Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*eSeMe
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا ابنُ حبان في
(صحيحه)) والحاكم والبيهقي. قال الشوكاني: لا مطعن في إسناده، وفي الباب
عن جماعةٍ من الصحابة، ذكر تخريج أحاديثهم الشوكاني في ((النيل))، والهيثمي
في ((مجمع الزوائد)).
٧٧٢ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِلّهِ
يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ
أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ صَلَاتَهُ قَالَ: ((مَا حَمَلَكُمْ عَلَى
◌ِلْقَاءِكُمْ نِعَالَكُمْ؟!)) قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ جِبْرَئِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًّا، إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ
الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًّا فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلَّ فِيهِمَا)).
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٧٧٢ - قوله: (إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ) أي: نزعهما عن رجليه. (فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ)
فيه معنى التجاوز، أي: وضعهما بعيدًا متجاوزًا عن يساره. وفيه من الأدب: أن
المصلي إذا صلى وحده وخلع نعله وضعها عن يساره، وإذا كان مع غيره في
الصف، و کان عن يمينه ويساره ناس فإنه يضعها بين رجليه کما سيأتي. وفيه: دليل
على جواز عمل قليل في الصلاة، وأن العمل اليسير لا يقطع الصلاة.
(فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ) أي: خلع النعل. (أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ) أي: خلعوها عن أرجلهم ثم
ألقوها. (نِعَالِكُمْ) بالنصب. (أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) بفتحتين، أي: نجاسة، وفي رواية
أحمد: ((أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا))، والحديث: يدلُّ على أن المصلي إذا دخل في الصلاة وهو
متلبس بنجاسة غير عالم بها أو ناسيًا لها، ثم عرف بها أثناء صلاته أنه يجب عليه
إزالتها، ثم يستمرُّ في صلاته، ویبنی علی ما صلى.
(٧٧٢) أَبُو دَاوُد (٦٥٠) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِيهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: ((خَبَثًا)): أَبُو دَاوُد (٦٥٤) عَنْهُ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَتْرِ
٢٦١
قال الخطابي: في الحديث من الفقه أن من صلَّى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها
فإن صلاته مجزية ولا إعادة عليه. قال القاضي: ومن يرى فساد الصلاة حمل القذر
على ما تقذر عرفًا كالمخاط. وحمله بعضهم على المقدار المعفو من النجاسة.
قلتُ: حمله على مستقذر غير نجس، أو نجس معفو عنه تحكم، ويرد حمل
القذر على المستقذر الغير النجس رواية الخبث المذكورة، للاتفاق بين أئمة اللغة
وغيرهم أن الأخبثين هما البول والغائط.
(فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ) أو في أحدهما. (قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلُّ فِيهِمًا) فيه: دليل
على استحبابِ الصلاة في النعال، وعلى أن مسح النعل من النجاسة مطهر له من
القذر، والظاهر عند الإطلاقِ فيه أنَّ النعل يطهر بالمسح مطلقًا، أي: سواء كانت
النجاسة رطبة أو جافة. قال القاضي: فيه دليل على أن مَن تنجس نعله إذا دلك على
الأرض طهر، وجاز الصلاة فيه، انتهى. ومن يرى خلافه أَوَّلَ بالمستقذر الغير
النجس أو بالمقدار المعفو من النجاسة، وهو تحكم فلا يلتفت إليه. وقد تقدم
الكلام مفصلًا على كون ذلك النعال مطهرًا لها في باب تطهير النجاسات.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد والحاكم وابن
خزيمة وابن حبان. واختلف في وصله وإرساله. ورجح أبو حاتم في ((العلل))
وصله، ورواه الحاكمُ من حديث أنس وابن مسعودٍ، ورواه الدار قطني من حديثٍ
ابن عباس، وعبد الله بن الشخير، وإسنادهما ضعيفان، ورواه البزار من حديث أبي
هريرة، وإسناده ضعيف معلول أيضًا، قاله الحافظ. وذكر الهيثمي أحاديث هؤلاء
الصحابة مع الكلام عليها، إن شئت الوقوف عليها فارجع إلى ((مجمع الزوائد))
(ج٢: ص٥٥).
٢٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٧٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: ((إِذَا صَلَّى
أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ نَعْلَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ فَتَكُونَ عَنْ يَمِينٍ غَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ
لَا يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ، وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ)).
- وفي رواية: ((أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا))(*).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٧٧٣ - قوله: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ) أي : أراد أن يصلي. (فَلَا يَضَعْ نَعْلَيْهِ) بالجزم
جواب إذا. (عَنْ يَمِينِهِ)؛ لأن جهة اليمين محرمة. (فَتَكُونَ) أي: فتقع النعل. (عَنْ
يَمِينِ غَيْرِهِ) قال الطيبي : هو بالنصب جوابًا للنهي، أي: وضعه عن يساره مع وجود
غيره سبب لأن تكون عن يمين صاحبه. يعني: وفيه نوع إهانة وإيذاء له، وعلى
المؤمن أن يحب لصاحبه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.
(إِلا أَنْ لا يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ) وفي بعض النسخ: ((عَنْ يَسَارِهِ))، (أَحَدٌ) أي: فيجوز
له حينئذٍ أن يضعهما عن يساره. (وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) إذا كان عن يساره أحد.
والمراد: الفرجة التي بين رجليه. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: زيادة لا بدلًا، أي: إذا صلى
أحدكم فخلع نعليه، فلا يؤذ بهما أحدًا؛ بأن يضعهما عن يمينه أو قدامه، ليجعلهما
في الفرجة التي بين رجليه. (أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا) أي: إن كانا طاهرين. وإنما لم يقل:
أو خلفه؛ لئلا يقع قدام غيره، أو لئلا يذهب خشوعه لاحتمال أن يسرق.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه. وقال العراقي: هذا حديث صحيح الإسناد،
انتهى. وفي سنده عبد الرحمن بن قيس عن يوسف بن ماهك. قال المنذري: يشبه
أن يكون الزعفراني البصري، كنيته أبو معاوية، لا يحتج به، انتهى. قلتُ:
عبد الرحمن بن قيس هذا هو العتكي أبو روح البصري لا الزعفراني، ذكره
(٧٧٣) أَبُو دَاوُد (٦٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.
(*) أَبُو دَاوُد (٦٥٤) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السَثْرِ
٢٦٣
ابن حبان في ((الثقات))، له هذا الحديث الواحد عند أبي داود. قال الحافظ في
((تهذيب التهذيب)) (ج٦: ص٢٥٧): وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في
((صحيحيهما)) وقال المنذري في ((مختصره)): يشبه أن يكون الزعفراني. وليس كما
ظن؛ فإن الزعفراني يصغر عن إدراك يوسف بن ماهك. وأيضًا فقد ذكره ابن حبان
في ((الثقات)). وأما الزعفراني، فواهي الحديث، انتهى. وفي الباب عن أبي بكرة
عند الطبراني في ((الكبير)).
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)): وفيه: زياد الجصاص ضعفه ابن معين وابن
المديني وغيرهما. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ) في آخر
الصلاة. (مَعْنَاهُ) وفي سنده عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد. قال في ((الزوائد)):
متفق على تضعيفه، انتهى. ولفظه: ((أَلْزِمْ نَعْلَيْكَ قَدَمَيْكَ، فَإِنْ خَلَعْتَهُمَا فَاجْعَلْهُمَا
بَيْنَ رِجْلَيْكَ، وَلَا تَجْعَلْهُمَا عَنْ يَمِينِكَ، وَلَا عَنْ يَمِينٍ صَاحِبِكَ، وَلَا وَرَءَكَ فَتُؤْذِىٍ مَنْ
خَلْفَك)» .
٢٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
BaRes
الفصل الثالث
٧٧٤ - [١٥] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَِّي
صَلى الله
وسلم
فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّ عَلَى حَصِيرِ يَسْجُدُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ
مُتَوَشِّحًا بِهِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرخُ
٧٧٤- قوله: (يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ) فيه دليل: على جواز الصلاة على شيء
يحول بينه وبين الأرض من ثوب وحصير وصوف وشعر وغير ذلك، وسواء نبت من
الأرض أم لا. قال القاضي: الصلاة على الأرض أفضل إلا لحاجة حر أو برد أو
نحوهما؛ لأن الصلاة سرها التواضع والخضوع، والأرض أقرب إلى التواضع.
(يَسْجُدُ عَلَيْهِ) بدل بعض من ((يصلي)). (مُتَوَشِّحًا بِهِ) أي: مخالفًا بين طرفيه. قال
ابن السكيت: التوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت
يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما
على صدره فيكون بمنزلة الإزار والرداء. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه.
٧٧٥ - [١٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يُصَلِّ حَافِيًّا، وَمُنْتَعِلًا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٧٧٥- قوله: (حَافِيًا) أي: بلا نعال تارة. (وَمُنْتَعِلًا) أي: أخرى، من
الانتعال. وفي بعض النسخ: ((متنعلًا)). من التنعل، أي: لا بسًا نعليه في رجليه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا ابن ماجه.
(٧٧٤) مُسْلِم (٥١٩) عن أبي سعيدٍ في الصَّلاةِ.
(٧٧٥) أَبُو دَاوُد (٦٥٣) فيها عنْ عمرو بن شعيبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ.
EXIOSE
٢٦٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بابُ السَتْرِ
٧٧٦ - [١٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ
عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلَّي فِي
إِزَارٍ وَاحِدٍ ! فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ؟.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٧٧٦ - قوله: (وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) هو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن
الهدير - بالتصغير - التيمي المدني، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ. سمع عن جابر،
وأنس، وابن الزبير، وعمه ربيعة وغيرهم، وأكثر عن جابر. روى عنه جماعة،
منهم الثوري ومالك والزهري وجعفر الصادق وهشام بن عروة. وهو من مشاهير
التابعين وجلتهم، جمع بين العلم والزهد والعبادة والدين المتين والصدق والعفة.
قال إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع إليه
الصالحون، ولم يدرك أحد أجدر أن يقبل الناس منه إذا قال: قال رسول اللَّه ◌َ له
ولا يسأل عمن هو، من ابن المنكدر، يعني: لتحريه.
وقال إبراهيم بن المنذر: كان غاية في الحفظ والإتقان والزهد، حجة. مات
سنة (١٣٠) وقيل: (١٣١) وقد بلغ (٧٦) سنة. (مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ) بكسر القاف وفتح
الموحدة أي: من جهة قفاه. (وَثِيَابُهُ) الواو للحال. (مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ)
بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم بعدها موحدة، هو ثلاث عيدان
تضم وتعقد رؤوسها، ويفرج بين قوائمها، توضع عليها الثياب، وقد تعلق عليها
الأسقية لتبريد الماء، قال ابن سيده: المشجب والشجاب خشبات ثلاث يعلق عليها
الراعي دلوه وسقاءه. ويقال في المثل: فلان کالمشجب من حیث قصدته وجدته،
والجملة اسمية حالية. (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ) هو عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت كما
في مسلم. (تُصَلَّ فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ !) همزة الإنكار محذوفة.
(إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ) أي: الذي فعله من صلاته، وإزاره معقود على قفاه، وثيابه
(٧٧٦) البخاري (٣٥٢) عنه فيها .
٢٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ONCE *
موضوعة على المشجب. (لِيَرَانِي أَحْمَقُ) بالرفع غير منصرف من الحمق - بضم
الحاء وسكون الميم - وهو قلة العقل. والمراد بالأحمق هنا: الجاهل. وحقيقة
الحمق وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه، قاله في ((النهاية)). وإنما أغلظ
له في الخطاب زجرًا عن الإنكار على العلماء، وليحثه على البحث عن الأمور
الشرعية .
(مِثْلُكَ) أي: فيعلم أنه جائز، أو فينكر علي بجهله، فأظهر له جوازه ليقتدي بي
الجاهل ابتداء. و((مِثْلُكَ)) بالرفع صفة أحمق؛ لأنها وإن أضيفت إلى المعرفة لا
تتعرف لتوغلها في الإبهام إلا إذا أضيفت لما اشتهر بالمماثلة، وهاهنا ليس كذلك،
ولذا وقعت صفة لنكرة وهي أحمق. (وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانٍ) استفهام يفيد النهي،
وغرضه أن الفعل كان مقررًا. (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ نَ) وحينئذٍ فلا ينكر.
والمعنى: كان أكثرنا في عهده وَّ لا يملك إلا الثوب الواحد، ومع ذلك فلم
يكلف تحصيل ثوب ثان ليصلي فيه، فدل على الجواز.
والحديث: فيه دليل على جواز الصلاة في الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر
منه، وهو قول عامة الفقهاء. وروي عن ابن عمر خلاف ذلك، وكذا عن ابن
مسعود، فروى ابن أبي شيبة عنه: ((لَا يُصَلِّيَنَّ فِي ثَوْبٍ وَإِنْ كَانَ أَوْسَعَ مِمَّا بِيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)»، قال في ((الفائق)): أجمعوا على أن الصلاة في ثوبين أفضل، فلو
أوجبناه لعجز من لا يقدر عليهما، وفي ذلك حرج. وأما صلاة النبي وَّ وأصحابه
في ثوب واحد، ففي وقت كان لعدم ثوب آخر، وفي وقت كان مع وجوده لبيان
الجواز، نقله الطيبي. وأخرج البخاري من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة
أن سائلًا سأل رسول اللَّه وَ ل عن الصلاة في ثوب واحد.
فقال رسول اللّه وَله: ((أَوَ لِكُلَّكُمْ ثَوْبَانٍ؟)) قال الخطابي: لفظة استخبار ومعناه
الإخبار عما هم عليه من قلة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى.
كأنه يقول: إذا علمتم أن ستر العورة فرض، والصلاة لازمة، وليس لكل أحد
منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟ أي: مع مراعاة
ستر العورة به. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قال العيني: هذا الطريق انفرد به البخاري.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
KaeE
بابُ السَتْرِ
٢٦٧
٧٧٧ - [١٨] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ سُنَّةٌ،
كُنَّا نَفْعَلُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِهِ وَلَ يُعَابُّ عَلَيْنَا، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا كَانَ ذَاَ
إِذَا كَانَ فِي الثِّيَابِ قِلَّةٌ، فَأَمَّا إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ، فَالصَّلَاةُ فِي الثَّوْبَيْنِ أَزْكَى.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٧٧٧- قوله: (سُنَّةٌ) أي: جائز بالسنة، وإن كانت في الثوبين أفضل، كما
يأتي عن ابن مسعود، فلا تنافي بينهما، قاله القاري. (كُنَّا نَفْعَلُهُ) أي: ما ذكر من
الصلاة في الثوب الواحد. (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِّ) أي: مع فعله، أو حال كوننا معه.
ويؤيد الثاني قوله: (وَلَا يُعَابُ عَلَيْنَا) أي: وما نهانا. فيكون تقريرًا نبويًّا، فثبت
جوازه بالسنة؛ إذ عدم الإنكار دليل الجواز لا دليل الندب.
(إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ) أي: المذكور من الصلاة في الثواب الواحد من غير كراهة.
(إِذَا كَانَ) وفي ((المسند)): ((إذ كان)). (فِي التِّيَابِ قِلّةٌ) أي: في وقت كون الثياب
قليلة. (فَأَمَّا إِذَا) وفي ((المسند)): ((إِذْ)). (وَسَّعَ اللَّهُ) بتكثير الثياب، شرطية جزاؤها.
(فَالصَّلاَةُ فِي الثَّوْبَيْنِ) أي: الإزار والرداء، أو القميص والإزار. (أَزْكَى) أي:
أولی.
وقال الطيبي: أي: أطهر، أو أفضل؛ لأن الزكاة النمو الحاصل عن بركة الله
تعالى، أو طهارة النفس عن الخصال الذميمة، وكلا المعنيين محتمل في
الحديث، وقيل: أزكى بمعنى أنمى، أي: أكثر ثوابًا، أو بمعنى أطهر؛ لأنه أبعد
من الخصلة الذميمة، التي هي أداء الصلاة على وجه الكراهة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) فيه نظر؛ لأنه لم يروه أحمد، بل هو مما رواه ابنه عبد اللَّه زائدًا
على أبيه (ج٥: ص١٤١) من طريق أبي نضرة بن بقية، قال: قال أبي بن
كعب ... إلخ. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٢: ص٤٩) بعد ذكره: رواه
(٧٧٧) أَحْمَد (٥/ ١٤١) عنهما.
٢٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*3
عبد الله من زياداته، والطبراني في (الكبير)) بنحوه من رواية زِرِّ عنه موقوفًا، وأبو
نضرة لم يسمع من أَبَيِّ ولا من ابن مسعود، انتهى. وعن ابن عمر، قال: قال
النبي ◌َِّ. ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ؛ فَإِنَّ اللهَ أَحَقُّ مَنْ يُزَيَّنَ لَهُ). رواه
الطبراني في ((الكبير))، وإسناده حسن، قاله الهيثمي.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّتْرةِ
٢٦٩
٩ - بَابُ السُّتِرَةِ
(بَابُ السُّتْرَةِ) هي - بالضم - ما يستتر به كائنًا ما كان، وقد غلب على ما ينصبه
المصلي قدامه من عصا، أو رمح، أو حربة، أو سهم، أو غير ذلك مما يظهر به
موضع سجود المصلي؛ كيلا يمر مار بينه وبين موضع سجوده.
قال النووي: قال العلماء: الحكمة في السترة: كف البصر عما وراءها، ومنع
من يجتاز بقربه. وقال ابن الهمام في ((فتح القدير)): المقصود من السترة جمع
الخاطر بربط الخيال به كيلا ينتشر. يريد أن في فطرة الإنسان أن خياله ينتشر في كل
واد، ويطوف بكل جانب إذا كان في مكان واسع، بخلاف ما إذا كان في مكان
ضيق، فإنه لا يكون له جولان وتطواف مثل الأول، بل ينقبض وينحصر فيه، فأراد
الشارع بأمر نصب السترة أن يضيق عليه مكان صلاته بجمع خاطره بربط الخيال به
كيلا ينتشر، والله أعلم.
الفصل الأول
٧٧٨ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى،
وَالعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح }
الشَّرْجُ
٧٧٨ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يَغْدُو) أي: يذهب غدوة. (إِلَى الْمُصَلَّى) أي:
مصلى العيد. (وَالْعَنَزَةُ) بفتحات وهي أقصر من الرمح، في طرفها زج كزج
(٧٧٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٩٧٣)، ومُسْلِم (٥٠١) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.
٢٧٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الرمح، والزج - بضم الزاي - الحديدة التي في أسفل الرمح، يقابله السنان.
وقيل: العنزة أطول من العصا، وأقصر من الرمح، وفيها سنان كسنان الرمح.
(وَتُنْصَبُ) أي: تغرز. (بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: قدامه أي: قبالة أحد حاجبيه لا
بين عينيه. (فَيُصَلَّ إِلَيْهَا) زاد ابن ماجه وابن خزيمة، والإسماعيلي: وذلك أن
المصلی کان فضاء، ليس فيه شيء يستره. وفي رواية للبخاري: (کان إذا خرج یوم
العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه)). وكان يفعل ذلك
- أي: نصب الحربة بين يديه - حيث لا يكون جدار، والصلاة إليها في السفر.
فلیس مختصًّا بيوم العيد.
والحديث: يدل على مشروعية اتخاذ السترة في الفضاء، وملازمة ذلك في
السفر، وعلى أن السترة تحصل بكل شيء ينصب تجاه المصلي وإن دق، إذا كان
قدر مؤخرة الرحل، وعلى مشروعية المشي بين يدي الإمام بآلة من السلاح. ولا
يعارض ذلك ما روي من النهي عن حمل السلاح يوم العيد؛ لأن ذلك إنما هو عند
خشية التأذي به .
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في العيدين. وأخرجه أيضًا مسلم، وأبو داود والنسائي وابن
ماجه بنحوه .
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ السُّتْرةِ
Bseri
٢٧١
٧٧٩ - [٢] وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ بِمَكَّةَ، وَهُوَ
بِالْأَبْطَحِ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمِ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضَوْءَ رَسُولِ اللَّهِ شَهِ،
وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوُضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ
لَمْ يُصِبْ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ بِلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً، فَرَكَزَهَا،
وَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َه فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ،
وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَىِ الْعَنَزَةِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْحُ
٧٧٩ - قوله: (وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء
وبالفاء، اسمه وهب بن عبد الله السوائى - بضم المهملة وخفة الواو والمد - نسبة
إلى سواءة بن عامر. ويقال: اسم أبيه وهب أيضًا، مشهور بكنيته. ويقال له: وهب
الخير، صحابي معروف. قيل: مات النبي ◌َّ- قبل أن يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه
وروى عنه. وكان من كبار أصحاب علي وخواصه، وكان على شرطته، واستعمله
على خمس المتاع. مات بالكوفة سنة (٧٤) له خمسة وأربعون حديثًا، اتفقا على
حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة. روى عنه جماعة. (وَهُوَ
بِالأَبْطَح) بفتح الهمزة، وهو في اللغة: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. والبطيحة
والبطحاء مثله، صار علمًا للمسيل الذي بين مكة ومنى، ينتهي إليه السيل من وادي
منى، وهو أقرب إلى مكة، يكون فيه دقاق الحصى، ويسمى البطحاء والمحصب
أيضًا لكثرة الحصباء فيه. (مِنْ أَدَم) بفتحتين، جمع أديم أي: جلد.
(وَضَوْءَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّ) بفتح الواو، أي: الماء الذي توضأ به رسول اللّه وَه .
والظاهر: أن المراد به: ما سال من أعضاء وضوئه وَ له. وفيه: دلالة بينة على
طهارة الماء المستعمل. (يَبْتَدِرُونَ) أي: يتسارعون ويتسابقون. (ذَلِكَ الْوَضُوءَ)
أي: إلى أخذ ماء وضوئه؛ تبركًا بآثاره الشريفة. (فَمَنْ أَصَابَ) أي: أخذ. (مِنْهُ)
(٧٧٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٧٦) (٦٣٣)، ومُسْلِم (٥٠٣/٢٤٩) (٥٠٣/٢٥٠) (٥٠٣/٢٥٢) عَنْهُ
فِي الصَّلَاةِ.
٢٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: من بلال. (شَيْئًا) من الماء، أو فمن وجد من ذلك الماء شيئًا قليلًا وقدرًا
يسيرًا. (تَمَسَّحَ بِهِ) أي: مسح به وجهه وأعضاءه؛ لينال بركته وََّ . (وَمَنْ لَمْ يُصِبْ
مِنْهُ) أي: من بلل يد بلال. (أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ) فيه دليل بيِّنٌ على أن الماء
المستعمل طاهر، ولا دلیل علی کونه من خصائصه.
(فَرَكَزَهَا) أي: غرزها. (فِي حُلَّةٍ) أي: حال كونه في حلة. وهي بضم الحاء إزار
ورداء، ولا تسمى حلة حتى يكون ثوبين. (حَمْرَاءَ) فيه أظهر دليل على أنه يجوز
لبس الأحمر الصرف للرجال، وإن كان قانًا، خلافًا للحنفية، فإنهم قالوا: يكره،
وتأولوا هذا الحديث: بأنها كانت حلة من برود فيها خطوط حمر. وهو تأويل
ضعيف أو باطل. وسيأتي الكلام عليه مفصلًا في موضعه.
(مُشَمِّرًا) بكسر الميم الثانية من التشمير، وهو ضم الذيل ورفعه للعَدْوِ أي:
مسرعًا، يقال: فلان شمر عن ساقه، وتشمر في أمره أي: خف، وقيل: المراد:
رافعًا ثوبه قد كشف شيئًا من ساقيه. قال في مسلم: ((كأني أنظر إلى بياض ساقيه)).
(صَلَّى)، ولمسلم: ((تقدم فصلى إلى العنزة)). (بِالنَّاسِ) أي: إمامًا بهم. (رَكْعَتَيْنِ)
أي: للظهر كما في رواية. (يَمُرُّونَ) فيه تغليب للعقلاء. (بَيْنَ يَدَي الْعَنَزَةِ) أي:
وراءها. وفيه: استعمال المجاز، وإلا فالعنزة لا يد لها.
وفي الحديث من الفوائد: استعمال البركة مما لامسه الصالحون، ووضع
السترة للمصلي حيث يخشى المرور بين يديه، والاكتفاء فيها بمثل غلظ العنزة.
وفيه: تعظيم الصحابة للنبي وَله.
وفيه: استحباب استصحاب العنزة ونحوها.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري مطولًا ومختصرًا في الطهارة، وفي الصلاة، وفي
اللباس، وفي صفة النبي بَّه. وأخرجه مسلم في الصلاة. قال مَيْرَك: ولفظه
للبخاري. وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود في الصلاة، والنسائي في الزينة،
وابن ماجه في الصلاة.
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ السُّتْرَةِ
٢٧٣
٧٨٠ - [٣] وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِي ◌ََِّّ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ
فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: قَلتُ: أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟ قَالَ: كَانَ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
يَأْخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلَّ إِلَى آخِرَتِهِ.
الشَّرْجُ
٧٨٠ - قوله: (كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ) أي: ينيخها بالعرض بينه وبين القبلة، حتى
تكون معترضة بينه وبين من يمر بين يديه. من عرض العود على الإناء يعرض -
بضم الراء وكسرها - وضعه عرضًا، قاله التوربشتي. وقال النووي: هو بفتح الياء
وكسر الراء، وروي بضم الياء وفتح العين وتشديد الراء المكسورة. ومعناه:
يجعلها معترضة بينه وبين القبلة، انتهى. والراحلة: الناقة التي تصلح لأن يوضع
الرحل عليها، قاله الجوهري. وقال الأزهري: الراحلة: المركوب النجيب ذكرًا
كان أو أنثى. والهاء فيها للمبالغة.
(فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) فيه: دليل على جواز الصلاة إلى الحيوان، والاستتار بما يستقر
منه من غير كراهة، وجواز الصلاة بقرب البعير، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في
معاطن الإبل؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء، ولا يستلزم من النهي عن
الصلاة في معاطن الإبل النهي عن الصلاة إلى البعير الواحد في غير المعاطن. قال
ابن حزم: من منع الصلاة إلى البعير فهو مبطل. وقال ابن عبد البر في
(الاستذكار)): أما الاستتار بالراحلة فلا أعلم فيه خلافًا.
قلتُ: قال الشافعي: لا يستتر بامرأة ولا دابة. وفي ((الشرح الكبير)) للمالكية:
وسترة لإمام وفذ بطاهر ثابت لا دابة، إما لنجاسة فضلتها كالبغال، وإما لخوف
زوالها، وإما لهما. قال الدسوقي: فلا تحصل السنة أو المندوب بالاستتار بها،
انتهى. وبهذا علم أن التستر بالدابة، والصلاة إليها، لا يخلو عن الكراهة عند
الشافعية والمالكية؛ ولذلك حملوا الحديث على حال الضرورة، فقال الحافظ في
((الفتح))، والزرقاني في ((شرح الموطأ))، وابن رسلان: يحمل ما وقع منه في السفر
(٧٨٠) البُخَارِي (٥٠٧) عَنْهُ فِيهَا .
٢٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من الصلاة إليها على حالة الضرورة، ونظيره صلاته إلى السرير الذي عليه المرأة،
لكون البيت كان ضيقًا .
قال الحافظُ: وعلى هذا فقول الشافعي في البويطي: لا يستتر بامرأة ولا دابة في
حال الاختيار. وقال النووي: لعل الحديث لم يبلغ الشافعي ومذهبه اتباع
الحدیث، فتعین العلم به؛ إذ لا معارض له، انتهى.
قال الحافظُ: وروى عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبد الله بن دينار، أن ابن
عمر كان يكره أن يصلي إلى البعير إلا وعليه رحل. وكان الحكمة في ذلك: أنها في
حال شد الرحل عليها أقرب إلى السكون من حال تجريدها، انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
ولفظه للبخاري، وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود.
(قُلْتُ) أي: قال عبيد الله بن عمر: قلتُ لنافع كذا بينه الإسماعيلي، وحينئذٍ
فيكون مرسلًا؛ لأن فاعل قوله: (يَأْخُذُ). الآتي هو الرسول ◌َّ ولم يدركه نافع.
قال الحافظُ: قوله: (قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ) ظاهره أنه كلام نافع والمسئول ابن عمر،
لكن بين الإسماعيلي من طريق عبيدة بن حميد، عن عبيد الله بن عمر أنه كلام عبيد
الله، والمسئول نافع، فعلى هذا هو مرسل؛ لأن فاعل (يَأْخُذُ) هو النبي. ولم
يدركه نافع، انتهى. قال مَيْرَك شاه: فعلى هذا إيراد محيي السنة، وصاحب
((المشكاة)) ليس بسديد؛ لأنهما ذكرا في كتابيهما كلامًا لم يذكر قائله فيهما مع أنه
یوهم خلاف الواقع، انتهى.
(إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ) بكسر الراء، أي: هاجت الإبل. وشوشت على المصلي
لعدم استقرارها. يقال: هب الفحل إذا هاج، وهب البعير في السير إِذا نشط.
والركاب: الإبل التي يسار عليها. ولا واحد لها من لفظها. والمعنى: إلى أيِّ شيء
كان يصلي عند هبوب الركاب؟ (قَالَ) أي: نافع. (كَانَ يَأْخُذُ) أي: النبي ◌َّ ..
(الرَّحْلَ) بفتح الراء وسكون الحاء، ما يوضع على ظهر البعير؛ ليركب عليه
كالسرج للفرس. (فَيُعَدِّلُهُ) بضم المثناة التحتية وفتح العين وتشديد الدال، من
التعديل وهو تقويم الشيء وتسويته. وضبطه الحافظ وغيره بفتح أوله وسكون العين
وكسر الدال، أي: يقيمه تلقاء وجهه.
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّتْرَةِ
٢٧٥
(فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ) بفتح الهمزة والمعجمة والراء من غير مد، ويجوز المد لكن
مع كسر الخاء، والمراد بها: العود الذي في آخر الرحل، الذي يستند إليه الراكب
خلاف قادمته .
٧٨١ - [٤] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا
وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ
ذَلِك».
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشّرْحُ
٧٨١ - قوله: (إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: قدامه. وهذا مطلق، وقد ورد
في حديث بلال: أن النبي ◌ُّ صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع.
فينبغي للمصلي أن يدنو من السترة، ولا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع. قال
البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة، بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان
السجود، وكذلك بين الصفوف. وقد ورد الأمر بالدنو منها كما سيأتي.
(مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ) أي: سترة مثل آخرة الرحل. وفي المؤخرة لغات: ضم
الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء المخففة وفتحها. وفتح الهمزة والخاء معًا مع
تشديد الخاء، وفتح الهمزة وكسر الخاء المشددة. وفتح الميم وسكون الواو من
غير همزة وكسر الخاء. وهو العود الذي يستند إليه راكب الرحل.
قال الحافظُ: اعتبر الفقهاء مؤخرة الرحل في مقدار أقل السترة، واختلفوا في
تقديرها بفعل ذلك، فقيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراع. وهو أشهر، لكن في ((مصنف
عبد الرزاق)) عن نافع: أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع. وقال النووي: في
هذا الحديث بيان أن أقل السترة مؤخرة الرحل، وهي قدر عظم الذراع وهو نحو
ثلثي ذراع. ويحصل بأي شيء أقامه بين يديه. قال: وليس في هذا الحديث دليل
على بطلان الخط، انتهى. (وَلَا يُبَالِ) وفي بعض نسخ مسلم: ((وَلاَ يُبَالِى)) من
(٧٨١) مُسْلِم (٢٤١ /٤٩٩) عَنْهُ فِيهَا .
٢٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المبالاة، يقال: بالى الأمر وبالأمر، اهتم به واكترث له. (مَنْ) أي: بمن أو ممن.
(مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ) من المرأة ونحوها. ولا يدفعه بالإشارة وغيرها. ولفظ أبي
داود: ((إِذَا جَعَلْتَ بَيْنَ يَدَيْكَ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، فَلَا يَضُرُّ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْكَ))،
والمراد بالضرر: الضرر الراجع إلى نقصان صلاة المصلي. وفيه: إشعار بأنه لا
ينقص شيء من صلاة من اتخذ سترة بمرور من مر بين السترة والقبلة. ويحصل
النقص، إذا لم يتخذ سترة، وكذا إذا مر المار بينه وبين السترة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
وأخرجه أيضًا الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه.
٧٨٢ - [٥] وَعَنْ أَبِي جُهَيْم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ
بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّ مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَأَنَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرًا لَّهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ
يَدَيْهِ)).
قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَّةً.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرْجُ
٧٨٢ - قوله: (بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّ) ظرف (المارُّ)، أي: أمامه بالقرب منه.
وعبر باليدين؛ لكون أكثر الشغل يقع بهما. واختلف في تحديد ذلك، فقيل: ما
بين موضع جبهته في سجوده وقدميه، وقال بعض الحنفية: المرور المحرم:
المرور بينه وبين موضع سجوده. والمراد بموضع السجود: المكان الذي بینه وبین
منتهى بصره، إذا قام متوجهًا إلى مكان يسجد فيه. وقيل: المراد: قدر ما يقع
بصره على المار لو صلى بخشوع، أي: راميًا ببصره إلى موضع سجوده. وقال
بعضهم: مقدار صف. وقال بعضهم: مقدار صفين. وقال بعضهم: مقدار ثلاثة
صفوف. وهذا كله في الصحراء والمسجد الكبير. وأما في المسجد الصغير فما
بینه وبین جدار المسجد .
(٧٨٢) البُخَارِي (٥١٠)، مُسْلِم (٢٦١/ ٥٠٧)، أَبُو دَاوُد (٧٠١)، التِّرْمِذِي (٣٣٦)، ابن مَاجَهْ
(٩٤٥)، النَّسَائِي (٦٦/٢)، عَنْ أَبِي ◌ُهَيْمٍ بْنِ الحَارِثِ فِي الصَّلَاةِ.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشُّتْرَةِ
٢٧٧
وقال ابن العربي : حريم المصلي الذي يمنع المرور فيه مقدار ما يحتاجه لقيامه
وركوعه وسجوده. وقيل: إنه قدر رمية الحجر، أو السهم، أو المضاربة بالسيف،
أقوال عند المالكية. وقالت الشافعية والحنابلة: مقدار ثلاثة أذرع. قلتُ: أرجح
الأقوال في ذلك عندي أنه قدر ما يقع بصره على المار لو صلى بخشوع، أي: راميًا
ببصره إلى موضع سجوده من غير تفصيل بين المسجد وغيره. والله أعلم.
قال السيوطي: المراد بالمرور أن يمر بين يديه معترضًا. أما إذا مشى بين يديه
ذاهبًا لجهة القبلة، فليس داخلًا في الوعيد، انتهى. وقال الحافظُ: ظاهر الحديث
أن الوعيد المذكور يختص بمن مر لا بمن وقف عامدًا مثلًا بين يدي المصلى أو
قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي فهو في معنى المار،
انتهى. والحديث عام في كل مُصَلِّ فرضًا أو نفلًا، سواء كان إمامًا أو منفردًا أو
مأمومًا وقيل: يختص بالإمام والمنفرد إلا المأموم؛ فإنه لا يضره من مرَّ بین یدیه؛
لأن سترة الإمام سترة له أو إمامه سترة له، إلا أنه رد هذا القول بأن السترة إنما تفيد
رفع الحرج عن المصلي لا عن المار، فاستوى الإمام والمأموم والمفرد في ذلك.
(مَاذَا عَلَيْهِ) أي: من الإثم أو الضرر بسب مروره بين يديه، وهو في موضع نصب
ساد مسد مفعولي (يعلم))، وجواب (لَوْ) قوله: (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ) أي: أن
المار لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لاختار أن يقف
المدة المذكورة؛ حتى لا يلحقه ذلك الإثم.
وقال الكرماني: جواب (لَوْ) ليس هو المذكور بل التقدير: لو يعلم ما الذي عليه
لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. قال الحافظُ: وليس ما قاله متعينًا.
وقال السندي: أي: لكان وقوفه خيرًا له من المرور عنده. ولهذا علق بالعلم، وإلا
فالوقوف خیرًا له، سواء علم أو لم يعلم.
(خَيْرًا لَهُ) بالنصب على أنه خبر كان، واسمه قوله: ((أن يقف)). وروي بالرفع،
وهي رواية الترمذي. قيل: هو مرفوع على أنه اسم كان، وسوغ الابتداء بالنكرة
لكونها موصوفة. ويحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها. قال
الكرماني: أبهم العدد تفخيمًا للأمر، وتعظيمًا له.
قال الحافظُ: ظاهر السياق أنه عين المعدود، ولكن شك الراوي فيه. وقد وقع في
٢٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((مسند البزار)) من حديث أبي جهيم: ((لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيْفًا)) أي: عامًا. أطلق
الخريف على العام من إطلاق الجزء على الكل، وسيأتي في الفصل الثالث من
حديث أبي هريرة: ((كَانَ لَأَنْ يُقِيمَ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا))؛ وهذا
مشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظّيم الأمر لا لخصوص عدد معين. وجنح
الطحاوي إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد التقييد بالأربعين زيادة في تعظيم الأمر على
المار؛ لأنهما لم يقعا معًا؛ إذ المائة أكثر من الأربعين، والمقام مقام زجر
وتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر
ومميز الأربعين إن كان هو السنة ثبت المدعى، أو ما دونها فمن باب الأولى.
(مِنْ أَنْ يَمُرَّ) أي: من المرور. (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: المصلي؛ لأن إثم المرور يفضي
إلى تعب هو أشد من هذا التعب؛ فإن عذاب الدنيا وإن عظم يسير. (قَالَ أَبُو النَّضْرِ)
هذه مقولة مالك، وأبو النضر - بفتح النون وسكون الضاد المعجمة - اسمه سالم
ابن أبي أمية المدني مولى عمر بن عبيد الله التيمي، سمع أنسًا.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت، وكان ابن عيينة يصفه بالفضل،
والعقل، والعبادة. وقال الحافظُ: ثقة ثبت، وكان يرسل من صغار التابعين، روى
عنه مالك، والسفيانان، وغيرهم. مات سنة (١٢٩). (قَالَ) وفي رواية: أَقَالَ.
بهمزة الاستفهام. والضمير يرجع إلى سبر بن سعيد، وقيل: إلى رسول اللّه وَ . .
(أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً) معنى هذا الكلام: أن أبا النضر قال: لا أدري -
أى: لا أحفظ - أن شيخي بسر بن سعيد، أقال بعد قوله: ((أربعين)) لفظ يوم أو شهر
أو سنة، ويحتمل أن يكون معناه: قال أبو النضر: إن سبر بن سعيد روى هذا
الحديث عن أبي جهيم عن رسول اللَّه وَ له، ولم يذكر بعد قوله: (أَرْبَعِينَ) لا يومًا،
ولا شهرًا، ولا سنة، فلا أدري هل ذكر بعد ذلك رسول اللَّه وَ ل شيئًا من هذه الثلاثة
أو لم يذكر؟ والحديث: يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي، فإن في معنى
الحديث النهي الأكيد، والوعيد الشديد على ذلك، قاله النووي. ومقتضى ذلك أن
يعد في الكبائر. وظاهره يدل على منع المرور مطلقًا، ولو لم يجد مسلكًا، بل
يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضًا
مالك، وأحمد والترمذي وأبو داود، والنسائي وابن ماجه.
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الشتْرةِ
٢٧٩
٧٨٣ - [٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إِذَا صَلَّى
أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ،
فَإِنْ أَبَى، فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)). [هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِي وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ] {صحيح}
الشَرْجُ
٧٨٣- قوله: (إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) مما سلف تعيينه من السترة،
وقدرها، وقدر كم يكون بينها وبين المصلي. وفيه: أنه لا يجوز الدفع والمقاتلة إلا
لمن كان له سترة. قال النووي: اتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته بل
احتاط، وصلى إلى سترة، أو في مكان يأمن المرور بين يديه.
(أَنْ يَجْتَازَ) من الجواز، أي: يعبر ويمر ويتجاوز. (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: بينه وبين
السترة (فليدفعه) أي: ما استطاع. وفي رواية لمسلم: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا
يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلْيَدْرَأَهُ مَا اسْتَطَاعَ))، قيل: ندبا. وقال أهل الظاهر: وجوبًا،
وهو الظاهر. قال القرطبي: أي: بالإشارة ولطيف المنع، أو بوضع اليد على نحره
كما في رواية. وقيل: بالتسبيح أو الجهر بآية في الصلاة السرية، فإن كانت
الصلاة جهرية يرفع بها صوته أزيد من قراءته.
قال عياض: اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه لیرده، إنما يرده
ويدفعه من موقفه؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين
يديه. وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه. ولهذا أمر بالقرب من سترته، وإنما
يرده إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتسبيح، انتهى.
(فَإِنْ أَبَّى) أي: امتنع من الاندفاع. (فَلْيُقَاتِلْهُ) حملوه على أشد الدفع، وقالوا:
يزيد في دفعه الثاني أشد من الدفع الأول. قال القرطبي: أجمعوا على أنه لا يلزمه
أن يقاتله بالسلاح؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها،
والخشوع فيها، انتهى.
(٧٨٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٠٩)، ومُسْلِم (٥٠٥/٢٥٩) عَنْهُ فِيهَا، وأَبُو دَاوُد (٦٩٧).