Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وحسنة أُمُّهما، صحابي، له هذا الحديث فقط، روى عنه زيد بن وهب، وذكر
مسلم والأزدي، والحاكم في ((المستدرك))، وأبو صالح المؤذن، وابن عبد البر:
أنه تفرد بالرواية عنه، وأنكر العسكري تبعًا لابن أبي خيثمة أن يكون عبد الرحمن
أخا شرحبيل، وقال الترمذي لما أشار إلى حديثه: يقال: إنه أخو شرحبيل.
(وَفِي يَدِهِ الدَّرَقَةُ) بالفتحات الترس من جلود ليس فيه خشب ولا عصب.
(فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ فَبَالَ إِلَيْهَا) أي: جعل الدرقة حائلة بينه وبين الناس وبال مستقبلاً
إليها. (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: انْظُرُوا إِلَيْهِ) وفي رواية لأحمد قال أي: عبد الرحمن بن
حسنة: كنتُ أنا وعمرو بن العاص جالسين، فخرج علينا رسول اللَّه ◌َليل ومعه درقة
أو شبهها فاستتر بها فبال جالسًا قال: فقلنا: أيبول؟ ... إلخ. وفي رواية الحاكم
فقلتُ لصاحبي: ألا ترى إلى رسول اللّهِ وَ لَّ كيفَ يبولُ؟ وهذه الرواية تدلُّ على أن
القائل كان مؤمنًا إلا أنه قال ذلك تعجبًا لما رآه مخالفًا لما عليه عادتهم في
الجاهلية، وكانوا قريبي العهد بها. (كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ) أي: في التستر، وعليه حمل
النووي فقال: إنهم كرهوا ذلك، وزعموا أن شهامة الرجل لا تقتضي التستر على
هذا الحال على ما كانوا عليه في الجاهلية، وقيل في الجلوس أو فيهما، وكان شأن
العرب البول قائمًا. ويؤيد الثاني رواية البغوي في ((معجمه)): فقال بعضنا لبعض :
يبولُ رسول اللّه ◌َيه كما تبول المرأة وهو قاعد. وفي ((معجم الطبراني)): يبول
رسول اللَّهُ وَلَه وهو جالس كما تبول المرأة.
(وَيْحَكَ) كلمة تقال لمن ينكر عليه فعله مع ترفق وترحم في حال الشفقة. (أَمَا
عَلِمْتَ مَا أَصَابَ) ما الأولى نافية دخلت عليه همزة الاستفهام للإنكار والثانية
موصولة، والمراد به العذاب (صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بالنصب وقيل: بالرفع، أي:
من العذاب لنهيه عن المعروف وهو الإحتراز من البول، والتنزه عنه بقطع موضعه،
ومقصوده ◌َّيلو بذكر صاحب بني إسرائيل لهم بيان سبب القعود في حالة البول،
كأنه قال: بلت جالسًا لا قائمًا لئلا يصيبني شيء من البول، فاستنزهت من البول
بهذا الوضع الخاص، وفي تعريضك منع عن الاستنزاه كمنع صاحب بني إسرائيل.
(كَانُوا) أي: بنو إسرائيل. (قَرَضُوهُ) أي: قطعوه، وكان هذا القطع مأمورًا به في
دينهم. (بِالْمَقَارِيضِ) وفي رواية أبي داود: ((قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ)). يعني:
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ آدَابِ الْخُلَاءِ
ee
٢٤١
قطعوا الموضع الذي أصابه البول من ثيابهم، ففي حديث أبي موسى عند البخاري
(كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ))، ووقع في مسلم: (جِلْدَ أَحَدِهِمْ)) قال
القرطبي: المراد بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها. وحمله بعضهم على
ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود ففيها: ((كَانَ إِذَا
أَصَابَ جَسَدَ أَحَدِهِمْ)) لكن رواية البخاري صريحة في الثياب، فلعل بعضهم رواه
بالمعنى، قاله الحافظ. (فَنَهَاهُمْ) أي: صاحبهم عن القطع. (فَعُذَّبَ فِي قَبْرِهِ) بسبب
مخالفة حكم شرعه، ونهيه عن العمل عليه وهو الاحتراز عن البول وقطع موضعه
من الثوب.
والمعنى: تعجبك من فعلي بهذا التعريض فيه شبه إنكار وشائبة نهي عن
المعروف، وهو الاستنزاه من البول بالبول جالسًا، أى فنهيك بهذا التعريض يشبه
نهى صاحب بني إسرائيل فيخاف أن يؤدي إلى العذاب كما أدى نهيه إليه. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري. (وابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي،
وابن حبان والحاكم، والبيهقي، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ومن
شرط الشيخين إلى أن يبلغ تفرد زيد بن وهب بالرواية عن عبد الرحمن بن حسنة،
قال الذهبي: رواه عدة عن الأعمش عن زيد بن وهب وهو على شرطهما.
٣٧٥ - [٤١] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِي مُوسَى
الشّرُ
٣٧٥- قوله: (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ) أي: عن عبد الرحمن بن حسنة، وهو
صحابي كما تقدم. (عَنْ أَبِي مُوسَى) فيكون رواية الصحابي عن الصحابي، لكن لم أجده
في ((السنن الصغرى))، ولعله في ((السنن الكبرى)).
(٣٧٥) رَوَاهُ النَّسَائِي (١٢٠١١/١) عن عبد الرحمن بن حسنة، وأما روايتُهُ عن أبي موسى فلم أجدها في
(سُننه الصغرى))، ولم يعزها إليه النابلسيُّ في ((الذخائرٍ)).
٢٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٧٦ - [٤٢] وَعَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ
مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ
عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلْ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ
شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرْحُ
٣٧٦ - قوله: (وَعَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ) بالفاء، قيل: اسم أبيه خاقان، وقيل:
سالم، أبو خليفة البصري ثقة تابعي. (أَنَاخَ) أي: أقعد. (رَاحِلَتَهُ) الراحلة المركب
من الإبل ذكرًا كان أو أنثى. (يَبُولُ إِلَيْهَا) أي: الراحلة. (أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا)
أي: عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة. (قَالَ: بَلْ) للإضراب، أي: لا مطلقًا.
(إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ) بفتح الفضاء أي: الصحراء. (فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ
الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرَُكَ) بضم التاء. (فَلَا بَأْسَ) قول ابن عمر هذا يدل على أن النهي عن
الاستقبال والاستدبار إنما هو في الصحراء مع عدم الساترة، واستدلَّ به من فرق
بين الصحراء والبنيان، وأجابٍ من قال بالمنع مطلقًا بأن قول ابن عمر هذا يحتمل
أنه قد علم ذلك من رسول اللّه وَله، ويحتملُ أنه قال ذلك استنادًا إلى الفعل الذي
شاهده ورواه، فكأنه لما رأى النبي وَ لّ في بيت حفصة مستدبر القبلة فَهِم اختصاص
النهي بالبنيان، فلا يكون هذا الفهم حُجة، ولا يصلح هذا القول للاستدلال به،
وأقل شيء الاحتمال فلا ينتهض لإفادة المطلوب. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو
والمنذري، وذكره الحافظ في ((التلخيص))، ولم يتكلم عليه بشيءٍ، وذكر في
((الفتح)) أنه أخرجه أبو داود والحاكم بإسناد حسن.
(٣٧٦) أَبُو دَاوُد (١١) فيها عن ابن عمر؛ وفيه قصة.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ آدَابِ الْخُلَاءِ
Bee
٢٤٣
٣٧٧ - [٤٣] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا خَرَجَ مِنَ
الْخَلَاءِ قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشّرْحُ
٣٧٧ - قوله: (إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ) أي: أو انتقل عن محل قضاء الحاجة
الذي في الصحراء وإن لم يكن معدًّا فإنه يسن قول ذلك مطلقًا. (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى) أي: المؤذي. (وَعَافَانِي) أي: من احتباسه، أو من نزول الأمعاء
معه. وفي حمده وَّه إشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنة جزيلة، فإن انحباس ذلك
الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها. وحق
على من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة، فسد به جوعته، وحفظ به صحته
وقوته، ثم لما قضى منه وطره، ولم يبق فيه نفع واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة
المنتنة، خرج بسهولة من مخرج معد لذلك، أن يستكثر من محامد الله جل
جلاله .
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) وفيه: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف الحديث،
وأخرجه النسائي، وعبد الرزاق وسعيد بن منصور في ((سننه)) عن أبي ذر، ورمز
السيوطي بصحته .
(٣٧٧) النَّسَائِي في ((الكبرى)). عمل يوم وليلة. كما في ((تحفة الأشراف)) (٩/ ١٢٠٠٣) فيها عن أبي ذر.
٢٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٣٧٨ - [٤٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لما قَدِمَ وَقْدُ الْجِنِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
وَِّ فَقَالُوا: يَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْم أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ؛
فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًّا. فَتَهَانا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عَنَّْ ذَلِكَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْحُ
٣٧٨ - قوله: (انْهَ) بسكون النون وفتح الهاء أمر من نهى ينهى. (أَوْ حُمَمَةٍ)
بضم الحاء وفتح الميم على وزن رطبة، الفحم وما احترق من الخشب أو العظام
ونحوهما. (فَإِنْ اللَّهَ جَعَلَ لَنَا) أي: ولدوابنا. (فِيهَا رِزْقًا) قال القاري: قوله رزقا
للجن، أي: انتفاعًا لهم بالطبخ والدفأ والإضاءة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه،
وقال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال مشهور، انتهى. قلتُ:
إسماعيل بن عياش هذا حمصي، وهو صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في
غيرهم، وقد روي هذا الحديث عن يحيى بن أبي عمر والسيباني الحمصي
فالحديث حسن صالح للاحتجاج على النهي عن الاستنجاء بالحممة.
(٣٧٨) أَبُو دَاوُد (٣٩) عن ابن مسعودٍ فيها.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ السوّاكِ
٢٤٥
٣ - بَابُ السِّوَاكِ
(بَابُ السِّوَاكِ) بكسر السين يطلق على الفعل، وعلى العودِ الذي يستاكُ به،
والمراد هنا الأول وهو الظاهر، أو الثاني، والمراد استعماله على حذف المضاف،
وقال الجزري: السواك والمسواك ما يدلك به أسنان من العيدان، يقال: ساك فاه
يسوكه إذا دلكه بالسواك، فإذا لم يذكر الفم، يقال: إستاك، انتهى. قال القاري:
في إفراد هذا الباب من سنن الوضوء إيماء إلى أن السواك ليس من أجزاء الوضوء
المتصل به، وإشارة إلى جواز تقديم السواك على الوضوء، وأنه ليس يتعين أن
يكون محله قبل المضمضة، انتهى.
وينبغي أن يكون السواك من الأراك لحديث أبي الخيرة الصباحي قال: كنت في
الوفد الذين أتوا رسول اللَّه وَ له فزودنا الأراك نستاك به، فقلنا: يارسول الله عندنا
الجريد، ولكن نقبل كرامتك وعطيتك. وفي لفظ: ثُمَّ أَمَرَ لَنَا بَأَرَاكِ فقال:
(اسْتَاكُوا بِهَذَا)) أخرجه البخاري في ((تاريخه))، والطبراني في ((الكبير))، وأبو أحمد
الحاكم في ((الكُنى))، وأبو نعيمٍ في ((المعرفة))، ذكرَهُ الحافظُ في ((التلخيصٍ))
(ص٢٦) وسكت عنه. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢: ص ١٠٠): إسناده
حسن .
ولحديث ابن مسعود، قال: كنت اجتني لرسول اللَّه ◌َ لَل سواكًا من أراك.
أخرجه أبو يعلى في ((مسنده))، وابن حبان، والطبراني، وصحَّحه الضياء في
أحكامه، وأخرجه أحمد موقوفًا على ابن مسعود: أنه كان يجتني سواكًا من أراك
الحديث. ولم يقل فيه: أنه كان يجتنيه للنبي وَّ. ولحديث أبي زيد الغافقي رفعه:
((الْأَسْوِكَةُ ثَلَاثَةُ: أَرَاكْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَاكِ، فَعَنمِّ، أو بُطْمِّ)). قال راويه: الْعَنَمِ:
الزيتون. أخرجه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)). فإن تعذّر الأراَ فقيل: الأفضل
الزيتون، لحديثِ أبي زيد الغافقي، ولحديث معاذ بن جبل رفعه: ((نِعْمَ السِّوَاكُ
الزَّيْتُون مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ، تُطَيِّبُ الْفَمَ، وَتُذْهِبُ بِالْحَفْرِ، وَهُوَ سِوَاكِي وَسِوَاكُ
الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي)). أخرجه أبو نعيم في كتاب السواك، والطبراني في ((الأوسط)).
٢٤٦
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الهيثمي: فيه معلل بن محمد، ولم أجد من ذكره، وقيل: الأفضل عند عدم
الأراك جريدة النخل؛ لحديث عائشة في قصة سواك عبد الرحمن بن أبي بكر أنه
كان جريدة رطبة، ووقع في ((مستدرك الحاكم)): أنه كان من أراك رطب. فالله
أعلم، فإن تعذرت استاك بما تيسر مما يزيل التغير والصفرة، فإن تعذر، أو كان
مقلوع الأسنان أجزأ السواك بالأصابع، لما روي في ذلك من حديث أنس عند ابن
عدي والدارقطني والبيهقي، وفي إسناده نظر، ومن حديث عائشة عند أبي نعيم
والطبراني وابن عدي، وفيه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف اختلط بآخره، ومن
حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده عند أبي نعيم،
والطبراني في ((الأوسط))، وكثير ضعفوه.
ومن حديث علي عند أحمد في ((مسنده))، وهو أصح مما تقدم: أنه دعا بكوز من
ماء فغسل وجه كفيه ثلاثًا، وتمضمض فأدخل بعض أصابعه في فيه الحديث، وفي
آخره: هذا وضوء رسول اللَّه وَله. ومن حديث عائشة أيضًا عند الطبراني في
((الأوسط)) قالت: قلتُ: يارسول اللَّه، الرجلُ يذهب فوه يستاك؟ قال: (نَعَمْ))
قلتُ: كيف يصنع؟ قال: ((يُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فِي فِيهِ فَيَدْلُكُهُ))، وفيه: عيسى بن عبد الله
الأنصاري وهو ضعيف.
وأما الأبراش التي تعمل في معامل أوروبا أو غيرها لتصفية الأسنان وتنقيتها
فالاحتراز منها أولى وأحوط عندي، فإن أكثرها كما قيل تصنعُ من أشعار الخنازير
إلا أن يعلم أنها عملت من غيرها مما يؤكل لحمه، وينبغي أن يستاك على الأسنان
عرضًا لئلا يدمي لحم لسانه، وفيه حديث مرفوع رواه أبو داود في ((مراسيله)) من
طريق عطاء بلفظٍ : ((إِذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُوا عَرْضًا)).
وروى البغوي والعقيلي والطبراني والبيهقي وغيرهم من حديث سعيد بن
المسيب عن بهزٍ قال: كان النبي ◌َّله يستاك عرضًا ... الحديث. وفي إسناده
ثبيت بن كثير، وهو ضعيف، واليمان بن عدي، وهو أضعف منه.
وأما اللسان فيستاك طولًا كما في حديث أبي موسى عند الشيخين، ولفظ
أحمد: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانه يستنُّ إلى فوق. قال الراوي: كأنه يستُّ طولًا .
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ السوّاكِ
٢٤٧
الفصل الأول
٣٧٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ
عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيْرِ الْعِشَاءِ، وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)) .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٣٧٩- قوله: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي) أي: لولا خشية المشقة عليهم.
(لَأَمَرْتُهُمْ) أي: أمر إيجاب وإلا فالندب ثابت، وفيه دلالة على أن مطلق الأمر
للإِيجاب. (بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ) أي: إلى ثُلث الليل أو نصف الليل. (وَبِالسِّوَاكِ) أي:
باستعماله إن كان المراد به الآلة، وإن كان المراد به الفعل فلا تقدير. (عِنْدَ كُلِّ
صَلَاةٍ) فريضة أو نافلة، وهذا لفظ مسلم، وكذا وقع عند الترمذي وأبي داود
والنسائي وابن ماجه، ووقع في رواية البخاري في الجمعة: ((مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ))،
وحقيقة كلمة ((مع)) و ((عند)) فيما اتصل حسًّا أو عرفًا، فيدلَّ على كون السواك سنة
عند الصلاة أيضًا خلافًا لمن لم يجعله من سنن الصلاة نفسها .
وَرَدَّ هذه السنة الصحيحة الصريحة بتعليلات واهية، منها: أنه مظنة جراحة اللثة
وخروج الدم، وهو ناقض عند الحنفية، فربما يفضي إلى حرج، وفيه: أن هذا
تعليل في مقابلة النص فلا يلتفتُ إليه، على أنه مبنى على كون خروج الدم من غير
السبيلين ناقضًا للوضوء، ولم يثبت ذلك كما تقدم، ولو سلم فمن يخاف ذلك
فليستعمل بالرفق على نفس الأسنان واللسان دون اللثة.
ومنها: أنه لا ينبغي عمله في المساجد؛ لأنه من إزالة المستقذرات، وفيه: أن
هذا التعليل أيضًا مردود.
(٣٧٩) البُخَارِي (٨٨٧)، مُسْلِم (٤٢/ ٢٥٢)، أَبُو دَاوُد (٤٦)، النَّسَائِي (٢٦٧.٢٦٦/١)، كلَّهم فِي
الطَّهَارَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٢٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الشيخ محمد طاهر الفتني الحنفي في ((مجمع البحار)) (ج٢: ص١٥٨): لأن
الحديث دلّ على استحبابه لكل صلاة، فكيف بمن هو في الصف الأول ينتظر
الصلاة؟ هل يخرج إذا أقيمت، أو يترك الصلاة فيخالف الحديث، أو يستاك قبل
الدخول فلا يكون استاك عند الصلاة؟ وقوله: من المستقذرات، معارض بأنه
عبادة، والمفروض فيما إذا لم يحصل بصاق ولا تفل، انتهى. وقال العلامة العظيم
آبادي في ((غاية المقصود)): ولا نسلمُ أنه من إزالة المستقذرات، كيف وقد كان
زيد بن خالد الجهني يشهدُ الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم
من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه - وسيأتي هذا
الحديث - وروى الخطيبُ في كتاب ((أسماء من روى عن مالك)) من طريق
يحيى بن ثابت، عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: ((كان
أصحاب النبي ◌َّ- سواكهم على آذانهم يستنون بها لكل صلاة)). وروى ابن أبي
شيبة عن صالح بن كيسان: أن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول اللَّه كانوا
يروحون والسواك على آذانهم.
ومنها: أنه لم يرو أنه عليه الصلاة والسلام استاك عند قيامه إلى الصلاة، فيحمل
قوله: ((لَأَّمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلُّ صَلَاةٍ)) على كل وضوء صلاة، بدليل ما في بعض
الروايات من قوله: عند كل وضوء، وفيه: أنه من البعيد كل البعد أن يأمر النبي وَله
الأمة بالسواك عند الصلاة، ويؤكده عليهم، ولا يفعل ذلك هو بل يترك، مع أنه
ثبت عمله بذلك، فقد روى الطبراني في ((الكبير)) عن زيد بن خالد الجهني، قال:
ما كان رسول اللّه وَال يخرج من بيته لشيءٍ من الصلوات حتى يستاك. قال
الهيثمي: رجاله موثقون، انتهى. ومن المعلوم أنه وّ ما كان يخرج بعد سماع
الأذان إلا عند إقامة الصلاة، فكان استیاکه في البيت عند قيامه إلى الصلاة، وليس
بين الروايتين تعارض حتى تحمل رواية الصلاة على الوضوء، بل يقال: إن كلّا
منهما سنة. قال القاري: قال بعض علمائنا من الصوفية في نصائحه العبادية: ومنها
مداومة السواك لا سيما عند الصلاة، قال النبي وَله: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي،
لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ - أَوْ - عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ). رواه الشيخان. وروى أحمد
أنه ◌ُالَُّ قال: ((صَلَُّةٌ بِسَوَاكِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِين صَلَاةٍ بَغَيْرِ سِوَاكِ))، والباء للإلصاق أو
المصاحبة، وحقيقتهما فيما اتصل حسًّا أو عرفًا، وكذا حقيقة كلمة ((مَعَ)) و((عِنْدَ)).
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ السوّاكِ
٢٤٩
والنصوص محمولة على ظواهرها إذا أمكن، وقد أمكن هاهنا فلا مساغ إذا على
الحمل على المجاز، أو تقدير مضاف، كيف وقد ذكر السواك عند نفس الصلاة في
بعض كتب الفروع المعتبرة؟ قال في ((التتارخانية)) نقلا عن ((التتمة)): ويستحب
السواك عندنا عند كل صلاة ووضوء، وكل شيء يغير الفم، وعند اليقظة، انتهى.
وقال الفاضل المحقق ابن الهمام في ((شرح الهداية)): ويستحب في خمسة
مواضع: اصفرار السن، وتغير الرائحة، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة
وعند الوضوء، انتهى. والسر في كون السواك سنة عند القيام إلى الصلاة أنها حال
تقرب إلى الله، فاقتضى أن يكون حال كمال ونظافة إظهارًا لشرف العبادة، وقد
ورد من حديث علي عند البزار بسند رجاله ثقات ما يدل على أنه لأمر يتعلق بالملك
الذي يستمع القرآن من المصلي، فلايزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيهِ فيتأذى
بالرائحة الكريهة، فسنَّ السواك لأجل ذلك. وقيل: لأنه يقطع البلغم، ويزيد في
الفصاحة، وتقطيع البلغم مناسب للقراءة لئلا يطرأ عليه فيمنعه القراءة وكذا
الفصاحة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه: أن الشيخين أخرجا فضل السواك فقط. نعم، أخرج الترمذي
وأبو داود والنسائي وابن ماجه الفضلين، قال ابن منده: إسناد الحديث مجمع على
صحته .
٣٨٠ - [٢] وَعَنْ شُرَيْح بْنِ هَانِيٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، قُلْتُ: بِأَِّ شَيْءٍ
كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٣٨٠ - قوله: (وَعَنْ شُرَيْح) بضم الشين المعجمة. (بْنِ هَانِئٍ) بالهمزة، هو
صَلىالله
وسيَّة
شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي المذحجي أبو المقدام الكوفي، أدرك النبي
(٣٨٠) مُسْلِمٌ (٤٣/ ٢٥٣)، وَأَبُو دَاوُد (٥١)، وَالنَّسَائِي (١/ ١٣)، وَابن مَاجَهْ (٢٩٠) فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ
شُرَيْحِ بْنِ هَانِي عَنْهَا.
DONE
٢٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ولم يره، وكان من أصحاب علي، وشهد معه المشاهد، وكان ثقة، وله أحاديث
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وذكره مسلم في
المخضرمين، وكان على شرطة علي رَوَّهُ، قتل بسجستان مع عبيد الله بن أبي
بكرة سنة (٧٨).
(بِالسِّوَاكِ) أي: يبدأ به وفيه: بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات، وشدة
الاهتمام به وتكراره لعدم تقييده بوقت الصلاة والوضوء؛ لأن دخول البيت لا
يختصُّ بوقت دون وقت فكذا السواك، ولعله إذا انقطع عن الناس يستعد للوحي،
وقيل: كان ذلك لاشتغاله بالصلاة النافلة في البيت، وقيل: لأنه ربما يتغير رائحة
الفم بمحادثة الناس فمن حسن معاشرة الأهل إزالته.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
٣٨١ - [٣] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ
يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٣٨١- قوله: (إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ) بضم المعجمة وسكون
الواو بعدها مهملة، أي: يدلك أسنانه وينقيها وينظفها (بِالسِّوَاكِ)؛ لأن النوم
مقتض لتغير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، والسواك ينظفه.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الطهارة، وفي صلاة الجمعة، وفي صلاة
الليل، ومسلم في الطهارة، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
(٣٨١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٢٤٥) و (١١٣٦)، ومُسْلِم (٤٦/ ٢٥٥) عَنْ حُذَيْفَةً فِيهِ.
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ السوّاكِ
٢٥١
٣٨٢ - [٤] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ:
قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ،
وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ - يَعْنِي:
الْاسْتِنْجَاءَ)). قَالَ الرَّاوِي: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ]
وَفِي رِوَايَةٍ: ((الْخِتَانُ)) بَدَلَ: ((إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ)). لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي
((الصَّحِيحَيْنِ))، وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ
الشَّرْحُ
٣٨٢- قوله: (عَشْرٌ) مبتدأ بتقدير عشرة خصال، أو عشرة أفعال، أو خصال
عشرة، أو أفعال عشرة، وقوله: ((مِنَ الْفِطْرَةِ)) خبر له، أو صفة ما بعده خبر. ورواية
الخمس لا تنفي الزيادة؛ إذ لا مفهوم للعدد. (مِنَ الْفِطْرَةِ) بكسر الفاء بمعنى
الخلقة، والمراد هاهنا السنة أي: من السنن القديمة التي اختارها اللَّه تعالى للأنبياء
الذين أمرنا أن نقتدي بهم، فكأنها أمر جِبِّي فطروا عليه. (قَصُّ الشَّارِبِ) أي:
وإحفاؤه حتى يبدو حمرة الشفة العليا، لقوله: ((أَحْفُوا الشَّوَارِبَ)) في حديثٍ ابن
عمر عند الشيخين، والإحفاء هو الاستيصال. وقيل: هو مخير بين الإحفاء والقص
أي: القطع، والشارب هو الشعر النابت على الشفة العليا. (وَإِعْفَاءُ اللُّحْيَةِ) أي:
توفيرها وتكثيرها وإرسالها. وأما الأخذ من طولها أو عرضها شيئًا للتناسب، ولئلا
يصل إلى حد الشهرة فقد جوزه بعض السلف. واللحية شعر الخدين والذقن.
وسيأتي الكلام مفصلًا في قص الشارب وإحفاء اللحية والختان في باب الترجل إن
شاء الله تعالى.
(وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ) أي: مع الاستنثار، وهو يحتمل حمله على ما ورد فيه الشرع
(٣٨٢) مُسْلِم (٥٦/ ٢٦١)، وأَبُو دَاوُد (٥٣)، والتِّرْمِذِي (٢٧٥٧)، وابن مَاجَهْ (٢٩٣)، والنَّسَائِي (٨)
١٢٦) عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا فِيهِ. وَثَبَتَ الخِتَانُ فِي خِصَالِ الفِطْرَةِ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٨٨٩)،
ومُسْلِم (٢٥٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَزْتَهُ: ((خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ ... ))، وابن مَاجَهْ (٢٩٤).
٢٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
باستحبابه من الوضوء والاستيقاظ وعلى مطلقه، وعلى حال الاحتياج باجتماع
الأوساخ في الأنف، وكذا السواك يحتمل كلّ منهما كذا في ((المجمع)). (وَقَصُّ
الْأَظْفَارِ) جمع ظفر، والمراد قطع ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر؛
لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما
يجب غسله في الطهارة. (وَغَسْلُ الْبَرَاجِم) بفتح الباء وكسر الجيم جمع بُرْجُمَة،
بضم الباء والجيم، وهي عقد الأصابع ومعاطفها ومفاصلها، ونبه بها على ما عداها
من المواضع التي يجتمع فيها الوسخ فينظف كلها .
(وَنَتْفُ الْإِبْطِ) بالسكون وبكسر أي: أخذ شعره بالأصابع؛ لأنه يضعف الشعر،
وهل يكفي الحلق والتنوير في السنة؟ فيه اختلاف، فمن نظر إلى المعنى وهو
النظافة أجازه بكل مزيل، وقال: يكفي الحلق والتنوير، ويتأدى أصل السنة
بذلك، لاسيما من يؤلمه النتف، ومن نظر إلى اللفظ وقف مع النتف وهو في
الابتداء موجع، ولكن يسهل على من اعتاده، والحكمة في تخصيص الإبط بالنتف
أنه محل الرائحة الكريهة باحتباس الأبخرة عند المسام، والنتف يضعف أصول
الشعر، والحلق يقويها، وقد جوز الحلق لمن لا يقدر على النتف. (وَحَلْقُ الْعَانَةِ)
هو الشعر الذي فوق القبل من ذكر أو أنثى، أو منبته، وقيل: هو الشعر النابت حول
حلقة الدبر، فتحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر
وما حولهما، وقيل: يستحب للمرأة النتف. وروى ابن ماجه عن أم سلمة: أنه وَال
كان إذا أَطلى بدأ بعورته، فطلاها بالتُّورَة وسائر جسده أهله. رجاله ثقات، وهو
منقطعٌ، حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة، قاله أبو زرعة.
(وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ) بالقاف والصاد المهملة على المشهور. (يَعْنِي: الاِسْتِنْجَاءَ)
بالماء، هذا التفسير من وكيع أحد رواة الحديث كما بينه قتيبة في رواية مسلم،
وقيل: معناه: انتقاص البول بالماءِ، وهو أن يغسل ذكره بالماء ليرتدَّ البول بردع
الماء، ولو لم يغسل نزل منه شيء فشيء فيعسر الاستبراء منه، فالماء على تفسير
وكيع المُستَنْجَى به، وعلى القول الثاني البول، فالمصدر مضاف إلى المفعول،
وإن أريد به الماء المستنجى به، أي: المغسول به فالإضافة إلى الفاعل، أي:
وانتقاص الماء البول، وانتقص لازم ومتعد. وقيل: معناه انتفاض الماء بالفاء
والضاد المعجمة والمهملة أيضًا، وهو الانتضاح بالماء على الذكر بعد الوضوء
كِتَابُ الطّهَارَةِ
بَابُ السؤِّاكِ
٢٥٣
لنفي الوسواس، وهذا أقرب؛ لأن في حديث عمار عند أبي داود وابن ماجه بدله:
((وَالِإِنْتِضَاحُ)). (قَالَ الرَّاوِي) هو مصعب بن شيبة. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ) قال
ابن الملك: لأن المضمضة والاستنشاق يذكران معًا، وهو استثناء مفرغ، قال ابن
حجر: ضمن نَسِيَ معنى النفي؛ لأن الترك موجود في ضمن كل، أي: لم أتذكر
فيما أظن شيئًا يتم الخصال به عشر، إلا أن يكون مضمضة، انتهى. وقال السندهي:
أي: نسيت العاشرة كل وقت إلا وقت كونها المضمضة، أو على كل تقدير إلا على
تقدير أن تكون المضمضة، يريد أنه يظن أن العاشرة هي المضمضة، فإن كانت هي
المضمضة في الواقع فهو غير ناس للعاشرة، وإلا فهو ناس لها، فهذا استثناء مفرغ
من أعم الأوقات أو التقديرات كما قدرنا، انتهى. قال عياض: هذا شك من
مصعب فيها، ولعلها الختان المذكور مع الخمس في حديث أبي هريرة، أي:
الآتي في الترجل، وتبعه النووي والقرطبي.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الطهارة، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في الأدب وحسنه،
وأبو داود في الطهارة والنسائي في الزينة، وابن ماجه في الطهارة، وفي سندهم
جميعًا مصعب بن شيبة، قال الحافظُ: وثّقه ابن معين، والعجلي، وغيرهما، وليَّنه
أحمد وأبو حاتم وغيرهما، فحديثه حسن، وله شواهد في حديث أبي هريرة
وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ، انتهى.
(وَفِيٍ رِوَايَةِ: الْخِتَانُ) هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة. (بَدَلَ) بالنصب.
(إِعْفَاءُ اللَّحْيَةِ) برفع ((إِعْفَاءُ)) على الحكاية، وقيل: بالجر على الإضافة. (لَمْ أَجِدْ
هَذِهِ الرِّوَايَةَ) أي: رواية الختان التي ذكرها البغوي في ((المصابيحٍ)).
٣٨٣- [٥] وَلَكِنْ ذَكَرَهَا صَاحِبُ ((الْجَامِعِ))، وَكَذَا الْخَطَّابِيُّ فِي
(مَعَالِمِ السُّنَنِ)): عَنْ أَبِي دَاوُدَ بِرِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ يَاسٍِ .
الشرْخُ
{صحیح}
٣٨٣- قوله: (وَلَكِنْ ذَكَرَهَا) أي: هذه الرواية (صَاحِبُ الْجَامِعِ) أي:
(٣٨٣) أَبُو دَاوُد (٥٤) نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ حَدِيثٍ عَمَّارِ بْنِ يَاسٍِ .
٢٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
للأصول وهو ابن الأثير. (وَكَذَا) أي: ذكرها. (الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ) الذي
شرح به ((سنن أبي داود)). (عَنْ أَبِي دَاوُدَ) متعلق بذكرها المذكور. (بَرِوَايَةٍ عَمَّارِ بْنِ
يَاسِرٍ) أي: لا برواية عائشة، كأنه اعتراض على البغوي حيث ذكر رواية الختان في
الصحاح مع أنها ليست في ((الصحيحين))، ولا في أحدهما، وهو مخالف لما وعد
في أول کتابه.
والجواب: أن ذلك في مقاصد الباب والأصول، دون ما ذكر من اختلاف ألفاظ
الحديث ونحوها مما يشمل الفائدة، ورواية عمار هذه أخرجها أيضًا ابن ماجه،
وصححها ابن السكن، وهي معلولة؛ لأنها إما مرسلة أو منقطعة.
وعمار بن ياسر، هو عمار بن ياسر بن مالك العنسي، أبو اليقظان مولى بني
مخزوم وحليفهم، وذلك أن ياسرًا والد عمار قدم من اليمن مكة مع أخوين له يقال
لهما: الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن،
وأقام ياسر بمكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، فزوجه أبو حذيفة أَمَةً له يقال
لها: سمية، فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، فعَمَّار مولى وأبوه حليف، أسلمَ
عمار وأبوه قديمًا، وكانا من المستضعفين الذين عُذبوا بمكة ليرجعوا عن
الإسلام. وقَتل أبو جهل سميةَ، فهي أول شهيدةٍ في الإسلام، وأحرق المشركون
عمارًا بالنار، وكان رسول اللَّه وَله يمرُّ به فَيُمِرُّ يدَهُ عليه ويقول: ((يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا
وَسَلَامًا عَلَى عَمَّارٍ كَمَا كُنْتِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ))، وهو من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا
والمشاهد كلها، وأبلى فيها، وسماه النبي وَلّر: الطيب المطيب. قُتل بصفين وكان
مع علي بن أبي طالب سنة (٣٧) وهو ابن (٩٣) سنة، ودُفن هناك بصفين،
وتواترت الروايات عن النبي ◌َّله أنه قال لعمار: ((تَقْتُلُكَ الْفِتَةُ الْبَاغِيَةُ))، ومناقبه
وفضائله كثيرة جدًّا، روي له اثنان وستون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد
البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث، روى عنه جماعة منهم علي وابن عباس.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
13
بَابُ السوّاكِ
٢٥٥
الفصل الثاني
٣٨٤ - [٦] عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ
لِلْفَم، مَرْضَاٌ لِلرَّبِّ)).
[رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالَّنِسَائِيُّ،
وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِلَا إِسْتَّادٍ] (صحيح}
الشَّرْحُ
٣٨٤- قوله: (السِّوَاكُ مَظْهَرَةٌ لِلْفَم) بفتح الميم وكسرها لغتان، والفتح
أفصح، والكسر أشهر، وهو كل آلة يتطهرَ بها، والسواك بمعنى العود الذي يدلك
به الأسنان، لاشك في كونه آلة لطهارة الفم، بمعنى نظافته. (مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) بفتح
ميم وسكون راء، والمراد أنه آلة لرضا الله تعالى، باعتبار أن استعماله سبب لذلك،
وقيل: مطهرة ومرضاة بفتح ميم كل منهما مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: مطهر
للفم، ومُرضٍ للرب، أوهما باقيان على المصدرية أي سبب للطهارة والرضا.
وجاز أن يكون مرضاة بمعنى المفعول أي مرضي للرب.
قال السندهي: والمناسب بهذا المعنى أن يراد بالسواك: استعمال العود لا نفس
العود، إما على ما قيل: إن اسم السواك قد يستعمل بمعنى استعمال العود أيضًا، أو
على تقدير المضاف، ثم لا يخفى أن المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل يكون
بمعنى اسم الفاعل من ذلك المصدر لا من غيره، فينبغي أن يكون هاهنا ((مطهرة)»
و((مرضاة)) بمعنى طاهر وراض لا بمعنى مطهر ومُرض، ولا معنى لذلك فليتأمل،
ثم المقصود من الحديث الترغيب في استعمال السواك وهذا ظاهر.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وقد
طول الحافظ الكلام فيه في ((التلخيص)) (ص٢١) فارجع إليه. (ورَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي
صَحِيحِهِ) في كتاب الصيام. (بِلا إِسْنَادٍ) أي: تعليقًا بصيغة جزم، فقال: وقالت
عائشة عن النبي ◌َّهِ: ((السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَم، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ)» وتعليقاتُ البخاري
(٣٨٤) النَّسَائِي (١/ ١٠) فِي الطَّهَارَةِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِي (٤/ ١٥٨) لِعَائِشَةً.
٢٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المجزومة صحيحة، قاله المنذري، والصواب أن يقول المصنف: ذكره البخاري
تعليقًا، أو يقول: علقه البخاري؛ فإنه لا يقال في مثل هذا: رواه البخاري تعليقًا.
٣٨٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّ: «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ
الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ - وَيُرْوَى: الْخِتَانُ - وَالتَّعَطَّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشّرُْ
٣٨٥ - قوله: (أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ) يعني: من طريقتهم، والمراد الرسل
من البشر، قال المناوي: والمراد أن الأربع من سنن غالب الرسل، فنوح لم
يختتن، وعيسى لم يتزوج. (الْحَيَاءُ) بفتح المهملة بعدها تحتية، يعني به ما يقتضي
الحياء من الدين كستر العورة، والتنزه عما تأباه المروءة، ويذمه الشرع من
الفواحش وغيرها، لا الحياء الجبلي نفسه، فإنه مشترك بين الناس، وإنه خلق
غريزي لا يدخل في جملة السنن، قاله التوربشتي. (وَيُرْوَى: الْخِتَانُ) أي: بخاء
معجمة ومثناة فوقية. ونون، وهو من سنة الأنبياء من لدن إبراهيم الثّ إلى زمن
نبينا محمد ◌ّ، وهذه الرواية أنسب لحديث عمار المتقدم، وحديث أبي هريرة
الآتي في الترجل، فإنه ذكر فيهما ((الْخِتَانُ مِنْ خِصَالِ الْفِطْرَةِ». ويروى: ((الحِنَّاء))
بمهملة ونون مشددة، وهذه الرواية غير صحيحة، ولعلها تصحيف؛ لأنه يحرم
على الرجال خضاب اليد والرجل تشبهًا بالنساءِ، وأما خضاب الشعر به فلم يكن
قبل نبينا وَّ فلا يصح إسناده إلى المرسلين. (وَالتَّعَطَّرُ) أي: استعمال العطر وهو
الطيب في البدن والثياب. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أول النكاح وحسنه. قال شيخنا في
شرح الترمذي: في تحسين الترمذي هذا الحديث نظر، فإنه تفرد به أبو الشمال بن
ضباب، وهو مجهول، إلا أن يقال: إن الترمذي عرفه، ولم يكن عنده مجهولًا ، أو
(٣٨٥) التِّرْ مِذِي (١٠٨٠) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ فِي النَّكَاحِ. قَوْلُهُ: وَيُرْوَى: ((الخِتَانُ)): قُلْتُ: وَقَعَ فِي التِّرْمِذِي
فِي الحَدِيثِ: ((الحِنّاء)) بِكَسْرِ المُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَبِفَتْحِهَا، وَتَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ بَدَلَ الثُّونِ. وَأَمَّا
بِلَفْظِ الخِتَانِ؛ فَلَمْ أَرَهَا فِي التِّرْمِذِي.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ السوّاكِ
٢٥٧
يقال: إنه حسنه لشواهده، فروى نحوه عن غير أبي أيوب، قال الحافظ في
((التلخيص)) بعد ذكر حديث أبي أيوب هذا: رواه أحمد والترمذي. ورواه ابن أبي
خيثمة من حديث مليح بن عبد الله عن أبيه عن جده نحوه، ورواه الطبراني من
حديث ابن عباس انتهى.
٣٨٦ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ وَّهَ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلِ وَلَا نَهَارٍ
فَيَسْتَيْقِظُ، إِلَّا يَتَسَوَُّ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشَّرُْ
٣٨٦- قوله: (لَا يَرْقُدُ) بضم القاف أي: لا ينام. (مِنْ لَيْل) أي: بعض ليل أو
في الليل. (فَيَسْتَيْقِظُ) يجوز فيه الرفع للعطف، ويكون النفيَّ منصبًّا عليهما معًا،
والنصب جوابًا للنفي؛ لأن الاستيقاظ مسبوق بالنوم؛ لأنه مسبب عنه، قاله
الطيبي. (إِلَّا يَتَسَوَّك)؛ لأن النوم يغير الفم فيتأكد السواك عند الاستيقاظ منه إزالة
لذلك التغير. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه، وفي سنده علي بن زيد بن
جدعان، قال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره، وقال
الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر هذا الحديث: وعلي ضعيف. وفي استحباب
السواك عند الاستيقاظ من النوم أحاديث متعددة، ذكرها الحافظ في ((التلخيص))
مع الكلام عليها .
٣٨٧ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَسْتَاكُ، فَيُعْطِينِي السِّوَاَكَ
لِأَغْسِلَهُ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {حسن}
الشّرُ
٣٨٧- قوله: (لِأَغْسِلَهُ) للتليين، أو للتطيب والتنظيف. قال ابن حجر: يؤخذ
(٣٨٦) أَبُو دَاوُد (٥٧) عَنْ عَائِشَةَ فِي الطَّهَارَةِ.
(٣٨٧) أَبُو دَاوُد (٥٢) عَنْ عَائِشَةَ فِي الطَّهَارَةِ.
٢٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
منه أن غسل السواك في أثناء التسوك به وبعده قبل وضعه سنة. (فَأَبْدَأُ بِهِ) أي:
باستعماله قبل الغسل لنيل البركة، ولا أرضى أن يذهب بالماء ما صحبه السواك من
ماء أسنانه. (فَأَسْتَاك) أي: قبل الغسل أستاك به تبركًا، وهذا دال على عظيم أدبها،
وكبير فطنتها؛ لأنها لم تغسله ابتداء حتى لا يفوتها الاستشفاء بريقه، ثم غسلته تأدبًا
وامتثالًا، وفيه التبرك بآثار الصالحين، والتلذذ بها. وفيه أن استعمال سواك الغير
برضاه جائز.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمنذري.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ السوّاكِ
*
٢٥٩
الفصل الثالث
٣٨٨ - [١٠] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: «أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَُّك
بِسِوَاكِ، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ مِنْهُمَا)).
الشرْخُ
٣٨٨- قوله: (أَرَانِي) بفتح الهمزة من الرؤية أي: أرى نفسي، فالفاعل
والمفعول للمتكلم، وهذا من خصائص أفعال القلوب، وأصله رأيت نفسي،
وعدل إلى المضارع لحكاية الحال الماضية. (فِي الْمَنَام) هذا لفظ مسلم، وهو
صريح في أن القضية كانت في المنام، وأخرجه أحمدَ والبيهقي بلفظ: رأيت
رسول اللّه وَلهل يستنُّ فأعطاه أكبر القوم، ثم قال: ((إِنَّ جَبْرَائِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُكَبِّرَ))،
وهذا يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة، ويشهد لرواية أحمد والبيهقي ما
رواه أبو داود بإسناد حسن عن عائشة - أعني: الذي ذكره المصنف بعد حديثين -
ويجمع بين الروايتين أن ذلك لما وقع في اليقظة أخبرهم وَّ بما رآه في المنام،
تنبيهًا على أن أمره بذلك بوحي متقدم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض.
(أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ) أي: سنًّا. (فَنَاوَلْتُ السِّوَاَ) أي: أردت إعطاء
السواك. (الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا) لعله لقربه، أو لأنه وَّ عَدَّ السواك شيئًا حقيرًا. (كَبِّرْ)
أي: قدم الكبير على الصغير في مناولة السواك، أي: ادفع إلى الأكبر، والظاهر
أنهما كانا في أحد جانبيه، أو في يساره، قال القاري: وهو الأنسب، فأراد تقديم
الأقرب، فأمر بتقديم الأكبر، فلا ينافي حديث ابن عباس أو الأعرابي في إيثاره
بسؤره ◌َلّ من اللبن لكونه على اليمين، على الأشياخ من أبي بكر، وعمر وغيرهما
لكونهم على اليسار، انتهى. وفيه: ما يدل على فضيلة السواك.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري بلا رواية في آخر الوضوء، ولم يذكر: في ((المنام))،
(٣٨٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٢٤٦)، مُسْلِم (٢٢٧١) عن ابن عمر في الطهارة.