Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
واللَّه تعالى يختص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة. (فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ
وَمَالَهُ) على بناء المفعول ونصب الأهل والمال أو رفعهما، قيل: النصب هو
المشهور وعليه الجمهور، وهو مبنى على أن ((وتر)) بمعنى سلب وهو يتعدى إلى
مفعولين، والرفع على أنه بمعنى أخذ فيكون ((أهله)) هو نائب الفاعل، والمعنى:
أخذ أهله وماله فبقى وترًا فردًا بلا أهل ومال، يريد أنه فليكن على حذر من فوتها
كحذره من ذهاب أهله وماله. وقيل: الوجه أن المراد أنه حصل له النقصان في
الأجر في الآخرة ما لو وزن بنقص الدنيا لما وازنه إلا نقصان من نقص أهله وماله.
وقال الحافظُ: قوله: ((أهلَهُ)). هو بالنصبِ عند الجمهور على أنه مفعول ثان لـ
((وتر))، وأضمر في ((وُتِرَ)) مفعول ما لم يسم فاعله، وهو عائد على الذي فاته
العصر، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، وهو متعد إلى مفعولين، ومثله قوله تعالى:
﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. وقيل: ((وُتِرَ)) ها هنا بمعنى نقص فعلى هذا يجوز
نصبه ورفعه؛ لأن من رد النقص إلى الرجل نصب وأضمر ما يقوم مقام الفاعل ومن
رده إلى الأهل رفع، انتهى.
والحديث حمله الترمذي على الساهي والناسي، وعلى هذا فالمراد بالحديث
أنه يلحقه من الأسف عند معاينة الثواب لمن صلى ما يلحق من ذهب أهله وماله.
وقد روي معنى ذلك عن سالم بن عبد الله بن عمر، ويؤخذ منه التنبيه على أن أسف
العامد أشد لاجتماع فقد الثواب وحصول الإثم، وحمله بعضهم على العامد،
والظاهر أنه محمول على الساهي، والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك والترمذي وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه،
والدارمي، وغيرهم. وفي الباب عن نوفل بن معاوية عند النسائي وغيره.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلاةِ
٦٣٩
٥٩٧ - [٩] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهُ: ((مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)).
الشَّرْجُ
٥٩٧- قوله (مَنْ تَرَلَكَ) أي: متعمدًا كما في رواية لأحمد وكما في حديث أبي
الدرداء عنده أيضًا (صَلَاةَ الْعَصْرِ) متكاسلا. (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) قال ابنُ عبد البر:
مفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرَّ بِلْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] أن من لم يكفر
بالإِيمان لم يحبط عمله، فيتعارض مفهومه ومنطوق الحديث، فيتعين تأويل
الحديث؛ لأن الجمع إذا أمكن كان أولى من الترجيح. فقيل في تأويله: أن الوعيد
خرج مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مراد كقوله: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)»،
وقيل: هو من مجاز التشبيه كأن المعنى فقد أشبه من حبط عمله. وقيل معناه: كاد
أن يحبط. وقيل: المراد بالحبط الإبطال، أي: يبطلُ انتفاعه بعمله في وقت ما، ثم
ينتفع به كمن رجحت سيئاته على حسناته فإنه موقوف في المشيئة، فإن غفر له
فمجرد الوقوف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك، وإن عذب ثم غفر له فكذلك. قال
معنى ذلك القاضي أبو بكر بن العربي، ومحصل ما قال: أن المراد بالحبط في
الآية غير المراد بالحبط في الحديث.
وقال في ((شرح الترمذي)) ما حاصله: أن الحبطَ على قسمين:
حبط إسقاط: وهو إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات، وهو إحباط حقيقي.
وحبط موازنة: وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى
أن تحصل النجاة فيرجع إليه جزاء حسناته، وهو إحباط مجازي أطلق عليه الإحباط
مجازًا لا حقيقة، وهذا هو المراد في الحديث.
وقيل في تأويله غير ذلك، قال الحافظُ: أقرب هذه التأويلات قول من قال: إن
ذلك خرج مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مراد، انتهى. وقال السندي: حَبِط
(٥٩٧) البُخَارِي (٥٩٤، ٥٥٣)، النَّسَائِي (١ / ٢٣٦) فِيهَا عَنْهُ.

٦٤٠
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عمله، بكسر الباء أي: بطل. قيل: أريد به تعظيم المعصية لا حقيقة اللفظ، ويكون
مجاز التشبيه. قال: وهذا مبني على أن العمل لا يحبط إلا بالكفر، لكن ظاهر قوله
تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ الآية [٢: ٤٩]، يفيد أنه يحبط ببعض المعاصي أيضًا،
فيمكن أن يكون ترك العصر عمدًا من جملة تلك المعاصي، انتهى.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي، وابن ماجه.
٥٩٨- [١٠] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ الْمَغْرِبَ مَعَ
رَسُولِ اللّهِ بَّهِ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرِّ مَوَاقِعَ نَيْلِهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرُْ
٥٩٨- قوله: (كُنَّا نُصَلِّ الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا) من
الصلاة. (وَإِنَّهُ) أي: والحال أن أحدنا. (لَيُبْصِرُ) من الإبصار أي: بعد الصلاة.
(مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) بفتح النون وسكون الموحدة، وهي السهام العربية لا واحد لها من
لفظها. وقيل: واحدها نبلة كتمرة وتمرة، يعني: أنه وُّل كان يعجل بها في أول
وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ينصرف أحدنا بعد الصلاة، ويرمي السهم عن
قوسه ويبصر موقعه لبقاء الضوء، ففيه: دليل على المبادرة بصلاة المغرب في أول
وقتها بحيث أن الفراغ منها يقع والضوء باق، وقد كثر الحث على المسارعة بها،
وأما الأحاديث الواردة في تأخيرها إلى قرب سقوط الشفق فكانت لبيان جواز
التأخير .
قلتُ: والحديث يدل على أنه يقرأ فيها السور القصار؛ إذ لا يتحقق مثل هذا إلا
عند المبادرة وقراءة السور القصار، فليتأمل.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه. وفي البابٍ عن أنس عند أبي داود، ورجل
من أسلم من أصحاب النبي ◌َّ عند النسائي، وعن ناس من الأنصار عند أحمد،
قال الحافظُ: إسناده حسن.
(٥٩٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٥٥٩)، ومُسْلِم (٢١٧ - ٦٣٧) فِيهَا عَنْهُ، وابنُ ماجه (٦٨٧).

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
٦٤١
٥٩٩ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ رُِّنّا قَالَت: كَانُوا يُصَلَّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ
أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
الشّرُْ
٥٩٩- قوله: (كَانُوا) أي: النبيِ وَلِّ وأصحابه. (يُصَلَّونَ الْعَتَمَةَ) أي: صلاة
العشاء. (فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ) بالجرِّ صفة ثلث، وفيه
بيان الوقت المرغوب المختار لصلاة العشاء لما يشعر به السياق من المواظبة على
ذلك، وقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النسائي، ولفظه: ((ثم قال: صَلَّوا
فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ)). وليس بين هذا وبين قوله في حديث
أنس: ((أنه أخر الصلاة إلى نصف الليل)). معارضة؛ لأن حديث عائشة محمول
على الأغلب من عادته بَّر، كذا في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: على أصل الحديث الذي اللفظ المذكور طرف منه، وإلا
فالسياق المذكور من إفراد البخاري، وهو طرف من حديث اتفق الشيخان على
روايته، وبين ألفاظهما اختلاف يسير والطرف الذي ذكره المصنف ليس عند مسلم
بل هو من إفراد البخاري، فقول المصنف: ((مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)). لا يخلو عن نظر.
٦٠٠ - [١٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ،
فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ.
الشّرْجُ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
٦٠٠ - قوله: (لَيُصَلَّي) اللام فيه للابتداء، وقد دخل على الخبر وهو جائز عند
(٥٩٩) البُخَارِي (٨٦٤)، وَالنَّسَائِي (١ / ٢٦٧) فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَائِشَةً أَوُّهَا.
(٦٠٠) البُخَارِي (٨٦٧)، ومُسْلِم (٢١٧ - ٦٣٧)، وأَبُو دَاوُد (٤٢٣)، والنَّسَائِي (٢٧١/١)، وابن مَاجَهْ
(٦٦٩)، فِي الصَّلَاةِ عَنْهَا.

٦٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الكوفيين. (فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ) أي: اللاتي يصلين معه. (مُتَلَفَّعَاتٍ) بفاء بعدها عين
مهملة، من التلفع، وهو بالنصب على الحالية، أي: مستترات رؤوسهن
ووجوههن وأبدانهن (بِمُرُوطِهِنَّ) جمع مِرطٍ - بکسر میم وسکون راء - وهو کساء
معلم من خز أو صوف أو غير ذلك. وقيل: هي ملحفة يؤتزر بها. قال الجزري:
أي: متلففات بأكسيتهن، واللفاع ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو غيره،
وتلفَّع بالثوب إذا اشتملٍ به - انتهى. وقال السيوطي: التلفَّع هو التلفف إلا أن فيه
زيادة تغطية الرأس، فكلَّ متلفع متلفف، وليس كل متلفف متلفعًا. (مَا يُعْرَفْنَ) ما
نافية أي: ما يعرفن أنساء أم رجال؟ أي: لا يظهر للرائي إلا الأشباح خاصة. وقيل:
لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب، فإن لكل امرأة هيئة غير هيئة
الأخرى غالبًا، ولو كان بدنها مغطى، وهذا هو الظاهر، فإن المعرفة إنما تتعلق
بالأعيان، ولو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، ووقع في رواية للبخاري، أي في
باب: سرعة انصراف النساء من الصبح: لا يعرف بعضهن بعضًا. وهذا كالصريح
في عدم معرفة أعيانهن وأشخاصهن دون معرفة الذكر من الأنثى. قال السندي: ما
يعرفن أي: حال الانصراف إلى البيت في الطريق لا في داخل المسجد كما زعمه
المحقق ابن الهمام؛ لأن جملة ((مَا يُعْرَفْنَ)) حال من فاعل تنصرف فيجب المقارنة
بینھما، انتھی.
قلتُ: فبطل بذلك تأويل من قال من الحنفية: أن المراد من الغلس غلس
المسجد؛ لأنه كان مسقفًا فما كان يظهر فيه النور إلا بطلوع الشمس.
(مِنَ الْغَلَسِ) أي: لأجل الظلمة لا لأجل التلفع، فـ((من)) ابتدائية أو تعليلية،
وهو بفتحتين: بقايا ظلام الليل يخالطها ظلام الفجر، وقال الجزري: ظلمة آخر
الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. قال الحافظُ: في الحديث استحباب المبادرة
بصلاة الصبح في أول الوقت، وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة
في الليل، ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب الأولى؛ لأن الليل مظنة الريبة أكثر
من النهار، ومحل ذلك إذا لم يخش عليهن أو بهن فتنة، انتهى.
قلتُ: الحديث يدلُّ على أن التغليس أفضل من الإسفار، وبه قال مالك،
والشافعي، وأحمد، وإسحاق. قال ابنُ عبد البر: صحَّ عن رسول اللّه وَ ل، وعن
أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغلسون، ومحال أن يتركوا الأفضل، ويأتوا

كِتَابُ الصَّلاةِ
HONS
بَابُ تَعْجيلِ الصَّلَاةِ
KEES
٦٤٣
الدون، وهم النهاية في إتيان الفضائل. واستدلَّ هؤلاء الأئمة على أفضلية التغليس
بحديث عائشة هذا، وبحديث ابن عمر عند ابن ماجه، وبحديث أنس الآتي،
وبحديث قيلة بنت مخرمة عند الطبراني وابن منده، ذكره الحافظ في الإصابة
(ج ٤: ص ٣٩١، ٣٩٤) في قصة طويلة.
قال ابن عبد البر: هو حديث طويل فصيح حسن، وبحديثي أبي برزة وجابر بن
عبد الله المتقدمين، وبحديث أبي مسعودٍ قال: صلّى رسول اللّه ◌َّر الصبح مرة
بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى
مات، لم يعد إلى أن يسفر. رواه الحازمي، وأبو داود، وغيرهما، وصححه ابن
خزيمة وغيره.
قال الحازمي: تغليسُ النبيِ وَّ ثابت، وأنه داوم عليه إلى أن فارق الدنيا، ولم
يكن رسول الله و ليل يداوم إلا على ما هو الأفضل، وكذلك أصحابه من بعده تأسيًا
به وَّلة، ثم روى بسنده حديث أبي مسعود هذا، وقال بعد روايته: هذا طرف من
حديث طويل في شرح الأوقات، وهو حديث ثابت مخرج في الصحيح بدون هذه
الزيادة، وهذا إسناد رواته عن آخره ثقات، والزيادة عن الثقة مقبولة. وقال
المنذري في ((تلخيص السنن)) نحو هذا. وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد. وقال
ابن سيد الناس: إسناده حسن. وقال الشوكاني: رجاله في ((سنن أبي داود)) رجال
الصحيح، وقد أعلّ بعضهم حديث أبي مسعود هذا بما قد رده شيخنا في ((أبكار
المنز)) (ص٧١ - ٧٣/ ١٦٦ - ١٧١) وفي ((شرح الترمذي)) (ج١: ص ١٤٣)
فارجع إليهما.
وقد خالفَ الحنفيةُ أحاديثَ التغليسِ، وقالوا باستحبابِ الإسفار، واستدلُّوا
لذلك بحديث رافع بن خديج الآتي: ((أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ))، وسيأتي
كلام فيه فانتظر. وأجابوا عن أحاديث التغليس بأجوبة كلها مخدوشة مردودة.
فمنها: أن هذه الأحاديث محمولة على الخصوصية، وفيه: أن هذا مجرَّد دعوى لا
دليل عليه بل يبطله عمل الخلفاء الراشدين من بعده.
ومنها: أنها منسوخة، فكان التغليس في ابتداء حین کن يحضرن الجماعات، ثم
لما أمرن بالقرار في البيوت انتسخ ذلك.
وفيه: ما في الأول مع أنه لم يثبت منعهن من المساجد، بل ثبت النهي عن
منعهن من المساجد كما لا يخفى.

٦٤٤
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنها: أنها محمولة على عذر الخروج إلى سفر.
وفيه: أنه رَليول قد داوم على التغليس في الحضر والسفر، ولازمه حتى فارق
الدنيا، فلو كان التغليس لعذر الخروج إلى سفر لم يكن للأحاديث الدالة على
مواظبته على التغليس معنى.
ومنها: أن التغليس لو كان مستحبًّا لما اجتمع الصحابة على الإسفار. وقد روى
الطحاوي عن إبراهيم النخعي قال: ما اجتمع أصحاب رسول اللّه وَّل على شيء ما
اجتمعوا على التنوير.
وفيه: أن دعوى إجماع الصحابة على الإسفار باطلة جدًّا، يبطلها عمل الخلفاء
الراشدين، ومن سواهم من الصحابة والتابعين بالتغليس.
ومنها: أنها محمولة على أطول القراءة كسورة البقرة، فيحمل على الخصوصية
أيضًا، لقوله مَّ: ((صَلُّ بِالْقَوْمِ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ)).
وفيه: أنه قد تقدم أنه والر كان يصلي في الصبح ما بين الستين إلى المائة، وهذا
لا يخالف قوله: ((صَلِّ بِالْقَوْمِ صَلَاَةً أَضْعَفَهُمْ))، فلا حاجة إلى حمل تغليسه على
الخصوصية .
(مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك، وأحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي،
وابن ماجه، وغيرهم.
٦٠١ - [١٣] وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ بَلِهِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ
رَوْتَهُ تَسَخَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَلَمَ نَبِيُّ اللّهِ بَله إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى،
قُلْنَا لِأَنَسِ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ:
قَدْرِ مَا يَقَّرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آَيَّةً.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشّرُْ
٦٠١ - قوله: (وَعَنْ قَتَادَةَ) بفتح القاف، ابن دعامة - بكسر المهملة، وخفة
العين - ابن قتادة السدوسي، يُكتَّى: أبا الخطاب البصري الأعمى، أحد الأئمة
(٦٠١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٧٦)، ومُسْلِم (١٠٩٧) عَنْهُ، والنَّسَائِي (١٤٣/٤).

٦٤٥
بَابٌ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
الأعلام، ثقة، ثبت، حافظ، مدلس، روى عن أنسٍ، وابن المسيب، والحسن،
وابن سيرين، وغيرهم. يقال: ولد أكمه. قال سعيد بن المسيب لما رأى جودة
حفظه وإتقانه: ما أظنُّ أن الله خلق مثلك. وقال أيضًا: ما أتاني عراقي أحسن من
قتادة. وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. قال ابنُ مهدي: قتادة أحفظ من
خمسين مثل حميد. وقال قتادة: ما سمعتْ أذناي شيئًا إلا وعاه قلبي. قيل: مات
بواسط في الطاعون سنة (١١٧) أو (١١٨) وهو ابن (٥٥) أو (٥٦) أو (٥٧) سنة بعد
الحسن بسبع سنين .
(تَسَخَّرًا) أي: أكلا السحور. (مِنْ سَحُورِهِمَا) بفتح السين اسمٍ لِما يتسخّر به،
وقيل بضمها وهو مصدر. (إِلَى الصَّلَاةِ) أي: صلاة الصبح. (فَصَلَّى) أي: إمامًا
وهو معه. (كَمْ كَانَ) أي: مقدار، قال ابن الملك: اشتق منه مبتدأ وخبرها الجملة
أي: أيّ زمان كان؟ (قَالَ: قَدْرَ) بالنصب خبر لكان المقدر، أي: كان ما بينهما
قدر، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: الفاصلة قدر: (مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ
خَمْسِينَ آيَةً) فيه دليل على استحباب التغليس، وأن أول وقت الصبح طلوع الفجر؛
لأنه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب، والمدة التي بين الفراغ من السحور
والدخول في الصلاة وهي قراءة الخمسين آية أو نحوها لعلها مقدار ما يتوضأ،
فأشعر بذلك أن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر، وفيه أنه وم لو كان يدخل فيها
بغلسٍ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا النسائي في الصيام.
٦٠٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: ((كَيْفَ أَنْتَ إِذَا
كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ - أَوْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ - عَنْ وَقْتِهَا؟)) قَالَ:
قلتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ؛
فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ)).
[رَوَاهُ مُسْلِم] {صحيح}
الشّرْجُ
٦٠٢- قوله: (كَيْفَ أَنْتَ) أي: كيف الحال والأمر بك. (إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ
(٦٠٢) مُسْلِم (٢٣٨)، وَأَبُو دَاوُد (٤٣١)، والتِّرْ مِذِي (١٧٦)، وابن مَاجَهْ (١٢٥٦)، والنَّسَائِي (٧٥/٢)
فِيهَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ.

٦٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أُمَرَاءُ) قال الطيبي: أي ما حالك حين ترى من هو حاكم عليك متهاونًا في الصلاة
يؤخرها عن أول وقتها وأنت غير قادر على مخالفته؟ إن صليت معه فاتتك فضيلة أول
الوقت، وإن خالفته خفت أذاه وفاتتك فضيلة الجماعة؟ فسأل كيف أفعل حينئذٍ،
و((عَلَيْكَ)) خبر كان، أي: كانت الأمراء مسلطين عليك، قاهرين لك، وفي الحديث
إخبار بالغيب، وقد وقعَ في زمنٍ بني أمية فكان معجزة. (يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ) أي:
يؤخرونها ويجعلونها كالميت الذي خرجت روحه. (أَوْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ) وفي بعض
النسخ أو ((يؤخرونها))، و((أو)) للشكّ من الراوي. (عَنْ وَقْتِهَا) قال الطيبي: شبه
إضاعة الصلاة وتأخيرها عن وقتها بجيفة ميت تنفر عنها الطباع، كما شبه المحافظة
عليها وأداءها في وقت اختيارها بذي حياة له نضارة وطراوة في عنفوان شبابه، ثم
أخرجها مخرج الاستعارة وجعل القرينة ((يميتون))؛ لأنه غير لازم المشبه به.
قال النووي: المراد بتأخيرها: تأخيرها عن وقتها المختار؛ لأنهم لم يكونوا
يؤخرونها عن جميع وقتها .
قلتُ: ظاهر الحديث إخراج الصلاة وتأخيرها عن جميع وقتها، وعليه حمله
النسائي. وقد صحَّ أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن
وقتها، فينبغي أن يحمل هذا الحديث على الواقع. قال الحافظ في ((الفتح)): قد
صحَّ أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار
في ذلك مشهورة، ثم ذكرها.
(فَمَا تَأْمُرُنِي) أي: فما الذي تأمرني أن أفعل في ذلك الوقت؟ (فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا) بأن
حضرتها. (مَعَهُمْ فَصَلَّ فَإِنَّهَا) أي: الصلاة التي صليت مع الأمراء. (لَكَ نَافِلَةٌ)
يعني: صل الصلاة في أول الوقت، فإن صادفتهم بعد ذلك وقد صلُّوا أجزأتك
صلاتك، وإن أدركت الصلاة معهم فصل معهم، وتكون هذه الثانية نافلة لك.
والحديث: يدلُّ على مشروعية الصلاة لوقتها وترك الاقتداء بالأمراء إذا أخروها
عن أول وقتها، وأن المؤتم يصليها منفردًا، ثم يصليها مع الإمام؛ لئلا تتفرق
الكلمة وتقع الفتنة، فيجمع بين فضيلتي أول الوقت والجماعة. وقوله: ((فَإِنَّهَا لَكَ
نَافِلَةٌ)). صريح في أن الصلاة التي يصليها مرتين تكون الأولى فريضة، والثانية
نفلًا. وفي الحديث دليل على أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر وسائر الصلوات؛

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
٦٤٧
لأنَّ النبي أطلق الأمر بالإِعادة، ولم يفرق بين الصلاة والصلاة، فيكون مخصصًا
الحديث: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ)).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضا الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٦٠٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ أَدْرََ
رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ فَقَدْ أَدْرََكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرََكَ رَكْعَةً
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرََ الْعَصْرَ)).
الشّرْحُ
٦٠٣ - قوله: (مَنْ أَدْرَلَكَ رَكْعَةً) بأن أتى بها بواجباتها من الفاتحة، واستكمال
الركوع والسجود، ومفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركًا للوقت،
وأن صلاته تكون قضاء، وإليه ذهب الجمهور، وقيل: تكون أداء. والحديث يرده.
(مِنَ الصُّبْحِ) أي: من صلاة الصبح. (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) أي: وأضاف إليها
أخرى بعد طلوعها. (فَقَدْ أَدْرََكَ الصُّبْحَ) أي: أدرك صلاة الصبح أداء، لوقوع ركعة
في الوقت، فالإتيان ببعضها قبل خروج الوقت ينسحب حكمه على ما بعد خروجه
فضلا من الله، فيكون الكل أداء. وقيل: أي: تمكن من إدراكها بأن يضم إلى
الركعة المؤداة بقية الصلاة، وليسَ المراد أن الركعة تكفي عن الكل، وهذا
لصاحب العذر كالرجل ينام عن الصلاة، أو ينساها فيذكر، أو يستيقظ عند طلوع
الشمس وغروبها .
قال النووي: وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت،
انتهى. قال الحافظُ: الإدراك الوصول إلى الشيء، فظاهره أنه يكتفي بذلك، وليس
ذلك مرادًا بالإجماع، فقيل: يحمل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلى ركعة أخرى
فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك في رواية الدراوردي عن
(٦٠٣) الْبُخَارِي (٥٧٩)، ومُسْلِم (١٦٣ / ٦٠٨)، وأَبُو دَاوُد (٤١٢)، والتِّرْمِذِي (١٨٦)، والنَّسَائِي (١ /
٢٥٧)، وابنُ مَاجَه (٦٩٩) فِيهَا عَنْهُ.

٦٤٨
#1
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
زيد بن أسلم، أخرجه البيهقي من وجهين، ولفظه: «مَنْ أَدْرََكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ
أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَرَكْعَةً بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرََكَ الصَّلَاةَ). وَأصرح منه
رواية أبي غسان محمد بنٍ مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء وهو ابن يسار، عن
أبي هريرة بلفظ: ((مَنْ صَلَّى رَكْعَةٍ مِنَ الْعَصْرِ قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ
بَعْد غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَمْ يَقْتْهُ الْعَصْرُ)). وقال مثل ذلك في الصبح، وفي رواية
للبخاري يعني: التي بعد هذا الحديث: ((فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ))، وللنسائي من وجه آخر:
((مَنْ أَدْرََ مِنَ الصَّلَّةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرََ الصَّلاَةَ كُلَّهَا إِلَّا أَنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ)). وللبيهقي
من وجه آخر: ((مَنْ أَدْرََكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى)). ويؤخذ من هذا
الرد على الطحاوي حيث خص الإدراك باحتلام الصبي، وطهر الحائض وإسلام
الكافر، ونحوها، وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد
صلاته؛ لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة، انتهى.
والحديثُ: يدلُّ على أنَّ من أدرَكَ ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد
أدرك صلاة الصبح، ولا تبطل بطلوعها، كما أنَّ من أدرك ركعة من صلاة العصر
قبل غروب الشمس فقد أدرك صلاة العصر ولا تبطل بغروبها، وبه قال مالك
والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو الحقُّ، وخالف أبو حنيفة هذا الحديث فقال: من
طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتجَّ في ذلك
بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وأجيب عنه بأن
أحاديث النهي عامة تشمل ذوات الأسباب المتقدمة وغير ذوات الأسباب من
النوافل والفرائض، وحديث أبي هريرة هذا خاص ليس فيه إلا ذكر صلاة ذات
سبب متقدم، فتحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل جمعًا بين
الحديثين، فإن الجمع بالتخصيص أولى من ادعاء النسخ، قاله الحافظ.
قال الشوكاني: هذا جمع بما يوافق مذهب الحافظ، والحق أن أحاديث النهي
عامة تشمل كل صلاة، وهذا الحديث خاص فيبني العام على الخاص، ولا يجوز
في ذلك الوقت شيء من الصلوات إلا بدليل يخصه، سواء كان من ذوات الأسباب
أوغيرها، انتهى.
وقال النووي: قال أبو حنيفة: تبطلُ صلاة الصبح بطلوع الشمس؛ لأنه دخل

٦٤٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
وقت النهي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس. ففرق بين فجر اليوم وعصره،
والحديث حجة علیه، انتهى.
قال القاري بعد ذكر كلام النووي ما نصُّه: وجوابه ما ذكره صدر الشريعة. في
((شرح الوقاية)): أن المذكور في كتب أصول الفقه أن الجزء المقارن للأداء سبب
لوجوب الصلاة، وآخر وقت العصر وقت ناقص؛ إذ هو وقت عبادة الشمس،
فوجب ناقصًا، فإذا أداه أداه كما وجب فإذا اعترض الفساد بالغروب لا تفسد،
والفجر كل وقته وقت كامل؛ لأن الشمس لا تعبد قبل طلوعها، فوجب كاملًا،
فإذا اعترض الفساد بالطلوع تفسد؛ لأنه لم يؤدها كما وجب، فإن قيل: هذا تعليل
في معرض النص، قلنا: لما وقع التعارض بين هذا الحديث وبين النهي الوارد عن
الصلاة في الأوقات الثلاثة؛ رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض، والقياس
رجح هذا الحديث في صلاة العصر، وحديث النهي في صلاة الفجر، وأما سائر
الصلوات فلا تجوز في الأوقات الثلاثة المكروهة لحديث النهي الوارد؛ إذ لا
معارض لحديث النهي فيها .
قلتُ: قد رد هذا التقرير المزخرف الشيخ عبد الحي اللكنوي، وهو من الحنفية
في حاشيته على ((شرح الوقاية)) حيث قال: فيه بحث، وهو أن المصير إلى القياس
عند تعارض النصَّيْنِ إنما هو إذا لم يمكن الجمع بينهما، وأما إذا أمكن يلزم أن
يجمع بينهما، وها هنا العمل بكليهما ممكن بأن يخص صلاة العصر والفجر
الوقتيتان من عموم حديث النهي، ويعمل بعمومه في غيرهما، وبحديث الجواز
فيهما إلا أن يقال: حديث الجواز خاص، وحديث النهي عام، وكلاهما قطعيان عند
الحنفية، ومتساويان في الدرجة والقوة، فلا يخص أحدهما الآخر، وفيه: أن
قطعية العام كالخاص ليس متفقًا عليه بين الحنفية، فإن كثيرًا منهم وافقوا الشافعية
في كون العام ظنيًّا كما هو مبسوط في شروح ((المنتخب)) الحسامي وغيرها، انتهى.
وقال صاحب ((الكوكب الدري)) بعد ذكر وجه الفرق بين الفجر والعصر بنحو ما
ذكره صدر الشريعة ما لفظه: هذا ما قالوا، وأنت تعلم ما فيه من الاختلال وتزويق
المقال، فإن قولهم: النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي صحتها في أنفسها، ينادي
بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما، وإن اعتراهما حرمة بعارض التشبه بعبدة
الشمس، فادعاء المعارضة بينهما باطل، وإن قطع النظر عن ذلك، فلا وجه لعدم

٦٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجواز في الفجر والجواز في العصر، فإن الوقت شرط لكلتيهما، فإذا غربت
الشمس بأداء ركعة أو ركعتين لم يبق الوقت المشروط لصحة الباقي، فكيف يمكن
لهم القول بأن الصلاة تامة؟ إذ ليس ذلك إلا قولًا بعدم اشتراط الوقت، فعلى هذا
يلزم عليهم جواز صلاة من شرع في الصلاة وثوبه نجس بقدر الدرهم أو دونه، ثم
بعد أدائه ركعة وضع عليه رجل شيئًا نجسًا ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية
التي التزمها، أو من أخذ في الصلاة وهو يدافعه الأخبثان، فلما قضى ركعة أو
ركعتين بال أو تغوط، أو ليس نظير ما قالوا، فإنه أدی صلاته بعد الحدث على نحو
مما التزمه ... إلى آخر ما قال وأطال في الرد عليهم.
قلتُ: ويلزمهم أيضًا أن يقولوا بفساد صلاة العصر إذا شرع فيها في الجزء
الصحيح الكامل أي: قبل الاصفرار ومدها إلى أن غربت، مع أنها لا تكره عندهم
فضلًا عن أن تفسد. وما اعتذروا عنه بعذر الخشوع والخضوع لا ينفع، كما أقرَّ به
صاحب ((فيض الباري))، فإن الاحتراز عن المد إلى غروب الشمس ليس مما يتعذر
كما لا يخفى على المنصف غير المتعسف، واختار صاحب ((الكوكب)) في معنى
الحديث ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز الصلاتين العصر والصبح، وفراغ
الذمة لمن صلى في هذين الوقتين، وإن لم يخل فعله ذلك من الكراهة.
واعلم: أن الحنفية قد عجزوا عن دفع إلزام العمل ببعض هذا الحديث وترك
بعضه، مع أن النقص قارن العصر ابتداء والفجر بقاء، ولذلك ذهب الطحاوي إلى
عدم جواز عصر يومه كالفجر، خلافًا لمذهب الحنفية.
قال صاحب الفيض: إن الحديث لا يفرق بين الفجر والعصر، وظاهره موافق
لما ذهب إليه الجمهور، وتفريق الحنفية باشتمال العصر على الوقت الناقص دون
الفجر عمل بإحدى القطعتين وترك الأخرى بنحو من القياس، وذا لا يرد على
الطحاوي، فإنه ذهب إلى النسخ بالكلية بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة
عند طلوع الشمس وعند غروبها، إلا أن المعروف من مذهب الحنفية خلافه،
فإنهم قائلون في العصر بصحتها كما في الحديث.
قال: فلم أر جوابًا شافيًا عنه في أحد من كتب الحنفية بعد، ثم حمل هو هذا
الحديث على المسبوق.

٦٥١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
***
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
وقال: إن المراد بالإدراك إدراك الجماعة لا إدراك الوقت، وإن الصلاة كلها في
الوقت قبل الطلوع في الفجر، وقبل الغروب في العصر، ومعنى الحديث: من
أدرك ركعة من الصبح مع الإمام وركعة أخرى بعد انصرافه، وكلتاهما في الوقت
قبل الطلوع، وكذا في العصر أدرك ركعة مع الإمام وثلاث ركعات بعد سلامه لكن
الصلاة كلها وقعت في الوقت قبل الغروب، وهذا كما ترى تحريف للحديث
وإبطال لمؤداه، لا توجيه له مع أنه يبطل شرحه ويهدمه، كما اعترف به هو ما تقدم
من رواية البيهقي بلفظ: ((مَنْ أَدْرََكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَرَكْعَةً
بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَ الصَّلَاةَ).
هذا، وقد أطال الكلام في الجواب عن هذه الرواية وتقرير ما رامه من تحريف
الحديث، وأتى بكلام كله تكلفات ودعاوى محضة، ونسبة الوهم وسوء الفهم
والاختصار إلى الرواة من غير دليل وبرهان.
واعلم أيضًا: أن إدراك الركعة قبل خروج الوقت لا يختص بصلاة الفجر
والعصر؛ لما ثبت عند الشيخين وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: ((من
أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)). وهو أعم من حديث الباب.
قال الحافظُ: ويحتمل أن تكون اللام عهدية، ويؤيده أن كلّ منهما من رواية أبي
سلمة عن أبي هريرة، وهذا مطلق، وذاك يعني حديث الباب مقيد، فيحمل المطلق
على المقید، انتهى.
ويمكن أن يقال: إن حديث الباب دل بمفهومه على اختصاص ذلك الحكم
بالفجر والعصر، وهذا الحديث دل بمنطوقه على أن حكم جميع الصلوات لا
يختلف في ذلك، والمنطوق أرجح من المفهوم فيتعين المصير إليه، ولاشتماله
على الزيادة التي ليست منافية للمزيد، كذا في ((النيل)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي، وابن
ماجه وغيرهم.

٦٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*esS
٦٠٤ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا أَدْرََ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً
مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ
صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ».
[رَوَاهُ البُخَاريَّ] {صحيحٍ}
الشَّرْحُ
٦٠٤ - قوله: (إِذَا أَدْرََكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً) أي: ركعة، كما ذكره المجد ابن تيمية
في ((المنتقى))، ومسلم في ((صحيحه))، وقد ثبت عند الإسماعيلي بلفظ: ((رَكْعَةً))
مكان ((سجدة))، فدل على أن الاختلاف في اللفظ وقع من الرواة، وقد تقدم الرواية
بلفظ: ((من أدرك ركعة))، قال الحافظُ: ولم يختلف على راويها في ذلك، فكان
عليها الاعتماد، قال الخطابي: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها،
والركعة إنما يكون تمامها بسجودها، فسميت على هذا المعنى سجدة، انتهى.
(فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ) أي: ليكملها بالباقية، ويكون الكل أداء.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي، وفي الباب عن عائشة عند أحمد
ومسلم والنسائي وابن ماجه. ومناسبة هذا الحديث وما قبله لعنوان الباب غير
ظاهرة، وإنما ذكرهما استطرادًا، أو يقال: فيهما إشارة إلى أن من أخر الصلاة إلى
آخر أجزاء وقتها بسبب السهو والنسيان أو النوم لا يكون مقصرًا، ويصدق عليه أنه
عجلها في الجملة حيث أداها قبل الفوت.
(٦٠٤) الْبُخَارِي (٥٥٦)، وَالنَّسَائِي (١/ ٢٥٧) فِيهَا عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
٦٥٣
٦٠٥ - [١٧] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ إِّهِ: (مَنْ نَسِيَ صَلَةً، أَوْ
نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَّا إِذَا ذَكَرَهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْه]
- وَفِي رِوِايَةٍ: ((لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ)».
الشَّرُْ
٦٠٥ - قوله: (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً) أي: تركها نسيانًا. (أَوْ نَامَ عَنْهَا) ضمن ((نام))
معنى غفل، أي: غفل عنها في حال نومه، قاله الطيبي. أو نام غافلًا عنها.
(فَكَفَّارَتُهَا) هذا يدل على أنه لا يخلو عن تقصير ما يترك المحافظة، لكن يكفي في
نحو تلك الخطيئة القضاء، وما سيجيء أنه لا تفريط في النوم، فبالنظر إلى الذات.
(أَنْ يُصَلَِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) أي: بعد النسيان أو النوم، وقيل: فيه تغليب للنسيان، فعبر
بالذكر وأراد به ما يشمل الاستيقاظ، والأظهر أن يقال: إن النوم لما كان يورث
النسيان غالبًا قابلهما بالذكر. وظاهر الحديث أنه يصليها إذا ذكرها، أي: وإن كان
عند طلوع الشمس أو عند غروبها أو عند استوائها. وإليه ذهب مالك والشافعي
وأحمد وإسحاق؛ فجعلوا هذا الحديث وما في معناه مخصصًا لأحاديث النهي عن
الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة. ووقع في روايةٍ لغيرِ الشَّيْخين: ((فَوَقْتُهَا حِينَ
يَذْكُرُهَا لَا وَقْتَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ))، وهذا يفيد أن ذلك وقتها أداء لا قضاء، فتكون
أحاديث الباب مخصصة لما ورد من توقيت الصلاة وتعيين أوقاتها ابتداء وانتهاء،
فيقال: إلا الصلاة التي سها عنها المصلى أو نسيها أو نام عنها، فإن فِعْلَهَا عند الذكر
هو وقت أدائها ولو بعد خروج الوقت المضروب لتلك الصلاة، فإن حين التذكر
والاستيقاظ هو وقت أدائها .
(وَفِي رِوَايَةٍ) أي: للشيخين. قال الطيبي: أراد أنه زاد في رواية أخرى هذه
العبارة، لا أن هذه الرواية بدل على الرواية السابقة؛ لأن اسم الإشارة يقتضي مشارًا
إليه، وهو قوله: ((فليصلها إذا ذكرها)). جيء بالثانية تأكيدًا وتقريرًا على سبيل
(٦٠٥) البُخَارِي (٥٩٧)، ومُسْلِم (٦٨٤/٣١٥)، وأَبُو دَاوُد (٤٤٢)، والتِّرْ مِذِي (١٧٨)، والنَّسَائِي (١ /
٢٩٣)، وابنُ مَاجَه (٦٩٦).

٦٥٤
more
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحصر، لئلا يتوهم أن لها كفارة غير القضاء. (لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ) قال الخطابي
في ((المعالم)): يريد أنه لا يلزمه في تركها غرم أو كفارة من صدقة أو نحوها كما
تلزمه في ترك الصوم في رمضان من غير عذر الكفارة، وكما تلزم المحرم إذا ترك
شيئًا من نسكه كفارة وجبران من دم أو طعام ونحوه. وقال الطيبي: يحتمل ذلك
وجهين: أحدهما: أنه لا يكفرها غير قضائها، والآخر: أنه لا يلزمه في نسيانها
غرامة ولا زيادة تضعيف ولا كفارة من صدقة ونحوها، كما يلزم في ترك الصوم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: بروايتيه إلا أن لفظ الرواية الأولى لفظ مسلم. والحديث
أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٦٠٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَيْسَ فِي النَّوْمِ
تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّغْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَاً
إِذَا ذَكَرَهَا؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٦٠٦ - قوله: (لَيْسَ فِي النَّوْم) أي: في حاله. (تَغْرِيطٌ) أي: تقصير، ينسب إلى
النائم في تأخيره الصلاة، وكذا في النسيان، ولم يذكره لأنه في معناه، ولهذا ذكره
في ((التفريع))، وليس المراد أن نفس فعل النوم والمباشرة بأسبابه لا يكون فيه
تفريط، أي: تقصير، فإنه قد يكون فيه تفريط إذا كان في وقت يقتضي فيه النوم إلى
فوات الصلاة كالنوم قبل العشاء، وإنما المراد أن ما فات حالة النوم، فلا تفريط في
فوته فإنه فات بلا اختيار، وأما المباشرة بالنوم فالتفريط فيها تفريط حالة اليقظة،
قاله السندي. (إِنَّمَا التَّقْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ) بفتح القاف، أي: إنما يوجدُ التقصير في
حال اليقظة، بأن يفعل ما يؤدي إلى النوم أو النسيان، كاضطجاع عند غلبة النوم،
والاشتغال بما يترتب عليه النسيان من المشاغل كلعب الشطرنج ونحوه، فيكون
مقصرًا حينئذٍ ويأثم بذلك. قال الشوكاني: ظاهر الحديث أنه لا تفريط في النوم
(٦٠٦) مُسْلِم (٣١١/ ٦٨١)، وَأَبُو دَاوُد (٤٣٧) فِيهَا عَنْهُ.

٦٥٥
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
سواء كان قبل دخول وقت الصلاة أو بعده قبل تضييقه. وقيل: إنه إذا تعمد النوم
قبل تضييق الوقت واتخذ ذلك ذريعة إلى ترك الصلاة لغلبة ظنه أنه لا يستيقظ إلا
وقد خرج الوقت كان آثمًا. والظاهر: أنه لا إثم عليه بالنظر إلى النوم؛ لأن فعله في
وقت يباح فعله، فيشمله الحديث، وأما إذا نظر إلى التسبب به للترك، فلا إشكال
في العصيان بذلك، ولا شك في إثم من نام بعد تضييق الوقت لتعلق الخطاب به،
والنوم مانع من الامتثال، والواجب إزالة المانع.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ اللام فيه للوقت، وهو بالإضافة إلى ياء المتكلم وهي
القراءة المشهورة لكن بظاهرها لا يناسب المقصود، فأوله بعضهم بأن المعنى:
وقت ذكر صلاتي، على حذف المضاف، أو المراد بالذكر المضاف إلى الله تعالى
ذكر الصلاة لكون ذكر الصلاة؛ يفضي إلى فعلها المفضي إلى ذكر الله تعالى فيها،
فصار وقت ذكر الصلاة كأنه وقت لذكر الله، فقيل: في موضع أقم الصلاة
لذكرها: لذكر الله. وقراءة ابن شهاب للذكرى بلام الجر ثم لام التعريف وآخره
ألف مقصورة، وهي قراءة شاذة لكنها موافقة ل لمطلوب هنا بلا تكلف، قاله
السندي. وقال الطيبي: الآية تحتمل وجوهًا كثيرة من التأويل، لكن الواجب أن
يصار إلى وجه يوافق الحديث؛ لأنه حديث صحيح، ثم ذكر التوجيهين اللذين
تقدما في كلام السندي، قال: أو وضع ضمير الله موضع ضمير الصلاة لشرفها
وخصوصيتها. والحديث يدل على أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن المخاطب بالآية
المذكورة موسى عليه الصلاة والسلام، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد
ناسخ .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فيه نظر؛ لأن اللفظَ المذكور ليس لمسلم بل هو للنسائي
والترمذي، إلا أنه ليس عندهما: ((فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِّ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾
[طه: ١٤])) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود وابن
ماجه. قال الحافظُ: إسناد أبي داود على شرط مسلم، ورواه مسلم بنحوه في قصة
نومهم في صلاة الفجر، ولفظه: ((لَيْسَ فِى النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّغْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ
يُصَلِّ الصَّلاَةَ حَتَّى يَجِيئَ وَقْتُ الصَّلاَةِ الأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ
لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا)).

٦٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٦٠٧ - [١٩] عَنْ عَلِيِّ رَّتَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ بِّرِ قَالَ: ((يَا عَلِيُّ، ثَلاَثٌ لَا
تُؤَخِّرُهَا: الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ، وَالجِنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا
كُفْؤًا)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ] {حسن}
الشّرْحُ
٦٠٧ - قوله: (ثَلاثٌ) أي: من المهمات وهو المسوغ للابتداء، والمعنى:
ثلاثة أشياء، وهي الصلاة، والجنازة، والمرأة، ولذا ذكر العدد. (لَا تُؤَخِّرُهَا)
بالرفع إما خبر لثلاث أو صفة، أي: فإن في التأخير آفات بل تعجل فيها، وهذه
الأشياء مستثناه من حديث: ((العجلة من الشيطان)). (الصَّلَاةُ) بالرفع، أي: منها،
أو أحدها، أو هي. وقيل: بالنصب بتقدير أعني. (إِذَا أَتَتْ) بالتائين مع القصر، من
الإتيان، أي: جاءت، يعني: وقتها. قال التُّورْبَشْتِي: في أكثر النسخ المقروءة،
أي: لـ ((المصابيح)) ((أَتَتْ)) بتاءين، وكذا عند أكثر المحدثين، وهو تصحيف،
والمحفوظ من ذوي الإتقان ((آنَتْ)) على وزن حانت، وبمعناه ذكره الطيبي.
والظاهر أنهما روايتان صحيحتان ومعناهما متقارب.
قال ابن العربي في عارضة الأحوذي (ج١ : ص٢٨٤): کذا رویته بالتاءین کل
واحد منهما معجمة باثنتين من فوقها، وروي ((إِذَا انْتَ)) بنون وتاء معجمة من فوقها
بمعنى: حانت. تقول: آن الشيء يئين أينًا أي: حان يحين حينًا، انتهى.
وكذا قال ابن سيد الناس، كما ذكره السيوطي في ((قوت المغتذي)).
وقال الأبهري: ((إِذَا أَنْتَ)) بفتح الهمزةِ من أنى يأني، وهو أيضًا بمعنى حان،
[الحديد: ١٦]. (وَالْجِنَازَةُ)
ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ ◌َأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾
بكسر الجيم وفتحها لغتان للميت في النعش. (إِذَا حَضَرَتْ)؛ لأن تأخيرها قد يؤدي
إلى التغير، فالتعجيل فيها أحب، وأيضًا إن كانت خيرًا فالتقديم إليه أحب، وإن
(٦٠٧) التِّرْمِذِي (١٧١) فِي الصَّلَاةِ عَنْ عَلِيٍّ رَوَّهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ
٦٥٧
كانت شرًّا فتبعيده أولى، كما في حديث: ((لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس))، عند
أبي داود. وكما في حديث: ((أسرعوا بالجنازة))، عند الشيخين. وفيه: دليل على
أن الصلاة على الجنازة لا تكره في الأوقات المكروهة، ذكره الطيبي.
قال القاري: وهو كذلك عندنا، يعني الحنفية أيضًا، إذا حضرت في تلك
الأوقات من الطلوع والغروب والاستواء، وأما إذا حضرت قبلها وصلى عليها في
تلك الأوقات، فمكروهة، وكذا حكم سجدة التلاوة، وأما بعد الصبح وقبله وبعد
العصر فلا يكرهان مطلقًا. (وَالأَيِّمُ) بفتح الهمزة وكسر الياء المشددة: هي التي لا
زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا، مطلقة كانت أو متوفى عنها. (كُفْؤًّا) بضم الكاف
وسكون الفاء: المثل والنظير، وفي النكاح أن يكون الرجل مثل المرأة في
الإِسلام، والصلاح. وقيل: في الحرية، والنسب، وحسن الكسب والعمل،
والأول هو المعتمد .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الصلاة من حديث سعيد بن عبد الله الجهني، عن محمد بن
عمر بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب. قال الترمذي: هذا حديث غريب
حسن. على ما في النسخة المصرية المطبوعة بتعليق العلامة الشيخ أحمد محمد
شاكر. وقد نقل هذا الحديث الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١: ص٢٤٤) عن
الترمذي، ونقل أنه قال: حديث غريب، وما أرى إسناده بمتصل. وهكذا نقل
الحافظ في ((التلخيص)) (ص٩٦) أيضًا. قال صاحب التعليق المذكور: ليس في
شيء من النسخ التي معي من الترمذي عبارة: ((وَمَا أَرَى إِسْنَادَهُ بِمُتَّصِلٍ)). وكذلك
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): إن هذه العبارة ليست في النسخ المطبوعة والقلمية
الموجودة عندنا .
قال صاحب ((التعليق)): وأنا أظن أن الحافظ الزيلعي انتقل نظره حين الكتابة إلى
كلام الترمذي على حديث عائشة الآتي، وأن الحافظ ابن حجر نقل منه تقليدًا له
فقط، انتهى. وقال الحافظ في ((الدراية)): أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد
ضعيف .
قلتُ: الظاهر: أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، وأن سنده متصل،
فإن سعيد بن عبد الله الجهني ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظُ: إنه
مقبول. ومحمد بن عمر بن علي صدوق، وعمر بن علي ثقة، وقد سمع من أبيه