Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
القرشية المدنية، تزوجها ابن عمها الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب،
ومات عنها، فتزوجها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. ثقة، تابعية، روت عن
أبيها وأخيها زين العابدين، وعمتها زينب بنت علي، وجدتها فاطمة الزهراء،
مرسل، وبلال المؤذن مرسل، وابن عباس، وأسماء بنت عميس، وروى عنها
جماعة. ماتت بعد المائة وقد أَسَنَّتْ. ذكرها ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ماتت
وقد قاربت التسعين. ووقع ذكرها في ((صحيح البخاري)) في الجنائز قال: لما مات
الحسن بن الحسن ضربت امرأته القبة.
(عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى) أي: الزهراء بنت رسول اللَّه ◌َله، وأمها خديجة،
وهي أصغر بناته في قول. وهي سيدة نساء هذا الأمة. تزوجها علي بن أبي طالب
في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان، وبنى عليها في ذي الحجة. وكان
سنها يوم تزوجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف، فولدت له الحسن،
والحسين، والمحسن، وزينب، وأم كلثوم، ورقية. وماتت بالمدينة بعد موت
النبي وَلَّ بستة أشهر، وقيل: بثلاثة أشهر، وقيل غير ذلك، ولها سبع وعشرون
سنة. وقيل: ثمان، وقيل: جاوزت العشرين بقليل، وكانت أول آل النبي :
صَلَى اللّه
لحوقًا به. وغسلها علي مع أسماء بنت عميس، وصلى عليها. ودفنت ليلًا. روى
وَستَّلم
عنها جماعة من الصحابة، ومناقبها كثيرة جدًّا.
(إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي: أراد دخوله (صلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ) تشريعًا للأمة
وبيانًا؛ لأن حكمه حكم الأمة حتى ابتغاء الصلاة والسلام على نفسه، إلا ما خصه
الدليل، وإنما شرع الصلاة والسلام على رسول اللّه ◌َل عند دخول المصلي
المسجد وعند خروجه، لأنه السبب في دخوله المسجد، ووصوله الخير العظيم،
فينبغي أن يذكره بالخير.
وقال القاري: هو يحتمل قبل الدخول وبعده. والأول أولى. ثم حكمته بعد
تعليم أمته أنه وَال كان يجب عليه الإيمان بنفسه، كما كان يجب على غيره، فكذا
طلب منه تعظيمها بالصلاة منه عليها، كما طلب ذلك من غيره، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن، وإنما حسنه مع اعترافه بعدم اتصال سنده
كما سيأتي؛ لأن الترمذي قد يحسن الحديث مع ضعف الإسناد للشواهد، فحديث

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢٠١
فاطمة هذا حَسَّنَهُ؛ لأن له شواهد يرتقي بها درجة الحسن. (بِسْم اللّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى
رَسُولِ اللَّهِ) فيه زيادة التسمية، وهي ثابتة أيضًا عند ابن السُّنِّيَ من حديث أنس،
فينبغي لداخل المسجد والخارج منه، أن يجمع بين التسمية والصلاة والسلام على
رسول الله، والدعاء بالمغفرة، وبالفتح لأبواب الرحمة داخلًا، ولأبواب الفضل
خارجًا، ويزيد في الخروج سؤال الفضل، وينبغي أيضًا أن يضمٍ إلى ذلك ما سيأتي
في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ
الکریم ... )» إلخ.
(لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ)؛ لأن فاطمة الصغرى بنت الحسين تروي هذا الحديث
عن جدتها فاطمة الكبرى، وهي ما أدركتها؛ لأن الكبرى ماتت بعد رسول اللَّه وَاله
بستة أشهر، وفي سنده أيضًا ليث بن أبي سليم، وفيه مقال معروف. قال الحافظُ :
صدوق، اختلط أخيرًا، فلم يتميز حديثه، فترك.
٧٣٩ - [٤٦] وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَّسْجِدِ، وَعَن الْبَيْعِ وَالاشْتِرَاءِ فِيهِ،
وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشَّرْخُ
٧٣٩ - قوله: (عَنْ أَبِيهِ) شعيب. (عَنْ جَدِّهِ) أي: جد شعيب، وهو عبد الله بن
عمرو بن العاص الصحابي، وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو.
والدليل على أن المراد بقولهم في الإسناد: (عَنْ جَدِّهِ) جد شعيب - أعنى: عبد الله
ابن عمرو الصحابي - ما رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٥: ص٩٢) عن عمرو
ابن شعيب، عن أبيه، قال: كنت أطوف مع أبي عبد الله بن عمرو بن العاص.
فهذا يشير إلى صحة ما قال الذهبي في ((الميزان)): أن محمدًا والد شعيب مات
في حياة أبيه عبد الله، وترك ابنه شعيبًا صغيرًا، فكفله جده عبد الله ورباه؛ ولذلك
(٧٣٩) أَبُو دَاوُد (١٠٧٩)، وَالتِّرْمِذِي (٣٢٢)، وَابن مَاجَهْ (٧٤٩) فِي الصَّلاَةِ عَنْهُ.

٢٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يسميه هنا أباه؛ إذ هو أبوه الأعلى وهو الذي رباه، ومما يدل صريحًا على صحة
سماع شعيب عن جده عبد الله بن عمرو ما رواه الدار قطني (ص ٣١٠) والحاكم
(ج٢: ص ٦٥) في (المستدرك)) عنه في قصة سؤال الرجل عن مُحْرِمٍ وقع بامرأة،
فإن فيه تصريحا بسماع شعيب من جده عبد الله، وإنه كان يجالسّه، ويجالس
الصحابة في عصره، وعلى هذا فحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، صحيح
أو حسن إذا كان الإسناد إلى عمرو صحيحًا، وهو الذي عليه المحققون من أهل
الحديث: علي بن المديني وأحمد بن حنبل والحميدي وإسحاق بن راهويه وأبو
عبيد والبخاري والحاكم والبيهقي، وغيرهم. وبه قال الذهبي والنووي وابن عبد
البر، وقد تقدم شيء من البسط في هذا في باب الإيمان بالقدر. وانظر تفصيل
الكلام في تهذيب التهذيب (ج٨: ص٤٨ - ٥٥) و((الميزان)) (ج٢: ص٢٨٩)
و((التدريب)) (ص٢٢١) و((نصب الراية)) (ج١: ص٥٨، ٥٩) و((تعليق الشيخ أحمد
محمد شاکر علی جامع الترمذي)» (ج٢: ص ١٤١ - ١٤٤).
(عَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ) قال التُّورْبَشْتِي: التناشد: أن ينشد كل واحد صاحبه نشيدًا
لنفسه أو لغيره؛ افتخارًا ومباهاة، أو على وجه التَّفَكّهِ بما يستطاب منه، ترجية
للوقت بما تركن إليه النفس أو لغيره، فهو مذموم، وأما ما كان منه في مدح الحق
وأهله، وذم الباطل وذويه، أو كان منه تمهيدا لقواعد الدين، أو إرغامًا لمخالفيه
فهو خارج عن الذم، وإن خالطه التشبيب. وقد كان يفعل ذلك بين يدى رسول الله
وَّه ولا ينهى عنه، لعلمه بالغرض الصحيح، كذا نقله الطيبي. وقيل: التناشد هو:
المفاخرة بالشعر، والإكثار منه حتى يغلب على غيره، وحتى يخشى منه كثرة اللغط
والشغب مما ينافي حرمة المساجد، وهذا غير إنشاد بعض القصائد. وقيل:
المراد: تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين.
(وَعَنِ الْبَيْعِ وَالاشْتِرَاءِ فِيهِ) فيه: دليل على تحريم البيع والشراء في المسجد.
وقال الشوكاني: ذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول على الكراهة. قال
العراقي: وقد أجمع العلماء على أن ما عقد البيع في المسجد لا يجوز نقضه،
وهكذا قال الماوردي. وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة
صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقة في
التحريم، وهو الحق، وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد لا منافاة بينه

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢٠٣
وبين التحريم، فلا يصح جعله قرينة لحمل النهي على الكراهة.
(وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ) أي: نهى أن يجلسوا
محلقين حلقة واحدة أو أكثر، وإن كان لمذاكرة علم. وفيه: دليل على حرمة
التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وذلك لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم
مأمورين بالتبكير يوم الجمعة، والتراص في الصفوف، الأول فالأول؛ ولأنه
يخالف هيئة اجتماع المصلين؛ ولأن الاجتماع للجمعة خَطْبٌ عظيم لا يسع من
حضرها أن يهتم ما سواها حتى يفرغ منها، والتحلق قبل الصلاة يوهم غفلتهم عن
الأمر الذي ندبوا إليه، ولأن الوقت وقت الاشتغال بالإنصات للخطبة. والتقييد
بقبل الصلاة يدل على جوازه بعدها للعلم والذكر، والتقييد بيوم الجمعة يدل على
جوازه في غيرها .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في أبواب الجمعة، وزاد: ((وأن تنشد فيه ضالة)). وسكت عليه.
(والتِّرْمِذِيُّ) وحسنه، وصححه ابن خزيمة. وقال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح
إلى عمرو بن شعيب، فمن يصحح نسخته يصححه. قال: وفي المعنى عدة
أحاديث لكن في أسانيدها مقال، انتهى. والحديث أخرجه أيضًا أحمد والنسائي
وابن ماجه.
٧٤٠ - [٤٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَو ◌ْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِ: ((إِذَا
رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا
رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٧٤٠ - قوله: (يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ) أي: يشتري. قال القاري: حَذْفُ المفعول يدل
على العموم، فيشمل ثوب الكعبة، والمصاحف، والكتب، والسبح. (فَقُولُوا)
(٧٤٠) التِّرْ مِذِي (١٣٢١)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٠٠٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، والتِّرْ مِذِي (١٣٢١) فِي
الْبُيُوعِ، والنَّسَائِي فِي ((اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ))، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِم (٥٦٨) كَمَا تَقَدَّمَ.

٢٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
أي: لكل منهما باللسان جهرًا، وقيل: سرًّا.
(لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ) أي: لا جعل الله تجارتك ذات ربح ونفع، وهو دعاء
عليه. ولو قال لهما معًا: لا أربح الله تجارتكما لجاز لحصول المقصود. (مَنْ يَنْشُدُ
فِيهِ ضَالَّةً) أي: يطلبها برفع الصوت.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في آخر البيوع وحسنه. (والدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد
والنسائي في ((اليوم والليلة))، وابن حبان وابن خزيمة والحاكم، وقال: صحيح
على شرط مسلم، ذكره مَيْرَك. وقد أخرج الشطر الثاني مسلم أيضًا، كما تقدم في
الفصل الأول.
٧٤١ - [٤٨] وَعَنْ حَكِيم بْنِ حِزَام أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلِ أَنْ
يُسْتَقَادَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ الأَشْغَّارُ، وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ في (سُنَنِهِ)) وَصَاحِبُ ((جَامِعِ الْأُصُولِ)) فِيهِ عَنْ حَكِيم.
وَفِي (الْمَصَابِیح)) عَنْ جَابِرٍ] {حسنَّ}
الشَّرْخُ
٧٤١ - قوله: (وَعَنْ حَكِيم بْنِ حِزَام) بكسر مهملة وفتح زاي، هو حكيم بن
حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي. أبو خالد المكي، ابن
أخي خديجة أم المؤمنين، ولد قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، أسلم يوم الفتح، وكان
من المؤلفة، أعطاه النبي ◌ُّ من غنائم حنين مائة من الإبل، وحسن إسلامه، وكان
من سادات قريش وأشرافها ووجوهها في الجاهلية والإسلام، وكان عاقلًا فاضاًا
تفيًّا جوادًا، أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وفي الإسلام مثلها، وجاء الإسلام ودار
الندوة بيده، فباعها من معاوية بعد بمائة ألف درهم، فقال له ابن الزبير: بعت
مكرمة قريش، فقال: ذهبت المكارم إلا التقوى، اشتريت بها دارًا في الجنة،
أشهدكم أني قد جعلتها في سبيل الله يعني: الدراهم. وكان عالمًا بالنسب. مات
بالمدينة في داره سنة (٥٤) وله مائة وعشرون سنة، ستون في الجاهلية وستون في
(٧٤١) أَبُو دَاوُد (٤٤٩٠) فِي الحُدُودِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ .

كِتّابُ الصَّلَاةِ
se
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢٠٥
الإسلام. وقيل في سنة وفاته غير ذلك، له أربعون حديثًا، اتفقا على أربعة. روى
عنه نفر .
(أَنْ يُسْتَقَادَ) أي: يطلب القود، أي: القصاص، يعني: يقتص. (فِي الْمَسْجِدِ)
لئلا يقطر الدم فيه. (وَأَنْ يُنْشَدَ) بضم التحتية مذكرًا، وفي أبي داود بالتأنيث: أي:
يقرأ. (الْأَشْعَارُ) أي: القبيحة المذمومة.
(وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ) أي: سائرها، أي: تعميم بعد تخصيص، أي: الحدود
المتعلقة بالله، أو بالآدمي؛ لأن في ذلك نوع هتك حرمته، ولاحتمال تلوثه بجرح
أو حدث، ولأنه إنما بنى المسجد للصلاة والذكر لا لإقامة الحدود. والحديث:
دليل على تحريم إقامة الحدود في المساجد، وتحريم الاستفادة فيها؛ لأن النهي
كما تقرر في الأصول حقيقة في التحريم، ولا صارف له هاهنا عن معناه الحقيقي.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَتِهِ) في أواخر كتاب الحدود، وأخرجه أيضًا أحمد
والدار قطني والحاكم وابن السكن والبيهقي. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال
الحافظ في ((التلخيص)): لا بأس بإسناده. وقال في ((بلوغ المرام)): إن إسناده
ضعيف. وقال الذهبي في ((الميزان)): ضعفه عبد الحق.
وقال ابن القطان: علته الجهل بحال زفر بن وثيمة، تفرد عنه محمد بن عبد الله
الشعيثي. قال الذهبي: قد وثقه ابن معين، ودحيم. قلتُ: وذكره ابن حبان في
((الثقات)). وقال الحافظُ: مقبول، فمن عرفه حجة على من لم يعرف، وجهل من
جهله لا يضر. وقال المنذري: في إسناده محمد بن عبد الله بن المهاجر الشعيثي
النصري الدمشقي، وقد وثقه غير واحد. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا
يحتج به، انتھی.
قلتُ: قد وثقه دحيم، و المفضل بن غسان الغلابي، وقال النسائي: لا بأس به.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الحافظ: صدوق، فحديثه لا ينحط عن درجة
الحسن. وفي الباب عن ابن عباس عند الترمذي وابن ماجه، وفي سنده إسماعيل
ابن مسلم المكي، وهو ضعيف من قبل حفظه. وعن جبير بن مطعم عند البزار،
وفيه الواقدي. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه ابن لهيعة. كذا في
((النيل)).

٢٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَصَاحِبُ جَامِعِ الأَصُولِ فِيهِ) أي: الجامع. (عَنْ حَكِيم) متعلق برواه. (وَفِي
الْمَصَابِيحِ عَنْ جَابِرٍ) قال الطيبي: ولم يوجد في الأصول الرَّواية عنه. وقال مَيْرَك:
صوابه: عن حكيم بن حزام.
٧٤٢ - [٤٩] وَعَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ نَهَى
عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ - يَعْنِي الْبَصَلُّ وَالثُّومَ - وَقَالَ: «مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ
مَسْجِدَنَا)) وَقَالَ: ((إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا، فَأَمِيتُوهُمَا طَبْخًا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٧٤٢- قوله: (وَعَنْ مُعَاوِیَةَ بْنِ قُرَّةَ) بضم القاف وتشديد الراء، ابن إیاس بکسر
الهمزة وتخفيف الياء تحتها نقطتان ابن هلال المزني، يكنى أبا إياس البصري، ثقة
عالم من الطبقة الوسطى من التابعين، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وأبو حاتم
وابن سعد، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من عقلاء الرجال، مات
سنة (١١٣) وهو ابن (٧٦) سنة. (عَنْ أَبِيهِ) قرة بن إياس بن هلال بن رياب المزني
أبو معاوية جد إياس بن معاوية القاضي، صحابي.
قال ابن عبد البر: سكن البصرة. لم يرو عنه غير ابنه. قتل في حرب الأزارقة مع
عبد الرحمن بن عبيس في زمن معاوية، وقد أرخه ابن سعد وخليفة وأبو عروبة
وابن حبان سنة (٦٤) فيكون ذلك في زمن معاوية بن يزيد بن معاوية. وذكره ابن
سعد في طبقة من شهد الخندق، له اثنان وعشرون حديثًا. (يَعْنِي: الْبَصَلَ وَالثُّومَ)
وفي معناهما الكراث، والفجل، وما له رائحة كريهة.
(مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) أي: مسجد المسلمين، قال الطيبي: وهذه
الجملة كالبيان للجملة الأولى، أي: أفاد هذا البيان أن التقدير: نهى عن أكلهما.
وأفاد أيضًا: أن شرط النهي عن أكلهما اقترانه بدخول المسجد مثلا مع بقاء
(٧٤٢) أَبُو دَاوُد (٣٨٢٧) فِي الأَطْعِمَةِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٦٦٨١) فِي الوَلِيمَةِ عَنْهُ.

كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
se
٢٠٧
ريحهما. وأَمَّا أكلهما بحيث تزول الرائحة عند دخول المسجد، فلا يدخل تحت
النهى، وفي النهي عن القربان إشارة إلى أن النهي عن الدخول أولى. (إِنْ كُنْتُمْ لَا
بُدَّ) أي: لا فراق، ولا محالة، ولا غنى بكم عن أكلهما لفرط حاجة أو شهوة، فخبر
((لا)) محذوف كما قدرنا. وهذه الجملة معترضة بين اسم كان وخبرها وهو.
(آكِلِيهِمَا) يعني: وأردتم دخول المسجد. (فَأَمِيتُوهُمَا طَبْخًا) أي: أزيلوا رائحتهما
بالطبخ، وفي معناه الإماتة والإزالة بغير الطبخ، وإنما خرج مخرج الغالب. (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ) في الأطعمة، وسكت عنه هو والمنذري.
٧٤٣- [٥٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْأَرْضُ كُلُّهَا
مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبُرَةَ وَالحَمَّامَ )).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِي وَالدَّارِمِي] {صحيح}
الشَّرْحُ
٧٤٣ - قوله: (الْأَرْضُ كُلَّهَا مَسْجِدٌ) أي: يجوز الصلاة فيها من غير كراهة.
(إِلَّا الْمَقْبَرَةَ) في ((القاموس)) مثلثة الباء، وكمكنسة، موضع القبور. (وَالْحَمَّامَ)
بتشديد الميم الأولى، هو الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل الماء
الحَارّ، ثم قيل لموضع الاغتسال بأى ماء كان. والمراد إلا المقبرة والحمام وما في
معناهما، فلا يشكل الحصر بما سيجيء. والحديث دليل على أن الأرض كلها
تصح فيها الصلاة ما عدا المقبرة، وهي التي يدفن فيها الموتى، فلا تصح الصلاة
فيها. وظاهره: سواء كان على القبر أو بين القبور، أو في مكان منفرد منها كالبيت
أعد للصلاة، وسواء كانت القبور منبوشة، أو غير منبوشة، وسواء فرش عليها
شيء يقيه من النجاسة، أو لم يفرش، وسواء كان قبر مؤمن أو كافر. وإلى ذلك
ذهب أحمد، والظاهرية، وهو الراجح عندي. وكذلك الحمام، فإنه لا تصح فيه
الصلاة، سواء صلى في مكان نظيف منه، أو في مكان نجس. وإليه ذهب أحمد
عملًا بإطلاق الحديث. وقيل: يختص النهي بالمكان النجس منه. وإن صلى في
مکان طاهر فلا بأس.
(٧٤٣) أَبُو دَاوُد (٤٩٢)، وَالتِّرْ مِذِي (٣١٧)، وَابن مَاجَهْ (٧٤٥) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.

٢٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وذهب الجمهور: إلى صحتها مع الطهارة لكن تكون مكروهة. وقد ورد النهي
معللًا بأنه محل الشياطين، وظاهر الحديث مع أحمد وهو مخصص لقوله:
((جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ كُلَّهَا مَسْجِدًا)). (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه
أيضًا أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان والشافعي.
والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب، أي: من
جهة إسناده، وذكر أن سفيان الثوري أرسله، قال: وكأن رواية الثوري. عن عمرو
ابن يحيى، عن أبيه، عن النبي ◌َّ - أي: مرسلًا - أثبت وأصح، انتهى.
وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)): رواه الترمذي، وله علة، ويعني بها الاختلاف
في وصله وإرساله، فرواه حماد بن سلمة، وعبد الواحد بن زيادة، وعبد العزيز بن
محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي
◌َلَى اللّه
موصولًا. ورواه الثوري عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي وَل مرسلاً.
ورجح الترمذي كما تقدم، ثم الدار قطني، والبيهقي الإرسال. والراجح: وصله
لأن الذي وصله ثقة، فلا يضر إرسال من أرسله.
قال العلامة الشيخ أحمد في ((تعليقه على الترمذي)): الحديث رواه الشافعي في
((الأم)) (ج١: ص٧٩) عن سفيان بن عيينة مرسلًا، ورواه أيضًا البيهقي من طريق
یزید بن هارون عن الثوري موصولًا، ثم قال: حديث الثوري مرسل، وقد روي
موصولًا وليس بشيء. وحديث حماد بن سلمة موصول، وقد تابعه على وصله عبد
الواحد بن زياد والدراوردي، قال: ولا أدري كيف يزعم الترمذي ثم البيهقي أن
الثوري رواه مرسلاً في حين أن روايته موصولة أيضا؟ ثم الذي وصله عن الثوري
هو يزيد بن هارون، وهو حجة حافظ، وأنا لم أجده مرسلًا من رواية الثوري، إنما
رأيته كذلك من رواية سفيان بن عيينة، فلعله اشتبه عليهم سفيان بسفيان، ثم ماذا
يضر في إسناد الحديث أن يرسله الثوري أو ابن عيينه، إذا كان مَرْوِيًّا بأسانيد أخرى
صحاح موصولة، المفهوم في مثل هذا أن يكون المرسل شاهدًا للمسند ومؤيدًا
له. وقد ورد من طريق أخرى ترفع الشك، وتؤيد من رواه موصولًا، وهي في
((المستدرك)) للحاكم من طريق بشر بن المفضل: ثنا عمارة بن غزية، عن يحيى بن
عمارة الأنصاري - وهو والد عمرو بن يحيى - عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢٠٩
ولذلك قال الحاكم بعد أن رواه بهذه الطريق، ومن طريق عبد الواحد بن زياد
والدراوردي كلهم عن عمرو، عن أبيه: هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط
البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي، وقد صدقا. ثم إن رواية سفيان بن عيينة المرسلة
ليست قولًا واحدًا بالإرسال، بل هي تدل على أنهم كانوا يروونه تارة بالإرسال،
وتارة بالوصل؛ لأن الشافعي بعد أن رواه عنه مرسلًا قال: وجدت هذا الحديث في
كتابي في موضعين: أحدهما منقطع، والآخر عن أبي سعيد، عن النبي وَلَّ،
انتهى. وهذا عندي قوة للحديث لا علة له، انتهى كلام الشيخ.
وقال صاحب ((الإمام)): حاصل ما علل به الإرسال، وإذا كان الواصل له ثقة فهو
مقبول، وله شواهد: منها: حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي
الْمَقْبَرَةِ))، أخرجه ابن حبان. ومنها حديث علي: ((إنَّ حِّي نَهانِي أَنْ أَصَلِّي فِي
الْمَقْبَرَةِ)»، أخرجه أبو داود.
٧٤٤ - [٥١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلِّ أَنْ يُصَلَّى فِى
سَبْعَةٍ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالمَجْزَرَةِ، وَالمَقْبِرَةِ، وَقَارِعَةِ الطّرِيقِ، وَفِي
الْحَمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
٧٤٤ - قوله: (أَنْ يُصَلَّى) على بناء المفعول. (فِي الْمَزْبَلَةِ) بفتح الباء، وقيل :
بضمها، الموضع الذي يكون فيه الزبل وهو السرجين، ومثله سائر النجاسات،
أي: وإن وجد فيها موضع خال عن الزبل، أو بسط عليها بساط في المكان اليبس؛
لأن في ذلك استخفافًا بأمر الدين؛ لأن من حق الصلاة أن تؤدى في الأمكنة
النظيفة، والبقاع المحترمة، وكذلك المجزرة؛ لأنها مسفح الدماء، وملقى
القاذورات، وكذلك القول في الحمام؛ لأنه مكتنز الأوساخ، ومجتمع
الغسالات، ثم إنه محل تعري الأبدان عن اللباس. (وَالْمَجْزَرَةِ) بفتح الميم،
(٧٤٤) التِّرْمِذِي (٣٤٦)، وَابن مَاجَهْ (٧٤٦) فِي الصَّلَاةِ عَنْهُ.

٢١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والزاي تفتح وتكسر: الموضع الذي تجزر فيه الحيوانات أي: تنحر وتذبح.
(وَالْمَقْبَرَةِ) قيل: لأن فيها اتخاذ القبور مساجد استنانًّا بسنة اليهود. (وَقَارِعَةٍ
الطَّرِيقِ) الإضافة بيانية، أي: الطريق الذي يقرعها الناس بأرجلهم أي: يدقونها
ويمرون عليها. وقيل: هي وسطها أو أعلاها، والمراد هنا: نفس الطريق، وكأن
القارعة بمعنى المقروعة أو الصيغة للنسبة أي: ذات قرع، وإنما نهى عن الصلاة
فيها؛ لإشغال القلب بمرور الناس، وتضييق المكان عليهم، وإيقاعهم في الإثم إن
مَرُّوا بلا ضرورة، وإيقاع نفسه فيه لو كان لهم ضرورة.
(وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ) جمع معطن بكسر الطاء، وهو وطن الإبل، ومبركها حول
الحوض كالعطن - محركة - وجمعه أعطان، وكذا الحكم في سائر مباركها
ومواطنها، فقد ورد النهي بلفظ: ((مَبارك الْإِبِلِ)) وفي لفظ: ((مَزَابِلِ الْإِبِل)). وفي
أخرى: ((مَنَاخ الإِبِلِ)). وهي أعم من ((معاطن الإبل)). وقد ورد التعليل فيها
منصوصًا بأنهاَ من الشياطين. أخرجه أبو داود. وفي حديث ابن مغفل عنده: ((فَإِنَّها
خُلِقَتْ مِنَ الْجِنِّ؛ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى عُيُونِهَا وَهَيْئَتِهَا إِذَا نَفَرَتْ))، قيل: المعنى: إنها كثيرة
الشِّرِادِ، شديدة النِّفَارِ، معها أخلاق جِنِّيّة، فلا يأمن المصلي في أعطانها أن تنفر،
فتقطع عليه صلاته. وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها، وبين غيبتها
عنها؛ إذ يؤمن نفورها حينئذٍ .
(وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ)؛ لأن الصلاة على ظهر البيت تفضي إلى ارتفاع سطح
البيت، وذلك مُخِلَّ بشرط التعظيم؛ لمشابهته صنيع أهل العادة في استعلاء البيوت
للتطلع والتفرج، ثم لخلوه عن الفائدة.
والحديث: يدل على منع الصلاة في هذه المواطن السبعة، ولو صح لكان بقاء
النهي على ظاهره، الذي هو التحريم في جميع ما ذكر هو الواجب، وكان مخصصًا
لعموم: ((جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا» لكن فيه كلام كما ستعرف، إلا أن الحديث في
القبور والحمام والمعاطن من بين هذه المذكورات قد صح كما تقدم، وكما يفيده
الحديث الثاني .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِي وابْنُ مَاجَهْ) كلاهما من طريق زيد بن جبيرة، عن داود بن
الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، قال الترمذي: حديث ابن عمر ليس بذاك

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
ear1999
٢١١
القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، انتهى. قال الزيلعي: اتفق
الناس على ضعف زيد بن جبيرة، فقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي:
ليس بثقة. وقال أبو حاتم والأزدي: منكر الحديث، لا یکتب حديثه.
وقال الدارقطني: ضعيف الحديث، انتهى.
وقال الحافظ في ((التلخيص)): إنه ضعيف جدًّا. وأخرجه أيضًا ابن ماجه من
حديث عمر، من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح المصري، كاتب الليث، عن
سعد، عن الليث بن سعد: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وقد أشار
الترمذي إلى هذه الرواية، لكن زاد في سنده عبد الله بن عمر العمري بين الليث بن
سعد ونافع، والعمري ضعيف، قاله في ((التقريب)). وقال الذهبي: صدوق، في
حفظه شيء. ثم رجح الترمذي رواية زيد بن جبيرة، عن داود، عن نافع، عن ابن
عمر، عن النبي وَّ على رواية الليث من أجل عبد الله بن عمر العمري، وفيه نظر
ظاهر، بل الأمر بالعكس؛ لأن زيد بن جبيرة منكر الحديث متروك الحديث
ضعيف جدًّا. وأما العمري، فروى أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ليس به
بأس، یکتب حديثه.
وقال الدارمي: قلت لابن معين: كيف حاله في نافع؟ قال: صالح ثقة. وقال
أحمد بن حنبل: صالح لا بأس به. وقال ابن عدي: في نفسه صدوق. على أن
الليث بن سعد رواه عند ابن ماجه، عن نافع من غير واسطة العمري كما عرفت،
وقد ضعفه بعضهم بأبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، والظاهر: أنه ثقة
مأمون كما قال عبد الملك بن شعيب بن الليث. وقال ابن معين: هما ثبتان: ثبت
حفظ، وثبت كتاب، وأبو صالح كاتب الليث ثبت كتاب.
وقال أبو زرعة: كان حسن الحديث.
وقال ابن القطان: هو صدوق، ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه إلا أنه مختلف
فیه، فحديثه حسن.
وقال الحافظُ: صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة. قلتُ:
فالظاهر أن حديث الليث حديث حسن، وأنه أرجح وأحسن من حديث زيد بن
جبيرة عن داود، خلافًا لما قال الترمذي.

٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٤٥ - [٥٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((صَلُّوا
فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلّوا فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشَّرْجُ
٧٤٥ - قوله: (صَلَّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَم) جمع مَرْبِض بفتح الميم وسكون الراء
وكسر الباء الموحدة وآخره ضاد معجمةَ، وهو مأوى الغنم، ومكان ربوضها.
والأمر للإباحة. قال العراقي: اتفاقًّا، وإنما نَبَّهَ وَ لَّ لئلا يظن أن حكمها حكم
الإبل، أو أنه أخرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين، فأجاب في الإبل
بالمنع، وفي الغنم بالإذن، وأما الترغيب المذكور في الأحاديث بلفظ: ((فَإِنَّهَا
بَرَكَةٌ))، فهو إنما لقصد تبعيدها عن حكم الإبل، كما وصف أصحاب الإبل بالغلظ
والقسوة، ووصف أصحاب الغنم بالسكينة، انتهى.
وفيه: دليل على طهارة أبوال مأكول اللحم، وأرواثه؛ لأنه أَذِنَ للصلاة في
المرابض مطلقًا من غير تقييد بحائل، ومن غير تخصيص بموضع دون موضع.
(وَلَا تُصَلَّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ) جمع عَطَن بالعين والطاء المهملتين المفتوحتين، وهي
أماكن بُرُوكِهَا. وقد تكلفوا في استخراج علة النهي فيها واختلفوا، فقيل: هي
النجاسة. وفيه: أن ذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها، وقد تقدم أن
الحق طهارتها، ولو سلمنا النجاسة لم يصح جعلها علة؛ إذ لا فرق حينئذٍ بين
المرابض والمعاطن؛ لأن كل واحد من الجنسين مأكول اللحم، فهما سيان في
الحکم.
وقيل: علة النهي: شدة نفار الإبل، فقد يؤدي ذلك إلى بطلان الصلاة، أو قطع
الخشوع، أو غير ذلك، فلذلك جاء: ((إِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ))، وعلى هذا فيفرق بين
کون الإبل في المعاطن وبین غیبتها؛ إذ يؤمن حينئذٍ نفورها. وفيه: أنه نهى عن
الصلاة في الأعطان مطلقًا، سواء كانت الإبل فيها أو غابت عنها. وقيل: العلة أن
(٧٤٥) التِّرْمِذِي (٣٤٨) فِیهِ وصححه عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
WHEN
٢١٣
الرعاة كانوا يبولون، ويتغوطون بينها. وقيل: الحكمة في النهي: كونها خلقت من
الشياطين كما في حديث ابن مغفل عند ابن ماجه وغيره.
والظاهر: أن النهي تعبدي فالحق الوقوف على مقتضى النهي وهو التحريم،
فيحرم الصلاة في المعاطن، ولا تصح. وهو مذهب أحمد، والظاهرية، وغيرهم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وصححه، وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه، وفي الباب عن جماعة
من الصحابة ذكر تخريج أحاديثهم الشوكاني في ((النيل)).
٧٤٦ - [٥٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿مَا قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَلَهْ زَائِرَاتِ
الْقُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَّ وَالسُّرُجَ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ] {حسن}
الشّرْحُ
٧٤٦ - قوله: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِّ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ) قيل: هذا كان قبل الترخص
بقوله: ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا الآنَ؛ لِأَنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ)) أخرجه
مسلم وأبو داود والنسائي. فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء، ومحله
ما إذا أمنت الفتنة. وقيل: بل نَهْيُ النساء عن زيارة القبور باقٍ؛ لقلة صبرهن،
وكثرة جزعهن إذا رأين القبور. وقيل: بل يحرم زيارة القبور على النساء مطلقًا،
فإن النهي ورد خاصًّا بهن، والإباحة والرخصة لفظها عام، ولا منافاة بين العام
والخاص حتى يقال: إن العام نسخ الخاص، بل الخاص حاكم علیه، ومقید له،
فيكون الإذن خاصًّا بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور مطلقًا، سواء أمنت
الفتنة والجزع أم لم تأمن، هذا وقد بسط ابن القيم القول في ((مختصر السنن)) في
مسألة زيارة النساء للمقابر فارجع إليه .
(وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ)؛ لأن في ذلك اسْتِنَانًّا بصفة اليهود. (وَالسُّرُجَ)
(٧٤٦) أَبُو دَاوُد (٣٢٣٦)، النَّسَائِي (٩٥٩٤/٤)، ابن مَاجَهْ (١٥٧٥) فِي الجَنَائِزِ، التِّرْمِذِي (٣٢٠) فِي
الصَّلَاةِ عَنْهُ.

٢١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بضمتين جمع سراج بكسر أوله، وهو المصباح أي: لما فيه من تضييع المال بلا
نفع، ويشبه تعظيم القبور كاتخاذها مساجد، وفيه رد صريح على القبوريين الذين
يبنون القباب على القبور، ويسجدون إليها، ويسرجون عليها، ويضعون الزهور
والرياحين عليها؛ تكريمًا وتعظيمًا لأصحابها. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجنائز.
(والتِّرْمِذِيُّ) في الصلاة. (وَالنَّسَائِيُّ) في الجنائز. وأخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه
وابن حبان. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث حسن.
قال المنذري في ((مختصر السنن)) (ج٤: ص ٣٥٠): وفيما قاله نظر، فإن أبا
صالح هذا أي: الراوي للحديث عن ابن عباس هو باذام، ويقال: باذان، مَكِّيٍّ -
مولى أم هانئ بنت أبي طالب - وهو صاحب الكلبي، وقد نقل أنه لم يسمع من ابن
عباس. وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقال ابن عدي: لم أعلم أحدًا من
المتقدمين رضيه. وقد قيل عن يحيى بن سعيد القطان وغيره تحسين أمره، فلعله
يريد: رضيه حجة، أو قال: هو ثقة، انتهى. وذكر المنذري أيضًا في ((الترغيب))،
ونسبه أيضًا لصحيح ابن حبان، ثم قال: وأبو صالح هذا هو باذام، ويقال: باذان،
مكي مولى أم هانئ وهو صاحب الكلبي. قيل: لم يسمع من ابن عباس، وتكلم فيه
البخاري والنسائي وغيرهما، انتهى. وقال ابن القيم: قد تقدم أن أبا حاتم خالفه
أي: المنذري في ذلك، وقال: صالح هذا هو مهران، ثقة وليس بصاحب الكلبي،
ذاك اسمه باذام، انتهى. وقيل: الظاهر هو قول الترمذي أن هذا الحديث حسن؛
لأنه ليس لتضعيف أبي صالح حجة قوية، والذي ادعى أنه لم يسمع من ابن عباس
هو ابن حبان، كما في ((تهذيب التهذيب)) (ج١: ص ٤٠٧) ولعلها فلتة منه، فإن أبا
صالح تابعي قديم، روى عن مولاته أم هانئ، وعن أخيها علي بن أبي طالب، وعن
أبي هريرة، وابن عباس أصغر من هؤلاء كلهم، وأما وصف الحافظ، والخزرجي
أبا صالح بالتدليس، فلعله مبني على قول ابن حبان، وإنما تكلم فيه من تكلم من
أجل التفسير الكثير المروي عنه، والحمل في ذلك على تلميذه محمد بن السائب
الكلبي.
ولذلك قال ابن معين: ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء. وهذا
الحديث رواه عنه محمد بن جحادة لا الكلبي. وقال يحيى القطان: لم أر أحدًا من
أصحابنا تركه، وما سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا، ووثقه أيضًا العجلي.

٢١٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٧٤٧ - [٥٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلَ النَّبِيِّ ◌ٍَّ :
أَُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ وَقَالَ: ((أَسْكُتُ حَتَّى يَجِيءَ جِبْرَئيلُ)) فَسَكَتَ،
وَجَاءَ جِبْرَئِيلُ نَا، فَسَأَلَ فَقَالَ: ((مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، لَكِنْ
أَسْأَلُ رَبِّي تَبَارََ وَتَعَالَى، ثم قَالَ جِبْرَئِيلُ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي دَنَوْتُ مِنَ اللهِ دُنُوًّا مَا
دَنَوْتُ مِنْهُ قَطَّ. قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ يَا جِبْرَئِيلُ؟ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعُونَ
أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُورٍ. فَقَالَ: شَرُّ الْبِقَاعِ أَسْوَاتُهَا، وَخَيْرُ الْبِقَاعِ مَسَاجِدُهَا)).
[رواه ... ] {حسن}
الشّرْحُ
٧٤٧ - قوله: (إِنَّ حَبْرًا) أي: عالمًا، وهو بفتح الحاء أشهر من كسرها، قاله
ابن الملك. وذكر في ((الصحاح)) أن كسر الحاء أصح، لكن المشهور في
الاستعمال الفتح ليفرق بين العالم وبين ما يكتب به، كذا في ((المفاتيح)). (أَيُّ
الْبِقَاعِ) بكسر الباء جمع البقعة بالضم. (خَيْرٌ) أي: أفضل، يعني: كثير الخير.
(فَسَكَتَ عَنْهُ) أي: عن جوابه. (وَقَالَ) أي: في نفسه وقلبه أو بلسانه. (أَسْكُتُ)
بصيغة المتكلم أو الأمر. (فَسَكَتَ) أي: إلى مجيء جبريل. قال الطيبي: فيه: أن
من استفتى عن مسألة لا يعلمها، فعليه أن لا يعجل في الإفتاء، ولا يستنكف عن
الاستفتاء ممن هو أعلم منه، ولا يبادر إلى الاجتهاد ما لم يضطر إليه، فإن ذلك من
سنة رسول اللَّهُ وَّله وسنة جبريل. (فَسَأَلَ) أي: فسأله النبي ◌َّ عن هذه المسألة.
(فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) أي: عن هذه المسألة. (ثُمَّ قَالَ جِبْرَئِيلُ) أي: بعد
سؤاله ورجوعه من حضرة اللَّه تعالى (دَنَوْتُ مِنَ اللهِ دُنُوًّا) فعول مصدر دنا بمعنى
قرب. (مَا دَنَوْتُ مِنْهُ قَطَّ) أي: أذن لي أن أقرب منه تعالى أكثر مما قربت منه في
سائر الأوقات. قال ابن الملك: ولعل زيادة تقريبه منه في هذه المرة؛ لتعظيم
(٧٤٧) لَمْ يُخَرِّجَاهُ، أَخْرَجَهُ القَاضِي عِنْ ابْنِ عُمَرَ، عِنْدَ ابْنِ حِيَّانَ (١٥٩٩) مُخْتَصَرٌ، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَد (٤/
٨١)، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ (٧/٢) مِنْ حَدِيثٍ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ (الأوسط ٧١٤٠) مِنْ
حَدِيثِ أَنَسٍ رَْتَهُ.

EceNt:
٢١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النبي ◌َّ، وقد يزيد المحب في احترام رسول الحبيب لأجل الحبيب، انتهى
كلامه. أو لأنه تقرب إليه تعالى بطلب العلم، ومن وعده تعالى أن من تقرب إليه
شبرا تقرب عليه بَاعًا، كذا في ((المرقاة)).
(وَكَيْفَ كَانَ) أي: دنوك. (سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْ نُوْرٍ) قالوا: المراد به التكثير
لا التحديد، و(مِنْ نُورٍ) إشارة إلى أن الحجب للملائكة نورانية، وهي حجب
أسمائه وصفاته وأفعاله، وهي غير متناهية، وإن كانت أصول الصفات الحقيقية
سبعة أو ثمانية. والملائكة محجوبون بنور المهابة والعظمة والجلال، والإنسان
منهم من حاله كذلك، ومنهم من حجب بحجب ظلمانية، كذا في ((اللمعات)).
وقال القاري: اعلم: أن الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس، وهو الخلق، فهم
محجوبون عنه تعالى بمعاني أسمائه وصفاته وأفعاله. وأقْرَبُ الملائكة الحافون
بالعرش، وهم محجوبون بنور المهابة، والعظمة، والكبرياء، والجلال، وأما
الآدميون، فمنهم من حجب برؤية النعم عن المنعم، وبمشاهدة الأسباب عن
المسبب، ومنهم من حجب بالشهوات المباحة أو المحرمة، أو بالمال، والنساء،
والبنين، وزينة الحياة الدنيا والجاه. ومنه قول الصوفية: العلم حجاب.
قال بعض مشائخنا: لكنه نوراني، فأفاد أن الحجب على نوعين: نوراني
وظلماني. وقد أشار إليه الحديث بقوله من نور، انتهى. وقال النووي: حقيقة
الحجاب إنما يكون للأجسام المحدودة، والله تعالى منزه عن الجسم والحدِّ،
والمراد هنا: المانع من رؤيته، وسمي ذلك المانع نورًا أو نارًا؛ لأنهما يمنعان من
الإدراك في العادة لشعاعهما، انتهى. (شَرُّ الْبِقَاعِ أَسْوَاقُهَا)؛ لأنها محل الغفلة
والمعصية .
(وَخَيْرُ الْبِقَاعِ مَسِاجِدُهَا) لأنها محل الحضور والطاعة. قال الطيبي: أجاب عن
الشر والخير، وإن كان السؤال عن الخير فقط تنبيهًا على بيت الرحمن وبيت
الشيطان. قلتُ: الأشياء تتبين بأضدادها. (رَوَاهُ ... ) كذا في أصل المصنف هنا
بياض، وألحق به ابن حبان، عن ابن عمر؛ ولذا قال الطيبي: ذكر الراوي أي:
المخرج ملحق. وقال السيد جمال الدين: هذا الحديث بهذا اللفظ لم أره مخرجًا
في شيء من الكتب المعتمدة المشهورة، ولكن رأيت في ((تخريج أحاديث

كِتَابُ الصَّلَاةِ
Ser
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢١٧
المصابيح)) للسلمي أنه قال: وروى ابن حبان في ((صحيحه))، عن محارب بن دثار،
عن ابن عمر، أن رجلاً سأل النبي وَّ أي: البقاع خير؟ وأي البقاع شر؟ قال: ((لا
أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرَئِيلَ عليه السلام))، فَسَأَلَ جِبْرَئِيلَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ
مِيكَائِيلَ، فَجَاءَ فَقَالَ: خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسِاجِدُ، وَشَرُّ الْبِقَاعِ الْأَسْوَاقُ، انتهى.
وذكر المنذري حديث ابن عمر هذا في ((الترغيب)) مختصرًا: ليس فيه الدنو
من اللَّه ولا الحَجْبُ، ونسبه للطبراني وابن حبان، وكذلك رواه الحاكم (ج٢ :
ص٨، ٧) بأطول منه، وفي سنده عندهم جميعًا عطاء بن السائب وكان اختلط وله
شاهد من حديث جبير بن مطعم، أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه أي: البلدان أحب
إلى الله، وأي البلدان أبغض إلى الله؟ قال: ((لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرَئِيلَ))، فَأَتَاهُ
فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَحْسَنَ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ الْمَسَاجِدُ، وَأَبْغَضَ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ الأَسْوَاقُ. رواه
أحمد (ج٤: ص٨١) والبزار واللفظ له. وأبو يعلى، والحاكم وقال: صحيح
الإسناد، وفي الباب أيضًا عن أنس أخرجه الطبراني في ((الأوسط)). وقد تقدم في
الفصل الأول حديث أبي هريرة بلفظ: ((أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ تعالى مَسَاجِدُهَا،
وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا))، ومن هذا كله عرفت أن عدد السبعين وتكثير
الحُجُبِ لم يرد في حديث صحيح، وأما الحجاب نفسه فقد ورد في ((صحيح
مسلم)) على ما تقدم في صدر الكتاب من حديث أبي موسى مرفوعًا.

٢١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٧٤٨ - [٥٥] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَِّّهِ يَقُولُ: ((مَنْ
جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِ إِلَّ لِخَيْرِ يَتَعَلَّمُهُ، أَوْ يُعَلِّمُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ
فِي سَبِيلِ اللّهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعٍ غَيْرِهِ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ في ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))] (صحيح}
الشّرْحُ
٧٤٨ - قوله: (مَسْجِدِي هَذَا) قال السندي: أراد مسجده، وتخصيصه بالذكر،
إما لخصوص هذا الحكم به، أو لأنه كان محلًّا للكلام حينئذٍ، وحكم سائر
المساجد كحكمه، انتهى. وقال الشوكاني: فيه تصريح: بأن الأجر المرتب على
الدخول، إنما يحصل لمن كان في مسجده وَّ، ولا يصح إلحاق غيره به من
المساجد التي هي دونه في الفضيلة؛ لأنه قياس مع الفارق. (لَمْ يَأْتِ) الجملة حال
أي: حال كونه غير آتٍ. (إِلَّا لِخَيْرٍ) أي: علم أو عملٍ. (يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ) ((أو))
للتنويع، وفي رواية أحمد: ((مَنْ دَخَّلَ مَسْجِدَنَا هَذَا لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا، أَوْ لِيُعَلِّمَهُ))، قال
الشوكاني: فيه أن الثواب المذكور، إنما يتسبب عن هذه الطاعة الخاصة لا عن كل
طاعة، وفيه أيضًا: التنويه بشرف تعلم العلم وتعليمه، لأنه هو الخير الذي لا يقاوم
قدره. وهذا إن جعل تنكير الخير للتعظيم، ويمكن إدراج كل تعلم وتعليم لخير أَيِّ
خير كان تحت ذلك، فيدخل كل ما فيه قربة يتعلمها الداخل، أو يعلمها غيره، وفيه
أيضًا: الإرشاد إلى أن التعليم، والتعلم في المسجد أفضل من سائر الأمكنة.
(بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ) من حيث إن كلّ منهما يريد إعلاء كلمة اللَّه العليا، أو لأن كل
واحد من العلم والجهاد عبادة نفعها مُتَعَدٍّ إلى عموم المسلمين، وقيل: وجه
مشابهة طلب العلم بالمجاهدة في سبيل الله، أنه إحياء للدين، وإذلال للشيطان،
وإتعاب النفس، وكسر ذرى اللذة، كيف وقد أبيح له التخلف عن الجهاد، فقال
(٧٤٨) ابن مَاجَهْ (٢٢٧) في العلم، والبَيْهَقِي (١٦٩٨) في الشُّعَب عنه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
٢١٩
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية. (وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ
ذَلِك) أي: لغير ما ذكر من الخير، وهو العلم والعمل الذي يشمل الصلاة،
والاعتكاف، والزيارة. قال الطيبي: يوهم أن الصلاة داخلة في الغير، وليس
كذلك؛ لأن الصلاة مفروغ عنها، وإنها مستثناة من أصل الكلام. وقال الشوكاني:
ظاهر الحديث أن كل ما ليس فيه تعليم ولا تعلم من أنواع الخير، لا يجوز فعله في
المسجد، ولا بد من تقييده بما عدا الصلاة والذكر والاعتكاف، ونحوها مما ورد
فعله في المسجد، أو الإرشاد إلى فعله فيه. (فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ ... ) إلخ. أي:
بمنزلة من دخل السوق لا يبيع ولا يشتري، بل لينظر إلى أمتعة الناس، فهل يحصل
له بذلك فائدة فكذلك هذا. وفيه: أن مسجده وَ لي سوق العلم، فينبغي للناس شراء
العلم بالتعلم والتعليم. وقيل: المقصود: أن من لم يأت المسجد لخير يتعلمه أو
يعلمه ينظر يوم القيامة إلى ثواب غيره ممن يعمل أعمال الخير في المسجد كمن
ينظر إلى متاع غيره نظر إعجاب واستحسان، وليس له مثله.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في السنة. قال في ((الزوائد)): إسناده صحيح على شرط مسلم.
(وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيْمَانِ) وأخرجه أيضًا أحمد، وفي الباب عن سهل بن سعد،
وأبي أمامة، أخرجهما الطبراني بإسناد حسن.
٧٤٩ - [٥٦] وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَأْتِى
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُم فِي مَسَاجِدِهِمْ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُم، فَلَا تُجَالِسُوهُمْ
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))] (ضعيف)
فَلَيْسَ للهِ فِيهِم حَاجَةٌ)).
الشّرُْ
٧٤٩- قوله: (وَعَنِ الْحَسَنِ) أي: البصري. (حَدِيثُهُمْ) أي: كلامهم
ومحادثتهم. (فَلَا تُجَالِسُوهُمْ) أي: في المسجد أو مطلقًا. (فَلَيْسَ للهِ فِيهِمْ) أي:
في إتيانهم إلى المسجد. (حَاجَةٌ) قال الطيبي: هو كناية عن براءة اللّه تعالى عنهم،
وخروجهم عن ذمة الله، وإلا فالله سبحانه وتعالى منزه عن الحاجة مطلقًا. وفيه
(٧٤٩) البَيْهَقِي في (الشعب ٢٩٦٢) عَنْهُ.