Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ردها ابن دقيق العيد في ((الإمام))، وصحح الحديث. وأخرجه أيضًا الطبراني، وإن
شئت الوقوف على كلام ابن دقيق العيد فارجع إلى ((نصب الراية)) (ج١: ص٢٦٨،
٢٦٩).
٦٥٠ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي سُنَّةَ الْأَذَانِ، قَالَ:
فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ قَالَ: («تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرْ اللَّهُ أَكْبَرْ، اللَّهُ أَكْبَرْ اللَّهُ أَكْبَرْ، تَرْفَعُ
بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمّ
تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَّى الصَّلَاةِ،
حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَإِنْ كَانَ صَلَاةَ
الصُّبْحِ، قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمَ، اللَّهُ أَكْبَرْ، اللَّهُ أَكْبَرَ، لَاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْخُ
٦٥٠- قوله: (سُنَّةَ الْأَذَانِ) أي: طريقته في الشرع. (قَالَ) أي: الراوي.
(فَمَسَحَ) أي: رسول اللّه وَله. (رَأْسِهِ) أي: رأس أبي محذورة؛ ليحصل له بركة
يده الموصلة إلى الدماغ وغيره، فيحفظ ما يلقى إليه ويملى عليه. (قَالَ: تَقُولُ)
بتقدير ((أن)) أي: الأذان قولك. وقيل: أطلق الفعل، وأريد به الحدث على مجاز
ذكر الكل، وإرادة البعض، أو خبر معناه الأمر، أي: قل: (اللَّهُ أَكْبَرْ).
قال ابنُ حجر: يسن للمؤذن الوقف على كل كلمة من هذه الأربعة، وكذا ما
بعدها؛ لأنه روي موقوفًا. وإن وصل على خلاف السنة فالذي عليه الأكثرون ضم
الراء، واختار المبرد فتحها، ووجهه أن الفتح أخف، وهو مستلزم تفخيم لام
الجلالة، كما حقق في ﴿الّ ◌َ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١]. كذا في ((المرقاة)). (تَرْفَعُ بِهَا
صَوْتَكَ) جملة حالية أو استئنافية مبينة. (تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ
(٦٥٠) أَبُو دَاوُد (٥٠٤)، وَالنَّسَائِي (٢ / ٧) فِيهِ عَنْهُ بِطُولِهِ .

٤١
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَانِ
بِالشَّهَادَةِ ... ) إلخ. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١: ص٢٦٣) بعد ذكرِهِ: وهو
لفظ ابن حبان في ((صحيحه))، واختصره الترمذي ولفظه: عن أبي محذورة أن
رسول اللَّه وَيّ أقعده وألقى عليه الأذان حرفًا حرفًا.
قال بشر: فقلت له: أَعِدْ علي، فوصف الأذان بالترجيع، انتهى. وطوله النسائي
وابن ماجه، وأوله: خرجتُ في نفرٍ، فلما كنا ببعض الطريق أذن مؤذن رسول الله
وَلَّه ... إلى أن قال: ثم قال لي: «ارْجِعْ فَامْدُدْ مِنْ صَوْتِكَ أَشْهَدُ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا
اللهُ ... ))، الحديث.
قال صاحب ((الهداية)) اعتذارًا عن العمل بحديث أبي محذورة: إن ما رواه كان
تعليمًا، فظنه ترجيعًا. وقال الطحاوي في ((شرح الآثار)) (ص٧٩): يحتملُ أن
الترجيع إنما كان لأن أبا محذورة لم يمد بذلك صوته، فقال له عليه السلام: ((إِرْجِعْ
فَامْدُدْ مِنْ صَوْتِكَ)).
وقال ابنُ الجوزي في ((التحقيقٍ)): إنَّ أبا محذورة كان كافرًا قبل أن يسلم، فلما
أسلم، ولقنه النبي ◌َّلير الأذان أعاد عليه الشهادة، وكررها لتثبت عنده ويحفظها،
ويكرر على أصحابه المشركين، فإنهم كانوا ينفرون منها خلاف نفورهم من
غيرها، فلما كررها عليه ظنها من الأذان، فعدَّهُ تسع عشرة كلمة، انتهى. وقد ذكر
الزيلعي في ((نصب الراية)) هذه الأقوال الثلاثة، وقال: هذه الأقوال متقاربة في
المعنى، ثم ردها، فقال: ويردها لفظ أبي داود: قلتُ: ((يارسول اللَّه ◌َل علمني
سنة الأذان))، وفيه: «ثم تقولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ،
تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِهَا))، فجعله من سنة الأذان، وهو كذلك في
((صحيح ابن حبان))، و((مسند أحمد)) (ج٣: ص٤٠٨)، انتهى.
وكذلك رد هذه الأقوال الثلاثة الحافظ في ((الدراية))، ولردها وجوه أخرى لا
تخفى على المتأمل المنصف غير المتعسفِ. (فَإِنْ كَانَ) أي: الوقت، أو ما يؤذن
لها (صلَاةَ الصُّبْح) بالنصب أي وقته، وقيل: بالرفع فـ((كان)) تامة. (قُلْتَ) أي: في
أذانها. (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم) أي: لذتها خير من لذته عند أرباب الذوق،
وأصحاب الشوق، ويمكن أن يكون من باب: العسل أحلى من الخل، قاله
القاري .

٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عليه هو والمنذري. وقال القاري: قال النووي: حسن،
نقله مَيْرَك. وقال ابن الهمام: إسناده صحيح، انتهى. قلتُ: في سنده الحارث بن
عبيد أبو قدامة، قال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ.
وقال الذهبي في ((الميزان)): قال الفلاس: رأيتُ ابنَ مهدي يحدث عن أبي
قدامة، وقال: ما رأيتُ إلا خيرًا، وفيه أيضًا: محمد بن عبد الملك بن أبي
محذورة الجمحي المكي المؤذن، وقد وثقه ابن حبان. وقال الحافظ في التقريب:
مقبول. فالحديث إن لم يكن صحيحًا فلا ينحط عن درجة الحسن، وأخرجه أيضًا
أحمد (ج٣: ص٤٠٨) وابن حبان وغيرهما.
٦٥١ - [٦] وَعَنْ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهُ وَّ: ((لَا تُثَوِّبَنَّ فِي
شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ،
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو إِسْرَائِيلَّ الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ الْقَوِيُّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٦٥١- قوله: (وَعَنْ بِلَالٍ) هو: بلال بن رباح التيمي مولاهم المؤذن أبو
عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، وقيل غير ذلك في كنيته، وهو ابن حمامة،
وهي أمه، أسلم قديمًا، وعذب في الله، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وسكن
دمشق آخرًا. قال أنس: بلال سابق الحبشة، وقال عمرُ: أبو بكر سيدنا، وأعتق
سيدنا، أذن للنبي وَّله ولم يؤذن لأحد بعده إلا مرة في قدمة قدمها المدينة، وقيل:
إنه لم يتمها من كثرة الضجيج، له أربعة وأربعون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد
البخاري بحديثين، ومسلم بحديث، مات بالشام سنة (١٧) أو (١٨) أو (٢٠) وله
بضع وستون سنة، ولا عقب له.
(لَا تُتَوِّبَنَّ) من التثويب، وهو لغة: العود إلى الإعلام بعد الإعلام، ويطلق على
الإقامة كما في حديث: ((حَتَّى إِذَا تُوِّبَ أَدْبَرَ))، حتى إذا فرغ أقبل حتى يخطر بين
المرء ونفسه، وعلى قول المؤذن في أذان الفجر: الصلاةٌ خيرٌ من النومِ. وكل من
(٦٥١) التِّرْمِذِي (١٩٨)، وَابن مَاجَهْ (٧١٥) فِيهِ عَنْ بِلَالٍ رَضِو ◌َقْنَهُ.

٤٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَانِ
هذين تثويب قديم ثابت من وقته ويله إلى يومنا هذا. وقد أحدث الناس تثويبًا ثالثًا
بين الأذان والإقامة، قاله في ((فتح الودود)).
قلتُ: والمراد في حديث بلال هذا: هو قول المؤذن في أذان الفجر: الصلاةُ
خيرٌ من النوم. قال الجزري: هو قولُهُ: الصلاة خير من النوم. قال: والأصلُ في
التثويب: أنَ يجيء الرجل مستصرخًا فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر، فكان ذلك
كالدعاء؛ فسمي الدعاء تثويبًا لذلك، وكل داع مثوب. وقيل: إنما سمي تثويبًا من
ثاب يثوب إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فإن المؤذن إذا
قال: حي على الصلاة، فقد دعاهم إليها، وإذا قال بعدها: الصلاةُ خيرٌ من النومِ.
فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها، انتهى كلام الجزري.
(فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلَّ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ) الحديث يدل على مشروعية قول
المؤذن في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، وأنه مخصوص بالفجر، ومحل هذا
القول هو بعد قوله: حي على الفلاح، كما تقدَّم في حديثِ أبي محذورة. ويدلُّ
عليه أيضًا: حديث أنس عند ابن خزيمة في ((صحيحه))، والدار قطني والبيهقي.
قال البيهقي: إسناده صحيح، وصححه ابن السكن، وحديث ابن عمر عند
السراج، والطبراني، والبيهقي، وسنده حسن كما صرح به الحافظ. وخص به
الفجر؛ لكونه وقت نوم، وراحة، وغفلة. وأما الأوقات الأخرى فهي على غير
ذلك. روى أبو داود عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر
والعصر، قال: اخرج بنا، فإن هذه بدعة. قال ابن الهمام: وأما التثويب بين الأذان
والإقامة، فلم يكن على عهده عليه السلام.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) واللفظُ للترمذي، ولفظ ابن ماجه عن بلال قال:
أمرني رسول اللَّه ◌َ ل﴿ أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء. وأخرجه
أيضًا أحمد (ج٦: ص١٤ - ١٥) والبيهقي (ج١: ص٤٢٤) كلهم من طريق أبي
إسرائيل، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال. قال الترمذي: أبو
إسرائيل لم يسمع هذا الحديث من الحكم بن عتيبة، قال: إنما رواه عن الحسن بن
عمارة، عن الحكم، انتهى. والحسن بن عمارة متروك الحديث. وقال البيهقي:
عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق بلالًا. والحديث وإن كان ضعيف الإسناد، لكنه

٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
تأيد بأحاديث أبي محذورة وأنس، وابن عمر وغيرهم.
(أَبُو إِسْرَائِيلَ الرَّاوِي) اسمه إسماعيل بن أبي إسحاق خليفة الملائي. (لَيْسَ هُوَ
بِذَاَكَ الْقَوِيُّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ) الظاهر: أن ضعفه أكثره من سوء حفظه، قال أبو
حاتم: حسن الحديث، جيد اللقاء، وله أغاليط، لا يحتج بحديثه، ویکتب حديثه،
وهو سيئ الحفظ، وقال ابن المبارك: لقد منَّ اللَّه على المسلمين بسوءِ حفظ أبي
إسرائيل. وقال العقيلي: في حديثه وهم واضطراب، وله مع ذلك مذهب سوء.
وقال الحافظ في ((التقريب)): إسماعيل بن خليفة العبسي أبو إسرائيل الملائي
الكوفي معروف بكنيته، وقيل: اسمه عبد العزيز، صدوق، وسيئ الحفظ، نسب
إلى الغلو في التشيع، مات سنة (٦٩) وله أكثر من (٨٠) سنة.
٦٥٢- [٧] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ لِبِلَالٍ: ((إِذَا أَذَّنْتَ
فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ
مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا تَقُومُوا
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفِهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ
حَتَّى تَرَوْنِي)).
عَبْدِ الْمُنْعِمِ وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
٦٥٢- قوله: (إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ) أي: تأنَّ، وترفَّق، وتمهَّل، ورتّل ألفاظه،
ولا تعجل، ولا تسرع في سردها، يقال: ترسل في كلامه ومشيه إذا لم يعجل.
وفيه: دليل على شرعية الترسل في الأذان؛ لأن المراد منه: الإعلام للبعيد، وهو
مع الترسل أكثر إبلاغًا. قال ابنُ العربي: السنةُ في الأذان الترسل والترفق؛ لأنه
يكون لإسماع جميع المصلين وعنده يحصل الإعلام.
(وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ) بضم الدال من باب نصر، أي: أسرع في التلفظ بكلمات
الإقامة. وفيه: دليل على شرعية الحدر والإسراع في الإقامة؛ لأن المراد منها:
(٦٥٢) التِّرْ مِذِي (١٩٥، ١٩٦) فِيهِ، وَقَالَ رَّتْهُ: سَنَدُهُ مَجْهُولٌ.

٤٥
بَابُ الأَذَانِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
إعلام الحاضرين، فكان الإسراع بها أنسب فيفرغ منه بسرعة، فيأتي بالمقصود وهو
الصلاة .
(وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ) أي: زمانًا يسيرًا بحيث يكون. (قَدْرَ مَا يَفْرُغُ
الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ ... ) إلخ. يعني: تمهل وقتًا يقدر فيه فراغ الآكل من أكله ... إلخ،
فإن الأذان نداء لغير الحاضرين ليحضروا الصلاة، فلا بد من تقدير وقت يتسع
للذاهب للصلاة وحضورها، وإلا لضاعت فائدة النداء، وقد ترجم البخاري: باب
كم بين الأذان والإقامة، ولعله أشار بذلك إلى هذا الحديث، وسندُهُ ضعيفٌ كما
سيأتي، فكأنه أشار إلى أن التقدير بذاك لم يثبت.
وقال ابن بطال: لا حدَّ لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين.
(وَالْمُعْتَصِرُ) هو من يؤذيه بول أو غائط. (إِذَا دَخَلَ) أي: الخلاء. الِقَضَاءِ
حَاجَتِهِ) يفرغُ الذي يحتاجُ إلى الغائط، ويعصر بطنه وفرجه. (وَلَا تَقُومُوا) أي:
للصلاة. (حَتَّى تَرَوْنِي) أي: قد خرجت من الحجرة الشريفة، وسيأتي توضيح هذا
في شرح حديث أبي قتادة عند الشيخين: ((إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي
قَدْ خَرَجْتُ)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا الحاكم، والبيهقي، وابن عدي. (وَقَالَ) أي:
الترمذي: (لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِم) عن يحيى بن مسلم البكاء، عن
الحسن وعطاء، عن جابر، وعبد المنعم هذا هو ابن نعيم الأسواري صاحب السقا،
وهو ضعيف، قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث.
وقال الحافظُ: متروك. وليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند الترمذي
وحده، وشيخه يحيى بن مسلم البكّاء - بفتح الباء وتشديد الكاف - ضعيف أيضًا،
ضعَّفه أبو داود، وابن حبان، والدار قطني.
وقال أحمدُ والنسائيُّ: ليس بثقةٍ. ومدار هذا الحديث عليه، وقد رواه عنه راوٍ
آخر ضعيف، فرواه الحاكم في المستدرك (ج١: ص٢٠٤) من طريق عمرو بن فائد
الأسواري: ثنا يحيى بن مسلم، عن الحسن وعطاء، عن جابر ... فذكره، وقال:
هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فائد، والباقون شيوخ البصرة،

٤٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهذه سنة غريبة، لا أعرف لها إسنادًا غير هذا، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال
عمرو بن فائد قال الدارقطني: متروك، وقال الحاكم في ((التلخيص)) (ص٧٤): لم
يقعْ إلا في روايته هو. ولم يقع في رواية الباقين لكن عندهم فيه عبد المنعم وهو
كافٍ في تضعيف الحديث، انتهى. وقال في ((الفتح)) (ج٣: ص ٣٤٧): وله شاهد
من حديث أبي هريرة، ومن حديث سلمان أخرجهما أبو الشيخ، ومن حديث أبيٍّ
ابن كعب أخرجه عبد الله بن أحمد في ((زيادات المسند))، وكلها واهية، انتهى.
(وَهُوَ) أي: إسناده. (اسْنَادٌ مَجْهُولٌ)؛ لأنَّ فيه يحيى بن مسلم البكاء، وهو مجهول
كما في ((التقريب)).
٦٥٣ - [٨] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ
وَّهِ أَنْ (أَذِّنْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ)) فَأَذَّنْتُ، فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَّ رَسُولُ اللَّهِ
وَثَر: ((إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ)).
وابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
الشَّرْحُ
٦٥٣- قوله: (وَعَنْ زِيَادٍ) بكسر زاي وخفة مثناة تحت. (بْنِ الْحَارِثِ
الصُّدَائِيّ) بضم صاد وخفة دال مهملة فألف فهمزة، نسبة إلى صداء ممدودًا، وهو
حي من اليمن، وزياد هذا صحابيٌّ قدم على النبيِ وَّةِ، وأذن له في سفره، له
حديث. (أَنْ أَذِّنْ) ((أن)) مفسرة لما في أمر من معنى القول. (إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ) أي:
صاحب صداء، وهو زياد بن الحارث، قيل له ذلك؛ لأنه كان من نسل صداء
وولده، كما يقال لمن كان من العرب: يا أخا العرب، ولمن كان من تميم: يا أخا
تمیم .
(وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ) أي: فهو أحق بالإقامة، فلا يقيم غيره إلا لداع إلى ذلك،
كما في إقامة عبد الله بن زيد رائي الأذان. وفيه: دليل على أن الإقامة حق لمن
أذن، فيكره أن يقيم غيره، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن
(٦٥٣) أَبُو دَاوُد (٥١٤)، وَالتِّرْمِذِي (١٩٩)، وَابن مَاجَهْ (٧١٧) فِيهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ الحَارِثِ الصُّدَّائِيِّ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَانِ
* R=X
٤٧
من أذن فهو يقيم، وعضد حديث زياد هذا حديث ابن عمر بلفظ: ((فَهَلَّا يَا بِلَالُ
فَإِنَّمَا يُقِيمُ مَنْ أَذَّنْ))، أخرجَهُ ابن شاهين، والطبراني، والعقيلي، وأبو الشيخ،
والخطيب، وإن كان قد ضعفه أبو حاتم، وابن حبان.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يكره إقامة غير المؤذن، فلا فرق بين إقامة المؤذن
وإقامة غيره، والأمر متسع. قال ابنُ الملك: وحديث زياد محمول على ما إذا
لحقه الوحشة بإقامة غيره. واستدلَّ لهما بحديث عبد الله بن زيد عند أبي داود أنه
قال للنبي وَّ لما أمره أن يلقي الأذان على بلال: أنا رأيته - يعني: الأذان - في
المنام، وأنا كنت أريده، قال: ((فَأَقِمْ أَنْتَ)). وفي سنده: محمد بن عمرو الواقفي،
وهو ضعيف، ضعَّفه القطان، وابن نمير، ويحيى بن معين. وذكر البيهقي: أن في
إسناده ومتنه اختلافًا. وقال الحازمي: في إسناده مقال.
قلتُ: الأخذ بحديث الصدائي أَوْلَى؛ لأنه أقوم إسنادًا من حديث عبد الله بن
زيد كما ستعرف، ولأن حديث عبد الله بن زيد كان في أول ما شرع الأذان، وذلك
في السنة الأولى، وحديث الصدائي كان بعده بلا شك، والأخذ بآخر الأمرين
أولى، ولأن لحديث الصدائي شاهدًا من حديث ابن عمر وإن كان ضعيفًا، وقد
تقدم ذكره، ولأن قوله ◌َ لّه في حديث الصدائي: ((مَنْ أَذْنَ فَهُوَ يُقِيمُ))، قانون كلي.
وأما حديث عبد الله بن زيد، ففيه بيان واقعة جزئية يحتمل أنه وَلّ أراد بقوله
لعبد الله بن زيد: (فَأَقِمْ أَنْتَ)) تطبيب قلبه؛ لأنه رأى الأذان في المنام، ويحتمل أن
يكون لبيان الجواز.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ) واللفظُ للترمذي، وأخرجه أيضًا أحمد
(ج٤: ص١٦٩) والبيهقي (ج١: ص٣٩٩) والحديث في سنده عبد الرحمن بن
زياد بن أنعم الإفريقي. قال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): والإفريقي في إسناد
الحديث، وإن ضعفه يحيى بن سعيد القطان وأحمد؛ لكن قَوَّى أمره محمد بن
إسماعيل البخاري، فقال: هو مقارب الحديث.
وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو یقیم،
وتلقيهم الحديث بالقبول مما يقوي الحديث أيضًا، فالحديث صالح، فلذلك
سكت عليه أبو داود، انتهى. قلتُ: وسكت عليه المنذري أيضًا. وقال مَيْرَك:

٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
ضعَّفه الترمذي لأجل الإفريقي، وحسنه الحازمي وقواه العقيلي وابن الجوزي،
انتھی .
وقال الشوكاني في ((السيل الجرار)): حديث: (مَنْ أَذْنَ فَهُوَ يُقِيمُ) لم يتكلم عليه
إلا بأن في إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وقد وثّقه جماعة، ولم يقدح فيه
بما يوجب سقوط الاحتجاج بحديثه، انتهى. فحديث زياد بن الحارث الصدائي
هذا في قصة طويلة روى أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي
مختصرًا كما هنا، وقد روى البيهقي أيضًا في ((السنن)) (ج١: ص٣٨١) قطعة
مطولة منه. ورواه المزي بطوله في ((تهذيب الكمال)) بسنده، وطبع متن الحديث
بحاشية ((تهذيب التهذيب)) للحافظ بدون ذكر الإسناد.
قال صاحب ((تعليق الترمذي)»: ورواه عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في
كتاب ((فتوح مصر)) (ص٢١٢، ٢١٣ طبعة ليدن) مطولًا أيضًا.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَانِ
٤٩
الفصل الثالث
٦٥٤ - [٩] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ
يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ لِلصَّلاَةَ وَلَيْسَ يُنَادِى بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ،
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَتَّخِذُوا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثلَ قَرْنٍ
اليَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَ لَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ:
(يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاةِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْجُ
٦٥٤ - قوله: (حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ) أي: من مكة في الهجرة. (يَجْتَمِعُونَ)
في المسجد. (فَيَتَحَيَّنُونَ) بحاء مهملة يتفعلون من التحين، والحين: الوقت
والزمان، أي: يقدرون حين الصلاة، ويعينون وقتها بالتقدير والتخمين ليأتوا فيه.
(لِلصَّلَاةِ) أي: لتحصيل الصلاة بالجماعة متعلق بالفعلين على طريق التنازع.
(وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ) قيل: كلمة ليس بمعنى لا النافية، وهي حرف فلا اسم لها
ولا خبر، وقيل: بل فيها ضمير الشأن، وهو اسمها، والجملة بعدها خبر واسمها
((أحد)) قد أخر.
(فَتَكَلَّمُوا) أي: الصحابة. (اتَّخِذُوا) بكسر الخاء على صيغة الأمر. (قَرْنًا) أي:
بل اتخذوا قرنا - بفتح القاف وسكون الراء - هو البوق بضم الباء، ويسمى أيضًا:
الشبور. والمراد: أنه ينفخ فيه فيخرج منه صوت يكون علامة للأوقات،
فيجتمعون عند سماعه كما كانت اليهود يفعلونه.
(أَوَ لَا تَبْعَثُونَ) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أي: أتقولون
بموافقة اليهود والنصارى ولا تبعثون. قال الطيبي: الهمزة إنكار للجملة الأولى
أي: المقدرة، وتقرير للجملة الثانية. (رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ) قال الحافظُ: الظاهرُ
(٦٥٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٠٤)، ومُسْلِم (٣٧٧) في الأذان عنه .

٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن
رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك. (فَنَادِ بِالصَّلَاةِ) قال القاضي عياض: ظاهره أنه
إعلام ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها .
قال النووي: هذا الذي قاله محتمل، أو متعين، فقد صح في حديث عبد الله بن
زيد عند أبي داود وغيره: أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى رسول اللَّه وَ له يخبرُه
به، فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، والذي بعثك لقد رأيت مثل الذي
رَأَىَ ... وذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر، فيكون الإعلام
أولًا، ثم رَأْىُ عبد الله بن زيد الأذان، فشرعه النبي ◌َّ بعد ذلك إما بالوحي وإما
باجتهاده ◌َّليّر على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له وَلخير، وليس هو عملًا
بمجرد المنام، هذا ما لا شك فيه بلا خلاف، انتهى.
قال الحافظُ: ويؤيد الأول ما رواه عبد الرزاق وأبو داود في ((المراسيل)) من
طريق عبيد بن عمير الليثي أحد كبار التابعين: أن عمر لما رأى الأذان، جاء ليخبر به
النبي وَّر، فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي محمدالخيل :
((سبقك بذلك الوحي))، انتهى. وكان اللفظ الذي ينادي به بلال للصلاة بإشارة عمر
قوله: الصَّلاةُ جَامِعةٌ. أخرجَهُ ابنُ سعد في ((الطبقات)) من مراسيل سعيد بن
المسيب، وعلى هذا فإدراج المصنف الحديث في الباب؛ لأن هذا النداء كان من
جملة بداءة الأذان ومقدماته .
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظُ لمسلم إلا قوله: (لِلصَّلَاةِ) فإنه للبخاري على ما في
الكشمهيني، ووقع عند مسلم ((الصلوات))، والحديثُ أخرجه أيضًا أحمد،
والترمذي، والنسائي.

٥١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَانِ
٦٥٥- [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي
وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟
قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: أَفَلَا أَدُلَّكَ عَلَى مَا هُوَ
خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى. قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ .. إِلَى آخِرِهِ،
وَكَذَا الْإِقَامَةُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ:
(إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ؛
فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ)) فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَّ:
فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، يَقُولُ: يَا
رَسُولَّ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثََّكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أُرِيَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وِابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْإِقَامَةَ.
وَله : ((فَلِلَّهِ الْحَمْدُ)).
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَمْ يُصِرّخْ قِصَّةَ النَّاقُوسِ ] أَصحيحِ}
الشَّرْحُ
٦٥٥- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ) بن ثعلبة الأنصاري
الخزرجي، يكنى أبا محمد المدني، صحابي مشهور، شهد العقبة وبدرًا
والمشاهد، وهو الذي أُرِىَ النداء للصلاة في النوم، وكانت رؤياه في السنة الأولى
من الهجرة بعد بناء المسجد. قال الترمذي عن البخاري: لا يُعرف له إلا حديث
الأذان. وقال ابن عدي: لا نعرفُ له شيئًا يصحُّ عن النبي ◌َّ إلا حديث الأذان. قال
الحافظُ: وأطلق غير واحد أنه ليس له غيره، وهو خطأ فقد جاءت عنه عدة
أحاديث، ستة أو سبعة جمعتها في جزء مفرد، مات سنة (٣٢) وَسِتُّهُ (٦٤)، وقيل:
استُشْهِد بأحدٍ .
(لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ﴾ أي: أراد أن يأمر فهو بصيغة المعلوم يدل عليه سياق
حديث الدارمي وابن ماجه. (بِالنَّاقُوسِ) لعله مال إلى شعار النصارى مع كراهته
(٦٥٥) أَبُو دَاوُد (٤٩٩)، وابن مَاجَهْ (٧٠٦) فيه، وصحّحَهُ التِّرْ مِذِي (١٨٩) باختصار قصة الناقوس.

٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لأمر اليهود والنصارى؛ لكون النصارى أقرب إلى المسلمين من اليهود باعتبار
المودة والطواعية، أو مال إليه للاضطرار بعد ذلك. (يُعْمَلُ) حال وهو مجهول
كقوله: (لِيُضْرَبَ بِهِ) أي: ببعضه على بعض. (لِلنَّاسِ) أي: لحضورهم. (لِجَمْعِ
الصَّلَاةِ) أي: لأدائها جماعة. (طَافَ بِي) جواب (لما)) أي: مر بي. (رَجُلٌ) فاعلَ
طاف. (يَحْمِلُ) صفة رجل. (نَدْعُو بِهِ) أي: بسبب ضربه وحصول الصوت به.
(إِلَى الصَّلَاةِ) أي: ليجتمعوا في المسجد ويصلوا بالجماعة. (خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ) أي:
من الناقوسِ وضربه. (قَالَ) أي: الراوي وهو عبد الله بن زيد. (فَقَالَ) أي: الرجل
الطائف. (إِلَى آخِرِهِ) أي: إلى آخر الأذان. (وَكَذَا الْإِقَامَةُ) قال القاري: أي: مثل
الأذان، وظاهره يؤيد مذهبنا، أي: أعلمه إياها، انتهى.
قلتُ: الحديثُ لا يؤيد الحنفية بل يخالفهم ويرد عليهم، فإن نص رواية أبي
داود بعد ذكر الأذان: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّى غَيْرَ بَعِيدٍ، أي: بعد ما عَلَّمَهُ الأذان، ثم قال:
ثُمَّ تَقُولُ إِذَا أَقَمْتَ الصَّلاَةَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَىَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَىَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ، قَدْ
قَامَتِ الصَّلاَةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ.
قال صاحبُ ((بذل المجهود)): هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود من طريق
إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق فيه ذكر الأذان مثنى مثنى والإقامة مرة مرة،
ويؤيده ما قال الترمذي بعد ما أخرج هذا الحديث من طريق يحيى بن سعيد
الأموي، عن محمد بن إسحاق: وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد، عن
محمد بن إسحاق أتم من هذا الحديث وأطول، وذكر فيه قصة الأذان مثنى مثنى،
والإِقامة مرة مرة، وكذلك أخرج الدارمي في ((سننه)) هذا الحديث من طريق
مسلمة عن محمد بن إسحاق، وفيه: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ كَثِيرٍ. ثم قال مثل ما قال،
وجعلها وترًا، إلا أنه قال: قدْ قامتِ الصَّلاةُ، قد قامتِ الصَّلاةُ، فهذه الأحاديثُ
تدلُّ على أن الإقامة مرة مرة إلا قوله: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، انتهى
كلام صاحب ((البذل)).
فالمرادُ بقول المصنف: وكذا الإقامة، أي: مثل كلمات الأذان في الكيفية لا
الكمية، وظهر من هذا أن منشأ توهم القاري هو هذا الاختصار المخل.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَان
٥٣
(فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ) أي: من الرؤيا. (فَقَالَ: إِنَّهَا) أي: رؤياك. (لَرُؤْيَا حَقٌّ) أي:
ثابتة صحيحة صادقة مطابقة للوحي. (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) للتبرك لا للشك. (فَأَلْقِ) أمر
من الإلقاء. (مَا رَأَيْتَ) من الأذان. (فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ) أي: بأذانك الذي تلقي عليه.
(فَإِنَّهِ) أي: بلالًا. (أَنْدَى) أفعل تفضيل من النداء، أي: أبعد، وأعلى، وأرفع.
وقيل: أحسن وأعذب (صَوْتًا مِنْكَ) فيه: دليل على استحباب اتخاذ المؤذن رفيع
الصوت حسنه. (أَلْقِيهِ عَلَيْهِ) أي: ألقن الأذان على بلال.
(فَسَمِعَ بِذَلِكَ) أي: بصوت الأذان. (وَهُوَ فِي بَيْتِهِ) جملة حالية. (مِثْلَ مَا أُرِيَ)
أي: عبد الله بن زيد، ولعل هذا القول صدر عن عمر بعد ما حُكِيَ له بالرؤيا
السابقة. (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ) حيث أظهر الحق إظهارًا، وزاد في البيان نورًا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. (والدَّارِمِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤ :
ص٤٣) وابن خزيمة، وابن حبان في (صحيحيهما))، والبيهقي كلهمٍ من طريق
محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد،
عن أبيه عبد الله بن زيد، وصرَّح ابنُ إسحاق في رواية أحمد، وأبي داود، وابن
ماجه بسماعه من محمد بن إبراهيم، قال محمدُ بن يحيى الذهلي: ليس في أخبار
عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا، يعني: حديث محمد بن
إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد؛ لأنَّ محمدًا
سمع من أبيه، وابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد.
وقال ابنُ خزيمة في ((صحيحه)): هذا حديث صحيح ثابت من جهة النقل؛ لأن
محمدًا سمع من أبيه، وابن إسحاق سمع من التيمي وليس هذا مما دلسه، وقد نقله
البيهقي عن كتاب ((العلل الكبير)) للترمذي، قال: سألت محمد بن إسماعيل
البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو عندي حديث صحيح، انتهى.
وأصل هذا الحديث مروي في ((سيرة ابن إسحاق)) التي هذبها ابن هشام،
وعرفت باسمه، وصرَّح فيه ابن إسحاق بسماعه من محمد بن إبراهيم التيمي.
ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقرَّه، وحديث عبد الله بن زيد في الأذان أخرجه
أيضًا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن زيد،
وهو في مسند أحمد (ج٤: ص٤٢، ٤٣) وذكره المجد ابن تيمية في ((المنتقى)) في
باب صفة الأذان.

٥٤
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وَلَّه لِصَلَاةِ
٦٥٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ
الصُّبْحِ، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٦٥٦ - قوله: (إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ) قال ابنُ حجر: أي: أعلمه بها لفظًا، وفيه:
حث على الأذان؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما تعاطى النداء للصلاة بنفسه، كان
في ذلك أبلغ حث على الأذان، انتهى.
قال القاري: ويؤخذُ منه: مشروعية التثويب في الجملة على ما ظهر لي، والله
أعلم. وقال الطيبي: مناسبته للباب مجرد النداء. (أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ) أي: إذا كان
مشغولًا بنوم ونحوه، وفيه: حثّ على إيقاظ النائم ونحوه للصلاة بالنداء، أو
بتحريك الرجل، ويؤخذ من تحريكه برجله: جواز ذلك من غير كراهة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وسكت عنه. وقال
المنذري: في إسناده أبو الفضل الأنصاري وهو غير مشهور، انتهى. وقال الحافظ في
((التقريب)) وابنُ القطان: مجهول. وقال الذهبي في ((الميزان)): لا يُدرى مَن هذا.
٦٥٧ - [١٢] وَعَنْ مَالِكِ: بَلَغَهُ أَنَّ الْمُؤذِّنَ جَاءَ عُمَرَ يُؤْذِنُهُ لِصَلَاةِ
الصُّبْحِ، فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي
نِدَاءِ الصُّبْحِ.
[رَوَاهُ فِي الْمُوطَّأ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٦٥٧ - قوله: (يُؤْذِنُهُ) بهمز ويبدل من الإيذان بمعنى: الإعلام والإظهار. (أَنْ
(٦٥٦) أَبُو دَاوُد (١٢٦٤) فيه عنه .
(٦٥٧) مَالِك.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَان
BE
٥٥
يَجْعَلَهَا) أي: هذه الجملة. (فِي نِدَاءِ الصُّبْح) ظاهره يدلُّ على أن دخول: ((الصلاةُ
خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ)). في أذان الفجر كان بأمر عمر .
واستشكل هذا: بأن دخول هذه الكلمة في نداء الصبح كان بأمر النبي وَّه
لبلال، وكان ذلك شائعًا في أذان بلال وأذان أبي محذورة وغيرهما من المؤذنين،
فما معنى جعله في نداء الصبح بأمر عمر؟
وأجيب عنه بوجوه أوجهها وأولاها: أن معنى: (أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ) أن
يبقيها فيه، ولا يجاوزها إلى غيره بل يقصرها على أذان الصبح، فمقصوده: إنكار
استعمال هذه الكلمة عند باب الأمير؛ لإيقاظ النائم في غير الأذان المشروع، وإلا
فكون: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم) في أذان الفجر أشهر عند العلماء والعامة أن يظن
بعمر أنه جهل ما سن رسول اللّه ◌َلّه وأمرَ به مؤذنه بلالا بالمدينة، وأبا محذورة
بمكة، فمعنى جعله في نداء الصبح: أن يستمر على جعله فيه، ولا يستعمله خارجه
عند باب الأمير أو غيره لإيقاظ النائم ونحوه، واختارَ هذا التوجيه ابن عبد البر،
والباجي، وقال الزرقاني: هو المتعين.
(رَوَاهُ) أي: مالك في ((الموطأ)) بلاغًا. قال ابنُ عبد البر: لا أعلم أنه روي من
وجه يحتج به وتعلم صحته، وإنما فيه حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له:
إسماعيل، لا أعرفه. ذكر ابنُ أبي شيبة: نا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة،
عن رجل يقال له: إسماعيل، قال: جاءَ المؤذنُ يؤذن عمر لصلاة الصبح فقال:
الصلاةٌ خيرٌ من النوم، فأعجب به عمر، وقال للمؤذن: أقرها في أذانك، انتهى.
وردّهُ الزرقاني: بأنه قد أخرجه الدارقطني في ((السنن)) من طريق وكيع في
(مصنفه))، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، وأخرج أيضًا عن
وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أنه قال
لمؤذنه: إذا بلغت: ((حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ)). في الفجر فقل: الصلاة خير من النوم،
انتھی .

٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦٥٨ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ مُؤَذِّنِ
رَسُولِ اللّهِ وَ ل﴿ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمَرَ
بِلاَلاً أَنْ يَجْعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: ((إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٦٥٨ - قوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ) القرظ المدني، قال
البخاري: فيه نظر، وقال ابن معین: ضعيف، وقال الحاکم أبو أحمد: حديثه لیس
بالقائم، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف.
(مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ) بالجرِّ بدل من سعد، ويجوز رفعه ونصبه. (قَالَ) أي:
عبد الرحمن. (حَدَّثَنِي أَبِي) أي: سعد بن عمار بن سعد، قال ابنُ القطان: لا يعرف
حاله ولا حال أبيه، وقال الحافظ: مستور.
(عَنْ أَبِيهِ) أي: عمار بن سعد ذكره ابن حبان في ((الثقاتٍ))، وقال الحافظ :
مقبول. (عَنْ جَدِّهِ) أي: جد أبي وهو سعد بن عائذ، ويقال: ابن عبد الرحمن مولى
الأنصار، ويقال: مولى عمار المعروف بسعد القرظ، قيل له ذلك؛ لتجارته في
القرظ، كان يؤذن بقباء، فلما ترك بلال الأذان، نقله أبو بكر إلى مسجد النبي وَّ،
وتوارث عنه بنوه الأذان، روى البغوي في ((معجم الصحابة)) بسنده: أن سعدًا شكا
إلى النبي ◌َّيور قلة ذات يده، فأمره بالتجارة، فخرج إلى السوق فاشترى شيئًا من
قرظ فباعه فربح فيه، فأخبر النبي ◌َّلين بذلك، فأمره بلزوم ذلك فلزمه، فسمي سعد
القرظ، بقي إلى ولاية الحجاج على الحجاز، وذلك سنة (٧٤).
(أَنْ يَجْعَلَ إِصْبَعَيْهِ) أي: أنملتي مسبحتيه. (فِي أَذُنَيْهِ) أي: في صماخيهما، قال
الحافظُ: لم يرد تعيين الإصبع التي يستحب وضعها، وجزم النووي أنها المسبحة،
وإطلاق الإصبع مجاز عن الأنملة.
(٦٥٨) ابن مَاجَهْ (٧١٠) عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظي المؤذن: حدثني أبي، عن
أبيه، عن جدِّهِ، في الإيمان.

٥٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الأَذَانِ
(قَالَ: إِنَّهُ) أي: جعلهما في الأذنين. (أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ) قال الطيبي: ولعلَّ
الحكمة أنه إذا سد صماخيه لا يسمع إلا الصوت الرفيع، فيتحرى في استقصائه
كالأطروش أي: الأصم. قيل: وبه يستدلَّ الأصم على كونه أذانًا فيكون أبلغ في
الإعلام. قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم، يستحبون أن يدخل المؤذن
إصبعيه في أذنيه في الأذان. قال الحافظُ: قالوا: في ذلك فائدتان:
إحداهما: أنه قد يكون أرفع لصوته، وفيه حديث ضعيف. أخرجه أبو الشيخ
من طريق سعد القرظ، عن بلال. وثانيتهما: أنه علامة للمؤذن ليعرف من رآه على
بعدٍ أو كان به صمم أنه يؤذن .
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) قال في ((الزوائد)): إسناده ضعيف لضعف أولاد سعد، انتهى.
وأخرجه أيضًا الحاكمُ في كتاب الفضائل وسكت عنه، وأخرجه الطبراني في
((معجمه)) من حديث بلال، وأخرج ابن عدي في ((الكامل)) من حديث أبي أمامة،
وروى الترمذي عن أبي جحيفة وصححه، قال: رأيتُ بلالًا يؤذن ويدور، يتبع فاه
هاهنا وهاهنا وإصبعاه في أذنيه .

٥٨
ers
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥ - بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذّنِ
(بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ) عطف على الأذانِ .
الفصل الأول
٦٥٩ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ يَقُولُ: ((الْمُؤَذِّنُونَ
أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٦٥٩- قوله: (أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا) بفتح الهمزة جمع عنق، واختلفوا في
معناه، فقيل: معناه: أكثر الناس تشوقًا إلى رحمة الله؛ لأن المتشوق يطيلُ عنقه لما
يتطلع إليه، فمعناه كثرة ما يرونه من الثواب. وقيل: إذا ألجم الناس العرق يوم
القيامة طالت أعناقهم؛ لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق، وقيل: هو كناية عن
كونهم رؤساء، فإن العرب تصف السادة بطول العنق، وقيل: كناية عن فرحتهم
وسرورهم، وأنهم لا يلحقهم الخجل، وقيل: معناه: أكثرهم أعمالًا، يُقال: لفلان
عنق من الخير، أي: قطعة منه. وقيل: معناه: أن الناس يعطشون يوم القيامة، فإذا
عطش الإنسان انطوت عنقه، والمؤذنون لا يعطشون، فأعناقهم قائمة.
قال الشوكاني: وفي ((صحيح ابن حبان)) من حديث أبي هريرة: ((يُعْرَفُونَ بِطُولٍ
أَعْنَاقِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، زاد السراجُ: لقولهم: لا إله إلا الله. وظاهره الطول
الحقيقي، فلا يجوز المصير إلى التفسير بغيره إلا لملجئ. والحديث: يدلُّ على
فضيلة الأذان، وأن صاحبه يوم القيامة يمتاز عن غيره، ولكن إذا كان فاعله غير
(٦٥٩) مُسْلِم (١٤ / ٣٨٧)، وَابن مَاجَهْ (٧٢٥) عَنْ مُعَاوِيَةَ فِيهِ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤْذنّ
٥٩
متخذ أجرًا عليه، وإلا كان فعله لذلك من طلب الدنيا والسعي للمعاش، وليس من
أعمال الآخرة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، وابن ماجه، وفي الباب عن أبي
هريرة وابن الزبير بألفاظ مختلفة.
٦٦٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا
نُودِيَ لِلصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ
أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا تُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّْوِيِبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ
الرَّجُلُ لَا يَدْرِي: كَمْ صَلَّى؟».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشَّرْحُ
٦٦٠ - قوله: (لِلصَّلَاةِ) أي: لأجل الصلاة. (أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) أي: عن موضع
الأذان، قيل: المراد بالشيطان: إبليس، ويحتمل أن المراد: جنس الشيطان، وهو
كل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا: شيطان الجن خاصة.
(لَهُ ضُرَاطٌ) بضم الضاد كغراب، وهو ريح من أسفل الإنسان وغيره، وهي جملة
اسمية، وقعت حالًا بدون الواو لحصول الارتباط بالضمير، وفي بعض الروايات:
(وَلَهُ ضُرَاطٌ)) بالواو، وحقيقته ممكنة؛ لأن الشياطين أجسام يأكلون ويشربون كما
ورد في الأخبار، فيصح منهم خروج الريح، فالظاهرُ: حمله على الحقيقة، فقيل :
يحصل له عند سماع الأذان شدة خوف وهيبة، ويحدث له ذلك الصوت بسببها من
غير أن يتعمَّد ذلك. قال القاري: هذا لثقل الأذان عليه كما للحمار من ثقل الحمل
عليه، انتهى.
وقيل: يتعمد إخراج ذلك، إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع
الأذان، أو يصنع ذلك استخفافًا بالأذان كما يفعله السفهاء، أو ليقابل ما يناسب
الصلاة من الطهارة بالحدث، وقيل: الحديث محمول على التشبيه، شبه شغل
(٦٦٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٠٨)، ومُسْلِم (١٩ / ٣٨٩) فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.