فعل نفسه، انتهى. قلتُ: وقد جاء في الحديث
رواية كأنها صريحة في كون معاذ كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل،
ذكرها الدار قطني وغيره بلفظ: هي له تطوع ولهم فريضة.
قال الحافظُ: ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدار قطني
وغيرهم من طریق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر في حديث الباب زاد :
هي له تطوع، ولهم فريضة. وهو حديث صحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية
عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تهمة تدليسه.
فقول ابن الجوزي: إنه لا يصح، مردود. وتعليل الطحاوي: بأن ابن عيينة ساقه
عن عمرو أتم من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة، ليس بقادح في صحته؛
لأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عيينة، وأقدم أخذًا عن عمرو منه، ولو لم يكن
كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ، ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر
عددًا، فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها. وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن
تكون مدرجة، أى: من قول ابن جريج، أو من قول عمرو بن دينار، فجوابه: أن
الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو
منه، ولا سيما إذا روي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من
وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار عنه.
وقول الطحاوي: هو ظن من جابر، أي: على تسليم كونها من قول جابر
مردود: لأن جابرًا كان ممن يصلي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه،
ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد إلا بأن يكون ذلك الشخص
أطلعه عليه. وأما قول الطحاوي: لا حجة فيها؛ لأنها لم تكن بأمر النبي وَّ ولا
تقريره، فجوابه: إنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة،
والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان يصلي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون