Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الحافظُ: الظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له
أصلًا. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي وَّ قاله. وقال ابن سيد الناس
في ((شرح الترمذي)): ولا يخلو هذا الباب من حسن صريح، وصحيح غير صريح.
وقال ابن كثير في ((الإرشاد)): وقد روى من طرق يشد بعضها بعضًا فهو حديث
حسن أو صحيح. وقال ابن الصلاح: يثبت بمجموعها ما يثبت بالحديث الحسن.
٤٠٧ - [١٤] وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي
عَنِ الوُضُوءِ. قَالَ: ((أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَ التِّرْمِذِيُّ وَالَّنسَائِيُّ.
الاِسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا)».
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: (بَيْنَ الْأَصَابِعِ))] (صحيح)
الشَّرْجُ
٤٠٧- قوله: (وَعَنْ لَقِيطِ) بفتح اللام وكسر القاف وبالطاء المهملة (بْنِ
صَبِرَةَ) بفتح المهملة وكسر الموحدة، هو لقيط بن عامر بن صبرة أبو رزين
العقيلي، صحابي مشهور، له أربعة وعشرين حديثًا، جعلهما واحدًا ابن عبد البر
وعبد الغني بن سعيد وابن معين، وحكى ذلك الأثرم عن أحمد، وإليه نحا
البخاري وجمعه ابن حبان وابن السكن، وقال ابن المديني وخليفة خياط وابن أبي
خيثمة وابن سعد ومسلم والترمذي وابن قانع والبغوي والدارمي وجماعة: إن
لقيط بن صبرة غير لقيط بن عامر بن صبرة.
(أَسْبِغ الْوُضُوءَ) أي: أبلغه مواضعه، وأوف كل عضو حقه، وقيل: أي أكمله،
وبالغ فيه بالزيادة على المفروض كمية وكيفية بالتثليث، والدلك، وتطويل الغرة،
وغير ذلك. (وَخَلَّلْ بَيْنَ الأَصَابِع) أي: أوصل الماء إلى ما بين أصابع اليدين
والرجلين بالتخليل. وفيه دليل على وجوب التخليل بين أصابع اليدين والرجلين
مطلقًا من غير فرق بين إمكان وصول الماء بدون تخليل وعدمه. (وَبَالِغْ فِي
الاِسْتِنْشَاقِ) بإيصال الماء إلى باطن الأنف. وفي رواية الدولابي: ((وَبَالِغْ فِي
(٤٠٧) فِي الطَّهَارَةِ سِوَى التِّرْ مِذِيِّ (٧٨٨) ففي الصِّيَامِ عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، وَطَوَّلَهُ أَبُو دَاوُد (١٤٢).
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
Kee X ineses
٣٠١
الْمَضْمَضَةِ وَالإِسْتِنْشَاقِ) وفي رواية لأبي داود: ((وَإِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ)) وفيه:
دليل على وجوب الاستنشاق والمضمضة، والاقتصار على ذكر هذه الخصال مع أن
السؤال كان عن الوضوء، إما من الرواة بسبب أن الحاجة دعتهم إلى نقل البعض،
والنبي وَّل بين كيفية الوضوء بتمامها، أو من النبي وقّ بناء على أنه علم أن مقصد
السائل البحث عن هذه الخصال، وإن أطلق لفظه في السؤال، إما بقرينة حال، أو
وحي، أو إلهام. وقال في التوسط: اقتصر في الجواب علمًا منه أن السائل لم يسأله
عن ظاهر الوضوء، بل عما خفي من باطن الفم والأنف والأصابع، فإن الخطاب
(بِأَسْبِغْ) إنما يتوجه نحو من علم صفته، انتهى.
(إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) فلا تبالغ لئلا يصل إلى باطنه، ولئلا ينزل إلى حلقه، ما
يفطره، وكذا حكم المضمضة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الطهارة، وفي الصيام وفي الحروف، مطولًا ومختصرًا،
وسكت عنه، ونقل المنذري تصحيح الترمذي، وأقرَّه. (والتِّرْمِذِيُّ) في الطهارة
وفي الصيام مختصرًا وصححه. (وَالنَّسَائِيُّ) في الطهارة مختصرًا.
(وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: بَيْنَ الْأَصَابِعِ) أي: بدون قوله: ((وَبَالِغْ
فِي الْاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا)) وهذا وهم من المصنفَ؛ لأن ابن ماجه رواه أولًا
في باب المبالغة في الاستنشاق مثل رواية الكتاب، إلا أنه ليس فيه قوله: (وَخَلِّلْ
بَيْنَ الأَصَابِعِ). ثم رواه في باب تخليل الأصابع بلفظ: ((أَسْبغ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ
الأَصَابِعِ)). وليس فيه ذكر المبالغة في الاستنشاق.
والحديث أخرجه أيضًا الشافعي وأحمد وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان
والحاكم وصححه، والبيهقي مطولاً ومختصرًا. ورواه الحافظ في الإصابة (ج٣:
ص٣٢٩) وقال: هذا حديث صحيح. وصححه أيضًا البغوي وابن القطان. وقال
النووي: حديث لقيط بن صبرة أسانيده صحيحة.
٣٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤٠٨ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِذَا تَوَضَّأْتَ
فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {حسن}
الشّرْجُ
٤٠٨- قوله: (إِذَا تَوَضَّأْتَ) أي: شرعت في الوضوء أو غسلت أعضاء
الوضوء. (فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ) فيه: حجة على من قيد التخليل
وخصه بأصابع الرجلين.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ ... ) إلخ وأخرجه أيضًا أحمد والحاكم. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وفي نسخ الترمذي المصححة الموجودة عندنا: حَدِيثٌ حَسَنٌ
غَرِيبٌ والحديث في إسناده صالح مولى التوأمة، وقد اختلط في آخر عمره، ولكن
موسى بن عقبة راوي الحديث سمع منه قبل أن يختلط، ولذلك حسنه الترمذي،
وحسَّنه البخاريُّ أيضًا كما نقل الحافظ في ((التلخيص)) (ص٣٤).
٤٠٩ - [١٦] وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ إِذَا
تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ. [رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٤٠٩ - قوله: (وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ) بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح التاء
المثناة وبكسر الراء وبالدال المهملة. (ابْنِ شَدَّادٍ) بن عمرو القرشي الفهري
الحجازي، سكن الكوفة، له ولأبيه صحبة. قال الخزرجيُّ: له سبعة أحاديث،
(٤٠٨) التِّرْمِذِي (٣٩)، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وابن مَاجَهْ (٤٤٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ كِلَاهُمَا فِي الطَّهَارَةِ.
(٤٠٩) أَبُو دَاوُد (١٤٨)، وَالتِّرْمِذِي (٤٠)، وَابن مَاجَهْ (٤٤٦)، كُلَّهُمْ فِي الطَّهَارَةِ عَنِ المُسْتَوْرِدِ بْنِ
شَدَّادٍ .
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٣٠٣
انفرد له مسلم بحدیثین، شهد فتح مصر، ومات بالإسكندرية سنة (٤٥) روى عنه
جماعة. (يَدْلُك) أي: يخلل كما في رواية أحمد (ج٤: ص٢٢٩). (بِخِنْصَرِهِ) أي:
بخنصر يده اليسرى؛ لأنها أليق به. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: هذا حديث حسن
غريب، كما في بعض نسخ الترمذي المصححة المعتمدة. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت
عنه. (وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا أحمد، وابن عبد الحكم في فتوح
مصر(ص ٢٦١) طبعة ليدن. كلهم من طريق ابن لهيعة، وقد صرَّح الترمذيُّ
بانفراده ولكنه ليس كذلك، فقد قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٣٤): تابعه
الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث وأخرجه البيهقي، وأبو بشر الدولابي،
والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة، وصححه ابن
القطان، انتهى. وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الشوكاني في ((النيل)) (ج١ :
ص١٤٩).
٤١٠ - [١٧] وَعَنْ أَنَس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِذَا تَوَضَّأَ، أَخَذَ كَفَّا
مِنْ مَاءٍ، فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: ((هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْحُ
٤١٠ - قوله: (أَخَذَ كَفَّا مِنْ مَاءٍ) أي: عند غسل الوجه. قال المناوي: مقتضى
الحديث أنه كان يخلل لحيته بكف واحد، لكن في رواية لابن عدي: خلل لحيته
بكفَّيْه. (فَأَدْخَلَهُ) أي: بيمينه. (تَحْتَ حَنَكِهِ) الحَنَك بفتح الحاء المهملة والنون،
أعلى باطن الفم والأسفل من طرف مقدم اللحيين، وتحت الحنك تحت الذقن.
(فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ) قال القاري: أي: أدخل كفّا من ماء تحت لحيته من جهة حلقه
فخلل به لحيته ليصل الماء إليها من كل جانب، وكان عند غسل الوجه لأنه من
تمامه لا بعد فراغه كما توهم. (وَقَالَ) لمن حضره. (هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي) أي: أمرني
بتخليل اللحية بالوحي الخفي، أو بواسطة جبريل. وفيه وفي حديث عثمان الذي
(٤١٠) أَبُو دَاوُد (١٤٥) عَنْ أَنَسٍ رَْثَُّهُ فِيهِ.
٣٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يتلوه دليل على مشروعية تخليل اللحية، واختلف في ذلك اختلافًا كثيرًا حتى
للحنفية وحدهم فيه ثمانية أقوال كما في ((رد المحتار))، والراجحُ عندي: أنه يجبُ
في غسل الجنابة غسل جميع اللحية أي ما يلاقي البشرة منها، وما يسترسل، ويلزم
إيصال الماء إلى باطنها خفيفة كانت أو كثة؛ لقوله وَّجله: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا
الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشْرَ)).
وأما الوضوء فلا يجب فيه غسلها وإيصال الماء إلى باطنها وتخليلها مطلقًا لا ما
يلاقي البشرة، أي: الشعر المقابل المماس للخدين والذقن، ولا المسترسل أي
الشعر الخارج عن دائرة الوجه، بل يسنُّ تخليلها ومسحها، وذلك لما رواه
البخاري عن ابن عباس في صفة الوضوء: (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا)).
أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه.
قال الشوكاني: لا شك أن الغرفة الواحدة لا تكفي كث اللحية لغسل وجهه
وتخليل لحيته، ودفع ذلك كما قال بعضهم بالوجدان مكابرة منه انتهى. وأما
الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها، هذا ما عندي، والله
أعلم. واستدل بعضهم على الوجوب بما في حديث أنس من قوله اله: «هَكَذَا
أَمَرَنِي رَبِّي)) .
وفيه: أنه حديث ضعيف لا يصلح مثله للاستدلال على إيجاب شيء، ولو سلم
صلاحيته للاستدلال وانتهاضه للاحتجاج ما أفاد الوجوب على الأمة لظهوره في
الاختصاص به، وهو يتخرج على الخلاف المشهور في الأصول هل يعم الأمة ما
كان ظاهر الاختصاص به وَ ل ﴿أم لا؟ والفرائض لا تثبت إلا بيقين، نعم الاحتياط
والأخذ بالأوثق لا شك في أولويته. وأما أحاديث الباب الأخرى مما ذكره الزيلعي
والحافظ فهي لا تدل على الوجوب لأنها أفعال.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وفي سنده الوليد بن زوران، قال الحافظ في ((التقريب)): لَيِّن
الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: لا ندري سمع من أنس أو لا. وقال الذهبي
في الميزان: ماذا بحجة مع أن ابن حبان وثَّقه. انتهى. قال الحافظ في ((التلخيص))
(ص٣١): وله طرق أخرى عن أنس ضعيفة ثم ذكر بعضها مع الكلام عليها.
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٣٠٥
#acE
٤١١ - [١٨] وَعَنْ عُثْمَانَ رَوَفْتَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهَ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ]
الشَّرْخُ
٤١١ - قوله: (كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ) أي: يدخل يده في خللها وهي الفروج التي
بين الشعر، ومنه فلان خليل فلان أي: يخالل حبه فروج جسمه حتى يبلغ إلى قلبه،
ومنه الخلال.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ والدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن ماجه، وابن الجارود في المنتقى،
والدار قطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، قال الترمذيُّ: حديث حسن
صحيح، وقال في ((عللَّه الكبير)): قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري -:
أصح شيء في التخليل حديث عثمان، وهو حديث حسن. وقال الزيلعي: أمثل
أحاديث تخليل اللحية حديث عثمان. ونقل الحافظ في ((التهذيب)) (ج٥: ص٦٩)
تصحيحه عن ابن خزيمة، وابن حبان. وقال الحاكمُ: صحيح الإسناد: وقد احتجا
يعني البخاري، ومسلمًا بجميع رواته غير عامر بن شقيق. قال: ولا أعلم في عامر
طعنًا بوجه من الوجوه. وتعقبه الذهبي في مختصره، وقال: إن عامر بن شقيق
ضعفه ابن معين، وكذا قال تقي الدين. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)). وللحديث شواهد ذكرها الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١ :
ص٢٤، ٢٦) والحافظ في ((التلخيص)) (ص٣١) والهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(ج١ : ص ٣٣٥) وهي بمجموعها تصلح للاحتجاج على استحباب تخليل اللحية
في الوضوء، قال شيخنا في شرح الترمذي: وهذا هو الحق.
(٤١١) التِّرْمِذِيُّ (٢٩) عَنْ عُثْمَانَ فِيهِ.
٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤١٢ - [١٩] وَعَنْ أَبِي حَيَّةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ حَتَّى
أَنْقَاهُمَا، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلاثًّا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًّا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا،
وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ
فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أَحْبَيْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ طُّهُورُ رَسُولِ اللَّهِ وَ.
[رَوَاهُ التِرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ ] (صحيح)
الشَّرْحُ
٤١٢ - قوله: (عَنْ أَبِي حَيَّةً) بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناه التحتية،
هو ابن قيس الوادعي الهمداني الخارفي ولا يعرف اسمه، ذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال ابن القطان: وثَّقة بعضهم، وصحح حديثه ابن السكن وغيره.
وقال ابن الجارود في ((الكنى)): وثَّقة ابن نمير.
(تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ) أي: شرع في الوضوء، أو أراده، فالفاء للتعقيب، أو لتفصيل
ما أجمل في قوله: ((توضأ))، وتفسيره. والمراد: بالكفين اليدان إلى الرسغين.
(حَتَّى أَنْقَاهُمَا) أي: أزال الوسخ عنهما، وقد جاء التصريح بالتثليث في الروايات
الأخرى. (ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا) قال القاري: ظاهره الفصل المطابق
لمذهبنا، قلت: بل هو محتمل، فإنه يحتمل أن يكون معناه: أنه مضمض ثلاثًا
بثلاث غرفات، ثم استنشق ثلاثًا بثلاث غرفات أخرى. ويحتمل أن يكون معناه أنه
مضمض واستنشق بغرفة، ثم فعل هكذا في الثانية والثالثة. والمحتمل لا يقوم به
حجة، أو يرد هذا المحتمل إلى الأحاديث المحكمة الصحيحة الصريحة في
الوصل توفيقًّا بين الدليلين. (وَذِرَاعَيْهِ) أي: يديه من رؤوس الأصابع إلى
المرفقين. (وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً) فيه حجة للجمهور خلافًا للشافعي. (ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ)
أي: ثلاثًا ثلاثًا كما في رواية عبدخير عن علي عند أبي داود، والنسائي. وفيه: ردّ
على الشيعة. (فَضْلَ طَهُورِهِ) بفتح الطاء أي: بقية مائه الذي توضأ به. (فَشَرِبَهُ وَهُوَ
(٤١٢) التر مذيُّ (٤٨)، النَّسَائِيُّ (١/ ٧٠، ٧١)، أَبُو دَاوُد (١١٦) فِي الطَّهَارَةِ مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي حيّة بْنِ
قَيْسٍ بِهِ.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
se
٣٠٧
قَائِمٌ) قال بعضُ العلماء: إنَّ الشرب قائمًا مخصوص بفضل الوضوء بهذا
الحديث، وبماء زمزم لما جاء فيه أيضًا، وفي غيرهما لا ينبغي الشرب قائمًا للنهى.
والحق أنه جاء في غيرهما أيضًا، فالوجه أن النهي للتنزيه، وما جاء من الرخصة فهو
لبيان الجواز. (أَحْبَيْتُ أَنْ أَرِيَكُمْ) بصيغة المتكلم من الإراءة. (كَيْفَ كَانَ طُهُورُ
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾ بضمِّ الطاءِ، أي: وضوئه وطهارته. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حديث
حسن صحيح. (وِالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أبو داود، وابن ماجه مختصرًا.
٤١٣ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدٍ خَيْرِ قال: نَحْنُ جُلُوسٌ نَنْظُرُ إِلَي عَلِيٍّ حِينَ
تَوَضَّأَ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَمَلأَ فَمَةً فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى،
فَعَلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى طُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ وَ
فَهَذَا طُهُورُهُ.
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الشّرْخُ
٤١٣ - (وَعَنْ عَبْدٍ خَيْرٍ) ضد شر، هو عبد خير بن يزيد الهمداني أبو عمارة
الكوفي، أدرك زمن النبي ◌َّ إلا أنه لم يلقه، وصحب عليًّا، وهو من كبار
أصحابه، ثقة مأمون، سكن الكوفة، ويقال: أتى عليه مائه وعشرون سنة.
قال الحافظ في ((التقريب)): مخضرٌ ثقة من كبار التابعين، ولم يصح له صحبة.
(نَحْنُ جُلُوسٌ) أي: جالسون. (نَنْظُرُ إِلَي عَلِيٍّ حِينَ تَوَضَّأَ) لنأخذ العلم من بابه.
(فَأَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى) أي: في الإناء، فأخذ بها الماء. (وَنَثَرَ) أي: أخرج الماء،
والمخاط، والأذى من الأنف. (فَعَلَ هَذَا) أي: المذكور من المضمضة
والاستنشاق، وهذا ظاهر في الوصل. (مَنْ سَرَّهُ) أي: جعله مسرورًا، أو أحب.
(فَهَذَا طُهُورُهُ) أي: نحو وضوءه والإشارة إلى تمام ما فعله من الوضوء، والاقتصار
من الراوي. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي. ولحديث علي في
صفة الوضوء طرق عنه عند الترمذي، وأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان
والبزار، ذكرها وجمعها الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٨ - ٢٩).
(٤١٣) الدَّارِمِيُّ (١/ ١٧٨)، النَّسَائِيُّ (١/ ٦٧) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ خير، عَنْ عَلِيٍّ فيه.
EDENE
٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤١٤ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ◌َلَ﴾
مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّ وَاحِدٍ ، فَعَلَّ ذَلِكَ ثَلَاثًا.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنِّرْمِذِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
٤١٤- قوله: (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن عاصم المازني، لا ابن عبد ربه
الذي أُرِيَ النداء كما توهم الطيبي وقلده فيه القاري، لأن الراوي لصفة الوضوء هو
عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، ومنشأ توهم الطيبي رواية سفيان بن عيينة عند
النسائي، فإنه أخرج حديث صفة الوضوء من رواية عبد الله بن زيد بن عبدربه،
وهِذا وهم من ابن عيينة، خطأه في ذلك البخاري وغيره. (مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ
كَفّ وَاحِدٍ) كذا بالتذكير في طبعات الهند وفي نسخة القاري، وهكذا في ((جامع
الترمذي))، وفي بعض نسخ أبي داود، ووقع في نسخة الألباني بالتأنيث وكذا في
أكثر نسخ أبي داود. وهذا الحديث صريح في الجمع بين المضمضة والاستنشاق
في كل مرة؛ بأن يكون بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها.
(فَعَلَ ذَلِكَ) أي: الجمع بين المضمضة والاستنشاق. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ)
وأصله عند الشيخين، وقد ذكره المؤلف في الفصل الأول.
٤١٥ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، بَاطِنِهِمَا
بِالسَّبَّاحَتَيْنِ، وَظَاهِرِهِمَا بِإِبْهَامَيْهِ.
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْخُ
٤١٥ - قوله: (مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ) فيه دليل على أن وظيفة الأذنين المسح مع
الرأس، وظاهره أنه مسحهما بماء رأسه. وفي رواية ابن حبان ((غَرَفَ غَرْفَةً فَمَسَحَ
(٤١٤) أَبُو دَاوُد (١١٩)، التِّرْمِذِي (٢٨) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ فِيهِ.
(٤١٥) النَّسَائِي (١/ ٧٤).
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٣٠٩
بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ دَاخِلَهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ، وَخَالَفَ بِإِبْهَامَيْهِ إِلَى ظَاهِرٍ أُذُنَيْهِ، فَمِسَحَ ظَاهِرَهُمَا
وَبَاطِنَهُمَا)). ذكرها الحافظُ في ((التلخيص))، وقال: صححها ابن خزيمة، وابن
منده. وفيه، وفي حديث الربيع الآتي بيان كيفية مسح الأذنين. (بَاطِنِهِمَا) بالجرِّ
على البدلية من لفظ أذنيه، والنصب بدل من محله، والمراد بالباطن الجانب الذي
فيه الصماخ أي الثقب. (بِالسَّبَّاحَتَيْنِ) السباحة والمسبحة الإصبع التي تلي الإِبهام،
سميت بذلك لأنها يشار بها عند التسبيح، وهذا اسم إسلامي وضعوها مكان السبابة
لما فيه من الدلالة على المعنى المكروه، وهو أن الجاهلية كانوا يسبون الناس
ويشيرون بها إليهم. (وَظَاهِرِ هِمَا) بالوجهين وهو الطرف الذي يلي الرأس ويلتصق
به .
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا الترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي بألفاظ
متقاربة، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن منده.
٤١٦ - [٢٣] وَعَنِ الرُّبَيِّع بِنْتِ مُعَوِّذٍ: أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ ◌َهِ يَتَوَضَّأُ
قَالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
- وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ(*).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ الثَّانِيَةَ] {حسن}
الشَّرُْ
٤١٦- قوله: (وَعَنِ الرُّبَيِّع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية
المكسورة. (بِنْتِ مُعَوِّذٍ) اسم فاعلَ من التعويذ، هي الربيع بنت معوّذ بن عفراء،
وعفراء أم معوّذ، وأبوه الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، أنصارية نجارية
صحابية من المبايعات تحت الشجرة. قال ابنُ عبدِ البر: لها قدر عظيم، وكانت
ربما غزت مع رسول اللَّه ◌َلـ لها أحد وعشرون حديثًا، اتفقا على حدیثین، وانفرد
البخاري بحديثين، روى عنها جماعة. (مَا أَقْبَلَ مِنْهُ) أي: من الرأس، وما
(٤١٦) أَبُو دَاوُد (١٢٩) عَنِ الرُّبَيِّع بِنْتِ مُعَوِّذٍ فيه.
(*) أَحْمَد (٦/ ٣٥٩)، وَابن مَاجَهْ (٤٤١) عَنْهَا فِيهِ، وأَبُو دَاوُد (١٣١).
٣١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
موصولة. (وَمَا أَدْبَرَ) عطف عليه، وهما بدل من رأسه، يعني مسح من مقدم الرأس
إلى منتهاه ثم رد يديه من مؤخرة الرأس إلى مقدمه. (وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ) معطوف
على رأسه، والصدغ بضم الصاد وسكون الدال، الموضع الذي بين العين والأذن،
والشعر المتدلى على ذلك الموضع. (مَرَّةً وَاحِدَةً) متعلق بمسح، فيكون قيدًا في
الإقبال والإدبار وما بعد هما، فباعتبار الإقبال يكون مرة، وباعتبار الإدبار مرة
أخرى، وهو مسح واحد. والحديث يدل على مشروعية مسح الصدغ والأذن، وأن
مسحهما مع الرأس، وأنه مرة واحدة. (فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ) أي: عند مسح الرأس
وبعده. (فِي جُحْرَيْ أَذْنَيْهِ) بتقديم الجيم المضمومة تثنية جحر وهو الثقب والخرق
يعني صماخهما .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أي: الروايتين كلتيهما. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ... ) إلخ. قال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري تصحيح
الترمذي وأقره. وقيل: في تصحيحه نظر، لأن في سنده عبد الله بن محمد بن
عقيل، وفيه مقال. قال الشوكاني: ولحديث الربيع روايات في صفة الوضوء
وألفاظ، مدار الكل على عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه مقال مشهورٌ لاسيما
إذا عنعن، وقد فعل ذلك في جميعها، انتهى.
قلت: هو مدلس كما صرح به الحافظ في ((طبقات المدلسين))، لكن قد احتج
بحديثه أحمد، وإسحاق، والحميدي. وقال البخاري: هو مقارب الحديث. وقال
الذهبي: حديثه في مرتبة الحسن، فالظاهر أن حديث الربيع هذا حسن.
٤١٧ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّه رأى النَّبِيَّ نَّهِ تَوَضَّأَ، وَأَنَّهُ
مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلٍ يَدَيْهِ. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ زَوَائِدَ] {صحيحٍ}
الشَّرْحُ
٤١٧- قوله: (بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ) أي: بماء جديد لا ببقية من ماء يديه،
أي: أخذ لمسح الرأس ماءً جديدًا ولم يقتصر على البلل الذي بيديه. قال النووي:
(٤١٧) أَبُو دَاوُد (١٢٠) فِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِم (٢٣٦) أَتَمَّ مِنْهُ.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٣١١
لا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به، لأن هذا إخبار عن
الإتیان بماء جدید للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه، انتهى. وروى أبو داود من
حديث سفيان بن سعيد أي الثوري، عن ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ: أن
النبي ◌َّ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده. وقد احتج به من رأى طهورية
الماء المستعمل، وتأوله البيهقي على أنه أخذ ماء جديدًا وصب نصفه، و مسح بيلل
يده، ليوافق حديث عبد الله بن زيد ((وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلٍ يَدَيْهِ)).
قلت: حديث الربيع هذا صحيح أو حسن، ولا تعارض بينه وبين حديث
عبد الله بن زيد؛ لأنهما عن حادثتين مختلفتين، فلا حاجة إلى تأويل البيهقي، بل
يقال: كلا الأمرين جائزان، إن شاء أخذ لرأسه ماء جديدًا، وإن شاء مسحه بفضل
ماء يكون في يده، لكن قيل: في متن حديث الربيع اضطراب، فإن ابن ماجه أخرج
من طريق شريك عن ابن عقيل عنها، قالت: أتيت النبي وَلَّ بميضاة فقال: اسكبي،
فسكبت، فغسل وجهه وذراعيه، وأخذ ماء جديدًا فمسح به رأسه مقدمه ومؤخره.
قلت: شريك هذا هو ابن عبد الله القاضي، وهو صدوق يخطئ كثيرًا، تغير
حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. وقال ابن معين: صدوق، ثقة إلا إذا خالف فغيره
أحب إلينا منه، وقد خالف هاهنا الثوري، فحديث شريك هذا مرجوح، ولا يعل
الراجح بالمرجوح. والحاصل: أنه يجوز كلا الأمرين عندي إلا أن الأولى أن يأخذ
ماء جديدًا لمسح الرأس ولا يقتصر على بلل يديه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أيضًا أبو داود وسكت عنه.
(ورَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ زَوَائِدَ) أي: مطولًا، وكذا الدارمي. فأصل الحديث مخرج في
((صحيح مسلم))، وما رواه الترمذي طرف منه، والظاهر أن البغوي لم يشعر أنه في
كتاب مسلم، ونقله عن ((جامع الترمذي)) فجعله من الحسان، أو شعر بذلك لكن
نسي ذكره في الصحاح.
٣١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤١٨ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ذَكَرَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ قَالَ: وَكَانَ
يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ، وقَالَ: ((الْأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُدَ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَذَكَرًا.
- قَالَ حَمَّدٌ: لَا أَدْرِي الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ (*)، أَمْ مِنْ قَوْلِ
رَسُولِ اللَّهِ وَهُ.
[صحيح]
الشَّرْجُ
٤١٨- قوله: (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) الظاهر أنه هو: أبو أمامة الصدي بن عجلان
الباهلي، لا أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي كما توهم
الطيبي، فقد ذكر الإمام أحمد هذا الحديث في ((مسنده)) في مسانيد أبي أمامة
الباهلي الصدي بن عجلان (ج٥: ص٢٥٨، ٢٦٨) فصنيعُهُ هذا يدل على أن أبا
أمامة راوي حديث: ((الْأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) و((مَسْحَ الْمأقينِ)) عند أحمد، هو
صدي بن عجلان الباهلي لا غير، ويؤيد ذلك صنيع الحافظ في ((تهذيب التهذيب))
(ج٤: ص ٤٣٠) و((الإصابة)) (ج٢: ص١٨٢)، حيث ذكر في ترجمة أبي أمامة
الباهلي شهر بن حوشب - راوي هذا الحديث عن أبي أمامة - فيمن روى عنه،
ولم يذكر شهرًا فيمن روى عن غير أبي أمامة الباهلي ممن كنيته أبو أمامة، ويقوي
ذلك أيضًا أن الشيخ عبد الغني النابلسي ذكر هذا الحديث في أحاديث أبي أمامة
الباهلي، ولم يذكره في أحاديث غيره ممن كنيته أبو أمامة من الصحابة كأسعد بن
سهل بن حنيف المتقدم ذكره، وأياس بن ثعلبة أبي أمامة البلوي الأنصاري.
(ذَكَرَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ) أي: وصف وضوءه، وفي بعض نسخ أبي داود: وذكر
وضوء النبي. (قَالَ) أي: أبو أمامة، وهو بدل من ذكر. (وَكَانَ يَمْسَحُ) أي: يدلك.
(الْمَأْقَيْنِ) تثنية مأق بفتح الميم وسكون الهمزة، ويجوز تخفيفها، وهو طرف العين
الذي يلي الأنف والأذن، واللغة المشهورة مؤق، وإنما مسحهما على الاستحباب
(٤١٨) أَبُو دَاوُد (١٣٤)، وَالتِّرْمِذِي (٣٧)، وَابن مَاجَهْ (٤٤٤)، ثَلَاثْتُهُمْ فِيهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
(*) قُلْتُ: أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْ مِذِي، وَالدَّارَقُطْني (١/ ١٠٣)، وَبَيَّنَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُدْرَجٌ.
كِتَابُ الطُّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٣١٣
مبالغة في الإسباغ؛ لأن العين قلما تخلو من قذى ترميه من كحل وغيره، أو رمص
فيسيل وينعقد على طرفي العين. (وَقَالَ) أي: رسول اللّهِ وَ له، فيكون مرفوعًا، أو
أبو أمامة فيكون موقوفًا، والراجح عندنا هو الأول لما سيأتي.
(الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ) أي: حكمًا من حيث أنهما يمسحان بماء الرأس لا من
الوجه، فيغسلان معه، واختلفوا في أنهما يمسحان ببقية ماء الرأس، أو يؤخد لهما
ماء جديد، والراجح عندنا أنهما يمسحان بماء الرأس، ولو أخذ لمسحهما ماء
جديدًا لم يفعل بأسًا لقوله: ((الأذنان من الرأس)). وتقرير دلالته على ذلك أنه
لا يخلو من أحد الأمرين: إما أن يراد به الحكم أو بيان الخلقة، لا يجوز الثاني
لكونه وَ له مبعوثًا لبيان الأحكام دون الخلقة والحقائق، ولكونهما من الرأس
مشاهدة مغنية عن البيان، فتعين الأول، ثم لا يخفى إما أن يكون المراد من الحكم
كونهما ممسوحتين بماء الرأس، أو كونهما ممسوحتين كالرأس، ولا يجوز
الثاني؛ لأن اشتراك الشيء مع الشيء لا يوجب أن يكون ذلك الشيء من الشيء
الآخر، كالرجل مع الوجه يشتركان في حكم الغسل، ولا يقال: إن الرجل من
الوجه، فتعين الأول وهو كونهما ممسوحتين بماء الرأس، ويؤيد ذلك ما تقدم من
حديث ابن عباس عند ابن حبان وغيره، في صفة الوضوء، وفيه ((وَغَرَفَ غَرْفَةً
فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأَذْنَيْهِ دَاخِلَهُمَا بِالسََّّابَتَيْنِ، وَخَالَفَ بِإِبْهَامَيْهِ إِلَى ظَاهِرٍ أُذُنَيْهِ ... ))
الحديث. واستدلَّ النسائي على ذلك بحديث: ((إِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا
مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَذُنَيْهِ))؛ لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس إنما يحسن
إذا كانا منه، وقد سبق التنبيه على ذلك في أوائل الطهارة. قال شيخنا في ((شرح
الترمذي)) - بعد ذكر ما احتج به على أخذ الماء الجديد لمسح الأذنين أخذًا من
النيل - ما نصه: لم أقف على حديث مرفوع صحيح خال عن الكلام يدل على مسح
الأذنين بماء جديد، نعم ثبت ذلك عن ابن عمر من فعله، روى مالك في ((موطأه))
عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه، انتهى. وقال ابن
القيم في ((الهدى)): لم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماء جديدًا، وإنما صح ذلك عن ابن
عمر. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥:
ص٢٥٨ و٢٦٨) كلهم من حديث حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن
حوشب، وعن أبي أمامة، قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم.
٣١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَذَكَرًا) أي: أبو داود والترمذي في روايتهما عن قتيبة، عن حماد، ولذا قدم
المصنف عليهما ابن ماجه مع أنه خلاف العادة. (قَالَ حَمَّاهٌ) هو حماد بن زيد بن
درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري أحد الأعلام الأثبات. قال الحافظُ :
ثقة ثبت فقيه. قيل: إنه كان ضريرًا، ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب. ولد
سنة (٩٨) ومات في رمضان سنة (١٧٩) وله إحدى وثمانون سنة.
(لَا أَدْرِي الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ مَنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ) أي: موقوفًا. (أَمْ مِنْ قَوْلِ
رَسُولِ اللَّهِ بَ لَّ) أي: مرفوعًا. ورواه أبو داود أيضًا عن سليمان بن حرب عن
حماد، وقال: قال سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة. ورواه ابن ماجه، عن
محمد بن زياد، عن حماد بإسناده بلفظ: أن رسول اللَّه وَلَ قال: «الْأُذُنَانِ مِنَ
الرَّأْسِ))، وكان يمسح رأسه مرة، وكان يمسح المأقين. وهذا اللفظ لا يحتمل أن
يكون كلمة «الْأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)» مدرجة في الحديث، بل هو نص في أنها من اللفظ
النبوي، وقد أطالوا البحث في هذه الكلمة، وهل هي مدرجة من قول أبي أمامة أو
مرفوعة؟ ورجح كثير منهم أبو حاتم، وأبو زرعة، والدار قطني، والبيهقي
الإدراج.
وقال الحافظُ في ((التلخيصٍ)) (ص٣٣): قد بينت أنه مدرج في كتابي في ذلك
أي: ((تقريب المنهج بترتيب المدرج)). والظاهر أنه مرفوع ليس بمدرج،
والحديث حسن أو صحيح، فقد روي من غير وجه بأسانيد بعضها جيد ويؤيد
بعضها بعضًا. قال ابن دقيق العيد في ((الإمام)) في حديث أبي أمامة هذا: أنه معلول
بوجهين: أحدهما: الكلام في شهر بن حوشب. والثاني: في الشك في رفعه.
ولكن شهر وثّقه أحمد، ويحيى، والعجلي، ويعقوب بن شيبة، وسنان بن
ربيعة، أخرج له البخاري أي: مقرونًا بآخر، وهو وإن كان قد لين فقال ابن عدي :
أرجو أنه لا بأس به، وقال ابن معين: ليس بالقوي. فالحديث عندنا حسن، انتهى.
وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج١: ص١٩): قد اختلف فيه على حماد فوقفه
ابن حرب عنه، ورفعه أبو الربيع، واختلف أيضًا على مسدد عن حماد، فروي عنه
الرفع، وروي عنه الوقف. وإذا رفع ثقة حديثًا ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد
في وقتين ترجح الرافع؛ لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الرجل حديثًا فيفتي به
٣١٥
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
كِتَابُ الطُّهَارَةِ
في وقت، ويرفعه في وقت آخر، وهذا أولى من تغليط الراوي، ثم نقل الزيلعي
حديث: ((الْأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) من حديث عبد الله بن زيد مرفوعًا من ((سنن ابن
ماجه)) وقال: هذا أمثل إسناد في الباب لاتصاله وثقة رواته، انتهى.
وقال البوصيري في ((الزوائد)): هذا إسناده حسن إن كان سويد بن سعيد حفظه،
قلت: سويد بن سعيد هذا صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من
حديثه، وقد أخرج له مسلم، واحتج به، ثم نقله الزيلعي من حديث ابن عباس
مرفوعًا أيضًا من (سنن الدار قطني)) من طريق أبي كامل الجحدري، عن غندر، عن
ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، ثم قال: قال ابن القطان: إسناده صحيح
لاتصاله وثقة رواته، قال: وأعله الدار قطني بالاضطراب في إسناده، وقال: إسناده
وهم، وإنما هو مرسل، ثم أخرجه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي
وَلخير مرسلًا، وتبعه عبد الحق في ذلك، وقال: إن ابن جريج الذي دار الحديث
عليه يروي عنه عن سليمان بن موسى عن النبي ◌َّر مرسلًا. قال: وهذا ليس يقدح
فیه، وما يمنع أن یکون فيه حدیثان مسند و مرسل، انتهى.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): كلام ابن القطان هذا متجه، وقد روي ((الأُذُنَانِ
مِنَ الرَّأْسِ)) من حديث أبي هريرة. وأبي موسى، وابن عمر، وعائشة، وأنس
أيضًا، انظر ((التلخيص)) (ص٣٣) و((نصب الراية)) (ج١: ص٢٠).
٤١٩- [٢٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ
أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ؟ فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: ((هَكَذَا
الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَّدْ أَسَاءَ وتَعَدَّى وظَلَمَ)) .
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ] {حسن}
الشَّرْجُ
٤١٩- قوله: (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ) شعيب. (عَنْ جَدِّهِ) أي: جد
شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاصَّ. (يَسْأَلُهُ) حال من فاعل جاء. (عَنِ
(٤١٩) أَبُو دَاوُد (١٣٥)، النَّسَائِي (١ / ٨٨). وَاللَّفْظُ له. عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ فِيهِ.
٣١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الْوُضُوءِ) أي: كيفيته. (فَأَرَاهُ) أي: بالفعل، لأنه أبلغ في التعليم من القول. وفي
الكلام حذف، تقديره: أي: فأراد أن يريه ما سأله فتوضأ. (ثَلَاثًا ثَلَاثًا) أي: غير
المسح، فقد جاء في هذا الحديث أن المسح كان مرة في رواية سعيد بن منصور
ذكره الحافظ في ((الفتح))، وقد سبق التنبيه على ذلك. (فَقَدْ أَسَاءَ) أي: في مراعاة
آداب الشرع، فإن الزيادة استنقاص لما استكمله الشرع. (وَتَعَدَّى) أي: عما حد له
وجعله غاية التكميل. (وَظَلَمَ) أي: نفسه بإتعابها فيما زاد على الثلاثة من غير
حصول ثواب له، أو بإتلاف الماء ووضعه في غير محله، وإنما ذمه بهذه الكلمات
الثلاث إظهارًا لشدة النكير عليه، وزجرًا له عن ذلك.
وقد جاء في رواية أبي داود زيادة أو نقص، واستشكلت، والمحققون على أنها
وهم لجواز الوضوء مرة مرة ومرتين ومرتین، وقد تكلف لتوجيهها بما هو مذكور
في ((النيل)) (ج١: ص١٦٨) و((العون)) (ج١: ص٥٢) إن شئت الوقوف عليه فارجع
إليهما. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) إلا أن رواية ابن ماجه بلفظ: ((هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنَ
زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ، أَوْ تَعَدَّى، أَوْ ظَلَمَ)) بأو، بدل الواو. (ورَوَى أَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ)
بأطول من هذا، وسكت عليه، وأخرجه أيضًا أحمد، وابن خزيمة. قال الحافظ في
((التلخيص)): من طرق صحيحة، وصرح في ((الفتح)) أنه صححه ابن خزيمة وغيره.
٤٢٠ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّل أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي
أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ، قَالَ: أَيْ بُنَّيَّ سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعَوَّذْ
بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَ يَقُولُ: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ
قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشّرْحُ
٤٢٠ - قوله: (أنه سَمِعَ ابْنَهُ) يمكن أي يكون هو يزيد بن عبد الله بن مغفل،
الذى روى عنه أبو نعامة الحنفي في ترك الجهر بالبسملة عند الترمذي وغيره،
ويزيد هذا مجهول الحال، ويمكن أن يكون هذا ابنًا لعبد الله بن مغفل آخر غير
(٤٢٠) أَبُو دَاوُد (٩٦) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ فِيهِ.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ سُنَنِ الْوُضُوءِ
٣١٧
هذا الذى روى عنه أبو نعامة، وعلى هذا فلم أقف على اسمه .
(أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ) قال في ((المجمع)): القصر هو الدار الكبيرة المشيدة لأنه يقصر
فيه الحرم. (قَالَ) أي: عبد الله لابنه حين سمعه يدعو بهذه الكلمات. (أَيْ) بفتح
الهمزة وسكون الياء حرف نداء ينادى به القريب. (بُنِيَّ) تصغير للابن مضافًا إلى ياء
المتكلم. (سَلْ) أمر من سأل يسئل. (اللَّهَ الْجَنَّةَ) أي: ينبغي لك أن تكتفي بسؤال
الجنة، ولا تجاوز في السؤال عن الحد بزيادة القيود والأوصاف. قيل: إنما أنكر
عبد الله على ابنه في هذا الدعاء؛ لأنه طمح إلى ما لا يبلغه عملًا حيث سأل منازل
الأنبياء، وجعله من الاعتداء في الدعاء لما فيه من التجاوز عن حدِّ الأدب، ونظر
الداعي إلى نفسه بعين الكمال.
وقيل: لأنه سأل شيئًا معينًا فربما كان مقدرًا لغيره. وقيل: إنكار عبد الله على
ابنه من قبيل سد باب الاعتداء فإنه لما سمع ابنه يدعو بهذا الدعاء خاف عليه أن
يتجاوز عنه إلى ما فيه الاعتداء حقيقة فنبه على ذلك، وأنكر عليه سدًا للباب.
(يَعْتَدُونَ) بتخفيف الدال من الاعتداء، أي: يتجاوزون عن الحدِّ الشرعي. (فِي
الطُّهُورِ) بالزيادة على الثلاث وإسراف الماء، وبالمبالغة في الغسل إلى حدٍّ
الوسواس. والحديث عام يتناول الغسل، والوضوء، وإزالة النجاسة. (وَالدُّعَاءِ)
قيل: الاعتداء في الدعاء هو الدعاء بما لا يجوز، ورفع الصوت به، والصياح.
وقيل: سؤال منازل الأنبياء. وقيل: هو أن يتكلف السجع في الدعاء.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) في الطهارة وسكت عنه هو والمنذري. (وابْنُ مَاجَهْ) في
أبواب الدعاء، لكن ليس في روايته لفظ الطهور فلا يكون شاهدًا في الباب، فكان
الأولى للمصنف أن لا يذكر ابن ماجه. وقيل: عزا الحديث لابن ماجه نظرًا إلى
أصل الحديث، وإن اقتصر هو منه على الدعاء. والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان
والحاكم.