Indexed OCR Text

Pages 601-620

٥٩٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وسبرة: بفتح أوله وسكون الموحدة، ابن معبد بن عوسجة، ويقال: سبرة بن
عوسجة الجهني أبو ثرية المدني، صحابي نزل المدينة، وأقام بذى المروة. أول
مشاهده الخندق. وكان رسول عليٍّ لما ولي الخلافة بالمدينة إلى معاوية، يطلب
منه بيعة أهل الشام. مات في آخر خلافة معاوية. له أحاديث انفرد له مسلم
بحديث المتعة .
٥٧٦ - [١١] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا
وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ )).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٥٧٦- قوله: (الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ) قال القاضي: الضمير الغائب
للمنافقين، شبه الموجب لإبقائهم وحقن دمائهم بالعهد المقتضي لإبقاء المعاهد
والكف عنه، والمعنى: أن العمدة في إجراء أحكام الإسلام عليهم تشبههم
بالمسلمين في حضور صلاتهم، ولزوم جماعتهم، وانقيادهم للأحكام الظاهرة،
فإذا تركوا ذلك كانوا هم والكفار سواء.
قال التُّورْبَشْتِي: ويؤيد هذا المعنى قوله ◌َّه: لما استؤذن في قتل المنافقين:
((إِنّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ)).
قلتُ: الظاهر أن الضمير عام فيمن تابع رسول اللّه ◌َليه بالإسلام سواء كان منافقًا
أم لا، ويدلُّ عليه قوله وَّ: لأبي الدرداء في آخر أحاديث الباب: ((لاَ تَتْرُكِ الصَّلاَةَ
مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذَّمَّةُ)). قال السندي في ((حاشية النسائي)): قوله:
((إِنَّ الْعَهْدَ)) أي: العمل الذي أخذ اللَّه تعالى عليه العهد والميثاق من المسلمين،
(٥٧٦) التَّرمِذي (٢٦٢١)، النَّسَائِي (٢٣١/١)، ابن مَاجَهْ (١٠٧٩)، فِي الصَّلَاةِ، صَحَّحَهُ ابْنُ حِيَّانَ
(١٤٥٤)، الحَاكِمُ (١ / ٧٠٦) عَنْهُ.

٥٩٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
كيف وقد سبق أن النبي وَّ بايعهم على الصلوات، وذلك من عهد اللَّه تعالى ((الَّذِي
بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ)) أي: الذي يفرق بين المسلمين والكافرين، ويتميز به هؤلاء عن هؤلاء
صورة على الدوام ((الصَّلَاةُ)) وليس هناك عمل على صفتها في إفادة التمييز بين
الطائفتين على الدوام ((فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ)) أي: صورة، وتشبه بهم إذ لا يتميز إلا
المصلي. وقيل: يخاف عليه أن يؤويه إلى الكفر وقيل: ((كفر)) أي: أبيح دمه.
وقيل: المراد من تركها جحدًا.
وقال أحمد: تارك الصلاة كافر لظاهر الحديث، انتهى.
قلتُ: الراجح في ذلك ما ذهب إليه أحمد؛ لأن ظواهر الأحاديث الواردة
بتكفيره تؤيده، لكن المراد كفر دون كفر، أي: كفر غير الكفر المخرج من الملة،
والله تعالى أعلم، ولا حاجة إلى هذه التأويلات التي ذكرها السندي وغيره ممن لم
يذهب إلى تكفيره، وارجع إلى كتاب ((الصلاة)) للإمام ابن القيم، فإنه قد بسط
الكلام فيه في ذلك بسطًا حسنًا.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص٣٤٦، ٣٥٥). (والتِّرْمِذِيُّ) في الإيمان، وقال: حسن
صحيح غريب. (وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) في الصلاة.
قال الشوكاني في ((النيل)): الحديث صححه النسائي والعراقي، ورواه ابن حبان
في ((صحيحه)) والحاكم وقال: صحيح ولا نعرف له علَّة.

٦٠٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٥٧٧ - [١٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَله
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا
دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا، فَاقْضٍ فِيَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ
سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ◌َه عَلَيْهِ شَيْئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ، فَانْطَلَقَ،
فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ رَجُلَّا فَدَعَاهُ، وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ
وَزُلَفًا مِنَ أَتْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِّ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَِّينَ
﴾ [هود: ١١٤]
١١٤
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: ((بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٥٧٧ - قوله: (إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً) أي: داعبتها ولاعبتها وناولت منها ما يكون
بين الرجل والمرأة غير أني ما جامعتها. (فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي: أسفلها وأبعدها
عن المسجد. (مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا) ما موصولة، أي: الذي تجاوز المس أي:
الجماع. (فَأَنَا هَذَا) أي: أنا حاضر بين يديك، ومنقاد لحكمك. (فَاقْضٍ فِيَّ مَا
شِئْتَ) أي: فاحكم بسببِ ذلك في حقي ما أردته مما يجب عليَّ، كناية عن غاية
التسليم والانقياد لحكم الله ورسوله. (لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ) أي: لكان حسنًا، أو
(لو)) للتمني. (قَالَ) أي: ابن مسعود. (وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ◌ََّ عَلَيْهِ) أي: على الرجل
السائل أو على عمر. (شَيْئًا) من الكلام انتظارًا لقضاء الله فيه، رجاء أن يخفف عن
عقوبته. (فَانْطَلَقَ) ظنًّا منه بسكوته وَل أن اللّه تعالى سينزل فيه شيئًا، وأنه لا بد أن
يبلغه. (فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ) أي: أرسل عقبه. (رَجُلًا) ليدعوه، (وَتَلَا) عليه الصلاة
والسلام. (عليه) أي: على الرجل السائل. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ﴾ بدل من الآية.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر في هذه الآية العظيمة من المنة الجسيمة. ﴿ذِكْرَى﴾ أي:
(٥٧٧) أخرجَهُ مُسْلِم (٢٧٦٣) عنه في التوية.

٦٠١
Xeese
كِتَابُ الصَّلَاةِ
تذكرة وموعظة. ﴿لِلذَّكِرِينَ﴾ لنعمة الله، أو المتعظين.
(فَقَالَ رَجُلٌ) قيل: هو عمر بن الخطاب. وقيل: هو معاذ بن جبل. (هَذَا لَهُ)
أي: هذا الحكم للسائل. (خَاصَّةً) أي: يخصه خصوصًا أم للناس عامة. (كَافَّةً)
أي: كلهم يعني: يعم جميعًا؛ لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. قال
النووي: هكذا تستعمل كافة حالًا ولا يضاف، فيقال: كافة الناس ولا الكافة
بالألف واللام، وهو معدود في تصحيف العوام ومن أشبههم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في التوبة، وأخرجه أيضًا الترمذي في تفسير سورة هود. وقال:
حديث حسن صحيح. والظاهر: أن الحديث السابق أو الفصل الأول مختصر من
هذا الحديث الطويل، وذهب بعضهم إلى أن الواقعة تكررت لرجلين؛ لمغايرة
سياقيهما، والله أعلم.
٥٧٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلَهُ خَرَجَ زَمَنَ الشِّتَاءِ، وَالْوَرَقُ
يَتَهَافَتُ، فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ. قَالَ: فَجَعَلَ ذَلِكَ الْوَرَقُ يَتَهَافَتُ. قَالَ:
(يَا أَبَا ذَر)) قلتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ لَيُصَلِّي
الصَّلَاةَ يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللهِ، فَتَهَافَتُ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَهَافَتَ هَذَا الْوَرَقُ عَنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ».
[رَوَاهُ أَحْمَد] {صحيح}
الشّرْجُ
٥٧٨- قوله: (زَمَنَ الشِّتَاءِ) أي: البرد أو قريبًا من فصل الشتاء، وهو
الخريف. (يَتَهَافَتُ) أي: يتساقط متواليًا. (فَجَعَلَ ذَلِكَ الْوَرَقُ يَتَهَافَتُ) أي: طفق
الورق من الغصنين يتساقط تساقطًا سريعًا؛ لأنهما عند القبض بهما أسرع سقوطًا
من تركهما على حالهما. (يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ) أي: ذاته ومرضاته. والجملة حالية
من الفاعل أو المفعول، أي: خالصًا لله أو خالصة له تعالى، بأن لا يكون فيها
سمعة ولا رياء بل يقصد بها امتثال أمر الله ورضاءه عنه فقط. (فَتَهَافَتُ عَنْهُ) بحذف
(٥٧٨) أَحْمَد (١٧٩/٥) عنه.

٦٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إحدى التائين. (كَمَا تَهَافَتَ) بصيغة الماضي، وفي نسخة صحيحة يتهافت
بالمضارع للمذكر، قاله القاري.
قلتُ: وكذا وقع بصيغة المضارع المذكر في ((مسند أحمد)). (عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ)
أي: عن غصنيها. (رَوَاهُ أَحْمَد): (ج٥ : ص١٥٩) قال المنذري في ((الترغيب)) (ج١ :
ص١١٩) بإسناد حسن: وفي الباب عن أبي عثمان عن سلمان عند أحمد والنسائي
والطبراني. قال المنذري: رواه أحمد محتج بهم في الصحيح إلا علي بن زيد.
٥٧٩ - [١٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ:
((مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ لَا يَسْهُو فِيهِمَا؛ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {حسن}
الشَّرْجُ
٥٧٩- قوله: (مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ) أي: ركعتين كما في رواية لأحمد. (لَا
يَسْهُو) أي: لا يغفل. (فِيهِمَا) قال الطيبي: أي: يكون حاضر القلب، يقظان
النفس، يعلم من يناجي، وبما يناجيه، كما في قوله ◌َله: ((تعبد الله كأنك تراه).
ولهذا المعنى خصت السجدة في التغليب دون الركوع تلميحًا إلى قوله: ﴿وَأُسْجُدْ
وَأُقْتَبِ﴾ [العلق: ١٩] انتهى .
قلتُ: قد تقدم في أوائل الطهارة حديث عثمان بلفظ: ((مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا،
ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))، فلو أريد
بقوله: ((لَا يَسْهُو فِيهِمَا)) أي: لا يحدِّث فيهما نفسه لكان أولى؛ لأن الأحاديث يفسر
بعضها بعضًا.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص١٩٤) وأخرجه أيضًا هو في (ج ٤: ص ١١٧) وأبو داود
في: كراهية الوسوسة وحديث النفس في الصلاة، والحاكم بلفظ: ((مَنْ تَوَضَّأَ
فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ لَا يَسْهُو فِيهِمَا، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))، وقد
سکت عنه أبو داود، والمنذري.
(٥٧٩) أَحْمَد (٥/ ١٩٤) عنه.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
*
٦٠٣
٥٨٠ - [١٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، عَنِ النَّبِيِّ وَّ أَنَّهُ ذَكَرَ
الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَقَالَ: ((مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا بُرْهَانًا وَلَا نَجَاةً، وَكَانَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأَبَّيِّ بْنِ خَلَفٍ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمانِ] (صحيح)
الشّرْحُ
٥٨٠- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص) قال الكرماني: الجمهورُ
على كتابته بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربية. وفي كثير من الكتب أو أكثر
بحذفها، انتهى. قال القاري: والصحيح كتابته بلا ياءٍ على ما في النسخ
الصحيحة، وهو مبني على حذف الياء لفظًا وخطًّا للتخفيف كما في نحو المتعالِ،
أو بناء على أن أصله العوص أو العيص على ما يفهم من ((القاموس)). (أَنَّهُ ذَكَرَ
الصَّلَاةَ) أي: أراد أن يذكر فضلها وشرفها، قاله الطيبي. (فَقَالَ) الفاء للتفسير. (مَنْ
حَافَظَ عَلَيْهَا) أي: من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها، وداوم عليها، ولم يفتر
عنها. (كَانَتْ) أي: صَلاته أو محافظته عليها. (نُورًا وَبُرْهَانًا) تقدم معناهما في
أوائل الطهارة. وقيل: أي: نورًا بين يديه، مغنيًا عن سؤاله عنها، و((برهانًا)) أي:
دليلاً على محافظته على سائر الطاعات. وقيل: أي: زيادة في نور إيمانه، وحجة
واضحة على كمال عرفانه. (وَنَجَاةً) بفتح النون أي: ذات نجاة، أو جعلت نفسها
نجاة مبالغة كرجل عدل. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لأنَّ الصلاة أول ما يسأل عنه من العبادات،
وكذلك نور وبرهان ونجاة له في القبر كما ورد في الأحاديث، فإن من مات فقد
قامت قيامته، قاله القاري. (وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا) أي: على شرائطها وأركانها،
فمن تركها بالكلية فهو أولى بالمحرومية. (لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا) إلخ. فيه: أنه لا انتفاع
للمصلي بصلاته إلا إذا كان محافظًا عليها؛ لأنه إذا انتفى كونها نورًا وبرهانًا ونجاة
مع عدم المحافظة انتفى نفعها.
(٥٨٠) أخرجَهُ أَحْمَد (٢/ ١٦٩)، والدَّارِمِيُّ (٢٧٢١).

٦٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
(وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) محشورًا أو معذبًا في الجملة. (مَعَ قَارُونَ) الذي منعه ماله
عن الطاعة، وهو على وزن فاعول اسم أعجمي ممتنع للعجمة والعلمية، وليس
بعربي مشتق من قرنت، كان ابن عم موسى، وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن
لاوي بن يعقوب، وموسی هو ابن عمران بن قاهث. وقيل: کان عم موسی لأب
وأم. وقيل: هو ابن خالة موسى، وأكثر أهل العلم على الأول، وكان يسمى المنور
لحسن صورته. وقيل: لحسن صوته بالتوراة، وكان من السبعين الذين اختارهم
موسى للمناجاة، فسمع كلام الله. قاله الرازي. ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ
للتوراة منه، فنافق كما نافق السامري، وخرج عن طاعة موسى، فأهلكه البغي
لكثرة ماله.
(وَفِرْعَوْنَ) لقب لمن ملك العمالقة أولاد عملیق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح،
ککسری وقيصر لملکي الفرس والروم، واسمه الوليد بن مصعب بن ريان، كما
عليه أكثر المفسرين، وفرعون يوسف الثلا ريان جد فرعون موسى، وكان بينهما
أكثر من أربعمائة سنة. قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير بالعربية. وظاهر
كلام الجوهري أنه مشتق من معنى العتو فإنه قال: والعتاة الفراعنة، وقد تفرعن
وهو ذو فرعنة، أي: دهاء ومكر، انتهى. وقيل: لأجل أن الفراعنة كانوا عاتين
حتى فهم العرب من ذكرهم العتو، اشتقوا من فرعون: تَفَرْعَنَ الرجلُ، إذا عتا.
(وَهَامَانَ) وزير فرعون، ومدبر رعيته، ومشير دولته.
(وَأُبيِّ بْنٍ خَلَفٍ) بفتح الخاء عدو النبي ځ الذي قتله النبي ◌ُّګ بيده يوم أحد، وهو
مشرك، وقد كان واعده النبي وَل بقتله وهو بمكة، كما في ((السيرة)) لابن هشام.
وقوله وَجّ: ((كَانَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَعَ قَارُونَ ... )) كناية عن دخول النار، أي: كان
معهم في النار، وإن اختلفت المحال وكيفية العذاب.
وفيه: تغليظ شديد، وتهديد عظيم لتارك المحافظة على الصلاة، واستدل به
بعضهم على كفر تارك الصلاة؛ لأن هؤلاء المذكورين هم أشد أهل النار عذابًا،
وعلى تخليد تاركها في النار كتخليد من جعل معهم في العذاب، ويمكن أن يقال:
مجرد المعية والمصاحبة لا يدل على الاستمرار والتأبيد لصدق المعنى اللغوي بلبثه
معهم مدة.

٦٠٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ والدَّارِمِيُّ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الكبير))،
و((الأوسط))، وابن حبان في ((صحيحه)). قال المنذري: إسناد أحمد جيد. وقال
الهيثمي: رجاله ثقات.
٥٨١ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ
وَه لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. [رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ] (صحيح}
الشَّرْجُ
٥٨١- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ) العقيلي البصري ثقة، فيه نصب من
الطبقة الوسطى من التابعين، روى عن عمر، وعثمان وعلي وأبي ذر وأبي هريرة
وعائشة وابن عباس وغيرهم، مات سنة (١٠٨) وقيل غير ذلك.
قال الجريري: كان عبد الله بن شقيق مجاب الدعوة، كانت تمر به السحابة
فيقول: اللهم لا تجوز كذا وكذا حتى تمطر، فلا تجوز ذلك الموضع حتى تمطر.
حكاه ابن أبي خيثمة في ((تاريخه)).
(كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ) منهم عمر، وابن مسعود وابن عباس ومعاذ بن
جبل وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء وعلي. (لَا يَرَوْنَ) من الرأي أي: لا
يعتقدون. (شَيْئًا) مفعوله. (مِنَ الْأَعْمَالِ) صفة شيئًا. (تَرْكُهُ كُفْرٌ) صفة أخرى لـ
((شيئًا)). (غَيْرَ الصَّلَاةِ) استثناء، والمستثنى منه الضمير الراجع إلى ((شيئًا)) قاله
الطيبي، والمراد ضمير تركه.
والحديث فيه: دليل ظاهر على أن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم كانوا
يعتقدون أن ترك الصلاة كفر، والظاهر من الصيغة أن هذه المقالة اجتمع عليها
الصحابة؛ لأن قوله: ((كان أصحاب رسول اللَّه وَلّ))، جمع مضاف، وهو من
المشعرات بذلك. قال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق يقول: صحَّ عن
النبي وّأن تارك الصلاة كافر. وكذلك كان رأي أهل العلم من لَدُنِ النبي ◌َّل أن
(٥٨١) التِّرْمِذِي (٢٦٢٢) به.

٦٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.
وقال ابنُ حزم: وقد جاءَ عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي
هريرة وغيرهم مَّن الصحابة ظ﴿ه: أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدًا حتى
يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفًا، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الإيمان، ولم يتكلم عليه، ورواته ثقات أثبات. وأخرجه
أيضًا الحاكم، وصححه على شرطهما، وذكره الحافظ في ((التلخيص)) والمنذري
في ((الترغيب))، ولم يتكلما عليه.
٥٨٢- [١٧] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ((أَنْ لَا تُشْرِكْ
بِاللَّهِ شَيْئًا، وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَةً مَْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا
مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلَا تَشْرَبِ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الشَّرْحُ
٥٨٢- قوله: (أَوْصَانِي خَلِيلِي) لما كان هذا الحديث في الوصية متناهيًا،
وللزجر عن رذائل الأخلاق جامعًا وضع: ((خَلِيلي)). مكان: (رَسُول اللَّهُ وَ)) ؛
إظهارًا لغاية تعطفه وشفقته، قاله الطيبي. (أَنْ لَا تُشْرِك) بالجزم على أنه صيغة نهي،
و((أن)) تفسيرية لأن في ((أَوْصَى)) معنى القول. ويجوزُ النصب على أنه صيغة
مضارع، وأن ناصبة مصدرية، والمراد أن لا تظهر الشرك. (وَإِنْ قُطَّعْتَ) بالتشديد
ويخفف. (وَحُرِّقْتَ) بالتشديد لا غير، وهذا يدلّ على أنه ينبغي اختيار الموت
والقتل دون إظهار الشرك، وهو وصية بالأفضل والعزيمة، فإنه يجوز التلفظ بكلمة
الكفر والشرك عند الإكراه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنٌ
بِالإِيمَنِ﴾ [النحل: الآية ١٠٦]. (مُتَعَمِّدًا) احتراز عن الخطأ والنسيان والنوم والضرورة
وعدم القدرة. (فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ) كناية عن الكفر تغليظًا، قاله الطيبي. أو المراد
(٥٨٢) ابن مَاجَهْ (٤٠٣٤) عنه.

٦٠٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
منه الأمان من التعرض بالقتل أو التعزير، كذا في ((المرقاة)). وقال الجزري: الذمة
والذمام هما بمعنى العهد والأمان، والضمان والحرمة والحق، وسمي أهل الذمة
لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم. وحديث: ((فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ)). أي: أن
لكل أحد من اللَّه عهدًا بالحفظ والكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، أو فعل ما
حرم الله تعالى، أو خالف ما أمر به، خذلته ذمة اللَّه تعالى (وَلَا تَشْرَبِ الْخَمْرَ) قال
الطيبي: قرن ترك الصلاة وشرب الخمر مع الشرك إيذانًا بأنَّ الصلاة عمود الدين،
وتركها ثلمة في الدين، وأن شرب الخمر كعبادة الوثن؛ ولأن أم الأعمال ورأسها
الصلاة، وأم الخبائث الخمر فأنَّى يجتمعان؟ قال تعالى: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فالصلاة مفتاح كل خير، والخمر مفتاح كل
شر، أي: لأنها تزيل العقل فلا يبالي بشيء، فقد انفتح له باب الشر بعد أن كان
مغلقًا بقيد العقل.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في الفتن من حديث شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي
الدرداء. قال في ((الزوائد)): إسناده حسن، وشهر مختلف فيه. وقال الحافظ في
((التلخيص)) (ص١٢٧): في إسنادهِ ضعف. ورواه الحاكم في ((المستدرك)) من
طريق جبير بن نفير عن أميمة مولاة رسول اللّه وَ ل، قالت: (بينا رسول اللّه ◌َل
جالسًا إذ دخل عليه رجل، فقال: إني أريد الرجوع إلى أهلي فأوصني ... ))، فذكر
نحوه مطولًا. ورواه أحمدُ والبيهقيُّ من حديث مكحول، عن أم أيمن، وفيه
انقطاع. ورواه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت، ومن حديث معاذ بن جبل،
وإسنادهما ضعيفان، انتهى. وقال المنذريُّ بعد ذكر حديث عبادة: رواه الطبراني
ومحمد بن نصر في كتاب ((الصلاة)) بإسنادين لا بأس بهما.

٦٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١ - بَابُ الْمَوَاقِيتِ
(بَابُ الْمَوَاقِيتِ) أي: باب بيان مواقيت الصلاة، جمع ميقات وهو مفعال من
الوقت. والمراد به الوقت الذي عيَّنه الله تعالى لأداء هذه العبادة، وهو القدر
المحدود للفعل من الزمان. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا
مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: مفروضًا في أوقات معينة معلومة، فأجمل ذكر الأوقات
في هذه الآية، وبينها في مواضع أخر من الكتاب من غير ذكر تحديد أوائلها
وأواخرها، وبين على لسان الرسول و لو تحديدها ومقاديرها. قال تعالى: ﴿وَأَقِ
اُلْضَلَوَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] وقد تقدَّم تفسيرُهُ. وقال تعالى: ﴿أَقِ
الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي: الظهر والعصر ﴿إِلَى غَسَقِ الَِّلِ﴾ أي: المغرب والعشاء
﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ أي: صلاة الفجر. وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾
فيه ذكر المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ فيه ذكر الصبح ﴿وَعَشِيًّا﴾ يعني العصر
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] يعني: الظهر. وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ﴾ يعني الفجر ﴿ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ يعني: العصر ﴿وَمِنْ ءَانَآٍ الَّيْلِ﴾ هو مثل قوله:
﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] ﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] فيه ذكر الظهر. والجمع
باعتبار وقوع صلاة الظهر تارة في أول وقتها، وأخرى في غيره، فجمعية الأطراف
باعتبار الساعات كجمعية الإناء والزلف.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
lee
٦٠٩
الفصل الأول
٥٨٣ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ: ((وَقْتُ
الظَّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظَلُّ الََّّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ،
وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقَّتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبٍ
الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْح
مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ
الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيَ الشَّيْطَانِ)) .
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٥٨٣- قوله: (وَقْتُ الظَّهْرِ) أي: أول وقته، وسميت بالظهر لفعلها في وقت
الظهيرة. (إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) أي: حين مالت عن بطن السماء ووسطه المسمى
بلوغها إليه بحالة الاستواء، إلى جهة المغرب باعتبار ظهوره لنا بزيادة ظل الاستواء
إلى جهة المشرق. والميل إلى جهة المغرب هو الدلوك الذي أراده تعالى بقوله:
﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وهذا بيان لأول وقت الظهر. (وَكَانَ) أي: صار. (ظِلُّ
الرَّجُلِ كَطُولِهِ) أي: قريبًا منه، ويستمر ويمتدوقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله،
وذكر الرجل في الحديث تمثيلًا، وهذا تعريف لآخر وقتها. فقوله: و((كان))،
عطف على ((زالت))، أي: ويستمر وقت الظهر إلى صيرورة ظل الرجل قدر قامته.
(مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ) أي: وقته وحضوره بمصير ظل كل شيء مثله، كما يفيده
مفهوم هذا وصريح غيره. قال الأبهري: قوله: ((ما لم يحضر العصر))، بيان وتأكيد
لقوله: ((وَكَانَ ظِلَّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ))، ثم المراد بالظلِّ: الظل الحادث، أو مطلق
الظل، ويلائمه قوله: ((مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ))، أي: وقته، وهو الظل الحادث لطول
الرجل .
(٥٨٣) مُسْلِم (١٧٣ / ٦١٢) (١٧٤ /٦١٢)، أَبُو دَاوُد (٣٩٦)، النَّسَائِي (١ / ٢٦٠) فِي الصَّلاَةِ عَنْهُ.

٦١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهذا الحديث يدلَّ على أنه لا فاصلة بين وقت الظهر ووقت العصر، ولا اشتراك
بينهما، بل متى خرج وقت الظهر دخل وقت العصر، وإذا دخل وقتُ العصرٍ لم يبق
شيء من وقتِ الظهرِ. وأما حديثُ جبريل في الفصل الثاني الذي يدلّ على
الاشتراك فسيأتي الجواب عنه، وعلى أن لا كراهة في تأخير الظهر إلى آخر
الوقت.
(وَوَقْتُ الْعَصْرِ) أي: يستمر من دخوله بما ذكر من صيرورة ظل الرجل كطوله
إلى. (مَا لَمْ تَصْفَرَّ) بفتح الراء المشددة وتكسر. (الشَّمْسُ) والمراد به وقت
الاختيار لقوله وَالثّه: ((مَنْ أَدْرََكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرََ
الْعَصْرَ))، أي: مؤداة. ولما في رواية لمسلم من زيادة: ((وَيَسْقُطْ قَرْنُهَا الْأَوَّلُ)). قال
النووي: فيه دليل لمذهب الجمهور أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس.
والمراد بقرنها جانبها. وفيه أن العصر يكون أداء مالم يغب الشمس. (وَوَقْتُ صَلَاةٍ
الْمَغْرِبِ) يمتد ويستمر من غروب الشمس. (مَا لَمْ يَغِب الشَّفَقُ) هو الحمرة التي
تلي الشمس بعد الغروب لما روى ابن عمر عن النبي وَلِلّه قال: ((الشَّفَقُ: الْحُمُرَةُ))،
رواه الدارقطني، وصحح ابن خزيمة وغيره وقفه على ابن عمر.
قال البيهقي: روي هذا الحديث عن علي وعمر وابن عباس وعبادة بن
الصامت، وشداد بن أوس وأبي هريرة، ولا يصح منها شيء.
قال الأمير اليماني: البحث لغوي والمرجع فيه إلى أهل اللغة، وابنُ عمر من
أهل اللغة، وقح العرب، فكلامه حجة، وإن كان موقوفًا عليه. وفي ((القاموس)):
الشفق - محركة - الحمرة في الأفق من الغروب إلى العشاء، وإلى قريبها، أو إلى
قريب العتمة، انتهى. وقال الخليل: الشفقُ: الحمرةُ من غروب الشمس إلى وقت
العشاء، فإذا ذهب قيل: غاب الشفق. وقال الفراء: سمعتُ العرب تقولُ: عليه
ثوب كأنه الشفق، وكان أحمر، انتهى. وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو
يوسف، ومحمد. قال القاري: وبه يفتى. وقال في ((الدر)): الشفق: هو الحمرة.
وبه قال الثلاثة، وإليه رجع الإمام كما هو في شروح ((المجمع)) وغيره، فكان هو
المذهب. قال صدر الشريعة: وبه يفتى. وفي ((المواهب)): وعليه الفتوى. ورجحه
في ((البرهان)).

٦١١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
وفيه: دليل على أن وقت المغرب يمتد إلى غروب الشفق، ولا يعارضه حديث
جبريل الآتي الدال على عدم الامتداد والاتساع؛ لأنه اقتصر على بيان وقت
الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر،
ولأنه متقدم في أول الأمر بمكة، وحديث عبد الله بن عمرو هذا وأمثاله بامتداد
وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب
اعتمادها، ولأن أحاديث الامتداد أصح إسنادًا من حديث جبريل فوجب تقديمها .
(وَوَقْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ) من غيبوبة الشفق يستمر. (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ)
المراد به الأول، و((الأوسط)) صفة النصف. وفيه دليل على أن آخر وقت العشاء إلى
نصف الليل، وقد ثبت في الحديث التحديد لآخره بثلث الليل لكن أحاديث
النصف صحيحة، فيجب العمل بها. واحتج به أبو سعيد الأصطخري على أن وقت
العشاء إلى نصف الليل فقط، وعند غيره محمول على بيان وقت الاختيار. وأما
وقتُ الجوازِ فيمتدُ إلى طلوع الفجر؛ لما روى أبو قتادة مرفوعًا: ((إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى
مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلاَةَ حَتَّى يَجِىءَ وَقْتُ الصَّلاَةِ الأُخْرَى)). قال الحافظ: عموم حديث
أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح، فللأصطخري أن يقولَ: إنه مخصوص
بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث في العشاء، قال: ولم أر في امتداد وقت
العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت، انتهى.
(وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ) أي: أوله. (مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ) أي: الصادق، ويستمرُّ إلى
(مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ) أي: شيء منها، ففي رواية: ((مَا لَمْ يَطْلعْ قَرْنُ الشَّمْسِ
الْأَوَّلِ)). (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أي: أرادت الطلوع. (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ
الشَّيْطَانِ) أي: ناحيتي رأسه، وذلك لأن الشيطان يرصد وقت طلوع الشمس
فينتصب قائمًا في وجه الشمس، ويدلي رأسه إليها في وقت الطلوع فيكون في
مقابلة من يعبد الشمس ويسجد له، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، فنهى
النبي وقال﴾ أمته عن الصلاة في ذلك الوقت، لتكون صلاة من يعبد الله في غير وقت
عبادة من يعبد الشيطان. وفي تأويله وجوه أخرى، ذكرها الخطابي في ((المعالم))
(ج١: ص ١٣٠ - ١٣١) والمختار ما ذكرناه وارجع إلى ((مختلف الحديث))
(ص١٥٤ - ١٥٦) لابن قتيبة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود،
والنسائي، لكن ليس عندهما: ((فإذا طلعت الشمس ... ))، إلخ.

٦١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٨٤ - [٢] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ عَنْ وَقْتِ
الصَّلاَةِ، فَقَالَ لَهُ: ((صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنٍ)) يَعْنِي: الْيَوْمَيْنِ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ
بِلَاَلَا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظَّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ
نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ
غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي
أَمَرَهُ فَأَبْرِدْ بِالظَّهْرِ، فَأَبْرَدَ بِهَا - فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرَدَ بِهَا - وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ
مُرْتَفِعَةٌ - أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ - وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ،
وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الَّفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ :
((أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟)) فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((وَقْتُ
صَلَائِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (صحيح)
الشّرْحُ
٥٨٤- قوله: (عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ) أريد به الجنس أي: الصلوات الخمس.
(صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنٍ، يَعْنِي: الْيَوْمَيْنِ) وفي روايةِ النسائي: ((هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ))، بغير
زيادة يعني: أي لتعلم أوقات الصلاة كلها أوائلها وأواخرها، ووقت الفضيلة،
والاختيار، وغيرهما بالمشاهدة التي هي أقوى من السماع. (فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ)
عن حدِّ الاستواء وبطن السماء من اليوم الأول. (أَمَرَ بِلَالًا) بالأذان. (ثُمَّ أَمَرَهُ)
بالإِقامة. (فَأَقَامَ الظَّهْرَ) بنزع الخافض أي: للظهر. (ثُمَّ أَمَرَهُ) أي: في أول وقت
العصر. (فَأَقَامَ الْعَصْرَ) أي: بعد أن أَذن له، وتركه اختصارًا أو اعتمادًا على ذكره في
الأول. (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) الجملة حالية أي: صلى في أول وقته بيضاء، أي: لم
تختلط بها صفرة. ( نقية) أي: صَاف لونها بحيثُ لم يدخلها تغير. (فَأَقَامَ الْفَجْرَ)
أي: لصلاة الفجر. (حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ) أي: الصادق. (فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي)
((أن)) زائدة، و((كان)) قيل: تامة أي: فلما وجد أو حصل، ويحتمل أنها ناقصة،
واسمها ضمير الزمان، أي: فلما كان الزمان اليوم الثاني. (أَمَرَهُ) أي: بالإبراد وهو
(٥٨٤) مُسْلِم (٤٧٦ / ٦١٣) فِي الصَّلاَةِ عَنْهُ.

٦١٣
كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
جواب ((لما)). (فَأَبْرِدْ بِالظَّهْرِ) على صيغة الأمر أي: فقال له: أبرد بالظهر.
قال القاري: وفي نسخة ((فَأَبْرَدَ)) على صيغة الماضي، أي: فأمره بالإبراد فيكون
تفسير الأمر وتأكيدًا. (فَأَبْرَدَ بِهَا) أي: بصلاة الظهر. و(الإبراد)): هو الدخول في
البرد، والباء للتعدية أي: إدخالها في البرد. وقال الخطابي: الإبراد أن يتفيأ
الأفياء، وينكسر وهج الحر، فهو برد بالإضافة إلى حر الظهيرة، وذكره الطيبي.
(فَأَنْعَمَ) أي: أفضل. وزاد وبالغ. قال الجزري: أي: أطال الإبراد وأخر
الصلاة. ومنه قولهم: ((أنعم النظر في الشيء)) إذا أطال التفكر فيه. (أَخَّرَهَا)
بالتشديد أي: أخر صلاة العصر في اليوم الثاني. (فَوْقَ الَّذِي) أي: التأخير الذي.
(كَانَ) أي: وجد في اليوم الأول، بأن أوقعها حين صار ظل الشيء مثليه كما بينته
الروايات الأخر، أو التقدير: كان أخرها بالأمس يريد أن صلاة العصر بالأمس
كانت مؤخرة عن الظهر، لا أنها كانت مؤخرة عن وقتها.
والحاصل: أنه أخَّر عصر اليوم الثاني تأخيرًا هو فوق التأخير الذي كان، وتحقق
ذلك التأخير في اليوم الأول، وتأخير اليوم الأول ليس بالنظر إلى أول وقت
العصر، وإنما هو بالنظر إلى وقت الزوال، فإنه كان صلَّاها في اليوم الأول حينَ
كانَ ظلُّ الشيء مثله. (قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) أي: صلَّاها في آخر الوقت. (فَأَسْفَرَ
بِهَا) أي: أدخلها في وقت إسفار الصبح، أي: انكشافه وإضاءته. (فَقَالَ الرَّجُلُ:
أَنَا) هذا كناية عن حُضوره عنده، والتقديرُ: أنا حاضرٌ عندك. (وَقْتُ صَلَاتِكُمْ) لعلَّه
جمع الضمير إشعارًا بأن الحكم عام. (بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ) أي: بين وقت الشروع في
المرة الأولى، ووقت الفراغ في المرة الثانية، وهذا محمول على بيان الوقت
المختار؛ إذ يجوز صلاة الظهر بعد الإبراد التام ما لم يدخل وقت العصر، ويجوزُ
العصر بعد ذلك التأخير الذي هو فوق ما لم تغرب الشمس، ويجوزُ صلاة العشاء
إلى أن يطلع الفجر على قول الجمهور، أو إلى نصف الليل على قول الأصطخري
بناء على الحديث السابق، وصلاة الفجر بعد الإسفار ما لم تطلع الشمس.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٣٤٩) وابن الجارود، والترمذي،
وصححه، والنسائي، وابن ماجه.

٦١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٥٨٥ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((أَمَّنِي جِبْرَئِيلُ
عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنٍ، فَصَلَّى بِيَّ الظَّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ قَدْرَ
الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِيْنَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّىٍ بِيَ الْمَغْرِبَ
حِينَ أَقْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ
حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، صَلَّى بِيَ الظَّهْرَ
حِينَ كَانَ ظِلَّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَّ حِينَ كَانَ ظِلَّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ
الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ
الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ،
وَالوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشّرْحُ
٥٨٥- قوله: (أَمَّنِي) بتشديد الميم، أي: صار إمامًا لي. (عِنْدَ الْبَيْتِ) وفي
رواية للشافعي في الأمِّ: عندَ بابٍ الكعبة. (مَرَّتَيْنِ) أي: في يومين ليعرفني كيفية
الصلاة وأوقاتها. (فَصَلَّى بِيَ الظَّهْرَ) الباء للمصاحبة والمعية، أي: صلى معي،
وكان إمامة جبريل بالنبي ◌َّ في اليوم الذي يلي ليلة الإسراء، وأول صلاة أديت
كذلك الظهر على المشهور، ولذلك سميت الأولى. قيل: ابتدأ بأداء صلاة الظهر
مع أن فرض الصلاة كان ليلًا، وقياسه أن أول صلاة وجبت الصبح؛ لأن الصلاة
لما لم تبين حينئذٍ لم يلزم أداء صلاة الفجر لعدم الإحاطة بكيفيتها؛ لأن أداء
الوجوب متوقف على علم الكيفية، وهو لم يقع إلا في الظهر بصلاة جبرئيل، فهي
التي أول صلاة وجبت، ولا حاجة إلى بيان النكتة عند من يقول: إن رسول اللّه وَاله
كان يصلي الفجر والعصر قبل الإسراء على صفة الفريضة.
(وَكَانَتْ) الضمير للشمس، والمراد منها: الفيء؛ لأنه بسببها، ففيه تجوز بينته
(٥٨٥) أَبُو دَاوُد (٣٩٣)، التِّرْ مِذِي (١٤٩) فِي الصَّلَاةِ، وَحَسَّنَهُ عَنْهُ.

٦١٥
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
*
كِتَابُ الصَّلَاةِ
رواية الترمذي: ((وكان الفيء قدر الشراك)). والفيء: هو الظل، ولا يقال إلا
للراجع منه، وذلك بعد الزوال. (قَدْرَ الشِّرَاكِ) أي: كان الفيء مثل شراك النعل،
وهو بكسر الشين أحد سيور النعل الذي على وجهها، وهذا على وجه التقريب لا
التحديد؛ لأن زوال الشمس لا يتبين إلا بأقل مما يرى من الظل في جانب
المشرق، وكان حينئذٍ بمكة هذا القدر والظل يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة،
فكل بلد هو أقرب إلى خط الاستواء ومعدل النهار كان الظل فيه أقصر، وكل بلد
كان أبعد عنهما إلى جانب الشمال كان فيه أطول، قاله ابن الملك.
وقال الطيبي: وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلاد التي يقل فيها الظل، فإذا
كان أطول النهار، واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير لشيء من جوانبها ظلٍ،
انتهى. والمراد منه أن وقت الظهر حين يأخذ الظل في الزيادة بعد الزوال. (وَصَلّ
بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلَّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَه) أي: بعد ظل الزوال، فيه دليل على أن أول
وقت العصر من حين يصير ظل كل شيء مثله. وبه قال الأئمة الثلاثة، وأبو يوسف
ومحمد والحسن وزفر والطحاوي وغيرهم، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة على
ما في عامة الكتب. ورواية محمد عنه على ما في ((المبسوط)). كذا في ((حلية
المحلى)) لابن أمير الحاج. وفي ((غرر الأذكار)): هو المأخوذ به. وفي ((البرهان)):
هو الأظهر. وفي ((الغيض)) للكركي: عليه عمل الناس اليوم، وبه يفتى. كذا في
((الدر المختار))، والمشهور عن أبي حنيفة: أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير
ظل كل شيء مثليه. قال الحافظُ: لم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة في ذلك
إلا عن أبي حنيفة، فالمشهور عنه أن أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثليه
بالتثنية، انتهى.
قلتُ: والرواية الثانية عنه كمذهب الجمهور كما تقدم. قال بعض الحنفية :
ونقل السيد أحمد الدحلان رجوع الإمام إلى هذه الرواية عن ((خزانة المفتين))
و((الفتاوى الظهيرية))، وهما من المعتبرات، قال: وبها أفتى صاحبُ ((الدرّ
المختار))، ورد عليه ابن عابدين بأنه خلاف ظاهر الرواية فلا يفتى بها، وقال:
الأرجحُ عندي ما اختاره صاحب ((الدر المختار))، انتهى. وقال الشيخُ رشيد أحمد
الكنكوهي: الدليل يرجح قولهما، وما استدل به على رواية المثلين لا يخلو شيء
منها عن شيء. ثم قال بعد تنقيد ما احتجوا بها على المثلين من الروايات:

٦١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ees
والجوابُ عنها: فالتحقيق الذي ارتضاه المحققون أن الصحيح من المذهب هو
العمل برواية المثل في الظهر ويدخل بعده وقت العصر، انتهى.
وقال الشيخ عبد الحى اللكنوي في ((التعليق الممجد)) بعد ذكر ما استدلوا بها من .
الأحاديث على المثلين، والتعقب عليها: والإنصاف في هذا المقام أن أحاديث
المثل صريحة صحيحة وأخبار المثلين ليست صريحة في أنه لا يدخل وقت العصر
إلا بالمثلين، وأكثر من اختار المثلين إنما ذكر في توجيه أحاديث استنبط منها هذا
الأمر، والأمر المستنبط لا يعارض الصريح. وقد أطال الكلام في هذا المبحث
صاحب ((البحر الرائق)) فيه وفي رسالة مستقلة، فلم يأت بما يفيد المدعي ويثبت
الدعوى .
(حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي: دخل وقت إفطاره بأن غابت الشمس ودخل الليل،
لقوله: ﴿ثُمَّ أَنِقُوْ اْلْضِيَامَ إِلَى اَلَيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وفي رواية الترمذي: ((حِينَ وَجَبَتِ
الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ))، وهو عطفٍ تفسير، إذ بوجوبها أي: سقوطها وغروبها
يدخل وقت الإفطار. (حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِم، يعني: أول طلوٍع
الفجر الثاني. (فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ) أي: اليوم الثاني (صلَّى بِيَ الَظَّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلَّهُ)
أي: ظل كل شيء. (مِثْلَهُ) أي: مع فيء الزوال. وقال القاري: أي: قريبًا منه من
غير الفيء. قال الطيبي: ليس المراد بعد ظلِّ الزوال، فلا يلزم كون الظهر والعصر
في وقت واحد، انتهى.
وقال السندي في ((حاشية النسائي)): قوله: ((صلَّى به الظهر)) أي: فرغ منها.
وأما في العصر الأول فالمراد بقوله: ((صلى))، شرع فيها، وهذا لأن تعريف وقت
الصلاة بالمرتين يقتضي أن يعتبر الشروع في أولى المرتين والفراغ في الثانية منهما
ليتعين بهما الوقت، ويعرف أن الوقت من شروع الصلاة في أولى المرتين إلى
الفراغ منها في المرة الثانية. وهذا معنى قول جبريل، أي: في حديث أبي هريرة:
((الصلاة ما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم))، أي: وقت الصلاة من وقت الشروع
في المرة الأولى إلى وقت الفراغ في المرة الثانية.
وبهذا ظهر صحة هذا القول في صلاة المغرب، وإن صلى في اليومين في وقت
واحد، وسقط ما يتوهم أن لفظ الحديث يعطي وقوع الظهر في اليوم الثاني في وقت

٦١٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
صلاة العصر في اليوم الأول، فيلزم التداخل - أي: الاشتراك - في الأوقات، وهو
مردود عند الجمهور، ومخالف لحديث: ((لَا يَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ
صَلَاةٍ أُخْرَى)) ومخالف لحديث مسلم بلفظ: ((وَقْتُ الظَّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرَ)) أو
النسخ، وهو يفوت التعريف المقصود بإمامة جبريل مرتين، فإن المقصود في أولى
المرتين تعريف أول الوقت، وبالثانية تعريف آخره، وعند النسخ لا يحصل ذلك،
على أن قوله: و(الصلاة ما بين صلاتك ... ))، إلخ. تصريح في رد القول بالنسخ،
انتهى. وبنحو ذلك قرره الخطابي في ((المعالم))، والنووي وغيره.
(وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلَّهُ) أي: ظل الشيء. (مِثْلَيْهِ) أي: غير ظل
الاستواء. (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) أي: منتهيًا إليه. وقيل: ((إلى)) بمعنى ((مع)) أو بمعنى
((في))، ووقع في رواية الترمذي: ((حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ)). (فَأَسْفَرَ) أي: أضاء به،
أو دخل في وقت الإسفار. والظاهر أنه صلى الفجر بحيث وقع الفراغ عند
الإسفار، فضبط آخر الوقت بالفراغ من الثانية كما ضبط أوله بالشروع في الأولى.
(هَذَا) أي: ما ذكر من الأوقات الخمسة. (وَقْتُ الأَنَّبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ) قال ابن العربي
في ((عارضة الأحوذي)) (ج١: ص٢٥٧، ٢٥٨): ظاهره يُوهم أن هذه الصلوات في
هذه الأوقات كانت مشروعة لمن قبله من الأنبياء، والأمر ليس كذلك، وإنما معنى
هذا وقتك المشروع لك، يعني: الوقت الموسع المحدود بطرفين الأول والآخر،
وقوله: ((وقت الأنبياء قبلك)): يعني ومثله وقت الأنبياء قبلك، أي: كانت صلاتهم
واسعة الوقت وذات طرفين مثل هذا، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا
الميقات إلا بهذه الأمة خاصة، وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها، انتهى.
وقال ابن حجر أي المكي: هذا باعتبار التوزيع بالنسبة لغير العشاء؛ إذ مجموع
هذه الخمس من خصوصياتنا، وأما بالنسبة إليهم فكان ماعدا العشاء مفرقًا فيهم،
وقيل: الاختصاص بالنسبة إلى الأمم دون الأنبياء، فالأنبياء كانوا يصلون العشاء
نافلة لهم. (وَالْوَقْتُ) المختار والمستحب. (مَا بَيْنَ) وفي رواية الترمذي: ((فِيمَا
بَيْنَ)). (هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ) إشارة إلى أول آن الشروع في اليوم الأول وآخر آن الفراغ
في اليوم الثاني.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري. (والتِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن،