Indexed OCR Text
Pages 401-420
٣٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أحكام تتعلق بالجنب فذكر استطرادًا لأجلها، ولو ذكره في باب الغسل لكان أولى،
كذا في ((المرقاة)).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. وقال المنذري: شعبة هذا مولى ابن عباس مدني لا
یحتج بحديثه .
٤٧٤ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي رَافِعِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ طَافَ ذَاتَ يَوْم
عَلَى نِسَائِهِ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ، قَالَ: فقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَّ
تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا آخِرًا؟ قَالَ: ((هَذَا أَرْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشّرْحُ
٤٧٤ - قوله: (ذَاتَ يَوْم) قال القاري: ذات زائدة زید بها لدفع المجاز، أي :
في نهار. وقيل: زائدة للتأكَيد. (وَعِنْدَ هَذِهِ) أي: بعد المعاودة على حدة. (أَلَا)
بالتخفيف فالهمزة للاستفهام، ولا نافية. وقيل: بالتشديد، فيكون بمعنى هَلَّا
للتحضيض. (تَجْعَلُهُ) أي: غسلك. (غُسْلًا وَاحِدًا) أي: ألا تكتفي بالغسل الواحد
في آخر الجماع.
(آخِرًا) تأكيد لدفع التوهم. قال الشيخ الألباني: هذه اللفظة ((آخِرًا)) ثابتة في
جميع النسخ، لكنها لم ترد عند أحمد وأبي داود، ولا عند غيرهما، كابن ماجه
والطحاوي في ((شرح المعاني)) والبيهقي في ((سننه)). (قَالَ: هَذَا) أي: تعدد
الغسل. (أَزْكَى) أي: أكثر أجرًا وثوابًا. (وَأَطْيَبُ) أي: ألذ وأحلى وأجود عند
النفس. (وَأَطْهَرُ) أي: أنظف وأحسن. وقال ابن حجر: هي قريبة من الترادف جمع
بينهما تأكيدًا ومبالغة.
والحديث: يدل على استحباب الغسل قبل المعاودة، ولا خلاف فيه، ولیس
بينه وبين ما تقدم من حديث أنس: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّهَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلِ
وَاحِدٍ)) اختلاف وتعارض، بل كان يفعلُ هذا مرة، وذاك أخرى، فمرة تركه بيانًّا
(٤٧٤) أَحْمَد (٦/ ٨)، وأَبُو دَاوُد (٢١٩) عن أبي رافع فيها.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابٌ مُخْالَطَةِ الْجُنُبٍ وَمَا يبَاحُ لَهُ
٣٩٩
للجواز، وتخفيفًا على الأمة، ومرة فعله لكونه أزكى وأطهر. قال النووي: هو
محمول على أنه فعل الأمرين في وقتين مختلفين.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٥٢): وهذا الحديث طَعن فيه أبو داود، فقال:
حديث أنس أصح منه، قال الشوكاني: وهذا ليس بطعنٍ في الحقيقة؛ لأنه لم ينف
عنه الصحة .
٤٧٥ - [٢١] وعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنْ
يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلٍ طَهُورِ الْمَرْأَةِ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ:
وَزَادَ: أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] {صحيحٍ}
الشرخُ
٤٧٥- قوله: (وَعَنِ الْحَكَم) بفتحتين. (ابْنِ عَمْرٍو) بن مجدع الغفاري،
ويقال له: الحكم بن الأقرع وهوَ ليس غفاريًّا؛ إنما هو من ولد ثعلبة بن مليل،
ونسب إلى غفار؛ لأنَّ ثعلبة أخو غفار، وقد ينسبون إلى الإخوة كثيرًا، صحابي، له
أحاديث، انفرد له البخاري بحديث. نزل البصرة، وولي خراسان فسكن مرو
ومات بها سنة (٤٥) أو (٥٠) أو (٥١).
(نَهَى رَسُولُ اللّهِ وَّهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلٍ طَهُورِ الْمَرْأَةِ) النهي محمول على
التنزيه بقرينة حديث ابن عباس أول أحاديث الفصل الثاني وغيره من الأحاديث
الدالة على الجواز.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. (وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ) من طريق شعبة، عن
عاصم الأحول، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو. وأخرجه أيضًا أحمد
(ج٥: ص٦٦) وأبو داود الطيالسي، والنسائي إلا أن ابن ماجه والنسائي قالا بفضل
(٤٧٥) أَبُو دَاوُد (٨٢)، والتِّرْمِذِي (٦٤)، وابن مَاجَهْ (٣٧٣) فيها عن الحكم بن عمروٍ؛ وصححه
التِّرْمِذِي.
٤٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وضوء المرأة. (وَزَادَ) أي: الترمذي. (أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا) بالهمزة بقية الشيء، وقد
يخفف الهمز بالإبدال. قال الطيبي: شك الراوي أنه عليه الصلاة والسلام قال:
بفضل طهور المرأة، أو: بسؤرها انتهى.
قلت: هذا الحديث رواه الترمذي عن شيخين: محمود بن غيلان ومحمد بن
بشار، كلاهما عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، والشك إنما وقع من محمود بن
غيلان، وأما محمد بن بشار فإنه لم يشك في اللفظ، كما حكى عنه الترمذي،
وكما هو في رواية أبي داود، وابن ماجه، وكذلك لم يشك عمرو بن علي عند
النسائي وأحمد (ج٥: ص٦٦) ويونس بن حبيب عن الطيالسي. ورواه أحمد
(ج٤: ص٢١٣) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة على الشك. ورواه
أيضًا (ج٤: ص٢١٣) عن وهب بن جرير عن شعبة، فقال: نهى أن يتوضأ الرجل
من سُؤر المرأة. والمفهوم من الروايات: أن المراد بالسؤر هو فضل الطهور لا
فضل الشراب، فإن أصل السؤر هو البقية من كل شيءٍ.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وفي النسخ الحاضرة للترمذي: هذا حديث
حسن، بدون لفظ: صحيح. قال الحافظ في ((الفتح)): حديث الحكم بن عمرو
أخرجه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأغرب النووي
فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه، انتهى.
قلتُ: قال البخاري: حديث الحكم بن عمرو في النهي لا يصح.
كِتَابُ الطّهَارَةِ
*
بَابٌ مُخْالَطَةِ الْجُنُبِ وَمَا يَبَاحُ لَهُ
aese
٤٠١
٤٧٦ - [٢٢] وَعَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَِّيَّ وَاِلـ
أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةٌ
بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ. زَادَ مُسَدَّدٌ: وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالَّنِسَائِيُّ، وَزَادَ أَحْمَدُ فِي أَوَّلِهِ: نَهَى أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، أَو يَبُولَ فِي
مُغْتَسَّلٍ] (صحيح)
الشَّرْجُ
٤٧٦- قوله: (وَعَنْ حُمَيْدٍ) بالتصغير. (الْحِمْيَرِيِّ) بكسر المهملة وسكون
الميم وفتح التحتانية، هو حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، قال
المصنف: هو من ثقات البصريين وأئمتهم، تابعي جليل من قدماء التابعين، روى
عن أبي هريرة، وابن عباس وغيرهما.
(لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ وَلَِّ) إبهام الصحابي لا يضر؛ لأن الصحابة كلهم
عدول. (أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ) لأن إسلامه سنة سبع من الهجرة، هاجر
إلى النبي ◌َّ وهو في خيبر بعد ما فتحها، وكانت وقعة خيبر في المحرم سنة سبع.
(نَهَى أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ) أي: بالماء الذي يفضل عن غسل الرجلِ.
(أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ) قيل: مناط النهي هو صيانة الطهور عن وقوع الماء
المستعمل فيه؛ فإن الماء المستعمل وإن كان طاهرًا غير نجس إلا أن المطلوب
الاحتراز عنه لئلا يقع في ماء الغسل، ولما كانت النساء أقل احتياطًا في أمر التطهير
في الواقع، نهى الرجلَ عن استعمال فضلها، وإنما نهى المرأةَ عن فضل الرجل
جريًّا على مقتضى طبع النساء، فإنهن يرين الرجال أقل نظافة، فروعي في الأول ما
هو واقع في نفس الأمر، وفي الثاني: ما هو في زعمهن، لئلا يقعن في الوسوسة
في أمر الطهارة؛ لأن الحفظ عن الوسوسة في أمر التطهر مطلوب شرعًا، فنهى
المرأة عن فضل الرجل قطعًا للوسوسة.
(زَادَ مُسَدَّدٌ) أي: عن أبي عوانة عند أبي داود، وكذا روى هذه الزيادة قتيبة عن
(٤٧٦) أَبُو دَاوُد (٨١)، والنَّسَائِي (١/ ١٣٠) فيها عن حميد بن عبد الرحمن.
٤٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أبي عوانة عند النسائي. ومسدد بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد الدال
الأولى وفتحها، هو: ابن مُسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري أبو
الحسن، ثقة، حافظ، روى عنه البخاري وأبو داود، وروى له أبو داود أيضًا،
والترمذي والنسائي بواسطة محمد بن محمد بن خلاد الباهلي، وأحمد بن محمد
ابن مدوية. يقال: إنه أول من صنف ((المسند)) بالبصرة، مات سنة (٢٢٨).
قال الحافظُ: وزعم منصور الخالدي أنه مسدد بن مسرهد بن مسربل بن
مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسند. ولم يتابع عليه.
ويقال: اسمه عبد الملك بن عبد العزيز ومسدد لقبه.
(وَلْيَغْتَرِفَا) بصيغة الأمر واللام ساكنة وتكسر (جَمِيعًا) ظاهره معًا لا واحد بعد
واحد، ويحتمل المناوبة والاختلاف.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري، وقال الحافظ في ((الفتح)): رجاله
ثقات ولم أقف لمن أعله على حجة قوية.
وقال في ((بلوغ المرام)): إسناده صحيح.
(وَزَادَ أَحْمَدُ) وكذا زاده أبو داود في باب البول في المستحم والنسائي. (نَهى أَنْ
يَمْتَشِطَ) أي: عن الإكثار في الامتشاط والزينة.
(وَأَنْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلٍ) لأنه يورث الريبة والوسوسة وهو عام في المكان الصلب
واللين وقد تقدم الكلام في ذلك.
٤٧٧ - [٢٣] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ.
{صحیح}
الشَّرْحُ
٤٧٧- قوله: (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) بفتح السين وكسر
(٤٧٧) أخرجه ابن مَاجَهْ (٣٧٤) مِن حديث عبد الله بن سرجس.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابٌ مُحَالَطَةِ الْجُنُبِ وَمَا يبَاحُ لَهُ
٤٠٣
الجيم، يجوز فيه الصرف والمنع من الصرف للعلمية والعجمة. لفظه: ((نهى
رسول اللَّه ◌َله أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن
یشرعان جمیعًا)).
قال ابن ماجه بعد إخراجه من طريق عاصم الأحول عن ابن سرجس: الصحيح
هو الأول - يعني: حديث عاصم - عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو.
والثاني: أي: حديث عاصم عن ابن سرجس وهم.
وقال الألباني: سندُه صحيح وإن قال ابن ماجه: إنه وهم، والصحيح: أنه من
حديث الحكم بن عمرو، يعني: المتقدم.
وقال البخاري: حديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب الصحيح هو
موقوف. ومن رفعه فهو خطأ، ذكره البيهقي (١:١٩٣) ورده عليه ابن التركماني
في ((الجوهر النقي)) فراجعه إن شئت.
٤٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧ - بَابُ أخكَامِ الْمِيَاهِ
(بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ) من الطهارة، والنجاسة، وغيرهما، وأتى بالجمع لكثرة
أنواع الماء مثلَ ماء السماء، وماء البئر، وماء العين، وماء البحر، والماء الراكد،
والماء الجاري، والقليل والكثير، والمستعمل، وغير المستعمل، وسُؤر السباعِ،
وماء الحياض في الفلاة، والماء المشمس، وغير ذلك. وجمع الماء على المياه دلَّ
على أن همزته منقلبة عن هاء، وأصل المياه مواه، لدلالة جمعه الآخر على
الأمواه، وتصغير الماء على مويه، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها .
وقوله: (بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ) كذا في طبعات الهند، وهكذا في نسخة القاري،
ووقع في نسخة الألباني: باب المياه، أي: بسقوط لفظ أحكام.
واعلم: أنه اختلف آراء العلماء في الماء إذا خالطته نجاسة، فذهب مالك
والظاهرية إلى أنه لا ينجس الماء بما لاقاه من النجاسة ولو كان قليلاً إلا إذ تغير أحد
أوصافه، عملًا بحديث: ((الْمَاءُ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيءٌ إِلَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ))
أخرجه ابن ماجه. فلم يفرقوا بين القليل والكثير، والاعتبار عندهم للتغير فقط.
وذهبت الشافعية والحنفية إلى قسمة الماء إلى قليل تضره النجاسة مطلقًا، وكثير
لا تضره إلا إذا غيرت بعض أوصافه، ثم اختلفوا بعد ذلك في تحديد القليل
والكثير، فذهب أبو حنيفة إلى تحديد القليل بأنه ما ظن المستعمل للماء الواقعة فيه
النجاسة استعمالها باستعماله، وماعدا ذلك فهو الكثير.
قال في ((الدر المختار)): والمعتبر في مقدار الراكد أكبر رأي المبتلى به، فإن
غلب على ظنه عدم وصول النجاسة إلى الجانب الآخر جاز، وإلا لا، هذا ظاهر
الرواية عن الإمام أبي حنيفة وإليه رجع محمد، وهو الأصح، كما في ((الغاية))
وغيرها، وحقق في ((البحر)): أنه المذهب، وبه يعمل، انتهى.
وأكثر ابن نجيم في ذكر النقول عن المشائخ الحنفية في أن العبرة عندهم لرأى
المبتلى به، فإن ظنه نجسًا كان نجسًا، وإن ظنه طاهرًا كان طاهرًا، لكنهم لما رأوا
٤٠٥
BENE
بَابٌ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
أن هذا يفضي إلى اختلاف العوام في أمر طهارة الماء الذي لاقته النجاسة، ويستلزم
عدم انضباط مسألة الطهارة لتفرق آرائهم وظنونهم، حددوا لذلك حدودًا ينتظم بها
أمرهم، فمنهم من قدر الكثير من الماء، وهم قدماء الحنفية، وعزاه محمد في
((موطئه)) إلى أبي حنيفة بأنه الماء الذي إذا حرك أحد طرفيه آدمي لم تسر الحركة
إلى الطرف الآخر، ثم اختلفوا في التحريك المعتبر هل هو بالوضوء، أو
بالاغتسال، أو بالید؟
ومنهم من قدَّر الكثير - وهم أكثر المتأخرين من الحنفية - بالعشر في العشر،
ولا دليل لهم على هذه التحديدات لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله، ولا من
آثار الصحابة، ولا من قياس صحيح، وأما أصل مذهب أبي حنيفة وهو إدارة الأمر
على رأي المبتلى به، فقد احتجوا لذلك بحديث الاستيقاظ أول أحاديث باب سنن
الوضوء، وبحديث ولوغ الكلب، والأمر بإراقة ما ولغ الكلب فيه، وهو أول
أحاديث باب تطهير النجاسات، وبحديث النهي عن البول في الماء الدائم، وقد
طول ابن نجيم في ((البحر الرائق)) الكلام في تقرير الاستدلال بهذه الأحاديث،
ونقله الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((السعاية حاشية شرح الوقاية))، ثم أجاب عنه،
ولقد أجاد وأصاب في الجواب؛ وأجيب أيضًا بأن هذه الأحاديث ليست ورادة لبيان
حكم نجاسة الماء، بل الأمر باجتنابها تعبدي لا لأجل النجاسة، وإنما هو لمعنى لا
نعرفه، كعدم معرفتنا لحكمة أعداد الصلوات ونحوها.
وقيل: بل النهي في هذه الأحاديث للكراهة فقط وهي طاهرة مطهرة.
وقيل: هي محمولة على القليل أي: ما دون القلتين. وأجاب بعضهم عن أصل
مذهب أبي حنيفة بأن الظن والرأي لا ينضبط، بل يختلف باختلاف الأشخاص،
ففي إدارة الأمر على ذلك من الحرج ما لا يخفى، وأيضًا جعل ظن الاستعمال
مناطًا يستلزم استواء القليل والكثير، وذهبت الشافعية إلى تحديد الكثير من الماء
بما بلغ قلتين من قلال هجر، وذلك نحو خمسمائة رطل عملًا بحديث القلتين وما
عداه فهو القليل. وحديث ((الْمَاءُ لَايُنَجِّسُهُ شَيْءٌ .. )) إلخ. محمول عندهم على ما
بلغ القلتين فما فوقها، وهو كثير، وحديث الاستيقاظ، وحديث الماء الدائم
محمول على القليل، وهو أقوى المذاهب وأرجحها عندي. والله أعلم.
٤٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الشاه ولي اللَّه الدهلوي في ((حجة اللَّه)) (ج١: ص١٤٧): قد أطال القوم
في فروع موت الحيوان في البئر، والعشر في العشر، والماء الجاري، وليس في
كل ذلك حديث عن النبي وَلّ البتة. وأما الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين،
كأثر ابن الزبير في الزنجي، وعلي في الفأرة، والنخعي والشعبي في نحو السنور،
فليست مما يشهد له المحدثون بالصحة، ولا مما اتفق عليه جمهور أهل القرون
الأولى، وعلى تقدير صحتها يمكن أن يكون ذلك تطييبًا للقلوب، وتنظيفًا للماء، لا
من جهة الوجوب الشرعي، كما ذكر في كتب المالكية، ودون نفي هذا الاحتمال
خرط القتاد.
وبالجملة فليس في هذا الباب شيء يعتد به، ويجب العمل عليه، وحديث
القلتين أثبت من ذلك كله بغير شبهة، ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع في هذه
المسائل لعباده شيئًا زيادة على ما لا ينفكون عنه من الارتفاقات، وهي مما يكثر
وقوعه، وتعم به البلوى، ثم لا ينصُّ عليه النبيِ وََّ نصَّا جليًّا، ولا يستفيض في
الصحابة ومن بعدهم، ولا حدیث واحد فیه، انتهى.
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
٤٠٧
ever
الفصل الأول
٤٧٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِم وَهُوَ
جُنُبٌ)). قَالَوا: كَيْفَ يَفْعَّلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا(*).
الشَّرْجُ
٤٧٨ - قوله: (لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ) أي: الراكد الساكن. (الَّذِي
لَا يَجْرِي) تفسير للدائم وإيضاح لمعناه وقيل: صفَةَ ثانية مؤكدة للأولى. وقيل:
الدائم من الأضداد، يقال للساكن والدائر المتحرك: دائم. ويطلق على البحار
الكبار التي يدوم أصلها ولا ينقطع ماؤها: أنها دائمة، بمعنى أن ماءها غير منقطع،
وهو غير مراد هنا اتفاقًا، وعلى هذين القولين فقوله: ((الذي لا يجري))، صفة
مخصصة لأحد معنى المشترك، وهذا أولى من حمله على التوكيد.
(ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ) برفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثم هو يغتسل فيه.
نبه به على مآل الحال، والمعنى: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله
لما وقع فيه من البول، فالنهي في الظاهر مقصور على البول، وثم للاستبعاد وبيان
المآل، ويرجع ذلك إلى النهي عن الجمع، أي: بعيد من العاقل أن يجمع بينهما.
وقد جوز جزمه عطفًا على (يَبُولَنَّ)؛ لأنه مجزوم الموضع بلا الناهية، ولكنه بني
على الفتح لتوكيده بالنون، وهذا يدل على أن النهي عن كل واحد من البول
والاغتسال، ونصبه على إضمار أن وإعطاء (ثُمَّ) حكم واو الجمع، وهذا يفيد أن
(٤٧٨) الْبُخَارِي (٢٣٩)، مُسْلِم (٩٦ / ٢٨٢)، أَبُو دَاوُد (٦٩) التِّرْ مِذِي (٦٨)، النَّسَائِي (١ / ١٩٧)، ابن
ماجه (٣٤٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الطَّهَارَةِ.
(*) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: مسلم (٩٧/ ٢٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا، والنَّسَائِي (١/ ١٢٤).
٤٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النهي إنما هو عن الجمع بين البول والاغتسال دون إفراد أحدهما مع أنه ينهى عن
البول فيه مطلقًا .
وأجيب: بأن ذلك لا يمنع من جواز النصب؛ لأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام
المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ من هذا الحديث النهي عن الجمع، ومن رواية مسلم
التالية النهي عن إفراد الاغتسال، ومن حديث جابر الآتي عن إفراد البول، والنهي
عن كل واحد منهما على انفراده ليستلزم النهي عن فعلهما جميعًا بالأولى، وقد ورد
النهي عن كل واحد منهما في حديث واحد.
رواه أبو داود بلفظ: ((لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلاَ يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ
الْجَنَابَةِ)). قال الشاه ولي اللَّه الدهلوي: وحكمة النهي أن كل واحد منهما لا يخلو
من أحد أمرين: إما أن يغير الماء بالفعل، أو يفضي إلى التغيير بأن يراه الناس يفعل
فيتتابعوا، وهو بمنزلة اللاعنين، اللّهم إلا يكون الماء مستبحرًا أو جاريًا، والعفافُ
أفضل على كل حال، انتهى.
واعلم: أن الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد؛ لأن
الاتفاق واقعُ على أن الماء المستبحر الكثير جدًّا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق
واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله، فحملت المالكية النهي على
التنزيه فيما لا يتغير؛ لاعتقادهم أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليلًا كان أو كثيرًا،
فالمعتبرُ عندهم هو التغير وعدمه.
وقالت الحنفيةُ: خرج عنه المستبحر الكثير جدًّا بالإجماع، فيبقى ما عداه على
حكم النص، فيدخل تحته ما زاد على القلتين، ومن المعلوم أن البول القليل فيما
زاد على القلتين من الماء لا یغیر لونه ولا طعمه ولا رائحته، ومع ذلك قد نھي عنه،
وليس ذلك إلا لكونه ينجس في رأي المبتلى به بعد قليل من الزمان إن كان هذا
الماء كثيرًا، وإن كان قليلاً لا يبلغ قدر الغدير العظيم فتنجسه عندهم ظاهر.
وقالت الشافعيةٌ: خرج الكثير المستبحر بالإجماع، والقلتان فما زاد بالحديث،
فيبقى ما نقص عن القلتين داخلًا تحت مقتضى الحديث، ويكون النهي للتحريم،
وفي القلتين وما فوقهما للتنزيه.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابٌ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
٤٠٩
وقال القرطبي: يمكنُ حمله على التحريم مطلقًا على قاعدة سد الذريعة؛ لأنه
يفضي إلى تنجيس الماء. قلتُ: أقوى المحامل وأرجحها عندي هو ما ذهب إليه
الشافعية لصحة حديث القلتين، وارجع لمزيد الكلام إلى ((أبكار المنن في تنقيد
آثار السنن))(*) (ص٢/ ٢٠ - وما بعدها).
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق وأحمد والترمذي وأبو
داود والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبه، وابن حبان وغيرهم، إلا أن في رواية
الترمذي وأحمد وعبد الرزاق، وابن أبي شيبه وابن حبان: ((ثم يتوضأ منه)). مكان:
(ثم يغتسل فیه)).
وفيه: دليل على أن النهي لا يختصُّ بالغسل بل الوضوء في معناه، ولو لم يرد
هذا لكان معلومًا لاستواء الوضوء والغسل في المعنى المقتضي للنهي.
(لَا يَغْتَسِلْ) بالجزم، وقيل: بالرفع. (أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ) فيه:
دليل على المنع من الاغتسال في الماء الدائم للجنابة وإن لم يبلَ فيه. وتقييد النهي
بالحال يدل على أن المستعمل في غسل الجنابة إذا كان راكدًا لا یبقی علی ما كان،
وإلا لم يكن للنهي المقيد فائدة، وذلك بزوال الطهورية، كما قال به أكثر العلماء.
وقال الشوكانيُّ: إن علة النهي عن الاغتسال فيه ليست كونه يصير مستعملًا بل
مصيره مستخبثًا بتوارد الاستعمال، فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة.
(يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا) أي: يأخذه اغترافًا، ويغتسل خارجًا فإنه يدل على أن النهي إنما
هو عن الانغماس لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق.
وهذه الرواية أخرجها ابن ماجه والطحاوي أيضًا.
(*) جميع الإحالات الواردة إلى أبكار المنن في هذا الكتاب قد أضفناها بين [ ... ] أو زدناها على
الإحالة السابقة المذكورة بين القوسين بعد الفاصلة هكذا: ( ... / ... ) إلى الجانب الأيسر،
اعتمادًا لطبعة الكتاب من دار القبس الرياض.
٤١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤٧٩ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ
الرَّاكِدِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْجُ
٤٧٩ - قوله: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الزَّاكِدِ) أي: الساكن الغير
الجاري؛ لأن الماء الساكن إن كان دون قلتين تنجس، ولا يجوز الاغتسال والتوضؤ
منه، وإن كان قلتين فلعله يتغير به فيصير نجسًا بالتغير، وكذا إن كثر غاية الكثرة،
إذ لو جوز البول فيه لبال واحد بعد واحد، فيتغير من كثرة البول، قاله ابن الملك.
والتغوطُ في الماء كالبول فيه، بل أقبح.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه.
٤٨٠ - [٣] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قال: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِّ ◌َّ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمّ
تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَتَظَرْتُ إِلَى خَاتِمِ النَّبُوَّةِ بَيْنَ
كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
٤٨٠ - قوله: (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثمامة الكندي، ويقال:
الأسدي، أو الليثي، أو الهذلي. وقال الزهري: هو من الأزد، عداده في كنانة،
وهو ابن أخت النمر، لا يعرفون إلا بذلك صحابي صغير. قال المصنف: ولد في
السنة الثانية من الهجرة، وحضر مع أبيه حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين وخرج
(٤٧٩) مُسْلِم (٩٤/ ٢٨١) عَنْ جَابِرٍ فِيهَا.
(٤٨٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: البُخَارِي (١٩٠) فِي الطَّهَارَةِ، و(٣٥٤١) في المناقب،
و(٥٦٧٠) في المرضى، و(٦٣٥٢) في الدعوات، مُسْلِمٍ (٢٣٤٥/١١)، التِّرْمِذِي (٣٦٤٣) فِي
المَنَاقِبِ، النَّسَائِي في «الكبرى» (٧٥١٨) فِي الطِّبِّ.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابٌ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
米
مع الصبيان إلى ثنية الوداع لتلقي النبي وَلّ مقدمه من تبوك، له أحاديث قليلة، اتفقا
على حديث، وانفرد البخاري بخمسة، وكان عاملًا لعمر على سوق المدينة، مات
سنة (٩١) وقيل: قبل ذلك سنة (٨٨) أو (٨٦) أو (٨٢) يقال: هو آخر مَن مات
بالمدينة من الصحابة، والله أعلم.
(ذَهَبَتْ بِي) الباء للتعدية أي: أذهبتني، وقيل: الفرق بين: ذَهَبَ بِهِ، وبين:
أذهبه. أن معنى أذهبه: أزالَهُ وجعله ذاهبًا. ومعنى ذَهَبَ بِهِ: استصحبه و مضی به
معه. (خَالَتِي) لم تسم. قال الحافظُ: لم أقف على اسمها، وأما أمه فاسمها علية
بنت شريح أخت مخرمة بن شريح. (وَجِعٌ) بفتح الواو وكسر الجيم، أي:
مريض، والعرب تسمي كل مريض وجعًا. قال الحافظُ: والمرادُ أنه كان يشتكي
رجله، كما ثبت في غير هذه الطريق.
وقال ابنُ حجر: يحتمل أن الوجع كان برأسه، فمسحه عليه الصلاة والسلام بيده
المباركة؛ ليكون ذلك سببًا لشفائه، فكان الأمر كذلك.
قال عطَاءُ مولى السائب: كان مقدم رأس السائب أسود، وهو الموضع الذي
مسحه النبي ◌ُّ من رأسه، وشابَ ما سوى ذلك. رواه البيهقي والبغوي.
(فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) الظاهر: أن المراد بالوضوء هنا ما انفصل من أعضاء
وضوئه، أي: الماء المتقاطر منها. ففيه: دليل على أن الماء المستعمل في الوضوء
طاهر، خلافًا لما ذهب إليه بعض الحنفية من أنه نجس مخفف أو مغلظ. وما قيل:
أن ذلك من خصائصه؛ لأن فضلاته وَ ل # طاهرة، ففيه: أن هذه دعوى غير نافقة، فإن
الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد، إلا أن يقومَ دليل يقتضي بالاختصاص، ولا
دليل على كونه من خصائصه، ولا على طهارة فضلاته، بل كان ◌َّ يعامل بفضلاته
ما يعامل أحدنا بفضلاته.
(فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتِمِ النَّبُوَّةِ) بكسرِ التاء أي: فاعل الختم، وهو الإتمام والبلوغ إلى
الآخر، وبفتحها بمعنى الطابع، ومعناه: الشيء الذي هو دليل على أنه لا نبي بعده.
وقال البيضاوي: خاتمُ النبوة أثر كان بين كتفيه نعت به في الكتب المتقدمة،
وكان علامة يعلم بها أنه النبي الموعود، وصيانة لنبوته عن تطرق القدح إليها صيانة
٤١٢
**
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الشيء المستوثق بالختم. (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) حال من الخاتم، أو صفة له، وفي حديث
عبد الله بن سرجس عند مسلم أنه كان إلى جهة کتفه اليسرى.
(مِثْلَ) بكسر الميم وفتح اللام مفعول نظرت، وروي بكسرها بدل من
المجرور. وقال القاري: نصب بنزع الخافض، أي: كمثل، وقيل: بالرفع على أنه
خبر مبتدأ محذوف هو (هُوَ).
(زِرِّ الْحَجَلَةِ) بكسر الزاء وتشديد الراء، واحد الأزرار التي يشد به الكلل
والستور على ما يكون في حجلة العروس. والحجلة - بفتح الحاء والجيم - بيت
كالقبة يستر بالثياب، وتكون له أزرار كبار، وتجمع على حجال، ومعناهما
بالفارسية: تكمهء خانهء عروسي. وقيل: إنما هو بتقديم الراء على الزاى، ويكون
المراد البيض، يقال: أرزت الجرادة - بفتح الراء وتشديد الزاى - إذا كبست ذنبها
في الأرض فباضت، ويريد بالحجلة القبجة الطائر المعروف، ويشهد له ما عند
الترمذي عن جابر بن سمرة: وكان خاتم رسول اللّه ◌َ ليل الذي كان بين كتفيه غدة
حمراء مثل بيضة الحمامة. واختلفت الروايات في بيان كيفية خاتم النبوة وقدره،
ولا تعارض بينها لرجوع هذا الاختلاف إلى اختلاف الأحوال. ويأتي الكلام عليه
مفصلاً في باب أسمائه وَلّ وصفته، إن شاء الله تعالى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الطهارة، وصفة النبي ◌َّ، والدعوات،
والمرضى، ومسلم في الفضائل. وأخرجه أيضًا الترمذي في المناقب.
كِتَابُ الطُّهَارَةِ
*
بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَّاهِ
٤١٣
الفصل الثاني
٤٨١ - [٤] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي
الْفَلَاةِ مِنَ الْأَرْضِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
قُلَتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ)).
وَالتِّرْمِذِيُّ وَالَّنسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
- وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ: ((فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ)) (*).
الشَّرْجُ
٤٨١- قوله: (يَكُونُ) صفة أو حال. (فِي الْفَلَاةِ) أي: في الصحراء الواسعة
وتجمع على فلا وفلوات وفلى. (وَمَا يَنُوبُهُ) أي: ينزل به ويقصده.
وقال السندي: من ناب المكان وانتابه إذا تردد إليه مرة بعد أخرى ونوبة بعد
نوبة. وهو عطف على الماء بطريق البيان نحو أعجبني زيد وكرمه، يعني: أنهم
سألوه عن حال الماء الذي ينوبه الدواب والسباع. أي: فتشرب منه، وربما
تخوض، وتبول، وتلقي الروث فيه. (مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ) بيان لما (إِذَا كَانَ الْمَاءُ
قُلََّيْنِ) تثنية قلة بضم القاف وتشديد اللام.
قال السندي: زادَ عبد الرزاق عن ابن جريج بسندٍ مرسل: ((بقلال ھجر»، قال
ابن جريج: وقد رأيتُ قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا، فاندفع ما
يتوهم من الجهالة.
وقال الخطابي في ((معالم السنن)) (ج١: ص ٣٥): قد تكون القلة الإناء الصغير
الذي تقله الأيدي ويتعاطى فيه الشرب كالكيزان ونحوها، وقد تكون القلة الجرة
الكبيرة التي يقلها القوي من الرجال، إلا أن مخرج الخبر قد دلَّ على أن المراد به
(٤٨١) أَبُو دَاوُد (٦٣)، النَّسَائِي (١ / ٤٦)، ابن مَاجَهْ (٥١٧)، التِّرْمِذِي (٦٧) فِيهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
(*) هُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا (٦٥).
٤١٤
يوم
CIEN *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ليس النوع الأول؛ لأنه إنما سئل عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض في
المصانع والوهاد والغدران ونحوها، ومثل هذه المياه لا تحمل بالكوز والكوزين
في العرف والعادة؛ لأن أدنى النجس إذا أصابه نجسه، فعلم أنه ليس معنى
الحديث .
وقد روي من غير طريق أبي داود من رواية ابن جريج: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ
بِقِلَالِ هَجَرٍ)) أخبرناه محمد بن هاشم، حدثنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن ابن
جريج ... وذكر الحديث مرسلًا، وقال في حديثهٍ: بقلال هجر. قال: وقلال هجر
مشهورة الصنيعة، معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف المكائل والصيعان
والقرب المنسوبة إلى البلدان المحدودة على مثال واحد، وهي أكبر ما يكون من
القلال وأشهرها؛ لأنَّ الحدَّ لا يقع بالمجهول، ولذلك قيل: قلتين على لفظ
التثنية، ولو كان وراءها قلة في الكبر لأشكلت دلالته، فلما ثناها دل أنه أكبر
القلال؛ لأن التثنية لا بد لها من فائدة، وليست فائدتها إلا ما ذكرناها، وقد قدر
العلماء القلتين بخمس قرب، ومنهم من قدرها بخمسمائة رطل، انتهى.
قلت: قد جاء في حديث مرفوع ضعيف تقييد القلتين بقلال هجر، وهو ما روى
ابن عدي في ((الكامل)) من حديث ابن عمر: ((إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلْتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرٍ لَمْ
يُنَجِّسْهُ شَيٌ)). وفي سندِه المغيرة بن سقلاب.
قال النفيليُّ: لم يكن مؤتمنًا على الحديث.
وقال ابن عدي: منكر الحديث لا يتابع على عامة حديثه.
وقال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمته: قال أبو حاتم: صالح الحديث،
وقال أبو زرعة: لا بأس به.
وقال الشيخُ رشيد أحمد الكنكوهى شيخ مشائخ الطائفة الديوبندية: إلزام
الإجمال في معنى القلة تحكم؛ أما أولًا فلأن القلة كانت معلومة عندهم فلا يضر
جهالتها عندكم، وأما ثانيًا فلما ورد في بعض الروايات من زيادة لفظ يفسر المراد
ويبين الإجمال، وهو قوله: ((من قلال هجر))، انتهى. فالاعتذار من القول بحديث
القلتين بزعم الإجمال في معنى القلة كما قال الطحاوى (ص٩) وابن دقيق العيد
٤١٥
HERS
بَابٌ أَحْكَام الْمِيَاهِ
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
وابن عبد البر في ((التمهيد))، وغيرهم اعتذار بارد لا يلتفت إليه.
(لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ) أي: مالم يتغير لونه، أو طعمه، أو ريحه. والخبث بفتحتين
النجس، يعني: لم ينجس بوقوع النجاسة فيه كما فسره به في رواية أبي داود
الآتية. ولفظ ابن ماجه والحاكم: لم ينجسه شيء. وتقدير المعنى: لا يقبل
النجاسة، بل يدفعها عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحتمل الضيم، إذا كان يأباه
ويدفعه عن نفسه. ولو كان المعنى أنه يضعف عن حمله فينجس لما بقي الفرق بين
ما بلغ قلتين وما دونه، والحديث مسوق لإفادة التحديد بين المقدار الذي لم
ينجس. وقيل: معناه لا يقبل حكم النجاسة كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْيِلُوهَا﴾
أي: لم يقبلوا حكمها.
والحديث بمنطوقه: يدلُّ على أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس بملاقاة النجاسة،
وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأوْلَى، وذلك إذا لم يتغير فإن تغير نجس، فهو
مخصص أو مقيد بحديث: ((إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه)). وهو وإن كان ضعيفًا
فقد وقع الإجماع على معناه.
قال ابن المنذر: قد أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه
نجاسة فغيرت له طعمًا أو لونًّا أو ريحًا فهو نجس، انتهى.
والحديث: يدلُّ بمفهومه على أن الماء إن كان أقل من قلتين ينجس بالملاقاة.
وهذا المفهوم يخصص حديث: ((خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا)) عند من قال بالمفهومِ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. (والتِّرْمِذِيُّ) لم يتكلم الترمذي على
الحديث، وإنما ذكر أقوال العلماء الذين أخذوا به، وهم الشافعي وأحمد
وإسحاق، وهذا يشير إلى صحته عندهم وعنده. (وَالْنِسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ)
وردَ في رواية لابن ماجه: ((قلتين أو ثلاثًا)).
قال السندي: أي: أو أزيد من قلتين، ذكره لإفادة أن التحديد بقلتين ليس لمنع
الزيادة عليه، بل لمنع النقصان عنه، ومثله كثير في الكلام، وليس هو للشك حتى
يلزم الاضطراب في الحديث، كما زعم من لا يقول بالحديث، انتهى.
٤١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والحديث: أخرجه أيضًا الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني
والبيهقي .
قال الحافظ في ((الفتح)): رواتُهُ ثقات، وصححه جماعة من أهل العلم، انتهى.
وقال ابن منده: هو صحيح على شرط مسلم. وقال يحيى بن معين: الحديثُ
جید الإسناد.
وقال البيهقي: إسناد صحيح موصول.
وقال الحاكم: حديثُ صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجًّا جميعًا بجميع
رواته، ووافقه الذهبي.
وقال ابنُ السبكي في ((الطبقات)) (ج٦: ص٢٠): صحح الشيخ تقي الدين ابن
دقيق العيد حديث القلتين.
وقال الطحاوي: خبرُ القلتين صحيح، وإسناده ثابت، ذكره القاري.
وقال الحافظُ أبو الفضل العراقيُّ في ((أماليه)): قد صحَّح هذا الحديث الجُّ
الغفير من أئمة الحفاظ: الشافعي وأبو عبيد وأحمد وإسحاق ويحيى بن معين وابن
خزيمة والطحاوي وابن حبان والدار قطني وابن منده والحاكم والخطابي والبيهقي
وابن حزم وآخرون، كذا في ((قوت المغتذي)).
وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي شيخ النيموي وهما من العلماء الحنفية في
(السعاية)) (ص٣٧٧): والذي يظهرُ بعد إدارة النظر من الجوانب هو أن نفس
الحديث صحيح سالم عن المعارضة ومخالفة الإجماع وعن النسخ والتأويل وغير
ذلك، وغاية ما فيه هو إجمال في معنى القلة وتعينها.
قلت: قد تقدَّم الجواب عن دعوى الإجمال؛ فتذكر.
وقال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي : قد أخذَ الشافعي فيما اختاره بحديث جيد
الإسناد، قابل للاعتماد. قال: وقد أجاب بعض الأحناف عن حديث القلتين
بأجوبة لا ترضاها الطبائع السليمة، ثم ذكرها وقال: وأنت تعلم أن كل ذلك
تعسف. ثم ردَّ تلك الأجوبة، قال: إن في تضعيف سند الحديث انكار البداهة،
فإن صحة رواية القلتين غير منكرة.
كِتَابُ الطُّهَارَةِ
**
بَابٌ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
gese
٤١٧
والروايات الواردة في السنن شاهد صدق على ذلك، كذا في ((الكوكب الدري))
(ج١: ص ٤٠ - ٤٣) قلتُ: الحديث قد تكلم فيه ابن عبد البر، والقاضي إسماعيل
ابن إسحاق، وابن العربي المالكيون من جهة دعوى الاضطراب في السند والمتن،
وقد أجاب عنه الحافظ في ((التلخيص)) (ص٥، ٦) وأجاد، فارجع إليه.
قال القاري: إن الجرح مقدم على التعديل، فلا يدفعه تصحيح بعض
المحدثين، وفيه: أنه لا وجه لجرح من تكلم في هذا الحديث، كما أوضحه
الحافظ والنووي والخطابي وغيرهم، وأيضًا تقديم الجرح على التعديل مختلف
فيه. قال في مُسَلّم الثبوت: إذا تعارض الجرح والتعديل فالتقديم للجرح مطلقًا،
وقيل: بل للتعديلَ عند زيادة المعدلين، ومحل الخلاف إذا أطلقا، أو عين الجارح
شيئًا لم ينفه المعدل، أو نفاه لا بيقين، وأما إذا نفاه يقينًا فالمصير إلى الترجيح
اتفاقًّا، انتهى. فيكون الترجيح هاهنا للتعديل لجودة أسانيد الأحاديث من حيث ثقة
الرواة وكثرة المعدلين والمصححين له كما تقدم، وانظر تفصيل الكلام على
الحديث في ((أبكار المنن)) (ص١٢، ٢٥/٥، ٢٠) و((تحفة الأحوذي)) (ج١ :
ص٧٠، ٧١) و((عون المعبود)) (ج١: ص٢٣، ٢٤). وفي جعل القلتين حدًّا فاصلًا
بين القليل والكثير كلام حسن للشاه ولي اللَّه الدهلوي في ((حجة اللَّه البالغة))
(ج١: ص ١٤٦، ١٤٧) فعليك أن تراجعها .
٤٨٢- [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةَ - وَهِيَ بِثْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ
وَالنَّتْنُ -؟ فَقَالَّ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالَّنسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٤٨٢ - قوله: (بُضَاعَةَ) بضم الباء وقد كسرها بعضهم، والأول أكثر، وهي دار
بني ساعدة بالمدينة، وبئرها معروفة، قاله ياقوت.
(٤٨٢) أَبُو دَاوُد (٦٦)، التِّرْمِذِي (٦٦)، النَّسَائِي (١ / ١٧٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِيهَا .