Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على الأول زيادة بينةً فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، وإنما هو قسمة المعاني كما
ذكرته لك، انتھی.
وقيل: التنصيف ينصرف إلى آيات السورة؛ لأنها سبع آيات، ثلاث ثناء وثلاث
سؤال، والآية المتوسطة نصفها ثناء ونصفها دعاء. (وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) أي: بعينه إن
كان وقوعه معلقًا على السؤال، وإلا فمثله من رفع درجة ودفع مضرة ونحوهما.
وقيل المعنى: لعبدي ما سأل من أحد النصفين، فهو وعد من اللَّه تعالى بإعطاء
النصف الذي للعبد، ويحتمل أن يكون هذا وعدًا لما وراء النصف الذي للعبد،
يعني: آذن لعبدي أن يسأل ما شاء غير النصف الذي له.
(حَمِدَنِي عَبْدِي) الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري نعمة كان أو غيرها.
(أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي) الثناء هو ذكر الخير باللسان على جهة التعظيم. (﴿مْلِكِ يَوْمِ
الدِّينِ﴾) أي: الحساب. وقيل: الجزاء، وخص بالذكر؛ لأن الله تعالى هو
المنفرد بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وحسابهم، ولا دعوى لأحد ذلك اليوم
حقيقة ولا مجازًّا. وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي، ويدعي بعضهم
دعوي باطلة وكل هذا ينقطع في ذلك اليوم. (مَجَّدَنِي) أي: عظمني، والتمجيد
نسبة إلى المجد وهو العظمة، أي: ذكرني بالعظمة والجلال.
قال النووي: قوله: (حَمِدَنِي عَبْدِي)، و(أَثْنَى عَلَيَّ)، و(مَجَّدَنِي) إنما قاله؛ لأن
التحميد: الثناء بجميل الفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه
في ذلك كله، ولهذا جاء جوابًا لـ: ﴿الرََّنِ الرَّحِيَةِ﴾؛ لاشتمال اللفظين على
الصفات الذاتية والفعلية، انتهى. قيل: الرحمة رحمتان: رحمة ذاتية مطلقة
امتنانية، وهي التي وسعت كل شيء لا سبب لها ولا موجب، وليست بمقابلة
شيء، والأخرى هي الفائضة عن الرحمة الذاتية، مقيدة بشروط موجبه لها من
أعمال وأحوال وغيرهما، ومتعلق طمع إبليس هو الأول. (﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾) أي:
نخصك للعبادة. وقدم المعمول للاختصاص والحصر. (﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾)
أي: نخصك بالاستعانة على العبادة وغيرها.
(هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي) قال القرطبي: إنما قال اللَّه تعالى هذا؛ لأن في ذلك
تذلل العبد لله تعالى وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم الله وقدرته على ما
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
٤٨١
طلب منه. وقال الباجي: معناه أن بعض الآية تعظيم للباري، وبعضها استعانة على
أمر دينه ودنياه من العبد به .
(وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) من العون وغيره. وقيل: كرره تأكيدًا، والمراد هو ما ذكره
أولًا. (فَإِذَا قَالَ) العبد (﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾) قيل: هو بيان للمعونة
المطلوبة، وقيل: إفراد لما هو أعظم مقصودًا، أي: ثِتنا على دين الإسلام أو طريق
متابعة الحبيب - عليه الصلاة والسلام - (﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾) من النبيين،
والصديقين، والشهداء، والصالحين. (﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾) أي: اليهود.
﴿وَلَ الضَّالِينَ﴾) أي: غير النصارى. (هَذَا لِعَبْدِي) أي: مختص بالعبد؛ لأنه
دعاء وسؤال يعود نفعه إلى العبد. (وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) أي: غير هذا، والمعنى: هذا
متحقق وثابت لعبدي، وغيره مما يسأله موعود إجابته. والحديث قد استدل به على
أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأن الفاتحة سبع آيات بالإجماع فثلاث في أولها
ثناء، أولها: ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وثلاث دعاء، أولها: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْنَفِيمَ﴾
والرابعة متوسطة، وهي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ ولأنه لم يذكر
البسملة في ما عددها ولو كانت منها لذكرها، ولأنه بدأ القراءة بالحمد لله رب
العالمين، ولو كانت البسملة منها لا بتدأ بها؛ لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات
السورة، والحاجة إلى قراءة البسملة أَمَسُّ. وأجيب: بأن التنصيف عائد إلى ما
يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، وبأن معناه: فإذا انتهى العبد في قراءته إلى :
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ فحينئذٍ تكون القسمة، وبأنه جاء في بعض الروايات
عنه ذكر التسمية؛ كما أخرجه الدار قطني عن أبي هريرة مرفوعًا، وهذه الرواية وإن
كان فيها ضعف ولكنها مفسرة لحديث مسلم: أنه أراد السورة لا الآية.
قلتُ: رواية الدار قطني هذه ضعيفة جدًّا، بل زيادة البسملة فيها باطلة قطعًا، فإن
مدارها على عبد الله بن زياد بن سمعان، وهو متروك الحديث، متهم بالكذب،
مجمع على ضعفه. قال مالك وابن معين: كان كذابًا. وقال أبو داود: متروك
الحديث كان من الكذابين. وقد ذكر الدار قطني هذه الرواية في ((علله))، وأطال
فيها الكلام، ولخصه الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١: ص ٣٤٠) فارجع إليه. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) وأخرجه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وأخرجه ابن ماجه مختصرًا.
٤٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
کَانُوا
٨٣٠- [٣] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ النَِّيَّ نَّ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ
(٣)﴾. [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
الشَّرْحُ
٨٣٠- قوله: (كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
٢
بضم الدال على الحكاية، واختلف في المراد بذلك، فقيل: المعنى كانوا يبتدئون
الصلاة بقراءة الفاتحة قبل السورة، وهذا قول من أثبت البسملة في أول الفاتحة.
قال الشافعي في ((الأم)) بعد رواية الحديث: يعني: يبدأون بقراءة أم القرآن قبل ما
يقرأ بعدها، والله تعالى أعلم، لا يعني أنهم يتركون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََِّ
الرّحِيَةِ ﴾﴾. وإلى هذا المعنى أشار النسائي حيث عقد على هذا الحديث: باب
البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة. وتعقب: بأنها إنما تسمى الحمد فقط.
وأجيب: بمنع الحصر ومستنده: ثبوت تسميتها بهذه الجملة وهي: ﴿الْحَمْدُ
﴾ في ((صحيح البخاري)). أخرجه في ((فضائل القرآن)) من
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
حديث أبي سعيد بن المُعَلَّى: أن النبيِ وَّ قال له: ((أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي
الْقُرْآنِ ... ))، فذكر الحديث. وفيه قال: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ
الْمَثَانِي))، وقيل: المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسكًا بظاهر الحديث، وهذا
قول من نفى قراءة البسملة، لكن لا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد، أنهم لم
سرًّا. وقد أطلق أبو هريرة
يقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
السكوت على القراءة سرًّا.
واعلم: أنهم اختلفوا في قراءة البسملة في الصلاة بعد دعاء الافتتاح، فعن
الشافعي: تجب وجوب الفاتحة، وعن مالك: يكره، وعن أبي حنيفة: تستحب،
وهو المشهور عن أحمد.
ثم اختلفوا، فعن الشافعي: يسن الجهر. وعن أبي حنيفة: لا يسن، وعن
(٨٣٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٤٣)، ومُسْلِم (٣٩٩/٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَشْتَهُ، فِيهَا .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
٤٨٣
إسحاق بن راهوية: مخير بينهما، وإليه ذهب ابن حزم، وهو المرجح عندنا.
وسبب هذا الاختلاف: ما روي من الأحاديث المختلفة في هذا وحديث الباب قد
استدل بظاهره من نفي التسمية أصلًا سرًّا وجهرًّا، وقد أسلفنا ما في هذا الاستدلال
من الخدشة، وهي أنه لا يلزم منه نفي قراءة البسملة سرًّا؛ لأنه يشمل نفي الجهر
أيضًا فافهم. وأيضًا قد كثرت الروايات عن أنس في هذا واضطربت نفيًا وإثباتًا في
الجهر بالتسمية، أو الإسرار، أو القراءة، أو نفيها. وفي بعضها: أن أنسًا أخبر
سائله بأنه نسي ذلك، ولا شك أن روايات الإثبات أرجح وأقوى فهي المعتمد.
وقد بسط العلماء الكلام في بيان الاضطراب ونفيه في حديث أنس، إن شئت
الوقوف عليه فارجع إلى ((نصب الراية))، و(الفتح))، و((شرح الموطأ)) للزرقاني،
و(تنوير الحوالك))، و((تدريب الراوي)) للسيوطي. وقد أعله بعضهم بهذا
الاضطراب كابن عبد البر حيث قال: اختلفت ألفاظها اختلافًا كثيرًا مضطربًا، ثم
ذكر الاختلاف، وقال بعد بسطه: وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد من
الفقهاء، وحاول بعضهم الجمع، وسلك بعضهم مسلك الترجيح.
قال الحافظُ: والذي يمكن أن يجمع به مختلف ما نقل عنه: أنه وَلَّ كان لا يجهر
بها، فحيث جاء عن أنس أنه كان لا يقرأها، مراده نفي الجهر، وحيث جاء عنه
إثبات القراءة فمراده السر، وقد ورد نفي الجهر عنه صريحًا فهو المعتمد. وقول
أنس في رواية مسلم: لا يذكرون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحْمَةِ ﴾﴾ في أول
قراءة ولا في آخرها. محمول على نفي الجهر أيضًا؛ لأنه الذي يمكن نفيه،
واعتماد من نفى مطلقًا بقول: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ. لا يدل على ذلك؛
لأنه ثبت أنه كان يفتتح بالتوجه، وسبحانك اللهم، وباعد بيني وبين خطاياي، وبأنه
كان يستعيذ، وغير ذلك من الأخبار الدالة على أنه قدم على قراءة الفاتحة شيئًا بعد
التكبير، فيحمل قوله: ((يَفْتَتِحُونَ)) أى الجهر، لتأتلف الأخبار، انتهى. وقال من
سلك مسلك الترجيح: إن رواية الباب أصح الروايات عن أنس؛ قال الدار قطني :
هو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس، وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراج هذه
الرواية لسلامتها من الاضطراب. قال الزيلعي: وهذا اللفظ هو الذي صححه
الخطيب، وضعف ما سواه لرواية الحفاظ له عن قتادة، ولمتابعة غير قتادة له عن
أنس فيه، وجعله اللفظ المحكم عن أنس، وجعل غيره متشابهًا، وحمله على
٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الافتتاح بالسورة لا بالآية، انتهى. وأما ما روى مسلم عنه بلفظ: صليت مع
رسول اللَّه وَ لّه وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ﴿نِسْمِ
اْللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ ﴾﴾. وفي أخرى له: كانوا يفتتحون بالحمد لله رب
العالمين، لا يذكرون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الََّمَنِ الرَّحَمَةِ ﴾﴾ في أول قراءة ولا
في آخرها. فقد اضطرب أكثرهم فيه، ولذلك امتنع البخاري من إخراجه وهو من
مفارید مسلم .
وأجاب بعض الشافعية عن روايتي مسلم: بأن كلَّا منهما رواية للفظ الأول
بالمعنى الذي عبر عنه الراوي بما ذكر بحسب فهمه، ولو بلغ الخبر بلفظه كما في
البخاري لأصاب، ويؤيده ما قال العراقي في ((ألفيته)):
وَعِلَّةُ الْمَثْنِ كَنَفْي الْبَسْمَلَةِ إِذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَهُ فَنَقَلَهُ
قال السخاوي في ((فتح المغيث)) (ص٩٥): قوله: ((فَنَقَلَهُ)) مصرحًا بما ظنه
في أول قراءة ولا في
فقال: لا يذكرون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ (@)
آخرها. وفي لفظ: فلم يكونوا يفتتحون بـ((بسم الله)). وصار بمقتضى ذلك حديثًا
مرفوعًا. والراوي لذلك مخطئ في ظنه، انتهى.
G تنبيه:
اعلم أنهم اختلفوا في أن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ ﴾﴾ آية من
الفاتحة فقط، أو آية من كل سورة من سور القرآن سوى براءة، أو هي جزء من
آية، أو هي آية مستقلة نزلت مع كل سورة سوى براءة لافتتاحها وللفصل بينها وبين
غيرها، أو ليست آية أصلًا لا من الفاتحة ولا من كل سورة، قيل: إن من رأى أنها
آية من الفاتحة أوجب قراءتها بوجوب قراءة الفاتحة عنده في الصلاة، ومن رأى
أنها آية من أول كل سورة وجب عنده أن يقرأها مع السورة. وقيل: مسألة الجهر
بالبسملة في الصلاة ليست مرتبة على مسألة إثبات البسملة من الفاتحة؛ قال
اليعمري: إن جماعة ممن يرى الجهر بها لا يعتقدونها قرآنًا، بل هي من السنن
عندهم كالتعوذ والتأمين، وجماعة ممن يرى الإسرار بها يعتقدونها قرآنًا. ولهذا
قال النووي: إن مسألة الجهر ليست مرتبة على مسألة إثبات البسملة، وهذه
٤٨٥
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
المسألة من أهم مسائل الخلاف بين القراء والمحدثين والفقهاء، وألف فيها
الكثيرون كتبًا خاصة، وأفردوها بتصانيف مستقلة، فمن ذلك كتاب: ((الإنصاف
فيما بين العلماء من الاختلاف)) لابن عبد البر المالكي، وهو جزء في (٤٢) صفحة،
وقد طبع في مصر، وكتاب لعبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، ذكره
النووي في ((المجموع))، وقال: إنه مجلد كبير، ولخص أهم ما فيه، وألف فيها
أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والدار قطني والبيهقي والخطيب، وقد جمع الزيلعي في
(نصب الراية)) أكثر ما ورد فيها من الآثار والأقاويل في مقدار يصلح كتابًا مستقلاً
(ج١: ص٣٢٣ - ٣٦٣) من طبعة مصر، وكذلك النووي في ((المجموع))، كتب
فيها مقدارًا وافيًا. وكذلك الشوكاني في ((شرح المنتقى))، بسط الكلام فيها (ج ٢ :
ص٨٩ - ١٠١) والذي تحصل لنا من الأقوال في البسملة أربعة:
أحدها: أنها ليست من القرآن أصلًا إلا في سورة النمل، نقل هذا عن مالك
والأوزاعي، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهو رواية عن
أحمد وهو قول لبعض أصحابه، واختاره ابن قدامة في ((المغني)).
والثاني: أنها آية من كل سورة سوى براءة أو بعض آياته، وهو المشهور عن
الشافعي وأصحابه، و هو رواية عن أحمد.
والثالث: أنها آية في أول الفاتحة، وليست قرآنًا في أوائل باقي السور، وهو
قول أحمد وإسحاق وأبي عبيد وأهل الكوفة، وأهل مكة، وأهل العراق، وهو أيضًا
رواية عن الشافعي.
والرابع: أنها آية مستقلة من القرآن في كل موضع كتبت فيه في المصحف
وليست من الفاتحة ولا من غيرها، وإنما أنزلت لافتتاح القراءة بها، وللفصل بين
كل سورتين سوى ما بين الأنفال وبراءة، ذهب إليه أبو بكر الرازي الجصاص،
وهو المختار عند الحنفية .
قال محمد بن الحسن: ما بين دفتي المصحف قرآن، وهو قول ابن المبارك،
ورواية عن أحمد وداود، وقال الزيلعي في ((نصب الراية)): وهذا قول المحققين من
أهل العلم، ونسبة هذا القول إلى الحنفية استنباط فقط كما يظهر من ((أحكام
٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القرآن)) (ج١: ص٨) لأبي بكر الجصاص. وقال شمس الأئمة السرخسي في
((المبسوط)) (ج١: ص١٦): وعن معلى قال: قلت لمحمد - يعني: ابن الحسن:
- التسمية آية من القرآن أم لا؟ قال: ما بين الدفتين كله قرآن.
قلتُ: فلم لم تجهر؟ فلم يجبنى، فهذا عن محمد بيان أنها أنزلت للفصل بين
السور، لا من أوائل السور، ولهذا كتبت بخط على حدة، وهو اختيار أبي بكر
الرازي، حتى قال محمد: يكره للحائض والجنب قراءة التسمية على وجه قراءة
القرآن؛ لأن من ضرورة كونها قرآنًا حرمة قراءتها على الحائض والجنب، وليس
من ضرورة كونها قرآنا الجهر بها كالفاتحة في الأخریین، انتهى. وقد استدل كل
فريق لقوله بأحاديث، منها الصحيح المقبول، ومنها الضعيف المردود، إن شئت
الوقوف عليها فارجع إلى ((نصب الراية)) للزيلعي، و((نيل الأوطار)) للشوكاني،
و((السنن)) للدار قطني والراجح عندنا: أنها آية من القرآن في كل موضع كتبت فيه،
والدليل على ذلك: الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام اللّه تعالى، والوفاق على
إثباتها في المصاحف مع المبالغة في تجريد القرآن عما ليس منه حتى لم يكتب:
آمِينَ. قال النووي في ((شرح مسلم)) (ج١: ص١٧٢): اعتمد أصحابنا ومن قال:
بأنها آية من الفاتحة أنها كتبت في المصحف بخط المصحف وكان هذا باتفاق
الصحابة وإجماعهم على أن لا يثبتوا فيه بخط القرآن غير القرآن، وأجمع بعدهم
المسلمون كلهم في كل الأعصار إلى يومنا، وأجمعوا على أنها ليست في أول
براءة، وأنها لا تكتب فيها. وهذا يؤكد ما قلناه، انتهى. وقد أوضح هذا الدليل مع
ذكر المذاهب العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي (ج٢ :
ص٢١، ٢٢) فارجع إليه. وقد رجح هو كونها آية من كل سورة كتبت في أولها
أي: من جميع سور القرآن سوى براءة. قال: لا يجوز لقارئ أن يقرأ أية سورة من
القرآن سوى براءة من غير أن يبدأها بالتسمية التي هي آية منها في أولها، سواء
قَرَ أَهَا ابتداء أم وصلها بما قبلها. وهذا الذي اختاره الشافعي رَوَُّهُ، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فيه أن حديث أنس هذا أخرجه البخاري في باب ما يقول بعد
التكبير بهذا اللفظ بلا تفاوت حرف، فالأولى للمصنف أن يقول في آخره: متفق
عليه واللفظ للبخاري. وحديث أنس هذا أخرجه أيضًا مالك، والشافعي، وأحمد،
والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٤٨٧
٨٣١- [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ طَهِ: ((إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ،
فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
- وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ
مِنْ ذَنْبِهِ)). هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيّ(*)، وَلِمُسْلِمِ نَحْوَهُ.
- وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِّ قَالَّ: ((إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ،
فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
الشَّرُْ
٨٣١- قوله: (إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ) أي: قال: آمين. فيه مشروعية التأمين للإمام،
والمشهور عن مالك وهي رواية عن أبي حنيفة: أنه لا يؤمِّن، وهي رواية ابن
القاسم عن مالك، وهي المعتمد عند المالكية، وفي رواية عنه أنه لا يؤمن في
الجهرية ويؤمن في السرية، وأحاديث الباب ترد عليهم جميعًا. (فَأَمِّنُوا) أي:
فقولوا: آمين. والحديث: قد استدل به الإمام البخاري والنسائي وابن ماجه
وغيرهم على أن الإمام يجهر بالتأمين. وجه الاستدلال: أنه لو لم يكن تأمين الإمام
مسموعًا للمأموم لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه. وأجيب: بأن موضعه معلوم
فلا يستلزم الجهر به. وفيه نظر؛ لاحتمال أنه يخل به فلا يستلزم علم المأموم به .
وقد روى روح بن عبادة عنِ مالِك في هذا الحديث قَالَ ابن شهاب: وكان
رسول اللّهُ وَّله إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾ جهر بآمين. أخرجه السراج، ولابن
حبان في هذا الحديث قال ابن شهاب: كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته
وقال: ((آمين)). قاله الحافظ.
(٨٣١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٨٠)، مسلم (٤١٠) عَنْهُ فِيهَا. باب فضل قول الإمام: آمين، ((سنن أبي
داود)» (٩٣٦).
(*) البُخَارِي (٧٨٢) عَنْهُ فِيهَا .
٤٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص٢٢٣): فيه دليل على أن رسول اللّه وَئِه
كان يجهر بآمين، ولولا جهره لم يكن لمن يتحرى متابعته في التأمين على سبيل
المدار کة طریق إلى معرفته فدل أنه کان یجهر به جهرًا يسمعه من وراءه، وقد روى
وائل بن حجر أن رسول اللّه وَ له كان إذا قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾ قال: ((آمين)) ورفع
بها صوته، انتهى.
وقال السندي في ((حاشية النسائي وابن ماجه)): قوله: ((إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ)) أخذ منه
المصنف الجهر بآمين، إذ لو أسر الإمام بآمين لما علم القوم بتأمين الإمام، فلا
يحسن الأمر إياهم بالتأمين عند تأمينه، وهذا استنباط دقيق يرجحه ما جاء من
التصريح بالجهر، وهذا هو الظاهر المتبادر، نعم قد يقال: يكفي في الأمر معرفتهم
لتأمين الإمام بالسكوت عن القراءة، لكن تلك معرفة ضعيفة، بل كثيرًا ما يسكت
الإِمام عن القراءة، ثم يقول بآمين، بل الفصل بين القراءة والتأمين هو اللائق،
فيتقدم تأمين المقتدي على تأمين الإمام إذا اعتمد على هذه الأمارة، انتهى.
وقال شيخنا في ((أبكار المنن)) (ص ١٧٠ / ٣٧٠): إذا أسر الإمام التأمين لا يعلم
المأموم تأمينه، فكيف يوقع المأموم تأمينه مع تأمين الإمام؟ وكيف يتوافق
تأمينهما معًا؟ وليس من اللازم حينئذٍ أن يقع تأمينه مع تأمينه، بل يمكن أن يقع معه
أو قبله أو بعده، وأما إذا جهر الإمام بالتأمين فيعلم المأموم تأمينه، فحينئذٍ يوقع
تأمينه مع تأمينه، فيتوافق تأمينهما معًا قطعًا، انتهى. واستدل بقوله: (فَأَمِّنُوا) على
تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام؛ لأنه رتب عليه بالفاء، لكن المراد عند
الجمهور المقارنة لما سيأتي. والمعنى: أَمِّنُوا مقارنين له. وعلله إمام الحرمين بأن
التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخر عنه. وظاهر سياق الأمر: أن
المأموم إنما يؤمن إذا أمن الإمام لا إذا ترك. ونص الشافعي في ((الأم)) على أن
المأموم يؤمن، ولو تركه الإمام سهوًا أو عمدًا، وهذا هو الحق للرواية التالية. ثم
إن هذا الأمر عند الجمهور للندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه
على المأموم عملًا بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصلٍّ، ثم في
مطلق أمر المأموم بالتأمين أنه يؤمن ولو كان مشتغلاً بقراءة الفاتحة. (فَإِنَّهُ مَنْ
وَافَقَ) المراد بالموافقة الموافقة في القول والزمان، يدل عليه الرواية الآتية: ((مَنْ
٤٨٩
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ في الصَّلَاةِ
وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ)) خلافًا لمن قال: المراد الموافقة في الإخلاص
والخشوع، کابن حبان وغيره.
(تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ) قيل: المراد بالملائكة الحفظة، وقيل: الذين يتعاقبون
منهم، إذا قلنا: إنهم غير الحفظة. وقيل: من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن
في الأرض أو في السماء. وقيل: الأولى حمله على الأعم؛ لأن اللام للاستغراق،
فيقولها الحاضرون ومن فوقهم إلى الملأ الأعلى. (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظاهره
غفران جميع الذنوب الماضية، وهو محمول عند العلماء على الصغائر، وقيل: إن
المكفر ليس التأمين الذي هو فعل المؤمن، بل وفاق الملائكة، وليس ذلك إلى
صنعه، بل فضل من الله بمجرد وفاق، فيعم الكبائر والصغائر، لكن خص منها
حقوق الناس .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن
ماجه وغيرهم. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: متفق عليها. (قَالَ) أي: النبي ◌َّ. (إِذَا قَالَ
الِإِمَامُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ) استدل به المالكية على
أن الإمام لا يؤمن؛ لأن القسمة تنافي الشركة، وفيه: أن هذه الرواية لا تدل على أن
الإمام لا يؤمن، بل هي ساكتة عنه نفيًا وإثباتًا، والرواية المتقدمة نص في معناه،
وزاد في رواية أحمد والنسائي وابن حبان: أن الإمام يقول: آمين، وهو نص لا
يحتمل التأويل. ثم إن ظاهر الرواية الأولى من الحديث أن المؤتم يوقع التأمين
عند تأمين الإِمام، وظاهر الرواية منه أنه يوقعه عند قول الإمام: ﴿عَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وجمع الجمهور بين الروايتين بأن المراد بقوله:
(إِذَا أَمَّنَ) أي: أراد التأمين ليقع تأمين الإمام والمأموم معًا، فإنه يستحب فيه
المقارنة، يدل على هذا ما رواه أحمد والنسائي والسراج بلفظ: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ:
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ، وَإِنَّ
الْإِمَامَ يَقُولُ: أَمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))، وقيل:
الأول: لمن قرب عن الإمام، والثاني: لمن تباعد عنه؛ لأن جهر الإمام بالتأمين
أخفض من جهره بالقراءة. وقيل: يؤخذ من الروايتين تخيير المأموم في قولها مع
الإمام أو بعده، قاله الطبري. وقيل: لا حاجة إلى الجمع بين الروايتين؛ لأن
الجمع والتوفيق فرع التعارض والتخالف، ولا تخالف بين الروايتين، فإن المراد
٤٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بقوله: ((إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين))، أي: وقال: آمين
فقولوا آمين، أي: مع تأمين الإمام، يدل عليه قوله وَخله: ((فإن الملائكة تقول:
آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من
ذنبه)) .
قال الحافظُ: وهو دال على أن المراد الموافقة في القول والزمان، انتهى. وهذا
هو المراد بقوله: ((إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا))، أي: فقولوا: آمين مقارنين بتأمينه. قال
الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص٢٢٤): معنى قوله: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا
الضَّالِينَ، فَقُولُوا: آمِينَ)) أي: مع الإمام، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معًا، فأما
قوله: ((إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا))، فإنه لا يخالفه ولا يدل على أنهم يؤخرونه عن وقت
تأمينه، وإنما هو كقول القائل: إذا رحل الأمير فارحلوا، يريد إذا أخذ الأمير في
الرحيل فتهيئوا للارتحال، ليكون رحيلكم مع رحيله، وبيان هذا في الحديث الآخر
أن الإمام يقول: آمين والملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة
غفر له ما تقدم من ذنبه، فأحب أن يجتمع التأمينان في وقت واحد رجاء المغفرة.
قال: وقد احتج بقوله: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ،
فَقُولُوا: آمِينَ)) من ذهب إِلى أنه لا يجهر بآمين، وقال: ألا ترى أنه جعل وقت فراغ
الإمام من قوله: ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾ وقتًا لتأمين القوم، فلو كان الإمام يقوله جهرًا لا
ستغنى بسماع قوله عن التحين له مراعاة وقته. قال: وهذا قد كان يجوز أن يستدل
به لو لم يكن ذلك مذكورًا في حديث وائل بن حجر الذي تقدم ذكره، وإذا كان
كذلك لم يكن فيما استدلوا به طائل، وقد يكون معناه: الأمر به والحض عليه إذا
نسيه الإمام، يقول: لا تغفلوه إذا أغفله الإمام ولا تتركوه إن نسيه، وأمنوا لأنفسكم
لتحرزوا به الأجر، انتهى.
وقال السندي: الأقرب أن أحد اللفظين من تصرفات الرواة وحينئذٍ فرواية: ((إِذَا
أَمَّنَ)) أشهر وأصح، فهي أشبه أن تكون هي الأصل، والله أعلم، انتهى. وقوله:
((آمِينَ)) بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعن جميع القراء، وحكى الواحدي
عن حمزة والكسائي الإمالة، وفيها لغات أخرى شاذة. وهي من أسماء الأفعال،
وتفتح في الوصل؛ لأنها مبنية بالاتفاق، مثل كيف، ومعناه: اللهم استجب. عند
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٤٩١
الجمهور، وقيل غير ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى، مثل: ليكن كذلك،
واقبل، ولا تخيب رجاءنا، ولا يقدر على هذا غيرك. وقيل: هو اسم من أسماء الله
تعالى .
تنبيه:
اعلم أنه استدل البخاري بقوله: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِينَ فَقُولُوا: آمِينَ)) على الجهر بالتأمين للمأمومين، حيث ترجم عليه: باب
جهر المأموم بالتأمين. ووجه الأخذ منه على ما قال الزين بن المنير: إن في
الحديث الأمر بقول: آمين والقول إذا وقع به الخطاب مطلقًا حمل على الجهر،
ومتى أريد به الإسرار وحديث النفس قيد بذلك.
وقال ابن رشيد: تؤخذ مناسبة الحديث للترجمة من جهات: منها: أنه قال: ((إِذَا
قَالَ الْإِمَامُ .. فَقُولُوا))، فقابل القول بالقول، والإمام إنما قال ذلك جهرًا، فكان
الظاهر الاتفاق في الصفة. ومنها: أنه قال: (فَقُولُوا)) ولم يقيده بجهر ولا غيره،
وهو مطلق في سياق الإثبات، وقد عمل به في الجهر بدليل ما تقدم، يعني في
مسألة الإمام، والمطلق إذا عمل به صورة لم يكن حجة في غيرها باتفاق. ومنها:
أنه تقدم أن المأموم مأمور بالاقتداء بالإمام، وقد تقدم أن الإمام يجهر فلزم جهره
بجهره، انتھی.
وتعقب: بأنه يستلزم أن يجهر المأموم بالقراءة؛ لأن الإمام جهر بها، لکن یمکن
أن ينفصل عنه بأن الجهر بالقراءة خلف الإمام قد نُهي عنه فبقي التأمين داخلًا تحت
عموم الأمر باتباع الإمام، ويتقوى ذلك بما تقدم عن عطاء: أن من خلف ابن الزبير
كانوا يؤمنون جهرًا، وروى البيهقي من وجه آخر عن عطاء، قال: أدركت مائتين
من أصحاب رسول اللَّه ◌َ له في هذا المسجد، إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾
سمعت لهم رجة بآمين. كذا في ((الفتح)).
(هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ)، وأخرجه أيضًا بهذا اللفظ مالك وأبو داود والنسائي.
(وَلِمُسْلِم نَحْوَهُ) بمعناه. (وَفِي أَخْرَى لِلْبُخَارِيِّ) في باب التأمين من كتاب
الدعواتَّ.
٤٩٢
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*3
(قَالَ) أي: النبيِنَِّ (إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ) قال الحافظُ: المراد بالقارئ هنا: الإمام
إذا قرأ في الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد بالقارئ أعم من ذلك، انتهى.
قلتُ: الظاهر أن المراد به هو الإمام إذا قرأ في الصلاة؛ لأن الحديث واحد
اختلفت ألفاظه من تصرف الرواة. قيل: الحديث يدل على أن الإمام هو القارئ
دون المأموم. وأن المأموم إنما ينتظر فراغه من الفاتحة حتى يقول: آمين.
وتعقب: بأن الأصح الأشهر رواية: ((إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ))، والرواية الأخرى من
تصرف الراوي، فالأولى هي العمدة، وبأن إطلاق القارئ على الإمام إنما هو لأنه
يجهر بالقراءة بخلاف المقتدي. لا لأن القراءة مختصة بالإمام، وهذا لا يقتضي في
القراءة السرية عن المأموم. والمعنى: إذا أمن الإمام بعد الفراغ عن قراءة الفاتحة
فأمنوا، وهذا هو معنى قوله: ((إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ))، ولم يقل أحد: إن هذا يدل على نفي القراءة عن
المأموم وحصرها في الإمام، ويمكن أن تحمل هذه الرواية الأخرى على معنى: أن
القارئ أي الإمام، إذا مرَّ بآية مشتملة على الدعاء بعد الفاتحة وأمن فقولوا: آمين،
فأطلق لفظ القارئ من حيث إنه ينفرد بقراءة ما فوق الفاتحة دون المقتدي. ورواية
البخاري هذه أخرجها أيضًا النسائي وابن ماجه، وفي رواية لأبي داود وابن ماجه
عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللَّه وَ له إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِينَ﴾ قال: ((آمين)). حتى يسمع من يليه من الصف الأول.
وزاد ابن ماجه: فَيَرْتَجُ بِهَا الْمَسْجِدُ. وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه)).
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ في الصَّلَاةِ
٤٩٣
٨٣٢- [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا
صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذا قَالَ:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، يُحِبْكُم اللَّهُ، فَإِذَا كَبَّرَ
وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ)) فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَلِهِ: ((فَتِلْكَ بِتِلْكَ، قَالَ: وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ
رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ؛ يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٨٣٢- قوله: (إِذَا صَلَّيْتُمْ) أي: أردتم الصلاة. (فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ) أي:
عدلوها، وسووها، وتراصوا فيها بحيث لا يكون فيها اعوجاج ولا فرج. فالمراد
بإقامة الصفوف تسويتها واعتدال القائمين فيها على خط مستقيم وسَمْتٍ واحد،
والتراص فيها، وتتميمها الأول فالأول، وسد الخلل الذي في الصف، وعدم
الفرج. قال العيني: وهي - أي: تسوية الصف - من سنة الصلاة عند أبي حنيفة
والشافعي ومالك، وزعم ابن حزم أنه فرض، فإن تسوية الصفوف من إقامة
الصلاة، وإقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض.
(ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ) فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات، ولا خلاف في ذلك،
ولا ينافي هذا ما صح عنه بََّ: ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ ... ))، إلخ. لأنه لبيان الأفضل،
وذلك لبيان حصول أصل الجماعة، أو محمول على استواء الجميع في السن
والفضيلة. (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) فيه أمر المأموم بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام فلا
يكبر قبل الإمام ولا معه بل بعده؛ لأن الفاء للتعقيب.
(وَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾) أي: وقال: آمين. (فَقُولُوا:
آمِينَ) أي: مع تأمينه ليتوافق التأمينان معًا. واستدل بهذا الحديث بعض الحنفية
على ترك الفاتحة خلف الإمام؛ لأنه وّلية لم يأمرهم بقراءتها والمقام مقام التعليم،
(٨٣٢) مُسْلِمٍ (٦٢ / ٤٠٤)، أَبُو دَاوُد (٩٧٢)، النَّسَائِي (٩٦/٢) عَنْ أَبِي موسى الأَشْعَرِيِّ رَفَهُ فِيهَا.
٤٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال بعضهم: في قوله: ((اذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ... )) إلخ. إشارة إلى
السكوت والاستماع .
قلتُ: قد أمرهم النبي وَله بقراءة الفاتحة غير مرة فترك هاهنا لظهور أمرها
وشهرة شأنها، واعتمادًا على ما أكد الأمر فيها، فلم يكن حاجة إلى أن يذكرها كل
مرة، كيف ولم يذكر هاهنا دعاء الاستفتاح، والتعوذ، ووضع اليدين، وغير ذلك
من السنن وبعض الواجبات، والمقام مقام التعليم، ومع ذلك اتفقوا على
مشروعيتها لكونها ثابتة من أحاديث أخرى، فليكن هكذا أمر الفاتحة خلف
الإِمام، ولا عبرة بالإشارة والمفهوم في مقابلة النص الصريح والمنطوق. (يُحِبْكُمُ
اللَّهُ) بالجزم جواب الأمر، أي: يستجب لكم، وهذا حث عظيم على التأمين
فيتأكد الاهتمام به. (فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ
قَبْلَكُمْ) معناه: اجعلوا تكبيركم للركوع وركوعكم بعد تكبيره وركوعه، وكذلك
رفعكم من الركوع يكون بعد رفعه.
(فَتِلْكَ بِتِلْك) أي: فتلك اللحظة التي تقدمكم إمامكم مجبورة بتلك اللحظة
التي تأخرتم عنه. قال النووي: معناه: أي تلك اللحظة التي سبقكم الإمام بها في
تقدمه إلى الركوع ينجبر لكم بتأخركم في الركوع بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة
بتلك اللحظة، وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه، وكذلك في السجود. وقال
الخطابي في ((المعالم)) (ج١: ص٢٣٠): فيه وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك
مردودًا إلى قولهِ: ((وَإِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ فَقُولُوا:
آمَيْنٍ، يُحِبْكُمُ اللَّهُ)) يريد أن كلمة آمين يستجاب بها الدعاء الذي تضمنه السورة أو
الآية، كأنه قال: فتلك الدعوة مضمنة بتلك الكلمة أو معلقة بها، أو ما أشبه ذلك
من الكلام. والوجه الآخر أن يكون ذلك معطوفًا على ما يليه من الكلام: ((وَإِذَا كَبَّرَ
وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا)) يريد أن صلاتكم متعلقة بصلاة إمامكم فاتبعوه، وائتموا
به، ولا تختلفوا عليه، فتلك إنما تصح وتثبت بتلك. (وَإِذَا قَالَ) أي: الإمام.
(سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي: استجاب الله دعاء من حمده. (يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ)
بكسر العين، أي: يستجيب لكم ويقبله، وكان مجزومًا لجواب الأمر فحرك
بالكسر. وفيه: دلالة على استحباب الجهر من الإمام بالتسميع ليسمعوه فيقولون.
٤٩٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
واستدل به من يقول: إن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: اللهم
ربنا لك الحمد فقط؛ لأن القسمة بين الذكرين تقطع الشركة. ويجاب: بأن أمر
المؤتم بالحمد عند تسميع الإمام لا ينافي فعله له، كما أنه لا ينافي قوله وَله: ((إِذَا
قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ، فَقُولُوا: آمِينَ)) قراءة المؤتم للفاتحة. وكذلك أمر المؤتم
بالتحميد لا ينافي مشروعيته للإمام، كما لا ينافي أمر المؤتم بالتأمين، تأمين
الإمام. وقد استفيد التحميد للإمام والتسميع للمؤتم من أدلة أخرى، قاله
الشوكاني .
وقال شيخنا في ((أبكار المنن)) (ص ٢٢٠/ ٤٦٣): ورد هذا الاستدلال بأن
غرضه وَّله من هذا القول ليس للقسمة بين الإمام والمقتدي. بل ذكر وقت تحميد
المقتدي أنه عند قول الإمام: سمع الله لم حمده، وهو ساكت عن تحميد الإمام
إثباتًا ونفيًّا، انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي.
٨٣٣- [٦] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَتَادَةَ: ((وَإِذَا قَرَأَ، فَأَنْصِتُوا)).
{صحيح}
الشَّرْحُ
٨٣٣- قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أي: لمسلم، وكذا لأبي داود، وابن ماجه
أيضًا. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَتَادَةَ) أي: وعن قتادة، فيكون أثرًا موقوفًا على قتادة لا
حديثًا مرفوعًا، وإليه أشار النووي بقوله: لا سيما لم يروها مسندة في ((صحیحه))،
فكأن المصنف وافق النووي في جعل هذه الزيادة غير مسندة. وفيه نظر: فإن هذه
الزيادة ليست موقوفة على قتادة من قوله، بل هي مرفوعة متصلة رواها مسلم
مسندة في ((صحيحه)) من حديث أبي موسى الأشعري من طريق جرير، عن سليمان
التيمي، عن قتادة، عن يونس بن جبير أبي غلاب، عن حطان بن عبد الله الرقاشي،
عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وهذا ظاهر غير خفي لمن يتأمل في سياق الحديث عند
مسلم. والظاهر عندي: أن معنى قول المصنف: وقتادة، أي: وعن قتادة عن
(٨٣٣) مُسْلِم (٦٣ /٤٠٤)، وَابن مَاجَهْ (٨٤٧) عَنْهُ فِيهَا .
٤٩٦
EXB
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحَ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، عن أبي موسى، فيكون إشارة إلى أن هذه
الزيادة رواها مسلم من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي موسى أيضًا لكن من
طريق جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن يونس بن جبير ... إلخ.
تنبيه:
ظاهر عبارة المصنف يقتضي أن هذه الزيادة أخرجها مسلم في صحيحه من
حديث أبي هريرة، وليس كذلك، بل يفهم من كلام مسلم أنه لم يخرج حديث أبي
هريرة هذا أصلاً، فإن في كتابه بعد إيراد حديث أبي موسى وذكر هذه الزيادة من
رواية جرير عن سليمان التيمي عن قتادة: قال أبو بكر بن أخت أبي النضر: فحديث
أبي هريرة يعني: ((وإذا قرأ فأنصتوا؟)) فقال مسلم: هو عندي صحيح، فقال: لِم لم
تضعه هاهنا؟ فقال : لیس کل شيء عندي صحیح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا
ما اجتمعوا عليه، انتهى. وحديث أبي هريرة هذا قد ذكره المصنف في الفصل
الثاني، ويأتي الكلام عليه هناك.
(وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) أي: اسكتوا للاستماع، وهذا لا يكون إلا حالة الجهر، قاله
السندي. وقد احتج بذلك القائلون أن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة
الجهرية، وهم إسحاق بن راهويه وأحمد ومالك والحنفية، لكن الحنفية قالوا: لا
يقرأ خلف الإمام لا في سرية ولا جهرية. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
[الأعراف: ٢٠٤] قال ابن الهمام في
قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
((فتح القدير)): حاصل الاستدلال بالآية أن المطلوب أمران: الاستماع والسكوت،
فيعمل بكل منهما، والأول يخص الجهرية والثاني لا، فيجري على إطلاقه،
فيجب السكوت عند القراءة مطلقًا، انتهى. وبقوله: ((إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا))، في حديث
أبي موسى، وفي حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني، قال العيني: هذا حجة
صريحة في أن المقتدي لا يجب عليه أن يقرأ خلف الإمام أصلاً على الشافعي في
جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر، انتهى.
قلتُ: الاستدلال بالآية وبقوله: ((إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)) على منع القراءة خلف الإمام
في الصلوات الجهرية أو مطلقًا غير صحيح. أما الآية فلأن صحة الاستدلال بها
موقوفة على أن يكون الخطاب فيها مع المسلمين وهو ممنوع، بل الظاهر أن
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ
٤٩٧
الخطاب فيها مع الكفار، قال الفخر الرازي في ((تفسيره)): لا شك أن قوله:
﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضاه أن يكون الاستماع
والسكوت واجبًا، وللناس فيه أقوال. إلى أن قال: وفي الآية قول خامس: وهو أنه
خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ وليس خطابًا مع المسلمين، وهذا قول حسن
مناسب، انتهى. ثم ذكر الرازي تقرير هذا القول، من شاء الوقوف عليه فليرجع
إلى ((تفسيره)). وما قيل: أنه أجمع الناس على أن هذه الآية نزلت في الصلاة، فهو
ادعاء محض، لم يقم عليه دليل صحيح. ويرده: أن في سبب نزولها أقوالًا
وروايات مختلفة عن الصحابة ومن بعدهم: منها أنها نزلت في السكوت عند
الخطبة. ويرده أيضًا: أن الصحابة قد اختلفوا في القراءة خلف الإمام، وقد قال بها
أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ والتابعين ومن بعدهم كما صرح به الترمذي.
ويرده أيضًا: قول ابن المبارك: أنا أقرأ خلف الإمام، والناس يقرءون إلا قوم من
الكوفيين. ويرده أيضًا أن أحمد اختار القراءة خلف الإمام، وأن لا يترك الرجل
فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام، كما ذكره الترمذي.
وأما ما قيل: أن الخطاب في هذه الآية وإن كان مع الكفار لكن قد تقرر في مقره
أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فيجري لفظ الآية على عمومه،
ويشمل حكمه المورد وغيره، فتدل هذه الآية بعمومها على وجوب الاستماع
والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا، ففيه: أنه لا شك في أن العبرة لعموم اللفظ لا
لخصوص السبب، لكن قد تقرر أيضًا في مقره أن اللفظ لو يحمل على عمومه يلزم
التعارض والتناقض، ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض، فحينئذٍ
يحمل على خصوص السبب.
قال ابن الهمام في ((فتح القدير)): قوله وَّهُ: ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ))،
محمول على أنهم استضروا به، بدليل ما ورد في صحيح مسلم في لفظ: إن الناس
قد شق عليهم الصوم. والعبرة وإن كان لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لكن
يحمل عليه دفعًا للمعارضة بين الأحاديث ... إلخ. فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لو
يحمل قوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾ على عمومه لزم التعارض والتناقض بينه وبين
قوله تعالى: ﴿فَاقْرَهُ واْ مَا تَبَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠] وأحاديث القراءة خلف الإمام،
ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض، فحينئذٍ يحمل على خصوص
٤٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السبب. ولو تنزلنا واعتبرنا عموم لفظها بل سلمنا أن فيها الخطاب مع المسلمين
فعلى هذا التقدير أيضًا الاستدلال بها على منع القراءة خلف الإمام في الجهرية أو
مطلقًا ليس بصحيح لوجوه كثيرة:
منها: أن هذه الآية ساقطة عن الاستدلال عند الحنفية كما صرحوا به في كتب
الأصول. ففي ((نور الأنوار)) (ص١٩١): وحكمها بين الآيتين المصير إلى السنة؛
لأن الآيتين إذا تعارضتا تساقطتا، فلا بد للعمل من المصير إلى ما هو بعده وهو
السنة، ولا يمكن المصير إلى الآية الثالثة؛ لأنه يفضي إلى الترجيح بكثرة الأدلة
وذلك لا يجوز، ومثاله قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا نَبَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ مع قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾، فإن الأول بعمومه يوجب القراءة على
المقتدي، والثاني بخصوصه ينفيه، وقد وردا في الصلاة جميعًا فتساقطا، فيصار
إلى حديث بعده، وهو قوله الثّل: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، انتهى.
وقال مسعود بن عمر سعد الدين التفتازاني - الذي جعله طائفة حنفيًا كابن نجيم
وعلي القاري، وجعله بعضهم شافعيًا كصاحب كشف الظنون والكفوي
والسيوطي - ((في التلويح حاشية التوضيح شرح التنقيح))، في باب المعارضة
والترجيح: مثال المصير إلى السنة عند تعارض الآيتين قوله تعالى: ﴿فَأَقْرَهُ وَأَمَا يََّسَّرَ
مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ تعارضتا فصرنا
إلى قول النبي وَّرَ: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ)»، انتهى.
ومنها: أن الآية إنما أمرت باستماع القرآن والإنصات له، وهذا لا يقتضي
وجوب سكوت المقتدي مطلقًا بأن لا يقرأ في نفسه أيضًا، فإن الإنصات هو ترك
الجهر، والعرب يسمي تارك الجهر منصتًا، وإن كان يقرأ في نفسه، وسرًّا إذا لم
يسمع أحد قراءته، وقد حقق ذلك البيهقي في كتاب القراءة، وعلى هذا فالدليل غير
مثبت للمرام، والتقريب غير تام، وقد يقرر هذا الوجه بأن قوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ
الْقُرْءَانُ﴾ ... إلخ، إنما ينفي القراءة خلف الإمام جهرًا وبرفع الصوت، فإنها
تشغل عن استماع القرآن، وأما القراءة خلفه في النفس وبالسر فلا ينفيها، فإنها لا
تشغل عن الاستماع، فنحن نقرأ الفاتحة خلف الإمام عملًا بأحاديث القراءة خلف
الإِمام في النفس وسرًّا، ونستمع القرآن عملاً بقوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾
والاشتغال بأحدهما لا يفوت الآخر، ألا ترى أن الفقهاء الحنفية يقولون: إن
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْقِرَاءَةِ فى الصَّلَاةِ
٤٩٩
استماع الخطبة يوم الجمعة واجب لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾ ومع هذا
يقولون: إذا قرأ الخطيب: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾
[الأحزاب: ٥٦] فيصلي السامع في النفس وسرًّا.
ومنها: أن كتب المذاهب الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة قد صرحت
بجواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد عند الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة
كما في ((المحصول))، و((المختصر))، و((شرحه للعضد))، و((شرح الأسنوي على
المنهاج)) للقاضي البيضاوي، و((المستصفى))، و((روضة الناظر))، و((إرشاد
الفحول))، وغيرها، فلو سلمنا أن قوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾ عام فحديث
عبادة أخص منه، فيخص به عموم الآية، وتحمل على ما عدا الفاتحة، أو على غير
المقتدي .
قال الرازي في ((تفسيره)): السؤال الثالث وهو المعتمد أن تقول: الفقهاء أجمعوا
على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، فهب أن عموم قوله تعالى :
﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام
إلا أن قوله تعالَّلا: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). وقوله: ((لَا صَلَاةَ إِلَّ
بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)). أخص من ذلك العموم، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر
الواحد لازم، فوجب تخصيص هذه الآية بهذا الخبر، وهذا السؤال حسن انتهى.
وفي ((تفسير النيسابوري)): وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ. إلا أنهم جوزوا
تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وذلك هاهنا قوله وَ له: ((لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ))، انتهى.
ومنها: أن الآية لا تدل إلا على وجوب الاستماع والإنصات أي السكوت له،
وهذا مختص بالجهرية لا يتعدى إلى غيرها، فإن الاستماع والسكوت له لا يكون
في السرية، فلو سلم أن هذه الآية تدل على منع القراءة خلف الإمام فإنما تدل على
المنع في الجهرية دون السرية، فيكون المدعى عامًّا والدليل خاصًّا. ومنها: أن
الآية لا تدل إلا على وجوب الإنصات حال قراءة الإمام لاستماعه، لا على
السكوت مطلقًا؛ لأن المأمور في الآية الاستماع والإنصات، والاستماع لا يمكن
وجوده إلا حال القراءة، والإنصات ليس عبارة عن السكوت مطلقًا بل عن سكوت
مستمع .