Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها،
قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلتُ: فإذا نقص؟ قال: دون العورة.
قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها
ستة أذرع، وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤها عما كانت
عليه؟ قال: لا، ورأيت فيها ماء متغير اللون، انتهى.
(يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ) بكسر الحاء وفتح الياء، جمع : حيضة بكسر الحاء وسكون
الياء، وهي: الخرقةُ التي تستعملها المرأة في دم الحيض. (وَالنَّتْنُ) بفتح النون
وإسكان التاء، وهو الشيء المنتن ويجوز كسر التاء أيضًا. قيل: عادة الناس دائمًا
في الإسلام والجاهلية تنزيه المياه وصونها عن النجاسات والأقذار، فلا يتوهم أن
الصحابة - وهم أطهر الناس وأنزههم - كانوا يفعلون ذلك عمدًا مع عزة الماء
فيهم، وإنما ذلك من أجل أن هذه البئر كانت في الأرض المنخفضة، وكانت
السيول تحمل الأقذار من الطرق وتلقيها فيها. وقيل: كانت الرياح تلقي ذلك.
ويجوز أن تكون السيول والرياح تلقيان جميعًا، فعبر عنه القائل بوجه يوهم أن
الإلقاء من الناس لقلة تدينهم، وهذا مما لا يجوزه مسلم، فيكف يظن بالذين هم
أفضل القرون، وأزكاهم، وأطهرهم. ذكر هذا المعنى الخطابي في ((المعالم))
(ج١: ص٣٧) والطيبي في ((شرح المشكرة)).
(إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ) أي: طاهر مطهر. قيل: الألف واللام للعهد الخارجي،
فتأويله: إن الماء الذي تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة، فالجواب مطابقي لا عموم
كلي.
(لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) قال الخطابي: كان ماء بئر بضاعة لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه
الأشياء، ولا يغيره. فسألوا رسول اللَّه وَّليه عن شأنها ليعلموا حكمها في الطهارة
والنجاسة، فكان من جوابه لهم: أن الماء طهور لا ينجسه شيء، يريد الكثير منه
الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته وكثرة جمامه؛ لأن السؤال إنما وقع عنها
بعينها، فخرج الجواب عليها. وهذا لا يخالف حديث القلتين؛ إذ كان معلومًا أن
الماء في بئر بضاعة يبلغ القلتين، فأحد الحديثين يوافق الآخر، ولا يناقضه،
والخاص يقضي على العام، ويبينه، ولا ينسخه ولا يبطله، انتهى. وإن كان الألف
٤١٩
Be
*
بَابٌ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
كِتَّابُ الطَّهَارَةِ
13
واللام في قوله: ((الْمَاءَ)) للجنس فالحديث مخصص أو مقيد بحديث القلتين،
وهما مخصصان بحديث ((إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه))، وهو وإن كان ضعيفًا
فقد وقع الإجماع على معناه كما تقدم.
وقال الشاه ولي اللَّه في ((حجة الله)) (ج١: ص١٤٧): قوله ◌َّ: ((الْمَاءُ طَهُورٌ لَا
يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)) معناه المعادن لا تتنجس بملاقاة النجاسة إذا أخرجت ورميت، ولم
يتغير أحد أوصافه، ولم تفحش، وهل يمكن أن يظن ببئر بضاعة أنها كانت تستقر
فيها النجاسات؟ كيف وقد جرت عادة بني آدم بالاجتناب عما هذا شأنه، فكيف
يستقى بها رسول اللَّه وَله؟ بل كانت تقع فيها النجاسات من غير أن يقصد إلقاؤها،
كما تشاهد من آبار زماننا، ثم تخرج تلك النجاسات، فلما جاء الإسلام سألوه عن
الطهارة الشرعية الزائدة على ما عندهم، فقال رسول اللّه وَ جليل: ((الماء طهور لا
ينجسه شيء)) يعني: لا ينجس نجاسة غير ما عندكم.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِي) وحسنه. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه
أيضًا الشافعي، والدار قطني، والحاكم، والبيهقي، والطحاوي، وصححه أحمد،
ويحيى بن معين، وأبو محمد بن حزم، والحاكم، وأعله ابن القطان بجهالة راويه
عن أبي سعيد، واختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه. وقد رد عليه شيخ النيموى
الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((السعاية)) (ج١: ص٣٦٣) بوجوه، وقد أحسن في
الرد وأجاد. وقد أطال شيخنا الكلام في الحديث في ((أبكار المنن)) (ص١٣ - ٢٠/
٤٢ - ٥٦) والحافظ في ((التلخيص)) (ص٣، ٤) فعليك أن تراجع هذه الكتب.
٤٢٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤٨٣- [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ﴿ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ
عَطِشْنَا، أَفَتَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ
وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
وَالَّنِسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٤٨٣- قوله: (سَأَلَ رَجُلٌ) من بني مدلج، كما في ((مسند أحمد)). قيل: اسمه
عبد الله، ذكره الدارقطني، وابن بشكوال، كما في ((شرح ابن رسلان)). وقيل:
اسمه عبد، بسكون الباء بلا إضافة.
وقال البغوي: بلغني أن اسمه عبدود، هكذا حكاه ابن بشكوال. وقال
الطبراني: اسمه عبيد العركي بالتصغير، والعركي بفتح المهملة والراء بعدها كاف
هو ملاح السفينة .
(إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ) أي: مراكبُهُ من السفن، والمراد به هنا المالح؛ لأنه المتوهم
فيه لملوحته ومرارته ونتن ريحه. وزاد الحاكم: نريد الصيد.
وفيهِ: جوازُ ركوب البحر من غير حج ولا عمرة وجهاد، ولا يعارضه ما ورد عند
أبي داود: ((لا تركب البحر إلا حاجًّا أو معتمرًا أو غازيًا))، لأنه ضعيف.
(وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ) أي: الحلو العذب. وفي رواية: إنا ننطلق في
البحر نريد الصيد، فيحمل أحدنا معه الإداوة، وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريبًا،
فربما وجده كذلك، وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانًا لم يظن أن
يبلغه، فلعله يحتلم أو يتوضأ، فإن اغتسل أو توضأ بهذا الماء، فلعل أحدنا يهلكه
العطش، فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل به، أو نتوضأ به، إذا خفنا ذلك؟ وكأنَّ
السائل لما رأى ماء البحر خالف المياه بملوحة طعمه ونتن ريحه، توهم أنه غیر
(٤٨٣) أَبُو دَاوُد (٨٣)، التِّرْمِذِي (٦٩)، النَّسَائِي (١/ ٥٠)، ابن مَاجَهْ (٣٨٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا.
٤٢١
بَابٌ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
مراد من قوله تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أي: بالماء المعلوم إرادته من قوله:
﴿فَأَغْسِلُوا﴾ أو أنه لما عرف من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ظن
اختصاصه فسأل عنه، فأفاده وَِّ الحكم بقوله: (هُوَ) أي: البحر يعني مكانه.
(الطَّهُورِ) بفتح الطاء أي: الطاهر المطهر. (مَاؤُهُ) قوله: ((هو)) مبتدأ، و((الطهور))
مبتدأ ثان، خبره ((ماؤه))، والجملة خبر المبتدأ الأول. ويحتمل أن يكون ((هو))
مبتدأ، و(الطهور)) خبرًا، و((ماؤه)) فاعله، والمعنى: أن ماءه طاهر في ذاته، مطهر
لغيره، لا يخرج عن الطهورية بحال إلا ما تقدم من تخصيصه بما إذا تغير أحد
أوصافه بوقوع النجاسة، ولم يقل في جوابه: نعم، مع حصول الغرض به ليقرن
الحكم بعلته وهي الطهورية المتناهية في بابها.
وقيل: لو أجابهم بنعم، لصار مقيدًا بحال الضرورة؛ لأنه عليه وقع سؤالهم
وليس كذلك. وقيل: لو قال: نعم، لم يستفد منه من حيث اللفظ إلا جواز الوضوء
الذي وقع السؤال عنه. وإذا قال: الطهور ... إلخ. أفاد جواز رفع جميع
الأحداث وإزالة الأنجاس به لفظًا.
وفي الحديث: جواز الطهارة بماء البحر، وبه قال جميع العلماء، إلا ما روي
عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص: أنه لا يجزئ التطهر به، وهذا رأيهما
إن صح السند إليهما، ولا حجة في أقوال الصحابة لا سيما إذا عارضت المرفوع،
وتعريف الطهور باللام الجنسية المفيدة للحصر لا ينفي طهورية غيره من المياه؛
لوقوع ذلك جوابًا لسؤال من شك في طهورية ماء البحر من غير قصد للحصر.
وقيل: التعريف هاهنا للدلالة على انحصار المسند إليه في المسند.
قال الطيبي: تعريف الطرفين للحصر لإفادة أنه يتجاوز إلى النجاسة.
و(الْحِلُّ) بكسر الحاء مصدرِ حل الشيء ضد حرم أي: الحلال. (مَيْتَتُهُ) بفتح
الميم، والجملة عطف على ((الطَّهُورُ مَاؤُهُ)). والمراد بـ: ((ميتته)) ما مات فيه من دوابه
مما لا يعيش إلا فيه لا ما مات فيه مطلقًا، فإنه وإن صدق عليه لغة أنه ميتة بحر،
فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكرنا. وظاهره حِلَّ كل ما مات فيه ولو كان كالكلب
والخنزير، وفيه اختلاف، وسيأتي بيانه وتحقيق الراجح فيه في محله.
٤٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الرافعيُّ: لما عرف ◌َّ اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه
عليه حكم ميتته، وقد يبتلى بها راكب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم
الميتته. وقيل: سأله عن مائه فأجابه عن مائه، وطعامه؛ لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد
فيه، كما يعوزهم الماء فلما جمعتهم الحاجة انتظم الجواب بهما، وفيه: أن المفتي
إذا سئل عن شيء، وعلم أن للسائل حاجة إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه
إياه؛ لأن الزيادة في الجواب بقوله: (الْحِلّ مَيْتَتُهُ) لتتميم الفائدة، وهي زيادة تنفع
لأهل الصيد، وكان السائل منهم، وهذا من محاسن الفتوى.
(رَوَاهُ مَالِك وَالتِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث حسن صحيح. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه.
(وَالَّنِسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا الشافعي وأحمد وابن خزيمة وابن
حبان والحاكم والدار قطني وابن الجارود والبيهقي وابن أبي شيبة، وصححه ابن
المنذر وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن منده والبغوي، وابن الأثير في ((شرح
المسند)) وابن الملقن في ((البدر المنير)) والخطابي والطحاوي وآخرون.
وقال الحافظ في «تھذیب التھذیب» (ج٤: ص٤٢): صحّح البخاريُّ فیما حكاه
عنه الترمذي في ((العلل المفرد)) حديثه، انتهى. وانظر متابعاته وشواهده في
((المستدرك)) للحاكم، وأَعَلَّه بعضهم بما هو مدفوع، إنْ شئتَ الوقوف عليه فارجع
إلى ((النيل)) (ج١: ص ١٥ :١٦).
٤٨٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلَ قَالَ لَهُ
لَيْلَةَ الْجِنِّ: ((مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: نَبِيذٌ، قَالَ: ((تَمْرَةٌ طَيَِّةٌ وَمَاءٌ
طَهُورٌ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ: ((فَتَوَضَّأَ مِنْهُ)).
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو زَيْدٍ تَجْهُولٌ {ضعيف}
الشّرْخُ
٤٨٤ - قوله: (وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ) المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبو
زائد أو أبو زيد بالشك.
(٤٨٤) أَبُو دَاوُد (٨٤)، وَالتِّرْ مِذِي (٨٨)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٤) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
*
بَابٌ أَحْكَامِ الْمِيَّاهِ
٤٢٣
قال ابن عبد البر: اتفقوا على أنه مجهول.
وقال الترمذي: هو مجهول عند أهل الحديث، يعني: أنه مجهول الحال.
(لَيْلَةَ الْجِنِّ) هي الليلة التي جاءت الجن إلى رسول اللَّه ◌َ له وذهبوا به إلى قومهم
ليتعلموا منه الدين وأحكام الإسلام.
(مَا فِي إِدَاوَتِك؟) أي: أيُّ شيء في مطهرتك؟ في ((النهائية)): الإداوة بالكسر إناء
صغیر من جلد.
(قَالَ) أي: ابن مسعود. (قُلْتُ: نَبِيذٌ) بفتح النون وكسر الباء، ماء ألقي فيه
تمرات حتى صار حلوًا رقيقًا غير مسكر مطبوخًا كان أو غير مطبوخ. قال الجزري:
النبيذ ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، نبذت
التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا، وانتبذته اتخذته نبيذًا سواء كان
مكسرًا أم لا .
(تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ) أي: النبيذ ليس إلا تمرة وهي طيبة، وماء وهو طهور،
فلا يضر اختلاطها، وليس فيه ما يمنع التوضؤ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه والدار قطني والبيهقي والطحاوي.
(وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ: فَتَوَضَّأَ مِنْهُ) فيه: دليل على أن التوضؤ بالنبيذ جائز، لكن
الحدیث ضعيف جدًّا لا يصلح للاحتجاج، كما ستعرف.
واعلم: أنه إذا ألقي في الماء تمرات فتغير طعمه وصار حلوًا، لكن كان رقيقًا
يسيل على الأعضاء كالماء غير مطبوخ ولا مسكر جاز الوضوء به عند الحنفية
مطلقًا، سواء وجد الماء أو لا، خلافًا للأئمة الثلاثة، وهي مسألة الماء المضاف،
أي: المقيد المخلوط بالشيء، وهذا أحد أقسام النبيذ الأربعة، ولا خلاف في
جواز الوضوء به عند أئمة الحنفية.
والثاني: ما ألقي فيه تمرات حتى صار حلوًا رقيقًا وطبخ ولم يسكر، ولا يجوز
الوضوء به عند الأئمة الثلاثة مطلقًا كالأول، واختلف فيه أئمة الحنفية، قال ابن
عابدين: لا يجوز به الوضوء في الصحيح كما في ((المبسوط))، ورجح غيره
الجواز.
٤٢٤
Secre
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الجصاص: عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات، إحداها: يتوضأ به
ويشترط فيه النية، ولا يتيمم، وهذه هي المشهورة.
وقال قاضي خان: هو قوله الأول، وبه قال زفر.
والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه نوح بن أبي مريم، وأسد بن عمر،
والحسن بن زياد.
قال قاضي خان: وهو الصحيح عنه، والذي رجع إليها، وبها قال أبو يوسف
وأكثر العلماء، واختار الطحاوي هذا.
والثالثة: روي عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد، انتهى.
والثالث من أنواع النبيذ: ما أسكر ولا خلاف في عدم جواز الوضوء به.
والرابع: ما ألقي فيه تمرات ولم يتغير، أي: لم يحل، وهذا مما لا خلاف في
جواز الوضوء به، وقد ظهر من هذا التفصيل أن محل الاختلاف بين الأئمة الثلاثة
وبين أبي حنيفة إنما هو القسمان الأولان، والحق في ذلك قول الجمهور؛ لأن
النبيذ ليس بماء، وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. واحتجَّ
لأبي حنيفة بحديث ابن مسعود هذا، وقد أجاب الجمهور عنه بأنه ضعيف لا يصح
الاحتجاج به.
قال القاري في ((المرقاة)) (ج١: ص٣٤٤): قال السيد جمال الدين: أجمع
المحدثون على أن هذا الحديث ضعيف. وقال الحافظ في ((الفتح)): هذا الحديث
أطبق علماء السلف على تضعيفه، انتهى.
وقال النووي: حديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين.
قلت: وضعفه العلماء لوجوه:
منها: أن في سنده أبا زيد وهو مجهول، قاله البخاري وأبو أحمد الحاكم
والترمذي وأبو زرعة وابن حبان وأبو إسحاق الحربي وابن عدي والنووي والبيهقي
والحافظ وآخرون. وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول، وأجاب عنه
بعض الحنفية بأن جهالة أبي زيد لا تقدح في ثبوت الحديث بعد ورود المتابعات
له؛ فقد تابعه جماعة عن ابن مسعود.
٤٢٥
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابٌ أَحْكَامِ الْمِيَّاهِ
SE
قال العينيُّ (ج٣: ص١٨٠): روى هذا الحديث أربعة عشر رجلًا عن ابن
مسعود كما رواه أبو زيد: الأول: أبو رافع عند الطحاوي (ج١: ص ٥٧)
والحاكم. والثاني: رباح أبو علي عند الطبراني في ((الأوسط)). الثالث: عبد الله
ابن عمر عند أبي موسى الأصبهاني في كتاب ((الصحابة)). الرابع: عمرو البكالي
عند أبي أحمد في ((الكُنى)) بسند صحيح. الخامس: أبو عبيدة بن عبد الله بن
مسعود. والسادس: أبو الأحوص، وحديثهما عند محمد بن عيسى المدائني.
فإن قلت: قال البيهقي: محمد بن عيسى المدائني واهي الحديث، والحديث
باطل .
قلتُ: قال البرقاني فيه: ثقة لا بأس به، وقال اللالكائي: صالح ليس يدفع عن
السماع.
السابع: عبد الله بن مسلمة عند الحافط أبي الحسن بن المظفر في كتاب
((غرائب شعبة)).
الثامن: قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عند ابن المظفر أيضًا بسند لا بأس به.
التاسع: عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي عند الإسماعيلي في جمعه حديث
یحیی بن أبي کثیر عن یحیی عنه.
العاشر: عبد الله بن عباس عند ابن ماجه والطحاوي.
الحادي عشر: أبو وائل شقيق بن سلمة عند الدار قطني.
الثاني عشر: ابن عبد الله، رواه أبو عبيدة بن عبد الله، عن طلحة بن عبد الله،
عن أبيه، أن أباه حدثه.
الثالث عشر: أبو عثمان بن سنة، عند أبي حفص بن شاهين في كتاب ((الناسخ
والمنسوخ)) من طريق جيدة، وخرجها الحاكم في ((مستدر كه)).
الرابع عشر: أبو عثمان النهدي عند الدورقي في مسنده بطريق لا بأس بها،
انتهى كلام العيني .
قلتُ: لم يذكر العيني أسانيد هذه المتابعات حتى يعرف حالها وأنها تصلح
٤٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
للمتابعة أم لا. ولا يكفي تصحيحه لبعض تلك الأحاديث؛ لأنه ليس من أهل هذا
الشأن، فلا يعتمد على تصحيحه أبدًا، وأنا أذكر الكلام في بعضها حسبما وقفت
عليه فأقول: أما حديث أبي رافع عن ابن مسعود فقد رواه أيضًا أحمد (ج١ :
ص٤٥٥)، والدار قطني (ص٢٨) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف،
قاله الدار قطني وغيره.
قال صاحب ((العرف الشذي)): لم آخذ حديثه في باب الوضوء بالنبيذ؛ لكونه
سيئ الحفظ. وأما حديثُ رباح أبي عليٍّ فأخرجه أيضًا البيهقي من طريق موسى بن
علي بن رباح عن أبيه، عن ابن مسعود، وفيه: أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين،
وروح بن الصلاح، وهما ضعيفان على أنه ليس فيه ذكر الوضوء بالنبيذٍ، وأما
حديث عبد الله بن عمر [ ... ](*)، وأماحديث عمرو البكالي فلعله هو ما أخرجه
أحمد في ((مسنده)) (ج١: ص٣٩٩) في حديث طويلٍ لكن ليس فيه ذكر الوضوء
بالنبيذ. وأما حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأبي الأحوص، فأخرجه
أيضًا الدار قطنيُّ من حديث محمد بن عيسى بن حيان، عن الحسن بن قتيبة، عن
يونس بن أبي إسحاق، قال الدارقطني: تفرَّد به الحسن بن قتيبة عن يونس،
والحسن بن قتيبة، ومحمد بن عيسى ضعيفان، وقال الدارقطني: لا يصح.
وأما حديث عبد الله بن مسلمة [ ... ](*) وأما حديث قابوس بن أبي ظيبان،
فأخرجه أيضًا الطحاوي، وقابوسٍ هذا فيه لين، على أنه ليس في حديثه ذكر
الوضوء بالنبيذ. وأما حديث عبد الله بن عمرو بن غيلان فأخرجه أيضًا ابن جرير،
وعبد الله بن عمرو هذا لا يعرف بجرح ولا تعديل، وأخرجه الدار قطني (ص٢٩)،
عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد، عن جده أبي سلام، عن ابن غيلان الثقفي أنه
سمع عبد الله بن مسعود. قال الدارقطني: وابن غيلان هذا مجهول، قيل: اسمه
عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان، ورواه أبو نعيم في ((دلائل النبوة)) مطولًا
من طريق الطبراني بسنده إلى معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام،
عن من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي. قال ابن كثير: هذا إسناد غريب جدًّا، ولكن
فيه رجل مبهم لم يسلم. قلتُ: ومع ذلك ليس في رواية أبي نعيم هذه ذكر الوضوء
بالنبيذِ .
(*) ما بين المعقوفين بياض بالأصل.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
٤٢٧
وأما حديث عبد الله بن عباس، فأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٣٩٨)
والدار قطني (ص٢٨) والطبراني في ((معجمه)) والبزار في ((مسنده))، وفيه ابن
لهيعة، وقد تفرد به، وهو ضعيف الحديث.
وأما حديث أبي وائل، ففيه الحسين بن عبيد الله العجلي، قال الدار قطني: يضعُ
الحديث على الثقات، انتهى. ولم يذكر العيني كلام الدار قطني هذا [ ... ](*).
وَإِنْ كَانَ يَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ
فَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ
وأما حديث ابن عبد اللَّه، فلم يذكر العيني من خرجه، فلا يدرى في أي كتاب
هو وكيف هو؟ وأما حديث أبي عثمان بن سنة الخزاعي، فأخرجه أيضًا ابن جرير،
وليس فيه ذكر الوضوء بالنبيذ .
وأما حديث أبي عثمان النهدي، فلعله هو ما رواه البيهقي عنه: أن ابن مسعودٍ
أبصر زِطًا في بعض الطريق ... الحديث، أو ما رواه الترمذي في أبواب الأمثال
من جامعه. وليس فيهما ذكر الوضوء بالنبيذ. ومن وجوه تضعيف حديث ابن
مسعود في الوضوء بالنبيذ: أن أبا زيد هذا كان نباذًا، قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) (ج١: ص١٠٢): قال أبو داود: كان أبو زيد نباذًا بالكوفة.
ومنها: أنَّ أبا زيد لا يعرف سماعه من ابن مسعود، قال البخاري: أبو زيد
مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله. وقال ابن المديني: أخاف أن لا يكون أبو زيد
سمعه من عبد الله. وقال أبو حاتم: لم يلق أبو زيد عبد الله.
ومنها: أن الراوي عن أبي زيد أبا فزارة راشد بن كيسان العبسي، قال ابن حبان
فيه: إنه مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن
حريث الذي لا يعرفه أهل العلم فلا. كذا في ((تهذيب التهذيب)) (ج ٣ص٢٢٧).
ومنها: أنه معارض بما هو أقوى منه، وهو ما روى مسلم عن علقمة، عن عبد الله
ابن مسعود أنه قال: لم أكن ليلة الجن مع النبي ◌َّ، فهذا نص على أن ابن مسعود
لم يشهد ليلة الجن، فلم يكن ما روي عنه في الوضوء بالنبيذ في هذه الليلة ثابتًا .
قال الطحاوي: إن حديث ابن مسعود روي من طريق لا تقوم بمثلها حجة. وقد
(*) ما بين المعقوفين بياض بالأصل.
٤٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال عبد الله بن مسعود: إني لم أكن ليلة الجن مع النبي ◌ُّ، وددت أني كنت
معه. وسئل أبو عبيدة: هل كان أبوك ليلة الجن مع النبي ◌َّ؟ فقال: لا. مع أن فيه
انقطاعًا؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ولم نعتبر فيه اتصالًا ولا انقطاعًا، ولكنا
احتججنا بكلام أبي عبيدة؛ لأن مثله في تقدمه في العلم ومكانه من أمره لا يخفى
عليه مثل هذا، فجعلنا قوله حجة فيه. ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١ :
ص١٤٦).
قال بعض الحنفية: إن ليلة الجن كانت غير مرة، فإنكار المعية في مرة من تلك
المرات لا يستلزم إنكار معيته في التارة الأخرى. وذكر بعضهم أنه وقع ذهاب
رسول اللَّه ◌َله إلى الجنِّ في مكة ثلاث مرات، لم يحضر ابن مسعود أول مرة
منها، وهي التي نفى ابن مسعود حضوره فيها في رواية مسلم، وحضرها في
المرتين الأخريين، مرة بالحجون جبل بمكة، ومرة بأعلى مكة قد غاب تظلّ في
الجبال فيها، ووقع في المدينة أيضًا ثلاث مرات، منها: واقعة بقيع الغرقد، قد
حضرها ابن مسعود، كما رواه أبو نعيمٍ في ((دلائل النبوة)).
قلتُ: المشهور عند الصحابة والتابعين من ليلة الجن هي ليلة واحدة فقط، ولم
يحضرها ابن مسعود، وأما بقية المرات التي يقالُ: إنه حضرها هو، فلم تثبت.
وجمع بعضهم: بأن ابن مسعود لم يكن عند المخاطبة وتعليم الأحكام، وإنما
کان بعيدًا منه.
قلتُ: إنما يحتاج إلى الجمع إذا تساوت طرق الحديث في القوة وتعارضت،
وأما إذا كان أحدها ضعيفًا والآخر قويًّا فلا؛ لعدم التعارض حينئذٍ، بل يقدم القوي
على الضعيف؛ لأن القوي لا يؤثر فيه مخالفة الضعيف، وأيضًا قد نفى ابن مسعود
شهوده ليلة الجنِّ مطلقًا، ولم یقیده بحال دون حال، فتخصیص إنكاره بوقت دون
وقت من غير قرينة مما لا يصغى إليه.
وقال بعضهم: إن حديث النفي قد أسقط الرواة منه حرفًا .
قال ابن قتيبة في ((مختلف الحديث)) (ص١١٩) بعد ما ذكر حديثًا أسقط الرواة
منه حرفًا فاختل بسببه المعنى: وهذا مثل قول ابن مسعود في ليلة الجن: ما شهدها
أحدٌ غيري، فأسقط الراوي: (غَيْرِي)).
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
EKEE
٤٢٩
قلتُ: هذه مجرد دعوى من غير بينة ولا برهان، فلا يلتفت إليها، فإن نسبة
الغلط والإسقاط إلى الثقات العدول من غير دليل مما يرفع الأمان من السنن
النبوية، وأما الاستشهاد على ذلك بما رواه الحاكم في ((المستدرك)) (ج٢ :
ص٥٠٣) عن ابن مسعود أن رسول اللَّه ◌َله قال لأصحابه وهو بمكة: «مَنْ أَحَبَّ
مِنْكُمْ أَنْ يَحْضُرَ اللَّيْلَةَ أَمْرَ الْجِنِّ فَلْيَفْعَلْ، فَلَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرِي ... )) الحديث.
ففيه: أن في سنده أبا عثمان بن سنة الشامي، وهو مجهول.
قال أبو زرعة: لا أعرفه.
وقال الذهبيُّ في ((الميزان)): ما أعرف روى عنه غير الزهري، انتهى. ولذا لم
يصححه الحاكم.
وقال الذهبيُّ في ((تلخيصهِ)): هو صحيح عند جماعة، انتهى. ولم يذكر الذهبي
أسماء الجماعة حتى يعرف مرتبتهم في تصحيح الحديث وتضعيفه، ولو سلّم
صحته فهو مخالف ومناقض لما هو أقوى منه: أن ابن مسعود قال: لم أكن ليلة
الجن مع رسول اللَّه وَير، على أنه ليس في رواية الحاكم هذه ذكر الوضوء بالنبيذ.
وقال بعضهم: إن المثبت مقدم على النافي. قلتُ: هذا إذا كانت رواية الإثبات
مساوية لرواية النفي في القوة والصحة، وأما إذا كانت رواية الإثبات ضعيفة،
فالترجيحُ لرواية النفي لقوتها وصحتها. وقد علمت أن رواية إنكار ابن مسعود
لشهوده ليلة الجن صحيحة لا تقاومها رواية الإثبات.
ومن وجوه الطعن في حديث ابن مسعود هذا: أنه مخالف لكتاب الله؛ لأن الله
تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبَا﴾ [النساء: ٤٣]، والنبيذ ليس بماء.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١: ص١٤٦): أنه تعالَّ قال: ((هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟))
قال: لا. فدلَّ على أن الماء استحال في التمرِ حتى سلب عنه اسم الماء، وإلا لما
صح نفيه عنه، انتهى. أو يقال: إن ماء النبيذ لا يسمى ماء مطلقًا، فواجده ليس
واجد ماء، فيجب عليه التيمم بنص الكتاب، وعلى تقدير صحة الحديث كان ينبغي
لأولئك أن يؤولوا هذا الحديث ليوافق الآية، على أن تلك التمرات الملقاة في
الماء لم تغيره، وتسمية ابن مسعود له نبيذًا من المجاز الأول، أو المراد به الوضع
SBONE
٤٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اللغوي وهو ما ينبذ فيه شيء وإن لم يغيره.
وأجاب أيضًا الجمهور عن حديث ابن مسعود هذا: بأنه لو كان صحيحًا - وهو
غير صحيح - فهو من أحاديث الآحاد، فلا يعارض الكتاب ولو صلح معارضًا لكان
منسوخًا بآيتي النساء والمائدة، لأنهما مدنيتان بلا خلاف، وحديث ابن مسعود هذا
إنما زعم رواته أنه كان ليلة الجن في مكة وهي قبل الهجرة.
قال السندهي: قد اعترف المحققون كالنووي، والتُّورْبَشْتِي، والمحقق ابن
الهُمام بقوة هذا الكلام، وقال المحقق: إنه الذي مال إليه المتأخرون، انتهى.
وقال صاحب ((البذل)) (ج١: ص٥٥) بعد ذكر رواية التيمم عن أبي يوسف:
وهي الرواية المرجوع إليها عن أبي حنيفة وقوله الأخير، وعليه الفتوى، واختاره
الطحاوي، وهو المذهب المصحح المختار عندنا؛ لأنَّ الحديث وإن صحَّ آية لكن
التيمم ناسخة له إذ هي مدنية، انتهى.
وقال الطحاوي في ((شرح الآثار)) (ج١: ص٥٨): قد أجمع الناس على أنه لا
يجوز الوضوء به - أي: بالنبيذ - مع وجود الماء، فكذلك هو عند فقد الماء.
والمروي في حديث ابن مسعود أنه توضأ به إنماهو، وهوُالَّلا غير مسافر؛ لأنه
خرج من مكة يريدهم، فهو في حكم استعماله له بمكة، فلو ثبت ذلك جاز الوضوء
به في حال وجود الماء، فلما أجمعوا على خلاف ذلك ثبت طرحهم لهذا الحديث،
وهو النظر عندنا، انتهي ملخصًا.
٤٨٥ - ٤٨٥ - [٨] وَصَحَّ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمْ
أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ اَه .
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرُْ
٤٨٥- قوله: (عَنْ عَلْقَمَةَ) هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفيٍ،
ثقة، ثبت، فقيه، عابد، من كبار التابعين، كان أعلم الناس وأشبههم هديًا ودلا
(٤٨٥) مُسْلِم (١٥٢/ ٤٥٠) عَنْهُ فِيهَا .
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
٤٣١
وسمتًا بابن مسعود، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين.
(لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّ) لا عند المخاطبة وتعليم الأحكام إياهم،
ولا قبل ذلك، ولا بعد. قال ابن مسعود: ووددت أني كنت معه. وفيه: ردٌّ على ابن
قتيبة وغيره ممن تأول الحديث بأنه لم يكن منا أحد، أي: غيري.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) من طريق أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة في بابِ الجهر بالقراءة
في الصبح، والقراءة على الجن من كتاب الصلاة، وأخرجه أحمد ومسلم فيه،
والترمذي في تفسير سورة الأحقاف من طريق داود عن الشعبي، عن علقمة
مطولًا، وأبو داود في الطهارةِ مختصرًا.
٤٨٦ - [٩] وَعَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك - وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي
قَتَادَةَ - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ،
فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ:
أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لِ قَالَ:
((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسِ؛ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌّ وَأَحْمَدُ وَالتَّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالَّنْسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٤٨٦ - قوله: (وَعَنْ كَبْشَةَ) بفتح الكاف وسكون الموحدة بعدها شين معجمة.
(بِنْتِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك) الأنصارية زوجة عبد الله بن أبي قتادة، قال ابن حبان: لها
صحبة. وتبعه الزبير بن بكار، وأبو موسى، والمستغفري، وقال الخزرجي في
((الخلاصة))، والحافظ في ((اللسان)) (ج٦: ص ٨٦٠): وثَّقَها ابنُ حبان وصحح
الترمذي حديثها. (وَكَانَتَ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ) أي: كانت زوجة ولده عبد الله،
وهو عبد الله بن أبي قتادة السلمي الأنصاري المدني، ثقة من أوساط التابعين،
توفي سنة (٩٥)، روى عن أبيه وجابر، وعنه جماعة.
(٤٨٦) أَبُو دَاوُد (٧٥)، والتِّرْمِذِي (٩٢)، والنَّسَائِي (١ / ٥٥)، وابن مَاجَهْ (٢٦٧) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا .
٤٣٢
******** *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
(أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) تقدم ترجمته. (دَخَلَ عَلَيْهَا) أي: على كبشة. (فَسَكَبْتُ) بصيغة
المتكلم، ففي رواية الترمذي: قالت: فسكبتُ له. ويحتملُ أن يكون بسكون التاء
على التأنيث. (لَهُ) أي: لأبي قتادة. (وَضُوءًا) بفتح الواو أي: ماء الوضوء في إناء.
(تَشْرَبُ مِنْهُ) أي: تريد الشرب من الماء الذي كان في الإناء، والجملة حال أو
صفة. (فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ) أي: أماله للَّهرة ليسهل عليها الشرب. (فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ)
أي: فرآني أبو قتادة والحال أني أنظر إلى شرب الهرة الماء من الإناء نظر المنكر
المتعجب، أو أنظر إلى فعل أبي قتادة متعجبة، فقال أبو قتادة: (أَتَعْجَبِينَ؟) أي:
بشربها من وضوئي، أو بإصغائي لها الإناء. (يَا بْنَةَ أَخِي) المراد أخوة الإسلام.
ومن عادة العرب أن يدعوا بيا بن أخي، ويا بن عمي، وإن لم يكن أخًّا أو عمَّا له في
الحقيقة. (فَقُلْتُ: نَعَمْ) أتعجب منه. (فَقَالَ) أي: لا تعجبي. (إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَه
قَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ) بفتح الجيم، قاله المنذري، والنووي وابن دقيق العيد،
وابن سيد الناس.
وقال السنديُّ: بفتحتین مصدر نجس الشيء بالکسر، فلذلك لم يؤنث كما لم
يجمع في ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] والصفة منه نجس بكسر الجيم وفتحها. ولو
جعل المذكور في الحديث صفة يحتاج التذكير إلى التأويل، أي: ليست بنجس ما
تلغ فیه، انتهى.
وذكر الكازروني: أن بعض الأئمة قال: هو بفتح الجيم. والنجس النجاسة،
فالتقدير: إنها ليست بذات نَجَس، وفيما سمعنا وقرأنا على مشائخنا هو بكسر
الجيم، وهو القياس، أي: ليست بنَجِسة، ولم يلحق التاء نظرًا إلى أنها بمعنى
السنور.
(إِنَّهَا) استئناف فيه معنى التعليل. (مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ) قيل: هو
شك من الراوي، وقيل: ليست للشك لوروده بالواو في رواية أبي داود وغيره، بل
للتنويع، ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث، يريد أن هذا الحيوان لا يخلو
أن يكون من جملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات.
ومحصل الكلام: أنه شبه ذكور الهر بالطوافين وإناثها بالطوافات، والجمع
بالواو والنون في الذكور تشبيهًا له بالعبيد والخدم العقلاء الذي يدخلون على
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ أَحْكَام الْمِيَاهِ
٤٣٣
الإنسان ويطوفون حوله للخدمة، كقوله تعالى: ﴿طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وهذا
إشارة إلى علة الحكم بطهارتها، وهي أنها كثيرة الدخول والاتصال بأهل المنزل
وبما في منزلهم، ففي الحكم بنجاستها حرج، وهو مدفوع.
والحديث: دليل على أن ذات الهرة طاهرة، وأن سؤرها غير نجس، وأن
الوضوء منه وكذا الشرب غير مكروه، وحديث عائشة الآتي نص في ذلك. وفيه رد
على من قال: إن سؤر الهرة مكروه بكراهة تحريمية أو تنزيهية. وارجع للتفصيل
إلى ((شرح الترمذي)) لشيخنا الأجل المباركفوري.
(رَوَاهُ مَالِك) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن
رفاعة، عن كبشة.
قال البخاريُّ: جود مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره.
وقال الحاكم: قد صحَّح مالك هذا الحديثَ، واحتجَّ به في ((موطئه))، وقد شهد
البخاري ومسلم لمالك أنه الحكم في حديث المدنيين، فوجب الرجوع إلى هذا
الحديث في طهارة الهرة.
(وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهذا أحسن شيء في هذا
الباب. وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله، ولم يأت به أحد أتم
من مالك.
(وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وكلام البخاري،
وأقرهما .
(وَالَّنِسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا الشافعي، وابن خزيمة، وابن
حبان، والحاكم، والدار قطني، والبيهقي.
قال الحافظُ: وصححه البخاري، والعقيلي، والدارقطني، وابن خزيمة.
٤٣٤
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
٤٨٧ - [١٠] وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أُمِّهِ: أَنَّ مَوْلَاتَهَا
أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ، قَالَتْ فَوَجَدتُهَا تُصَلِّي، فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا،
فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ مِنْ صَلَاتِهَا أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ
أَكَلَتِ الْهِرَّةُ، فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ قَالَ: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ؛ إِنَّمَا هِيَ
مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ))، وَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهًا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْجُ
٤٨٧- قوله: (وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ) التَّمَّار المدني مولى الأنصار،
قال أحمد: لا أعلمُ به بأسًا. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الحافظُ: صدوق
من صغار التابعين، روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، والقاسم، وسالم،
وأبي سلمة، وأبيه صالح، وأمه وغيرهم. (عَنْ أَمِّهِ) أي: والدة داود بن صالح،
وهي مجهولة لم يذكرها إلا الذهبي في ((الميزان))، فقال في آخر كتابه في من لم
تسم من النساء: والدة داود بن صالح التمار عن عائشة، وعنها ابنها، ولم يزد على
ذلك، وهذا ظاهر في أنها لا تعرف. (أَنَّ مَوْلَاتَهَا) أي: مولاة أمه، أي: معتقة أم
داود بصيغة المعلوم ولم تسم أيضًا. (أَرْسَلَتْهَا) أي: أم داود. (بِهَرِيسَةٍ) فَعِيلة
بمعنى مفعولة، هرسها من باب قتل أي: دقها، وفي ((النوادر)): الهريس الحَب
المدقوق بالمهراس قبل أن يطبخ، فإذا طبخ فهو الهريسة بالهاء، وفي بعض كتب
اللغة: الهريس والهريسة طعام يعمل من الحب المدقوق واللحم. (قَالَتْ) أي:
أمه. (فَوَجَدَتْهَا) أي: عائشة. (فَأَشَارَتْ) أي: عائشة باليد أو بالرأس. (أَنْ ضَعِيهَا)
أي: الهريسة، وأن مفسرة لمعنى القول في الإشارة. وفيه: إن مثل هذه الأشياء
جائزة في الصلاة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الإشارة في الصلاة عن
النبي ◌َّ، وسيأتي الكلام في هذه المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى. (فَأَكَلَتْ
مِنْهَا) أي: بعضها. (أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتْ الْهِرَّةُ) أي: من محل أكلها.
(٤٨٧) أَبُو دَاوُد (٧٦) عَنْ عَائِشَةَ فِيهَا .
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابٌ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
٤٣٥
(إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ) قال القاري: ظاهره أن أو فيما تقدم للشك، ويمكن
أن يكون هنا اقتصارًا، أو يحمل على التغليب. (وَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَتَوَضَّأُ
بِفَضْلِهَا) أي: بسؤر الهرة، وفيه: رد صريح على الطحاوي حيث قال في الجواب
عن حديث أبي قتادة المتقدم: إنه محمول على مماسة الثيابٍ وغيرها، فإن المرفوع
منه قوله عليه السلام: ((لَيْسَتْ بِنَجَسٍ))، لا يثبت طهارة سُؤرها، والإصغاء فعل أبي
قتادة، مستدلا بهذا المرفوع؛ لأن حديث عائشة هذا نص في أن التوضؤ بسؤرها
من فعل النبي وَّ، على أن قوله وَلّ: ((لَيْسَتْ بِنَجَسٍ)) ظاهر في طهارة ذاتها وطهارة
سؤرها المتولد من لحمها الطاهر، وهو الذي فهمه أبو قتادة وعائشة، مع أنه لا
دليل فيه على حمله على مماسة الثياب، فجواب الطحاوي مردود عليه لبطلانه.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا الدار قطني، والبيهقي
کلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود.
قال الدارقطني : رفعه الدراوردي عن داود بن صالح، ورواه عنه هشام بن عروة
موقوفًا على عائشة، انتهى. قلت: عبد العزيز الدراوردي صدوق، وثَّقَه مالك
والنسائي وابن معين وابن سعد، وغيرهم، نعم، في سنده أم داود، وهي مجهولة،
وفي الباب أحاديث أخرى عن عائشة، وأنس، ذكرها الزيلعي في ((نصب الراية)،
والهيثمي في ((مجمع الزوائد))، وهي تؤيد حديث الدراوردي، عن داود، عن أمه،
عن عائشة .
٤٨٨ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: أَنْتَوَضَّأُ بِمَا
أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَّبِما أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا)).
[َرَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٤٨٨ - قوله: (بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ) أي: الأهلية، بضمتين جمع حمار، أي:
(٤٨٨) الشَّافِعِي ◌َنْتَهُ (١ / ٦)، عَنْ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (٢٤٩/١ - ٢٥٠)، وَالْبَغَوِيُّ (٢٨٧) فِي
(شَرْحِ السُّنَّةِ).
٤٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Bre
أبقته من فضالة الماء الذي تشربه. (وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلَّهَا) فيه دليل على طهارة
سؤر الحمر والسباع خلافًا لمن قال: إن سؤر السباع كلها نجس، وسؤر الحمار
مشكوك، قالوا: الحديث محمول على الحياض والغدران، أي: الماء الكثير وإلا
لزم طهارة سؤر الكلاب أيضًا؛ لأن التأكيد بكل يجعل العام محكمًا في العموم،
فلا يقبل التخصيص، وقال من ذهب إلى طهارة سؤر السباع: إن الكلب والخنزير
مخصوصان من عموم الحديث بالأدلة الأخرى القاضية بنجاستها .
والحديث عام للأواني الصغيرة والحياض في الفلوات، فتخصيصه بالحياض
تخصيص من غير دليل، وحديث القلتين لا يدل على نجاسة سؤر السباع كما ظن
هؤلاء، فإن منشأ السؤال أن المعتاد من السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها
وتبول، وربما لا تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها. وأيضًا جوابه وَّل في
حديث القلتين عموم كلي لا مطابقي، فتأمل.
(رَوَاهُ فِي ((شَرْح السُّنَّةِ))) وأخرجه أيضًا الشافعي (ص٣) والدار قطني (ص٢٣)
والبيهقي في ((المعرفة))، وفي ((السنن)) (ج١: ص٢٤٩) وقال: له أسانيد إذا ضم
بعضها إلى بعض كانت قوية، قاله الشوكاني. قلتُ: الحديث رواه الدار قطني من
طريقين، في أحدهما إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك، وفي الثاني
إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف، وقد ضعف الدارقطني هذا
الحدیث بسببهما .
٤٨٩ - [١٢] وَعَنْ أُمِّ هَانِئْ قَالَت: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ هُوَ وَمَيْمُونَةُ
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ.
الشّرُْ
٤٨٩- قوله: (وَعَنْ أُمِّ هَانِئْ) بالهمزة، هي بنت أبي طالب الهاشمية، اسمها
فاختة، وقيل: هند. وهي شقيقة علي وإخوته، كان رسول اللّه وَ ل خطبها في
(٤٨٩) النَّسَائِي (١/ ٢٠٢) (١/ ١٣١)، وَابن مَاجَهْ (٣٧٨) عَنْ أُمّ هَانِى فِيهَا.
٤٣٧
بَابٌ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
الجاهلية، وخطبها هبيرة بن أبي وهب، فزوجها أبو طالب من هبيرة، وأسلمت يوم
الفتح، ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة، وخطبها النبي وَلَّ، فقالت: والله إن كنت
لأحبك في الجاهلية، فكيف في الإسلام، ولكني امرأة مُصبِيَةٌ، فسكت عنها، لها
ستة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديث، روى عنها جماعة.
(اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِوَ لَّهُوَ وَمَيْمُونَةُ) بالرفع، وقيل: بالنصب. (فِي قَصْعَةٍ) أي:
من قصعة، وهي بفتح الكاف وسكون الصادَ ظرف كبير. (فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ) هو
الدقيق المعجون بالماء، من عجن الدقيق من بابي: ضرب ونصر، اعتمد عليه
بجمع كفه يغمزه، والظاهر: أن أثرَ العجين في تلك القصعة لم يكن كثيرًا مغيرًا
للماء، وهذا يدل على أن الطاهر القليل لا يخرج الماء عن الطهورية، ولا حجة فيه
لمن ذهب إلى جواز التطهر بالماء المضاف كما لا يخفى.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وسنده حسن، أو صحيح، وأخرجه أيضًا ابن حبان في
((صحيحه)) .