Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٣٠ - [٣٧] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اْذَنْ لَنَا فِي
الاخْتِصَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى وَلَا اخْتَصَى، إِنَّ خِصَاءَ
أُمَّتِي الصِّيَامُ)). فَقَالَ: اتْذَنْ لَنَا فِي السِّيَاحَةِ. فَقَالَ: ((إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ
فِي سَبِيلِ اللهِ)). فَقَالَ: اثْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُبِ. فَقَالَ: ((إِنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتِي الْجُلُوسُ
فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ».
[َرَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٧٣٠ - قوله: (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) بالظاء المعجمة بن حبيب بن وهب بن
حذافة بن جمح الجمحي القرشي، يكنى أبا السائب، أسلم بعد ثلاثة عشرة رجلًا،
وهاجر هجرتين، وشهد بدرًا، وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وكان عابدًا
مجتهدًا من فضلاء الصحابة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين في شعبان
على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة بعد شهوده بدرًا، وقيل: بعد اثنين وعشرين
شهرًا من مَقْدِم رسول اللَّه ◌َ لهالمدينة. ولما غسل وكفن قَبَّله رسول اللَّه ◌َل بين
عينيه، ولما دفَن قال: ((نِعْمَّ السَّلَفُ هُوَ لَنَا))، وهو أول من دفن ببقيع الغرقد من
المهاجرين، ووضع رسول اللَّه وَ له حجرًا عند رأسه، وقال: ((هَذَا قَبْرُ فُرُطِنَا)).
(اتْذَنْ لَنَا فِي الاخْتِصَاءِ) أي: سَلِّ الخصيتين؛ لتزول شهوة النساء؛ لأنه تشق علينا
العزبة في المغازي.
(لَيْسَ مِنَّ) أي: ممن يقتدى بِسُنَّتِنَا ويهتدي بطريقتنا، لكن هذا التأويل لا يقال إلا
في مقام التعليم، فلا يقال للعامة؛ لئلا تتساهل في ذلك. (مَنْ خَصَى) أي: سل
خصية غيره. (وَلَا اخْتَصَى) أي: بنفسه بحذف (مَنْ) لدلالة ما قبله عليه، يعني: ولا
من سل خصية نفسه وأخرجها. قيل: واحتيج لتقدير (مِنْ)؛ لئلا يتوهم أن المنهي
عنه الجمع بينهما .
قال ابن حجر: وكل من هذين حرام. وفي معناه إطعام دواء لغيره أو أكله، إن
(٧٣٠) البَغَوِيُّ (٤٨٤) فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ»، عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَتَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ
فقاله. الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثٍ سَهْلٍ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
HERE
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٨١
كان يقطع الشهوة والنسل دائمًا وكذا نادرًا إن أطعم غيره بغير إذنه. (إِنَّ خِصَاءَ)
بكسر الخاء.
(أُمَّتِي الصِّيَامُ) أي: فأكثروا الصوم، فإنه يكسر الشهوة وضررها. كما أفاده
قوله ◌َّله : ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ
بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ))، يعني: أن تكثير الصوم مسكن لشهوة الجماع، وقاطع لها،
مع ما فيه من سلامة النفس من التعذيب، وقطع النسل، ومن حصول الثواب
بالصوم المقتضي لرياضة النفس المؤدية إلى إطاعتها لأمر الله تعالى. وفيه: دليل
على كراهة الاستمناء باليد.
(فِي السِّيَاحَةِ) بكسر السين المهملة بعدها تحتية، وهي مفارقة الأمصار
والذهاب في الأرضِ، كفعل عُبَّادِ بني إسرائيل، قاله الطيبي: (إِنَّ سِيَاحَةً أُمَّتِي
الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهو أفضل، فإنه عبادة شاقة على النفس ونفعه متعد إلى
الغير، وهو يشمل الجهاد الأكبر والأصغر. (فِي التَّرَهُّبِ) أي: في التعبد، وإرادة
العزلة، والفرار من الناس إلى رؤوس الجبال كالرهبان. وأصل الترهب من الرهب
بمعنى الخوف، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا وملاذها.
(انْتِظَارَ الصَّلَاةِ) بالإضافة، ونصبه بأنه مفعول له للجلوس، أي: الانتظار
الصلاة، فإن الجلوس في المسجد يتضمن فوائد الترهب مع زيادة الفضائل.
(رَوَاهُ) أي: البغوي. (فِي شَرْح السُّنَّةِ) بسنده المتصل من حديث سعد بن مسعود
الصحابي: أن عثمان بن مظعون أتى النبيِ نَّهِ فقال: يَارَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لَنَا فِي
الاخْتِصَاءِ. وساقه بسند فيه مقال، قاله مَيْرَك.
وقال الحافظ في ((الإصابة)) (ج٢: ص ٢٧) في ترجمة سعد بن مسعود الكندي:
قال ابن المبارك في ((الزهد)): أنبأنا رشدين بن سعد، عن ابن أنعم، عن سعد بن
مسعود أن عثمان بن مظعون أتى النبي وَل فقال: ((ائذن لنا في الاختصاء))، فذكر
الحديث، انتهى. وروى الطبراني في الكبير عن ابن عباس: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى أَوِ
اخْتَصَى، وَلَكِنْ صُمْ وَوَفِّرْ شَعَرَ جَسَدَِ)) .
قال المناوي: قاله لعثمان بن مظعون لما قال له: إني رجل شبق فأذن لي في
الاختصاء. وأخرج الطبراني أيضًا من حديث عثمان نفسه أنه قال: يارسول الله،

١٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إني رجل يشق على العزوبة، فَأُذَنْ لي في الخصاء، قال: ((لَا، وَلَكِنْ بِالصِّيَام ... »
الحديث. ومن طريق سعيد بن العاص، أن عثمان قال: يارسول اللّه ائذن ليَ في
الاختصاء، فقال: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ)).
٧٣١ - [٣٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ:
((رَأَيْتُ رَبِّى رَتْ فِى أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَّ: فِيمَ يَخَّتَصِمُ الْمَلَأُ الأَعْلَى؟ قلتُ:
أَنْتَ أَعْلَمُ. قَالَ: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْبَيَّ، فَعَلِمْتُ مَا
فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ))، وَتَلاَ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ
[رَوَاهُ الدَّارِمِي مُرْسَلًا] {صحيح}
الشَّرْجُ
٧٣١ - قوله: (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ) بكسر الهمزة والشين المعجمة، كذا في
((المفاتيح)). وقال في ((التقريب)): بمثناة تحتية ثم معجمة يعني: أن أصله ياء، قال
ابن حبان: له صحبة. وقال ابن السكن: يقال: له صحبة. وذكره في الصحابة
محمد بن سعد، والبخاري، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو الحسن بن سميع، وأبو
القاسم، والبغوي، وأبو زرعة الحراني، وغيرهم. وقال أبو حاتم الرازي: أخطأ
من قال: له صحبة. وقال ابن خزيمة، والترمذي: لم يسمع من النبي وَّ، وقال
البخاري: له حديث واحد إلا أنهم مضطربون فيه، كذا في ((الإصابة)) (ج٢ :
ص٤٥)، وقال في ((تهذيب التهذيب)) (ج٦: ص٢٠٤): عبد الرحمن بن عائش
الحضرمي، ويقال: السكسكي، مختلف في صحبته، وفي إسناد حديثه.
(رَأَيْتُ رَبِِّي رَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ) الصواب أن هذا الحديث مستند إلى رؤيا رآها
رسول اللَّه وَ له يدل على ذلك حديث ابن عباس عند الترمذي ففيه: ((أَتَانِي اللَّيْلَةَ
رَبِّي تَبَارََكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ))، قال أحسبه قال: في المنام، ويدل على ذلك
أيضًا حديث معاذ بن جبل الآتي في الفصل الثالث، فإن فيه: ((فَتَعَسْتُ فِي صَلَاتِ
حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ)). قال الحافظ ابن كثير، بعد نقله عن
(٧٣١) البَغَوِيُّ (٩٢٤) فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) عَنْ عبدالرحمن بن عَائِشٍ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٨٣
((مسند أحمد)): وهو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة غلط، انتهى.
والروايات التي أطلق فيها الرؤية محمولة على المقيدة. وإليه أشار الدارمي حيث
بوب على حديث عبد الرحمن بن عائش هذا باب: رؤية الرب تعالى في النوم،
وعلى هذا فلا إشكال في الحديث؛ إذ الرائي قد يرى غير المتشكل متشكلًا
والمتشكل بغير شكله، ثم لم يعد ذلك بخلل في الرؤيا ولا في خلد الرائي، بل له
أسباب أخرى تذكر في علم المنام، أي: التعبير، ولولا تلك الأسباب لما افتقرت
رؤيا الأنبياء عليهم السلام إلى تعبير، وعلى تقدير كون ذلك في اليقظة فمذهب
السلف في مثل هذا من أحاديث الصفات - إذا صح - أن يمر كما جاء من غير
تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، وأن يؤمن به من غير تأويل له، وأن يسكت عنه
وعن أمثاله، مع الاعتقاد بأن اللّه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وقال من ذهب إلى التأويل: إن قوله: (فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ)، حال من الفاعل،
أي: (رَأَيْتُ رَبِّي) حال كوني (فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ) وصفة من غاية إنعامه ولطفه عَلَيَّ،
وإن كان حالًا من المفعول فالمراد بالصورة: صفته أو شأنه أو مثل ذلك، كما
يقال: صورة المسألة كذا، وصورة الحال كذا، فإن إطلاق الصورة على الصفة
شائع، والمعنى: رأيت ربي حال كون الرب في أحسن صفة أو شأن، قلتُ:
مذهب السلف هو المنهج القويم والمسلك الصحيح، فهو المتعين ولا حاجة إلى
التأويل. (قَالَ) أي: ربي. (فِيمَ) أي: في أَيِّ شيء يختصم؟ أي: يبحث.
(الْمَلَأُ الْأَعْلَى) أي: الملائكة المقربون، والملأ هم الأشراف، الذين يملؤون
المجالس والصدور عظمة وإجلالاً، وُصِفُوا بالأعلى، إما لِعُلُوِّ مكانهم، وإما لِعُلُوِّ
مكانتهم عند الله تعالى . قال الطيبي: المراد بالاختصام: التقاول الذي كان بينهم
في الكفارات والدرجات، شبه تقاولهم في ذلك، وما يجري بينهم من السؤال
والجواب، بما يجري بين المتخاصمين.
(أَنْتَ أَعْلَمُ) أي: بما ذكر وغيره، وزاد في ((المصابيح)) كما في الدارمي: أَيْ
رَبِّ. (قَالَ) أي: النبي ◌َِّ. (فَوَضَعَ) أَيْ: رَبِّ. (كَفَّهُ بَيْنَ کَتِفَيَّ) بتشديد الياء.
قيل: هو مجاز من تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه، وإيصال الفيض إليه؛ لأن مِنْ
دَيْدَنِ الملوك إذا أرادوا أن يدنوا إلى أنفسهم بعض خدمهم يضعون أيديهم على

١٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ظهره تلطفًا به، وتعظيمًا لشأنه، فجعل ذلك حيث لا كف ولا وضع حقيقة، كناية
عن التخصيص بمزيد الفضل والتأييد، انتهى.
قلتُ: قد تقدم في مثل هذا مذهب السلف؛ أنه يؤمن بظاهره من غير تكييف،
ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا يفسر بما يفسر به صفات الخلق، بل تنفي عنه الكيفية،
ويوكل علم الكيفية إلى الله تعالى، وهذا هو المعتمد المعول عليه. (فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا
بَيْنَ ثَدْبَيَّ) بالتثنية والإضافة إلى ياء المتكلم أي: قلبي وصدري. قال القاري: هو
كناية عن وصول ذلك الفيض إلى قلبه، ونزول الرحمة، وانصباب العلوم عليه،
وتأثره عنه، ورسوخه فيه، وإتقانه له، انتهى. وفيه ما تقدم آنفًا. (فَعَلِمْتُ مَا فِي
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) الأرض بمعنى الجنس، أي: وما في الأرضين السبع.
قال القاري: يعني: ما أعلمه اللَّه تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار
وغيرهما، وهو عبارة عن سعة علمه، الذي فتح الله به عليه، قال: ويمكن أن يراد
بالسموات: الجهة العليا، وبالأرض الجهة السفلى، فيشمل الجميع، لكن لا بد
من التقييد الذي ذكرنا؛ إذ لا يصح إطلاق الجميع كما هو الظاهر، انتهى.
اعلم: أنه قد استدل بعض القبوريين في هذا الزمان بقوله: (فَعَلِمْتُ مَا فِي
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) على ما ابتدعوا واعتقدوا: من أن اللّه تعالى قد خص نبينا
محمدًا وَّ من بين الأنبياء بعلم جميع ما كان من بدء الخلق، وما هو كائن إلى يوم
القيامة، إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فكان علمه وَله عند
هؤلاء محيطًا بجميع الأشياء حقائقها، وعوارضها، وصفاتها إحاطةً تامةً كليةً بتعليم
اللَّه تعالى وإلهامه، كما أنه تعالى أحاط بكل شيء عِلْمًا، ولا فرق بين علمه تعالى
وعلم رسوله عندهم، إلا أن علم الله ذاتي وحقيقي، وعلم رسوله ليس بذاتي بل
وهبي، حصل له بتعليم الله، وانكشف له الأشياء بإلهامه، وهذا كما تراه مخالف
للعقل والنقل من النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله، وتصريحات
السلف الصالح من الصحابة والتابعين والمحدثين، وفقهاء المذاهب الأربعة،
وغيرهم. قالوا في وجه الاستدلال: أن لفظة (مَا) في الحديث؛ للعموم
والاستغراق فتعم جميع الممكنات من الموجودات والمعدومات، وذوات العقول
وغيرها، بل تشتمل الواجبات والممتنعات أيضًا.

١٨٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
قلتُ: استدلالهم هذا مخدوش من وجوه بل باطل، الأول: أن لفظة ((مَا)) في
أصل الوضع لغير ذوي العقول عند المحققين، فيخرج من مفهومها ذوات العقول
كما يدل عليه قصة ابن الزِّبَعْرَى في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وعلى هذا فلا تكون الرواية دليلًا على كون علمه ◌ِ له
محيطًا بجميع الأشياء إحاطة كلية.
والثاني: أن من ذهب إلى كونها شاملة لذوى العقول - وهم الأكثر من علماء
الأصول - قد صرحوا بأنها إنما تشمل صفات من يعقل فقط لا ذواتهم، أعنى: أن
ذوات من يعقل خارجة من مفهومها عندهم أيضًا بحسب أصل الوضع، فلا تشملها
إلا بقرينة ولا قرينة هاهنا تدل على ذلك، بل الأمر بالعكس كما سيأتي، فبطل
بذلك دعوى العلم الكلي له مَله.
والثالث: أن قوله: (فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) في الحديث يدل على أن المراد
بلفظة (مَا) إنما هي الممكنات فقط لا الواجبات والممتنعات، وذلك لأن تقدير
الكلام: فعلمت ما هو كائن، أو ثابت، أو متحقق، أو موجود، أو حاصل، أو
مستقر، أو حادث في السموات والأرض. وهذا إنما هو شأن الممكن بالإمكان
الخاص لا الواجب والممتنع، وهذا يبطل دعوى القبوريين بكون علمه الثّلا كليًّا
محيطا بجميع الأشياء.
والرابع: أن سياق الحديث يدل على أن لفظة ((ما)) هاهنا ليست للعموم
والاستغراق، فإنه وَله قد بين ذلك باستشهاده بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ ذُرِىّ إِبْرَاهِيمَ
مَلَكُوْتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] ما عَلَّمَهُ اللَّه ◌َ في المنام، وهو عجائب
السموات والأرض فقط لا جميع ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، وإلا يلزم أن
يقال: إن إبراهيم علَلا أيضًا كان عالما بجميع الأشياء بعلم كلي محيط إحاطة تامة،
ويبطل بذلك دعوى الخصوصية، وهو خلاف ما ذهب إليه القبوريون من أن ذلك
من خصائصه ◌َّله، فلا مناص من أن يقال: إن لفظة (مَا) في الحديث ليست للعموم
والاستغراق.
والخامس: أنه قد ثبت بنصوص الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة عدم
علمه ◌َّة ببعض الأشياء، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ

١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ج
نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وقوله: ﴿قُلّ
إِنََّا عِلْمُهَا عِندَ رَبِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقوله عليه السلام. ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمُورِ دُنْيَاكُمْ))،
وقوله: ((إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدِثُوا بَعْدَكَ)) وقوله في حديث الشفاعة: ((أَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ
لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآنَ يُلْهِمُنِيهِ اللَّهُ تعالى)» وفي رواية: ((فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلَّمُنِهِ رَبِّي)»
وغير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة، فعدم علمه ◌َّل ببعض
الأشياء أو ببعض أوصافها قرينة صريحة على أن لفظه (مَا) في الحديث ليست
للعموم والاستغراق، وهو يبطل دعوى القبوريين. وأما قولهم: بأن المراد بنفي
علم الغيب عنه وَّه في بعض الآيات والأحاديث نفى العلم الذاتي لا الوهبي،
فهو تحكم محض وادعاء بحت ليست عليه أَثَارَةٌ من علم، لا من كتاب ولا من
سنة، ولا من إجماع، ولا من قياس، بل يبطله قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ
عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُدَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] فتفكر وتأمل ولا
تعجل .
(وَتَلَا) أي: النبيِ نَّاستشهادًا على ما تقدم. (﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ﴾) مضارع
في اللفظ ومعناه الماضي، والعدول لإرادة حكاية الحال الماضية؛ استعجابًا،
أي: أَرَيْنَا إبراهيم، يعني: كما أن الله أرى إبراهيم عليَّ ملكوت السموات والأرض
وكشف له ذلك، فتح على أبواب الغيوب التي تليق لشأن الرسالة، والكاف للتشبيه
وهي في محل نصب نعتًا لمصدر محذوف، فقدره الزمخشري: ومثل ذلك
التعريف والتبصير، نُعَرِّفُ إبراهيم ونبصره ملكوت.
وقدره بعضهم: وكما أريناك يا محمد الهداية أو أحكام الدين، وعجائب ما في
السموات وما في الأرض أرينا إبراهيم. وقال الخازن، معناه: وكما أرينا إبراهيم
البصيرة في دينه، والحق في خلاف قومه، وما كانوا عليه من الضلال في عبادة
الأصنام، نريه ملكوت السموات والأرض، فلهذا السبب عبر عن هذه الرؤية بلفظ
المستقبل في قوله: (﴿وَكَذَلِكَ نُرِئٍ﴾)؛ لأنه تعالى كان أراه بعين البصيرة أن أباه
وقومه على غير الحق، فخالفهم، فجزاه الله بأن أراه بعد ذلك ملكوت السموات
والأرض، فحسنت هذه العبارة لهذا المعنى.
(﴿مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾) أي: ملكهما وهو فَعَلُوت من الملك، وزيدت

كِتّابُ الصَّلاةِ
ex
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٨٧
التاء والواو للمبالغة في الصفة، ومثله الرَّغَبُوت، والرَّحَمُوت، والرَّهَبُوت؛ مبالغة
في الرغبة والرحمة والرهبة، قيل: أراد بملكوتها ما فيهما من الخلق، وقيل:
عجائبهما وبدائعهما، وقيل: الربوبية والألوهية. أي: نريه ذلك، ونوفقه لمعرفته
بطريق الاستدلال التي سلكها.
وقال ابن كثير: أي: نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقها إلى وحدانية
اللَّه رَّ في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. (﴿وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾) عطف على مقدر، أي: ليستدل
به على وحدانيتنا، ويصح أن يكون علة لمحذوف، أي: وليكون من الموقنين فعلنا
ذلك، والجملة معطوفة على الجملة قبلها، واليقين عبارة عن علم يحصل بسبب
التأمل بعد زوال الشبهة؛ لأن الإنسان في أول الحال لا ينفك عن شبهة وشك، فإذا
كثرت الدلائل وتوافقت صارت سببًا لحصول اليقين والطمأنينة في القلب.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) في كتاب الرؤيا من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن
يزيد بن جابر، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، أنه
سمع رسول اللَّه وَله يقول: ((رَأَيْتُ رَبِّي .. )) الحديث. وأخرجه أيضًا من هذا
الطريق ابن خزيمة، والبغوي وابن السكن، وأبو نعيم. ووقع في أسانيدهم
التصريح بسماع عبد الرحمن من النبي وَثّر.
(مُرْسَلًا) إنما أطلق عليه المرسل مع التصريح فيه بسماع عبد الرحمن بن عائش
من النبي ◌َّ؛ لأن ابن عائش هذا مختلف في صحبته كما تقدم، والراجح عند
المصنف: أنه لم يسمع من النبي ◌َّ، وإنَّ((سمعت)) في هذا الحديث وهم. قال
مَيْرَك: قوله: رواه مرسلًا، بل معضلًا؛ فإن عبد الرحمن هذا مختلف في صحبته،
والصحيح: أنه لم يدرك النبي وّل بل رواه عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل،
كما في «مسند أحمد)» وهو إسناد جيد، انتهى.

١٨٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٣٢، ٧٣٣ - [٣٩، ٤٠] وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوَهُ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
وَمُعَاذِ بْنِ جَبَل، وَزَادَ فِيهِ: ((قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِى فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَّأُ
الأَعْلَى؟ قلتُّ: نَعَمْ، فِى الْكَفَّارَاتِ. وَالْكَفَّارَاتُ: الْمُكْثُ فِى الْمَسَاجِدِ بَعْدَ
الصَّلَوَاتِ، وَالْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ فِى
الْمَكَارِهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ، وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِقَتِهِ كَيَوْمَ
وَلَدَتْهُ أُّهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ:َ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ فِعْلَ
الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادَِكَ فِتْنَةً
فَاقْبِضْنِى إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ. قَالَ: وَالدَّرَجَاتُ: إِفْشَاءُ السَّلاَمِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ،
وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)). وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِيَ ((الْمَصَابِيحِ)) لَمْ
أَجِدْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلّ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)).
الشرخُ
٧٣٢، ٧٣٣ - قوله: (وَلِلتِّرْمِذِيِّ) أي: في تفسير سورة ((ص)). (نَحْوَهُ)
أي: نحو هذا اللفظ أي: معناه. (عَنْهُ) أي: عن عبد الرحمن لكن لم يذكر الترمذي
لفظ حديثه، بل قال بعد إخراج حديث معاذ بن جبل الآتي في الفصل الثالث: قال
البخاري: هذا أصح من حدیث الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن یزید بن جابر
قال: حدثنا خالد بن اللجلاج: حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضر مي قال: قال
رسول اللَّه ◌َله ... فذكر الحديث، وهذا غير محفوظ، هكذا ذكر الوليد في حديثه
عن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول اللَّه وَله. ورواه بشر بن بكر عن
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، هذا الحديث بهذا الإسناد عن عبد الرحمن بن
عائش، عن النبي وقّ، وهذا أصح، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من
النبي ◌َّ، انتهى كلام الترمذي.
وقال ابن خزيمة: ((سمعت)) في هذا الحديث وهم، فإن هذا الخبر لم يسمعه
(٧٣٢)، (٧٣٣) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِي (٣٢٣٤) مِنْ طَرِيقِ مَالِك بْنِ يخامر عَنْ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ، وَمِنْ غَيْرِ هَذِهِ
الطَّرِيقِ أَيْضًا، وَقَدْ جَمَعَ الدَّارَقُطْنِي ◌َخْشَهُ، طُرُقَهُ فِي كِتَابِ ((الرُّؤية)).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٨٩
عبد الرحمن، ثم استدل على ذلك بما أخرجه هو والترمذي من رواية أبي سلام،
عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل فذكر نحوه،
قال الترمذي: صحيح. وقال أبو عمرو: هو الصحيح عندهم، وقال، وقد سبقه ابن
خزيمة: لم يقل في حديثه: سمعت النبي ◌َّ، إلا الوليد بن مسلم.
قال الحافظ في ((الإصابة)) (ج٢: ص ٤٠٥) في ترجمة عبد الرحمن بن عائش:
لم ينفرد الوليد بن مسلم بالتصريح المذكور بل تابعه حماد بن مالك الأشجعي،
والوليد بن يزيد البيروتي، وعمارة بن بشر، وغيرهم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن
جابر. فأما الوليد بن يزيد، فأخرجه الحاكم وابن منده والبيهقي، من طريق
العباس بن الوليد، عن أبيه: حدثنا ابن جابر، قال: وهذه متابعة قوية للوليد بن
مسلم، وأما حماد بن مالك فأخرجه البغوي، وابن خزيمة من طريقه، قال: حدثنا
ابن جابر. وأما رواية عمارة بن بشر، فأخرجها الدار قطني في كتاب الرواية(*) من
طريقه حدثنا عبد الرحمن بن جابر، فذكر نحو رواية حماد بن مالك، وزاد: وذكر
ابن جابر عن أبي سلام، أنه سمع عبد الرحمن بن عائش يقول في هذا الحديث: أنه
سمع رسول اللّه ◌َله ... فذكر بعضه. وأما رواية بشر الذي أشار إليها الترمذي
فأخرجها الهيثم بن كليب في ((مسنده))، وابن خزيمة والدار قطني من طريقه، عن
ابن جابر، عن خالد سمعت عبد الرحمن بن عائش يقول: قال رسول اللّه عليه ... ،
ثم ذكر الحافظ الاختلاف على خالد بن اللجلاج، فقال: وروی هذا الحدیث یزید
ابن يزيد بن جابر أخو عبد الرحمن، عن خالد، فخالف أخاه، أخرجه أحمد من
طريق زهير بن محمد عنه عن خالد، عن عبد الرحمن بن عائش، عن رجل من
الصحابة فزاد فيه رجلاً، ولكن رواية زهير بن محمد عن الشاميين ضعيفة، كما قال
البخاري وغيره، وهذا منها. وقال هشام الدستوائي عن أبي قلابة، عن خالد بن
اللجلاج، عن ابن عباس، أخرجه الترمذي وأبو يعلى، عن قتادة، عن أبي قلابة.
وقد ذكر أحمد بن حنبل أن قتادة أخطأ فيه، والقول ما قال ابن جابر. ورواه أيوب
عن أبي قلابة مرسلاً لم يذكر خالدًا، أخرجه الترمذي وأحمد، وكذا أرسله بكر بن
عبد الله المزني عن أبي قلابة أخرجه الدار قطني. ورواه سعيد بن بشير، عن قتادة،
عن أبي قلابة، فخالف الجميع، قال: عن أبي أسماء، عن ثوبان، وهي رواية أخطأ
(*) هكذا في الأصل والصواب ((الرؤية)). كتاب: ((رؤية الله)). للدار قطني.

١٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
see
فيه سعيد بن بشير وأشد منها خطأً رواية أخرجها أبو بكر النيسابوري في ((الزيادات))
من طريق يوسف بن عطية، عن قتادة، عن أنس، وأخرجها الدار قطني، ويوسف
متروك. قال: ويستفاد من مجموع ما ذكرت قوة رواية عبد الرحمن بن يزيد بن
جابر بإتقانها، ولأنه لم يختلف عليه فيها. وأما رواية أبي سلام فاختلف عليه.
وروى حماد بن مالك كما تقدم كرواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وخالفه زيد
ابن سلام. فرواه عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك بن
يخامر، عن معاذ، وقد ذكره مطولًا، وفيه قصة، هكذا رواه جهضم بن عبد الله
اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد. أخرجه أحمد (ج ٥: ص٢٤٣) وابن
خزيمة والروياني والترمذي والدار قطني وابن عدي وغيرهم. وخالفهم موسى بن
خلف فقال: عن يحيى، عن زيد عن جده عن أبي عبد الرحمن السكسكي، عن
مالك بن يخامر، عن معاذ، أخرجه الدارقطني وابن عدي. ونقل عن أحمد أنه
قال: هذه الطريق أصحها. قال الحافظُ: فإن كان الأمر كذلك، فإنما روى هذا
الحديث المالك بن يخامر أبو عبد الرحمن السكسكي لا عبد الرحمن بن عائش.
ويكون للحديث سندان: ابن جابر عن خالد عن عبد الرحمن بن عائش. ويحيى،
عن زيد، عن أبي سلام، عن أبي عبد الرحمن عن مالك عن معاذ. ويقوي ذلك
اختلاف السياق بين الراويتين. انتهى كلام الحافظ في ((الإصابة)) مختصرًا
و مخلصًا.
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عطف على عنه. والحديث أخرجه الترمذي عن ابن عباس من
طريق أبي قلابة، عن ابن عباس، وعنه، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس.
وقال: حديث حسن. وأخرجه أيضًا عبد الرزاق، وأبو يعلى، وعبد بن حميد،
ومحمد بن نصر. (وَمَعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) أراد حديثه الذي ذكره في الفصل الثالث، وقد
تقدم تخريجه في كلام الحافظ، (وَزَادَ) أي: الترمذي. (فِيهِ) أي: في نحوه من
الحديث. (قَالَ) أي: الله تعالى سائلًا مرة أخرى، كما يدل عليه أول الحديث
الذي اختصره المصنف، وهو مذكور عند الترمذي وغيره، وسياق الحديث الذي
ذكره المصنف إنما هو من رواية أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس. (قُلْتُ: نَعَمْ،
فِي الْكَفَّارَاتِ) أي: يختصمون في الكفارات يعني: في أعمال تكفر الذنوب، وفي
رواية قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس في الدرجات

١٩١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاحِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
صيـ
والكفارات. (وَالْكَفَّارَاتُ) مبتدأ وخبره (الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ ... ) إلخ. وسميت
هذه الخصال كفارات؛ لأنها تكفر الذنوب عن فاعلها، فهي من باب تسمية الشيء
باسم لازمه. ((فِي الْمَسَاجِدِ)) وفي بعض نسخ الترمذي ((الْمَسْجِدٍ)) بلفظ الإفراد.
(بَعْدَ الصَّلَوَاتِ) أي: بعد كل صلاة انتظارًا لصلاة أخرى، وفي الترمذي: ((بَعْدَ
الصَّلَاةِ» بلفظ الإفراد. (وَالْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَاتِ) فإن الآتي إلى
المسجد زائر الله، والزيارة على الأقدام أقرب إلى الخضوع والتواضع والتذلل.
(وَإِبْلَاغُ الْوُضُوءِ) بفتح الواو وتضم، أي: إيصال ماء الوضوء بطريق المبالغة
مواضع الفروض والسنن. وفي الترمذي: ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ)) بدل إبلاغ. والإبلاغ
بمعنى الإسباغ. (فِي الْمَكَارِهِ) جمع مكره بفتح ميم ما يكرهه شخص ويشق عليه
أي: التوضي مع برد شديد وعلل، يتأذى معها بمس الماء. قال ابن الملك: إنما
خص هذه الأشياء بالذكر حثًّا على فعلها؛ لأنها دائمة؛ فكانت مظنة أن تمل،
انتهى. (فَمَنْ فَعَلَ) وفي الترمذي: ((وَمَنْ)) بالواو. (ذَلِكَ) أي: المذكور. (عَاشَ
بِخَيْرٍ، وَمَاتَ بِخَيْرٍ) كما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ
٩٧* [النحل:
مُؤْمِنَّ فَلَتُحْبِيَنَّةُ حَيَّوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٩٧]. (وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) أي: فيه بفتح ((يَوْمَ)) قال الطيبي: مبنى على
الفتح لإضافته إلى الماضي، وإذا أضيف إلى المضارع اختلف في بنائه، أي: كان
مبرأ كما كان مبرأ يوم ولدته أمه. (إِذَا صَلَّيْتَ) أي: فرغت من الصلاة. (فِعْلَ
الْخَيْرَاتِ) بكسر الفاء، وقيل: بفتحها، وقيل: الأول اسم، والثاني مصدر،
والخيرات ما عرف من الشرع من الأقوال الحميدة والأفعال السعيدة. (وَتَرَْ
الْمُنْكَرَاتِ) هي التي لم تعرف من الشرع من الأقوال القبيحة والأفعال السيئة.
(وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ) الظاهر أنه كما قبله من إضافة المصدر إلى المفعول، وهو
تخصيص بعد تعميم لدخوله في الخيرات اهتمامًا بهذا الفرد منه. (فِتْنَةً) أي:
ضلالة أو عقوبة دنيوية. (فَاقْبِضْنِي) بكسر الباء، أي: توفني. (غَيْرَ مَفْتُونٍ) أي: غير
ضَالٍّ أو غير معاقب. (قَالَ) أي: النبي ◌َّه. (وَالدَّرَجَاتُ) مبتدأ، أي: ما ترفع به
الدرجات. (إِفْشَاءُ السَّلام) أي: بذله على من عرفه ومن لم يعرفه. (وَالنَّاسُ نِيَامٌ)
بكسر النون جمع نائم، والجملة حالية، وإنما عدت هذه الأشياء من الدرجات؛
لأنها فضل منه على ما وجب عليه، فلا جرم استحق بها فضلًا وهو علو الدرجات،

١٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هذا. وارجع لشرح الحديث مفصلًا، وبسط الكلام عليه مطولًا إلى كتاب ((اختيار
الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى)) لابن رجب.
٧٣٤ - [٤١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (وَِّ(«ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ
ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى
يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرِ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى
الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ [حَتَّى يَتَوَقَّهُ فَيُدْخِّلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ
أَجْرِ أَوْ غَنِيمَةٍ](*)، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَام فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ رَلْ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٧٣٤ - قوله: (ثَلَاثَةٌ) أي: أشخاص. (كُلَّهُمْ) أي: كل واحد منهم، والإفراد
باعتبار لفظ الكل. قال الخطابي: أنشدني أبو عمر، عن أبي العباس في ((كل))
بمعنى ((كل واحد)) [من الطويل]:
فَكُلُّهُمُ لَا بَارَكَ اللـهُ فِيهِمُ إِذَا جَاءَ أَلْقَى خَدَّهُ يَتَسَمَّعَا (*)
(ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ) عَدَّى الضمان بعلى بتضمين معنى الوجوب والمحافظة،
والضامن بمعنى المضمون، كدافق بمعنى مدفوق في قوله تعالى: ﴿مِن مَّآءِ دَافِقٍ﴾
[الطارق: ٦] وعاصم بمعنى معصوم في قوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣]
على تأويل. و((راضية)) بمعنى مرضية في قوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أو هو
بمعنى ذو ضمان أي: حفظ ورعاية كلابن وتامر أي: صاحب لبن وتمر. وحاصل
المعنى: أنه يجب على اللَّه بمقتضى وعده الصادق أن يحفظ كلا من هؤلاء الثلاثة
من الضرر، والخيبة والضياع والآفة.
(٧٣٤) أَبُو دَاوُد (٢٤٩٤) فِي الجِهَادِ عَنْهُ.
(*) ما بين المعقوفين سقطت من جميع نسخ ((المشكاة)) (مرعاة).
( ** ) في معالم السنن: ((فَتَسَمَّعَا)).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
exase
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٩٣
BASE
(خَرَجَ غَازِيًّا) أي: حال كونه مريدًا للغزو. (فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ) أي: واجب
الحفظ والرعاية على اللَّه كالشئ المضمون. (حَتَّى يَتَوَقَّاهُ) أي: يقبض روحه إما
بالموت، أو بالقتل في سبيل الله. (فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) أي: مع الناجين. (أَوْ يَرُدَّهُ)
عطف على يتوفاه. (بِمَا نَالَ) أي: مع ما وجد. (مِنْ أَجْرٍ) أي: ثواب فقط. (أَوْ
غَنِيمَةٍ) أي: مع الأجر ـ((أو)) للتنويع. (وَرَجُلٌ رَاحَ) أي: مشى إلى المسجد.
(فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ) أي: يعطيه الأجر وأن لا يضيع سعيه، أو واجب الوقاية
والرعاية، ووقع في ((سنن أبي داود)) بعد قوله: (ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ، فَيُدْخِلَهُ
الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرِ أَوْ غَنِيمَةٍ)، وهكذا رواه الحاكم، وكذا ذكره
السيوطي في ((الجامع الصغير))، وسقط هذا من جميع نسخ ((المشكاة)).
(وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَام) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يسلم على أهله، إذا
دخل منزله، كقوله تعالىَّ: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُونًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]
والمضمون عليه أن يبارك عليه وعلى أهله، فمعنى قوله: (فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ)
أي: يعطيه البركة والثواب الكثير لما روي أنه علَّ قال لأنس: ((إِذَا دَخَلْتَ عَلَى
أَهْلِكَ فَسَلِّمْ، يَكُونُ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ)). والوجه الآخر: أن يكون أراد
بدخول بيته بسلام: لزوم البيت طلبًا للسلامة من الفتن، يرغب بذلك في العزلة
ويأمر بالإقلال من المخالطة، ويكون المعنى: دخل بيته سالمًا من الفتن، أي:
طالبًا للسلامة منها. قال الطيبي: وهذا أوجه لأن المجاهدة في سبيل الله سفرًا،
والرواح إلى المسجد حضرًا، ولزوم البيت اتقاء من الفتن آخذ بعضها بحجزة
بعض، فعلى هذا فالمضمون به هو رعاية الله تعالى وجواره من الفتن، انتهى.
وإنما لم يذكر المضمون به في الأخير؛ اكتفاء لظهور المراد وهو الأجر والمثوبة
حسب ما يليق به من البركة والسلامة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجهاد وسكت عنه(*)،
وأخرجه أيضًا ابن حبان والحاكم في الجهاد وقال: صحيح، ووافقه الذهبي.
(*) وقع في مطبوعة حامد الفقي لـ((مختصر السنن)) (٣٦١/٣/ رقم ٢٣٨٤): ((وأخرجه البخاري
ومسلم والنسائي)) وهذا خطأ فاحش (أبو القاسم).

١٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٣٥- [٤٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ
مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيح
الضُّحَى لَا يُنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلاَةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَّ
بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلَّيِّينَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشّرْحُ
٧٣٥ - قوله: (مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ
الْمُحْرِم) أي: كما أن الحاج إذا كان محرمًا قبل الميقات كان ثوابه أتم، فكذلك
الخارج إلى الصلاة، إذا كان متطهرًا من بيته كان ثوابه أفضل، شبه بالحاج
المحرم؛ لكون التطهر من الصلاة بمنزلة الإحرام من الحج؛ لعدم جوازهما
بدونهما. وقيل: المراد كأصل أجره، وقيل: كأجره من حيث إنه يكتب له بكل
خطوة أجر كالحاج، وإن تغاير الأجران كثرة وقلة أو كمية وكيفية.
وقال الطيبي: من خرج من بيته أي: قاصدًا إلى المسجد لأداء الفرائض. وإنما
قدرنا القصد ليطابق الحج؛ لأنه القصد الخاص، فنزل النية مع التطهير منزلة
الإحرام. وأمثال هذه الأحاديث ليست للتسوية، كيف وإلحاق الناقص بالكامل
يقتضي فضل الثاني وجوبًا ليفيد المبالغة، وإلا كان عبثًا، فشبه حال المصلي
القاصد إلى المكتوبة بحال الحاج المحرم في الفضل مبالغةً وترغيًا للمصلي ليركع
مع الراكعين، ولا يتقاعد عن حضور الجماعات.
(تَسْبِيح الضُّحَى) أي: صلاة الضحى، وكل صلاة تطوع تسبيحة وسبحة. قال
الطيبي: المكتوبة والنافلة، وإن اتفقتا في أن كل واحدة منهما يُسَبَّحُ فيها، إلا أن
النافلة جاءت بهذا الاسم أخص من جهة أن التسبيحات في الفرائض والنوافل
سنة، فكأنه قيل للنافلة: تسبيحة، على أنها شبيهة بأذكار في كونها غير واجبة. (لَا
يُنْصِبُهُ) أي: لا يتعبه ولا يخرجه، بضم الياء من الإنصاب وهو الاتعاب، مأخوذ من
(٧٣٥) أَبُو دَاوُد (٥٥٨) عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ.

١٩٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
نَصِب بكسر الصاد أي: تعب، وأنصبه غيره أي: أتعبه، ويروى بفتح الياء من نصبه
إذا أقامه، قاله زين العرب.
وقال التُّورْبَشْتِي: هو بضم الياء والفتح احتمال لغوي لا أحققه رواية. (إِلَّا إِيَّاهُ)
أي: لا يزعجه، ولا يحمله على الخروج إلا ذلك، أي: تسبيح الضحى. وحقه أن
يقال: إلا هو، فوضع الضمير المنصوب موضع المرفوع. قال ابن الملك: وضع
الضمير المنصوب موضع المرفوع؛ لأنه استثناء مفرغ يعني: لا يتعبه إلا الخروج
إلى تسبيح الضحى. (فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرٍ) إشارة إلى أن فضل ما بين المكتوبة
والنافلة، والخروج إلى كل واحد منهما، كفضل ما بين الحج والعمرة، والخروج
إلى كل واحد منهما. ولا تَخَالُفَ بين هذا الحديث وحديث: ((أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ
فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ))؛ لأن حديث الباب يدل على جوازه في المسجد لا على
أفضليته، أو يحمل على من لا يكون له مسكن، أو في مسكنه شاغل ونحوه على أنه
ليس للمسجد ذكر في الحديث أصلاً، فالمعنى: من خرج من بيته أو سوقه، أو
شغله متوجهًا إلى صلاة الضحى تاركًا أشغال الدنيا.
وقال التُّورْبَشْتِي: يحتمل أن يكون قوله وَّهِ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ صَلَّوا فِي بُيُوتِكُمْ،
فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ إِلا الْمَكْتُوبَةَ))، مختصًّا بصلاة الليل، وإن كان ظاهر
لفظه يقتضي العموم، وذلك لأنه قال هذا القول بعد أن قام ليالي رمضان، فلما
رآهم يجتمعون إليه، ويتنحنحون ليخرج إليهم قال ذلك. ومن الدليل على صحة ما
ذهبنا إليه: أنه لو كان يقعد في مصلاه حتى تطلع الشمس، ثم يركع ركعتين، وقد
قالِ وَالثّه: ((مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَي
الضُّحَى لَا يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا إِلَّا غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ))، وكان ◌َّ إذَا قدم من سفر بداً
بالمسجد فركع فيه ركعتين، وكان ◌ّليل يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا
فيصلي فيه ركعتين، فلو كانت صلاته هذه في البيت خيرًا لم يكن ليأخذ بالأدنى
ويدع الأعلى والأفضل؛ وإذ قد ثبت هذا فنقول: الظاهر: أنه أمرهم بالصلاة في
بيوتهم لمعانٍ، أو لبعض تلك المعاني: أحدها - وهو آكد الوجوه: أنه أحب أن
يجعلوا لبيوتهم حَظّا من الصلاة، ولا يتركوا الصلاة فيها، فيجعلوها قبورًا مثل
بيوت بني إسرائيل، فإنهم كانوا لا يصلون إلا في كنائسهم وبَيعِهِم.

١٩٦
*:
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
والثاني: أحب أن يتنفلوا في بيوتهم؛ ليشملها بركة الصلاة، فيرتحل عنها
الشيطان، وينزل فيها الخير والسكنية.
والثالث: أنه رأى النافلة في البيت أفضل؛ حذرًا من دواعي الرياء، وطلب
المحمدة التي جبل عليها الإنسان؛ ونظرًا إلى سلامته من العوارض والموانع التي
تصيبه في المسجد بخلاف البيت، فإنه يخلو هناك بنفسه، فينسد مداخل تلك
الآفات والعوارض. فعلى الوجه الأول والثاني، إذا أدى الإنسان بعض نوافله في
البيت فقد خرج من عهدة ما شرع له. وعلى الوجه الثالث، إذا تمكن عن أداء نافلة
في المسجد عارية عن تلك القوادح لم تتأخر صلاته تلك عن صلاته في البيت
فضيلة. وأرى قوله: ((لَا يُنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ)) إشارة إلى هذا المعنى، وهو أن لا يشوب
قصده ذلك شيء آخر، فلا يزعجه إلا القصد المجرد بخروجه إلى الصلاة سالمًا من
الآفات التي أشرنا إليها، انتهى كلام التوربشتي مختصرًا.
(وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ) بكسر الهمزة وسكون الثاء وبفتحتين لغتان، أي:
عقيبها، يعني: صلاة تتبع صلاة وتتصل بها ليلًا ونهارًا فرضًا وسنةً. (لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا)
أي: ما لا يعني من القول والفعل، قال في ((النهاية)): يقال: لغا الإنسان يلغو ولغى
يلغى، إذا تكلم بالمطروح من القول وما لا يعني. وقال في ((القاموس)): اللغو
واللغى كالفتى السقط، وما لا يعتد به من كلام وغيره، انتهى. فيشمل اللغو من
الفعل كما جاء في الحديث: ((مَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَى))، (كِتَابٌ) أي: عمل
مكتوب .
(فِي عِلِّيِّينَ) قال ابن رسلان: أي: مكتوب ومقبول تصعد به الملائكة المقربون
إلى عِلَّيِين؛ لكرامة المؤمن وعمله الصالح. قال القاري: هو علم لديوان الخير
الذي دون فيه أعمال الأبرار. قال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ كِنَبَ اُلْأَبْرَارِ لَفِى عِلَتِّينَ ﴿ وَمَآ
* [المطففين: ١٨ - ٢١] منقول من جمع
أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُونَ ١ كِتَبٌ قَرْقُومٌ ﴿ يَشْهَدُهُ الْقُرَُّونَ
((عِلِّيٍّ)) فِعِيْلٍ من العلو، سمي به؛ لأنه مرفوع إلى السماء السابعة تكريمًا؛ ولأنه
سبب الارتفاع إلى أعلى الدرجات، والعِلِّيَّة بتشديد اللام والياء: الغرفة، كذا قاله
بعضهم. وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب، أي: مداومة الصلاة
والمحافظة عليها من غير شوب بما ينافيها لا شيء من الأعمال أعلى منها، فكنى

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٩٧
عن ذلك بقوله: (فِي عِلَّيِّينَ). (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. وقال المنذري:
فیه القاسم أبو عبد الرحمن، وفیه مقال، انتھی.
قلتُ: قد وثقه ابن معين، والعجلي، ويعقوب بن سفيان، والترمذي، ويعقوب
ابن شيبة، وإسحاق الحربي، وغيرهم. فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن.
٧٣٦ - [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ: ((إِذَا مَرَرْتُمْ
بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ:
((الْمَسَاجِدُ)) قِيلَ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ،
وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٧٣٦ - قوله: (إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ) جمع روضة وهي أرض مخضرة
بأنواع النبات. (فَارْتَعُوا) من رتعت الماشية رَتْعًا ورتوعا من باب نفع. رعت كيف
شاءت. قال في ((القاموس)): رتع كمنع، أكل وشرب ما شاء في خصب وسعة، أو
هو الأكل والشرب رغدًا في الريف. وتلخيص الحديث: إذا مررتم بالمساجد
قولوا هذه الأذكار، فلما وضع رياض الجنة موضع المساجد بناء على أن العبادة
فيها سبب للحلول في رياض الجنة روعيت المناسبة لفظًا ومعنى، فوضع الرتع
موضع القول، أي: استعير للعوض في الأذكار الواقعة فيها؛ لأن هذا القول سبب
النيل الثواب الجزيل. والرتع هنا كما في قول إخوة يوسف: ﴿يَرَّتَعْ وَيَلْعَبْ﴾
[يوسف: ١٢] وهو أن يتسع في أكل الفواكه والمستلذات، والخروج إلى التنزه في
الأرياف والمياه، كما هو عادة الناس، إذا خرجوا إلى الرياض والبساتين، ثم اتسع
واستعمل في الفوز بالثواب الجزيل، والأجر الجميل. (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ)
السائل في الفصلين هو أبو هريرة راوي الحديث وهو صريح في كتاب الترمذي.
(وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: الْمَسَاجِدُ) وفي حديث أنس عند أحمد والترمذي:
(٧٣٦) التِّرْ مِذِي (٣٥٠٩) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ ◌ّقْتَهُ.

١٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((حِلَقُ الذِّكْرِ))، ولا منافاة بينهما؛ لأنها تصدق بالمساجد وغيرها فهي أعم،
وخصت المساجد هنا؛ لأنها أفضل، قاله القاري. وفسر في حديث ابن عباس عند
الطبراني في ((الكبير)) بمجالس العلم. قال الشوكاني: لا مخالفة بين هذه
الأحاديث، فرياض الجنة تطلق على حلق الذكر، ومجالس العلم، والمساجد،
ولا مانع من ذلك، انتهى. وقيل: اختلف الجواب في تفسير الرتع باختلاف أحوال
السائلين، فرأى أن الأولى بحال سائل: حلق العلم، وبحال سائل آخر: حلق
الذكر، ولهذا قال العلقمي: المراد من هذه الأحاديث في تفسير الرتع مناسبة كل
شخص بما يليق به من أنواع العبادة. (وَمَا الرَّتْعُ) بسكون المثناة الفوقية.
(يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ... ) إلخ. لا يخفى أن الرتع ليس منحصرًا في
هذه الأذكار، بل المقصود هذه وأمثالها من الباقيات الصالحات التي هي سبب
وصول الروضات، ورفع الدرجات العالية، وهذا لأن في قوله: ((حِلَقُ الذَّكْرٍ)) في
حديث أنس و((مَجَالِسِ الذَّكْرِ)) في حديث جابر عند أبي يعلى، والبزار،
والطبراني، والحاكم، والبيهقي إشارة إلى أن كل ذكر رتع، وإنما خصت الكلمات
المذكورة بالذكر؛ لأن الباقيات الصالحات في الآية مفسر بها. ولحديث: ((إِنَّهَا
أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ)) أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث سمرة بن
جندب. (رَوَّاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات وغربه، وفي سنده حميد المكي، وهو
مجهول، لكن له شواهد ترتقى بها إلى الصحة أو الحسن.
٧٣٧ - [٤٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ
فَهُوَ حَظُّهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرْحُ
٧٣٧- قوله: (مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ) أيٍ: لقصد حصول شيء من غرض
أخروي أو دنيوي. (فَهُوَ) أي: ذلك الشيء. (حَظّهُ) أي: نصيبه، كقوله وَلَهُ: ((إِنَّمَا
لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ... )) الحديث. ففيه تنبيه على تصحيح النية في إتيان المسجد؛
(٧٣٧) أَبُو دَاوُد (٤٧٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّلَاةِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ
١٩٩
لئلا يكون مختلطًا بغرض دنيوي كالتمشية والمصاحبة مع الأصحاب مثلًا، بل
ينوي العبادة كالصلاة، والاعتكاف، واستفادة علم وإفادته ونحوها. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ) وسكت عليه. وقال المنذري: في إسناده عثمان بن أبي العاتكة الدمشقي،
وقد ضعفه غیر واحد، انتهى.
قلتُ: قال العجلي: لا بأس به، وكان دحيم يثني عليه، وينسبه إلى الصدق.
وقال أبو حاتم عنه: لا بأس به. وقال أبو دواد: صالح. وقال خليفة: كان ثقة كثير
الحديث. وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد
الألهاني، انتهى. وهذا الحديث إنما هو من روايته عن عمير بن هانئ العنسي، لا
علي بن يزيد الألهاني، فحديثه هذا لا ينحط عن درجة الحسن، ويقويه حديث:
((إنما لكل امرئ ما نوى ... إلخ)).
٧٣٨ - [٤٥] وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى
رُؤُهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ:
((رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَاقْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ)) وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى
مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ)).
[ضعيف، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وابْنُ مَاجَهْ]
- وَفِي رِوَايَتِهِمَا قَالَت: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدِ، وَكَذَا إِذَا خَرَجَ قَالَ: ((بِسْم
اللَّهِ، وَالسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ)) بَدَل: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ. وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَصِلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةً
الْكُبْرَىَ(*).
الشّرْحُ
٧٣٨ - قوله: (وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ) بن علي بن أبي طالب الهاشمية
(٧٣٨) التِّرْ مِذِي (٣١٤) فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ رِوَايَةٍ فَاطِمَةَ بِنْتِ الحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى ◌ِنَّا؛ وَلَمْ
تُدْرِ كُهَا .
(*) رَوَاهُ ابنْ مَاجَه (٧٧١).