Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E PeRe
٢٨٥ - [٣] عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٢٨٥ - قوله: (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) بضم الواو، والفاء لتفسير كيفية الوضوء
على أحسن وجه بمراعاة سننه وآدابه، والمعنى: من أراد الوضوء وشرع فيه فأحسنه
(خَرَجَتْ خَطَايَاهُ) هو محمول على الحقيقة بناء على أن الخطايا جواهر متعلقة بيدن
الإنسان تتصل به وتنفصل عنه، لا أعراض كما قيل، قال السيوطي في ((قوت
المغتذي)): الظاهر حمله على الحقيقة، ثم حقق ذلك بأحاديث تدلّ على أن
الذنوب جواهر وأجسام، ووافقه شيخنا في ((شرح الترمذي))، لكن جعله السيوطي
من عالم المثال، وعندنا ينبغي تفويض أمثال هذه الأمور إلى الله تعالى.
وقيل: هو تمثيل وتصوير لبراءة البدن عن الذنوب ومجاز عن غفرانها، ثم
الظاهر عموم الخطايا، والعلماء خصصوها بالصغائر المتعلقة بحقوق الله للتوفيق
بين الأدلة، فإن منها ما يقتضي الخصوص كما سيأتي. (مِنْ جَسَدِهِ) أي: جميع
بدنه أو أعضائه. (حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ) أي: مثلًا، والأظفار جمع ظفر
بضمتین.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قلتُ: تفرَّد مسلم بهذا اللفظ، ولذا اقتصر المنذري في ((الترغيب))
على عزوه لمسلم. وقال القاري: قال عبد العزيز الأبهرى في ((منهاج المشكاة))
فيه: أنه من أفراد مسلم. وقال ابن حجر المكي: كذا في ((جامع الأصول)).
واقتصر شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلانى في ((هداية الرواة إلى تخريج
المصابيح والمشكاة)) على عزوه لمسلم، انتهى. وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي،
وابن ماجه بنحوه مختصرًا.
(٢٨٥) مُسْلِم (٢٤٥/٣٣) فِيهِ عَنْ عُثْمَانَ.

١٢١
gese
كِتَابُ الطُّهَارَةِ
٢٨٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ
الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلَّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا
بِعَيْنَيْهِ مَّعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ بَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلَّ
خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ
خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آَخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - حَتَّى
يَخْرُجَ نَفِيًّا مِنَ الذّنُوبِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْحُ
٢٨٦ - قوله: (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ) شك من الرواى في لفظ
النبوة، وإلا فهما مترادفان شرعًا. والمؤمنة في حكم المؤمن. (فَفَسَلَ وَجْهَهُ)
عطف على (توضأ) عطف تفسير، أو المراد إذا أراد الوضوء. (خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ)
جواب (إذا). (كُلَّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا) أي: إلى الخطيئة، يعني: إلى سببها، إطلاقًا
لاسم المسبب على السبب مبالغة. (بِعَيْنَيْهِ) تأكيد، وسبب التخصيص بالعين مع أن
الوجه مشتمل على الأنف والفم هو أن كلًّا من الفم والأنف وكذا الأذن له طهارة
مخصوصة خارجة عن طهارة الوجه، فكانت متكفلة بإخراج خطاياه، بخلاف
العين، فإنه ليس لها طهارة إلا في غسل الوجه، فخصت خطيئتها بالخروج عند
غسله دون غيرها مما ذكر، وسيأتي في الفصل الثالث حديث عبد اللَّه الصنابحي،
وهو صريح في ذلك. (مَعَ الْمَاءِ) أي: مع انفصاله. (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ((أو))
للشك من الراوى. (كُلّ خَطِيئَةٍ كَانٍ بَطَشَتْهَا) أي: أخذت. (يَدَاهُ) كملامسة
المحرمة، ويدخل فيه كتابة إثم. (كُلّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا) الضمير للخطيئة، ونصبت
بنزع الخافض، أي: مشتٍ إلى الخطيئة، أو في الخطيئة، أو يكون مصدرا أي
مشت المشية. (نَقِيًّا مِنَ الذَّنُوبِ) أي: ذنوب أعضاء الوضوء، أو جميع الذنوب من
الصغائر .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا مالك، والترمذى، وليس عندهما غسل الرجلين.
(٢٨٦) مُسْلِمٍ (٣٢/ ٢٤٤)، وَالنَّسَائِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ.

١٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٨٧ - [٥] وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِم
تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا؛ إِلَّا كَانَتْ
كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذَّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٢٨٧ - قوله: (مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِم) ((من)) زائدة لتأكيد النص على العموم.
(فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا) بمراعاة السنن والآداب والمكملات. (وَخُشُوعَهَا) بإتيان كل
ركن على وجه هو أكثر تواضعًا وإخباتًا وتضرعًا، ظاهرًا وباطنًا بالقلب والجوارح.
(وَرُكُوعَهَا) اكتفى بذكر الركوع عن السجود؛ لأنهما ركنان متتابعان، فإذا حث
على إحسان أحدهما حث على الآخر، وفي تخصيصه بالذكر تنبيه على أن الأمر فيه
أشد، فافتقر إلى زيادة توكيد؛ لأن الراكع يحمل نفسه في الركوع، ويتحامل في
السجود على الأرض. وقيل: خص الركوع بالذكر لاستتباعه السجود إذ لا يستقل
عبادة وحده، بخلاف السجود فإنه يستقل عبادة؛ كسجود التلاوة والشكر. وقيل:
تخصيص الركوع؛ لأنه من خصائص المسلمين، فأراد التحريض عليه، ولعل هذا
في الأغلب لقوله تعالى في شأن مريم: ﴿وَأَسْجُدِى وَأَرَكَعِى مَعَ الرَّكِينَ﴾ [آل عمران:
٤٣]. وقيل: معناه انقادى وصلى مع المصلين، فلا إشكال.
(إِلَّا كَانَتْ) أي: الصلاة. (مَا لَمْ يُؤْتِ) بكسر التاء معلومًا من الإِيتاء وقيل:
مجهول، أي: ما لم يعمل، وضع الإِيتاء موضع العمل. (كَبِيرَةً) بالنصب لا غيره،
كأن الفاعل يعطى العمل من نفسه، أو يعطيه غيره من الداعي أو المحرض عليه،
فهو على حد: ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] بالمد، أي: لأعطوها من
أنفسهم، ثم ظاهره أن كون الصلاة كفارة الذنوب مشروط بعدم إتيان الكبائر، فإن
أتى بالكبائر لم يكفر صغائره، وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا
(٢٨٧) مُسْلِم (٧ / ٢٢٨) عَنْ عُثْمَانَ رََِّهُ، فِيهِ.

١٢٣
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
HER
ثُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] لكنهم قالوا: معناه أن الذنوب كلها
تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر.
قال النووي: هذا هو المراد، والأول وإن كان محتمل العبارة فسياق الحديث
يأباه، والكبائر إنما يكفرها التوبة، أو رحمة الله تعالى وفضله، وقد يقال: إذا كفر
الوضوء فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كفرت الصلاة، فماذا تكفر الجماعات وغيرها
مما ورد في الأحاديث من مكفرات الذنوب؟
وأجيب بأن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفر من
الصغائر كفره، وإن صادفت كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيره - يعني : غير مكفرة
- رجونا أن يخفف من الكبائر، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات
ورفعت به درجات، (وَذَلِكَ) أي: التكفير بسبب الصلاة. (الدَّهْرَ) بالنصب على
الظرفية، ومحله الرفع على الخبرية، أي: ذلك الحكم من التكفير حاصل ومستمر
في جميع الأزمان لا يختص بزمان دون زمان. (كُلَّهُ) تأكيد للدهر.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) هو من مفاريد مسلم لم يروه بهذا اللفظ غيره.
٢٨٨ - [٦] وَعَنْهُ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ
وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ
يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلُهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا،
ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ
قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلَّ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا
بِشَيْءٍ ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ]
الشَّرْحُ
٢٨٨ - قوله: (فَأَفْرَغَ) من الإفراغ عطف بيان وتفسير أي: صب الماء (عَلَى
يَدَيْهِ) أي: فغسلهما إلى رسغيه، وفي رواية: كَفَّيْهِ، والمراد غسل اليدين إلى
(٢٨٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٥٩ و١٩٣٤)، مُسْلِم (٢٢٦/٣ و٢٢٦/٤) عَنْهُ فِيهِ.

١٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
الرسغين. وفيه دليل على غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ولو لم يكن عقب نوم
احتياطًا. وفي الحديث: الترتيب في أعضاء الوضوء للإتيان بـ(ثم)) في جميعها.
(وَاسْتَنْثَرَ) الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو جذب الماء
بِالْنَفَسِ إلى الأقصى، ويدل عليه الرواية الأخرى: ((اسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ))، فجمع
بينهما، وهو مأخوذ من النثرة وهو طرف الأنف.
قال الحافظُ: لم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييد ذلك بعدد، نعم، ذكره
ابن المنذر من طريق يونس عن الزهري، وكذا ذكره - أي: تقييد المضمضة
والاستنشاق بثلاث - أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان.
(إِلَى الْمِرْفَقِ) بكسر الميم وفتح الفاء، وَ(«إلَى)) بمعنى ((مع)) عند الجمهور. (ثُمَّ
مَسَحَ بِرَأْسِهِ) ليس في شيء من طرق هذا الحديث في ((الصحيحين)) ذكر عدد
المسح، فالظاهر الاكتفاء بالمرة الواحدة، وهو مذهب الجمهور. (ثُمَّ قَالَ) أي:
النبيِ وَلّ. (مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) أي: جامعًا لفرائضه وسننه، وقوله: (نَحْوَ
وُضُوئِي هَذَا) كذا وقع في الصيام من نسخ البخاري الموجودة عندنا، وقال الحافظ
في شرح كتاب الوضوء: وللبخاري في الصيام من رواية معمر: «مَنْ تَوَضَّأَ
بِوُضُوئِي هَذَا)) أي: بترك حرف التشبيه. (ثُمَّ يُصَلَّي رَكْعَتَيْنِ) فيه: استحباب ركعتين
عقب كل وضوء، ولو صلى فريضة حصلت له هذه الفضيلة كما تحصل تحية
المسجد بذلك. (لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ بِشَيْءٍ) من أمور الدنيا، وما لا يتعلق
بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه لمجرد عروضه عفي عنه ذلك،
وحصلت له هذه الفضيلة؛ لأن هذا ليس من فعله وكسبه، وقد عفي لهذه الأمة عن
الخواطر التي تعرض ولا تستقر .
وقال الحافظُ: المراد ما تسترسل النفس معه، ويمكن المرء قطعه؛ لأن قوله:
(يُحَدِّثُ)) يقتضي تكسبًا منه، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذر دفعه
فذلك معفو عنه. وقال السندهي: أي: يدفع الوسوسة مهما أمكن. وقيل: يحتمل
العموم إذ ليس هو من باب التکلیف حتی یجب دفع الحرج والعسر، بل من باب
ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، أي: من باب الوعد على العمل،
فمن حصل منه ذلك العمل يحصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا. نعم، يجب أن

١٢٥
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
EN
يكون ذلك ممكن الحصول في ذاته وهو هنا كذلك، فإن المتجردين عن شواغل
الدنيا يتأتى منهم هذا العمل على وجهه. انتهى.
(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) حملوه على الصغائر، لكن كثير من الأحاديث يقتضي
أن مغفرة الصغائر غير مشروطة بقطع الوسوسة، فيمكن أن يكون الشرط لمغفرة
الذنوب جميعًا، قاله السندهي. ثم إنه يفهم من هذا الحديث أن غفران الذنوب
مرتب على الوضوء الموصوف بتلك الصفة، وصلاة ركعتين لا يحدث فيهما نفسه
بشيء، ومن الحديث المتقدم ترتبه على مجرد الوضوء، ويمكن أن يقال: كل
منهما مكفر، أو الوضوء المجرد مكفر لذنوب أعضاء الوضوء، ومع الصلاة مكفر
لذنوب جميع الأعضاء، أو الوضوء مكفر للذنوب الظاهرة، ومع الصلاة مكفر
للذنوب الظاهرة والباطنة.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي. (وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِي) أي: في باب
السواك الرطب واليابس للصائم، من كتاب الصيام.
٢٨٩ - [٧] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ: «مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُّ فَيُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ، مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ
وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْخُ
٢٨٩ - قوله: (وعَنْ عُقْبَةَ) بضم عين وسكون قاف. (بْنِ عَامِرٍ) الجهنى
صحابي مشهور، اختلف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أبو حماد، اختط
البصرة، وولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وحضر معه بصفين، وولي غزو
البحر، وكان فصيحًا، شاعرًا، مفوهًا، كاتبًا، قارئًا لكتاب الله، عالمًا بالفرائض
والفقه، قديم الهجرة، والسابقة، والصحبة، مات سنة (٥٨) بمصر، ودفن
بالمقطم، له خمسة وخمسون حديثًا، اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث،
ومسلم بتسعة، روى عنه خلق كثير.
(٢٨٩) مُسْلِم (١٧ / ٢٣٤)، وأَبُو دَاوُد (١٦٩)، وَالنَّسَائِي (١ / ٩٥) عَنْ عقبةَ بْنِ عَامِرٍ فِي الطَّهَارَةِ.

١٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
(ثُمَّ يَقُومُ) حقيقة أو حكمًا سيما إذا كان بعذر، فإطلاقه جرى على الغالب لا أنه
قيد احترازي، و(ثم) للترقي. (مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ) الإقبال بالقلب أن لا
يغفل عنهما ولا يتفكر في أمر لا يتعلق بهما، ويصرف نفسه عنه مهما أمكن،
والإقبال بالوجه أن لا يلتفت به إلى جهة لا يليق بالصلاة الالتفات إليها، ومرجعه
الخشوع والخضوع؛ فإن الخشوع في القلب والخضوع في الأعضاء.
قال السندهي: يمكن أن يكون هذا الحديث بمنزلة التفسير لحديث عثمان وَهُوَ :
((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي ... )) إلخ، وعلى هذا فقوله: ((أَحْسَنَ الْوُضُوءَ)) هو أن يتوضأ
نحو ذلك الوضوء، وقوله في حديث عثمان: ((لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا)» هو أن يقبل
عليهما بقلبه ووجهه. وقوله في ذلك الحديث: ((غُفِرَ لَهُ ... )) إلخ، أريد به أنه يجب
له الجنة، ولا شك أن ليس المراد دخول الجنة مطلقًا فإنه يحصل بالإيمان، بل
المراد دخولًا أوليًّا، وهذا يتوقف على مغفرة الصغائر والكبائر جميعًا، بل مغفرة
ما يفعل بعد ذلك أيضًا: نعم، لابد من اشتراط الموت على حسن الخاتمة، وقد
يجعل هذا الحديث بشارة بذلك أيضًا. انتهى. (إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) أي: أنه تعالى
يدخله الجنة بفضله بحيث لا يخالف وعده، كمن وجب عليه شيء. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي.

كِتَابُ الطُّهَارَةِ
E HONE *
ge
١٢٧
٢٩٠ - [٨] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِفَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَا
مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغَُ- الْوَضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) - وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ
الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاء)). هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ))،
وَالْحُمَيْدِيُّ فِي ((أَفْرَادِ مُسْلِمٍ))، وَكَذَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي ((جَامِعِ الْأُصُولِ))، وَذَكَرَ
الشَّيْخُ مُحْيِيِ الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي آخِرٍ حَدِيثٍ مُسْلِمٍ عَلَىَ مَا رَوَيْنَاهُ، وَزَادَ
القِّرْ مِذِيُّ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَّ الْمُتَطَهِّرِينَ)).
وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي ((الصِّحَاح)): ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
الْوُضُوءَ ... )) إِلَى آخِرِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ)) بِعَيْنِهِ إِلَّا كَلِمَةَ: ((أَشْهَدُ))
قَبْلَ: ((أَنَّ مُحَمَّدًا)).
{صحيح }
الشَّرْجُ
٢٩٠ - قوله: (مَا مِنْكُمْ) من بيانية. (مِنْ أَحَدٍ) مبتدأ ومن زائدة. (فَيَبْلُغُ) من
الإبلاغ. (أَوْ فَيُسْبِغُ) من الإسباغ و((أو)) للشك. (الْوَضُوءَ) بفتح الواو وقيل:
بضمها، أي: ماء الوضوء، والمراد بإبلاغ الوضوء أو إسباغه: هو أن يتم الوضوء
ويكمله فيوصله مواضعه على الوجه المسنون. (ثُمَّ يَقُولُ) أي: عقيب وضوئه.
(أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) قال الطيبي: قول الشهادتين عقيب
الوضوء إشارة إلى إخلاص العمل لله، وطهارة القلب من الشرك والرياء، بعد
طهارة الأعضاء من الحدث والخبث.
(إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ) هو من باب ((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ)) عبر عن الآتي بالماضى لتحقق
وقوعه، والمراد تفتح له يوم القيامة. (أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ) أي: تعظيمًا لعمله
المذكور وإن كان الدخول يكفي فيه باب واحد. ثم الظاهر أن يوفق للدخول من
(٢٩٠) مُسْلِم (٢٣٤)، وَأَبُو دَاوُد (٢٦٩)، وَالنَّسَائِي (١/ ٩٥)، عَنْ عُمَرَ، فِيهِ.

١٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الباب الذى غلب عليه عمل أهله؛ إذ أبواب الجنة معدة لأعمال مخصوصة،
كالريان لمن غلب عليه الصيام ونحو ذلك.
قال ابن سيد الناس: فائدة تعدد الأبواب وفتحها والدعاء: منها ما هو التشريف
في الموقف والإشارة بذكر من حصل له ذلك على رؤوس الأشهاد، فليس من يؤذن
له في الدخول من باب لا يتعداه، كمن يُتَلقَّى من كل باب ويدخل من حيث شاء.
وحديث عمر هذا يدل على أن للجنة ثمانية أبواب، وقد جاء تعيين هذه الأبواب
لبعض العمال؛ كباب الصلاة، وباب الجهاد، وباب الصدقة، وباب الصيام،
وباب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، وباب الأيمن الذي يدخل
منه من لا حساب عليه، وذكر الحكيم الترمذي أبواب الجنة فعد أبوابًا غير ما ذكر،
وعلى قوله أبواب الجنة أحد عشر بابًا، والتفصيل في ((تذكرة القرطبي)).
(هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ) وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي، وأبو داود،
وابن ماجه، وقالا: ((فيحسن الوضوء))، وفي رواية لأحمد وأبي داود: (ثُمَّ رَفَعَ
نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ ... » الحديث، وفي سنده رجل مجهول، وأخرجه أيضًا
الترمذي وزاد: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي ... )) إلخ، وتكلم فيه بما يطول ذكره، إن شئت
الوقوف عليه فارجع إلى ((تحفة الأحوذي))، و((جامع الترمذي)) المطبوع بتعليق
العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر. واعلم أن حديث عقبة بن عامر المتقدم
وحديث عمر هذا حديث واحد، رواهما بسياق واحد مسلم، وأبو داود، وابن
حبان في قصة، لكن صدره - أي: الحديث المتقدم - سمعه عقبة بن عامر من
رسول اللَّه وَ ل﴾، والحديث الثاني تكلمٍ به النبي ◌َّ قبل حضور عقبة، فأخبره عمر
به، فرواه عقبة عَنْ عمر عن رسول اللّه وَله .
(وَالْحُمَيْدِيُّ) أي: وهكذا ذكرِه الحميدى. (فِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ وَكَذَا) ذكره. (ابْنُ
الْأَثِيرِ) الجزرى. (فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَذَكَرَ الشِّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ) من الإحياء.
(التَّوَوِيُّ) قال ابن حجر: بَوَاوين ليس بينهما ألف، وبعضهم يقولون: النواوى
بالألف، والقياس الأول؛ لأنه منسوب إلى (نَوَى)) قرية قريب دمشق. (عَلَى مَا
رَوَيْنَاهُ) متعلق بآخر، وهو معلوم، وقيل: مجهول، أي على وفقه.
(وَزَادَ التِّرْمِذِي ... ) إلخ هذا مذكور النووي. (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ

١٢٩
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ) جمع بينهما إلمامًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ
وَيُحِبُّ الْمَطَهِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ولما كانت التوبة طهارة الباطن عن أدران الذنوب،
والوضوء طهارة الظاهرة عن الأحداث المانعة عن التقرب إلى الله تعالى ناسب
الجمع بينهما، وقد تفرد بهذه الزيادة الترمذى وفي صحتها نظر؛ لما في سنده من
الاضطراب والخطأ، وإنما جاءت في حديث بهذا المعنى عن ثوبان مرفوعًا، نقله
الهيثمى في ((مجمع الزوائد)) (ج١: ص٢٣٩) وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط))
و((الكبير)) باختصار، وقال في الأوسط: تفرد به مسور بن مورع، ولم أجد من
ترجمه، وفيه أحمد بن سهيل الوراق، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وفي إسناد
((الكبير)) أبو سعيد البقال، والأكثر على تضعيفه، ووثقه بعضهم، انتهى. ورواها
أيضًا عن ثوبان البزار كما في ((التلخيص))، وابن السني، والخطيب، وابن النجار
كما في ((كنز العمال)).
(الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُحْبِي السُّنَّةِ) أي: ذكره في ((المصابيح)). (فِي الصِّحَاحِ)
المعبر عنه في ((المشكاة)) بالفصل الأول. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِعَيْنِهِ ... ) إلَخ
والحاصل ورود الاعتراض على صاحب ((المصابيح))، حيث ذكر رواية الترمذى
في الصحاح لإيهامها أنه كله في أحد ((الصحيحين)) أو كليهما وليس كذلك.
٢٩١ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَِّ: ((إِنَّ أُمَّتِي
يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُزَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ
يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٢٩١ - قوله: (إِنَّ أُمَّتِي) أي: أمة الإجابة وهم المسلمون أي: المتوضئون
منهم. (يُدْعَوْنَ) أي: ينادون أو يسمون. (غُرًّا) جمع أغر أي: ذوي غرة، وأصلها
لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، والمراد هاهنا: النور الكائن في وجوه
المسلمين. (مُحَجَّلِينَ) من التحجيل، وهو بياض يكون في قوائم الفرس، وأصله
(٢٩١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي ١٣٦، مُسْلِم ٣٥/ ٢٤٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّفْتَهُ، فِي الطَّهَارَةِ.

١٣٠
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من الحجل بالكسر وهو القيد والخلخال، والمراد به هنا أيضًا النور. وانتصابهما
على الحال إذا كان يدعون بمعنى ينادون، ويحتمل أن يكون غرًّا مفعولًا ثانيًا
ليدعون بمعنى يسمون، والمراد بيض مواضع الوضوء من الوجوه والأيدى
والأقدام، استعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للإنسان من البياض
الذي يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه.
والمعنى: إذا دعوا على رؤوس الأشهاد أو إلى الموقف، أو إلى الميزان، أو
إلى الصراط، أو إلى الجنة نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة، أو سموا
بهذا الاسم. (مِنْ) أي: لأجل (آثَارِ الْوُضُوءِ) أو من سببية أي: بسبب آثار
الوضوء، وهو متعلق بمحجلين أو بيدعون على الخلاف في باب التنازع بين
البصريين والكوفيين. و(الوضوء)) بضم الواو ويجوز فتحها، فإن الغرة والتحجيل
نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منها، وللغرة علتان: الوضوء كما
في هذا الحديث، والسجود كما يدل عليه حديث عبد الله بن بسر عند الترمذي،
وأما التحجيل فعلته هو الوضوء. (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ ... ) إلخ، ظاهر سياق
الحديث أن قوله: ((فمن استطاع ... )) إلى آخره من الحديث، وهو يدل على عدم
الوجوب، إذ هو في قوة: ((فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ)) فلو كان واجبًا ما قيده بها؛ إذا
الاستطاعة لذلك متحققة قطعًا، وقال نعيم - أحد رواته -: لا أدرى قوله: ((فَمَنِ
اسْتَطَاعَ ... )) إلخ من قول النبي ◌َّر أو من قول أبي هريرة.
قال الحافظ في ((الفتح)): لم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث
من الصحابة وهو عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة، غير رواية نعيم هذه.
(غُرَّتَهُ) أي: وتحجيله، وإنما اقتصر على أحدهما لدلالته على الآخر وآثر الغرة
وهي مؤنثة على التحجيل وهو مذكر لشرف موضعها. (فَلْيَفْعَلْ) أي: ما ذكر من
الغرة والتحجيل والإطالة، فحذف المفعول للعلم به، وفيه دليل على مشروعية
إطالة الغرة والتحجيل، واختلفوا في القدر المستحب من ذلك، فقيل: في اليدين
إلى المنكب، وفي الرجلين إلى الركبة، وقد ثبت هذا عن أبي هريرة رواية ورأيًا،
وثبت من فعل ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسناد حسن، وقيل: إلى
نصف العضد والساق، والغرة في الوجه أن يغسل إلى صفحتي العنق، والقول

13
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
ON *
CHENIS
HENICE
١٣١
بعدم مشروعيتهما، وتأويل حديث أبي هريرة بأن المراد به المداومة على الوضوء
خلاف الظاهر، وَرُدَّ هذا التأويل أيضًا بأن الراوي أعرف بما روى، كيف وقد رفع
معناه كما في الحديث الآتي؟ فلا وجه لنفيه، والغرة والتحجيل من خصائص هذه
الأمة لا أصل الوضوء.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد، وأخرجه مع أبي هريرة عشرة من الصحابة،
ذكر سبعة منهم ابن منده في ((مستخرجه))، وذكر أحاديث بعضهم الهيثمي في
((مجمع الزوائد»، وعلي المتقي في ((كنز العمال)).
٢٩٢ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ
حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ))
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرُْ
٢٩٢- قوله: (تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ ... ) إلخ. قال الطيبي: ضمن ((يَبْلُغُ)) معنى
((يَتَمَكَّنُ)) وعدى بمن، أي: تتمكن من المؤمن الحلية مبلغًا يتمكنه الوضوء منه.
(حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ) بالفتح أي ماؤه، وقيل بالضم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا النسائي وابن خزيمة في ((صحيحه)) بنحوه، إلا أنه
قال: سمعت رسول اللّه وَلَه يقول: ((إِنَّ الْحِلْيَةَ تَبْلُغُ مَوَاضِعَ الطَّهُورِ))، والمراد
بالحلية: الغرة والتحجيل، أي: النور والبياض، وقيل: الزينة في الجنة، وهو
بعيد .

١٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٢٩٣ - [١١] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ
تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا
مُؤْمِنٌ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ] {صحيحٍ}
الشَّرْحُ
٢٩٣- قوله: (عَنْ ثَوْبَانَ) بمفتوحة وسكون واو وبموحدة، الهاشمي مولى
رسول اللّه وَله، وهو ثوبان بن بجدد، بضم الباء الموحدة وسكون الجيم وضم
الدال المهملة الأولى، قيل: أصله من اليمن أصابه سباء فاشتراه النبي وَّ فأعتقه،
فقال: ((إن تلحق بمن أنت منهم فعلت، وإن شئت أن تثبت فأنت منا أهل البيت))،
فثبت ولم يزل معه في حضره وسفره، ثم خرج إلى الشام فنزل الرملة ثم حمص،
وابتنى بها دارًا، ومات بها سنة (٥٤). له مائة وسبعة وعشرون حديثًا، روى له
مسلم عشرة أحادیث، روی عنه خلق کثیر.
(اسْتَقِيمُوا) الاستقامة: اتباع الحق وملازمة المنهج المستقيم، من الإتيان
بجميع المأمورات والانتهاء عن جميع المناهي، وذلك خطب لا يطيقُه إلا من
استضاء قلبه بالأنوار القدسية، وتخلص عن الظلمات الإنسية، وأيَّده الله تعالى من
عنده، وقليل ما هم، فأخبرهم بعد الأمر بذلك أنكم لا تقدرون على إيفاء حقه
بقوله: (وَلَنْ تُحْصُوا) أي: لن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة لعسرها؛ لئلا
يغفلوا عنه فلا يتكلوا على ما يأتون به، ولا ييأسوا من رحمته فيما يذرون عجزًا
وقصورًا لا تقصيرًا، وأصل الإحصاء العد والضبط والإحاطة بالشيء. وقيل: معناه
لن تحصوا ثوابه وأجره لو استقمتم، قال الطيبي: قوله: (لَنْ تُحْصُوا)) إخبار
وإعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه كما اعترض: ولن تفعلوا، بين الشرط
والجزاء في قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَأَتَّقُواْ النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤]. وكأنه وَّ لما
(٢٩٣) ابن مَاجَهْ (٢٧٧)، وَالحَاكِمُ (١/ ١٣٠) عَنْ ثَوْبَانَ فِي الطَّهَارَةِ.

١٣٣
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
EX
أمرهم بالاستقامة وهي شاقة جدًّا كما مرَّ، تداركه بقوله: ((لن تحصوا))، رحمة
وشفقة، كما قال: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بعد قوله: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ
تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ثم نبههم على ما يتيسر لهم من ذلك بقوله: (وَاعْلَمُوا) أي:
إن لم تطيقوا ما أمرتم به من الاستقامة فحق عليكم أن تلزموا بعضها، وهي الصلاة
الجامعة لأنواع العبادات: القراءة، والتسبيح، والتهليل، والإمساك عن كلام
الغير، والمفطرات، فالزموها وأقيموا حدودها لاسيما مقدمتها التي هي شطر
الإيمان وهو الوضوء، وأيضًا في ذكر الصلاة إشارة إلى تطهير الباطن؛ لأنها تنهى
عن الفحشاء والمنكر. وفي ذكر الوضوء إلى تطهير الظاهر، انتهى مختصرًا.
(أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ) أي: أفضلها وأتمها دلالة على الاستقامة. (الصَّلَاةُ) أي:
المكتوبة أو جنسها. والأحاديث في خير الأعمال جاءت متعارضة صورة فينبغي
التوفيق بحمل ((خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ)) على معنى ((مِنْ خَيْرِ أَعْمَالِكُمْ)) كما يدل عليه حديث
ابن عمرو عند ابن ماجه. (وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ) أي: على الدوام، وتركه لبيان
الجواز لئلا يلتبس الفضل بالفرض، والبيان عليه واجب، فالترك في حقه خير من
الدوام عليه؛ فإن غايته أن يكون مندوبًا. (إِلَّا مُؤْمِنٌ) أي: كامل في إيمانه فإن
الظاهر عنوان الباطن، فطهارة الظاهر دليل على طهارة الباطن سيما الوضوء على
المكاره. والمراد بالمؤمن الجنس، والتنكير للتعظيم.
(رَوَاهُ مَالِكَ) أي: بلاغًا، ورواه (أَحْمَدُ) من طريق سالم بن أبي الجعد عن
ثوبان، ومن طريق حسان بن عطية عن أبي كبشة السلولي عن ثوبان، ومن طريق
حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن ثوبان، والطريق الأول منقطع،
فإن سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان بلا خلاف. (وابْنُ مَاجَهْ) منقطعًا من
طريق سالم بن أبي الجعد عن ثوبان. (والدَّارِمِيُّ) منقطعًا ومتصلًا، وأخرجه أيضًا
الحاكم منقطعًا، وابن حبان في ((صحيحه)) متصلًا، والبيهقي، وأخرجه ابن ماجه
عن عبد الله بن عمرو، وفيه ليث بن سليم، وعن أبي أمامة، وفيه أبو حفص
الدمشقي، وهو مجهول، والطبراني عن سلمة بن الأكوع وعبادة بن الصامت.

١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
٢٩٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى
[رَوَاهُ النِّْمِذِيُّ] {ضعيف}
طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ)).
الشّرُ
٢٩٤ - قوله: (مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ) ((عَلَى)) بمعنى ((مع)) أي: وضوء مصاحبًا
لطهر، وقيل: أو ثابتًا على طهر تشبيهًا لثبوته على ظهر وصف الطهر بثبوت الراكب
على مركوبه، واستعارة لفظة ((عَلَى)) المستعملة في الثاني للأول، كما قالوا في
قوله تعالى: ﴿أَوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى﴾ [البقرة: ٥]. (كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ) بالوضوء
المجدد، وقيل: أي عشر وضوءات، فان أقل ما وعد به من الأضعاف: الحسنة
بعشر أمثالها، وقد وعد بالواحد سَبْعَ مائة. ووعد ثوابًا بغير حساب، قال البغوي:
تجديد الوضوء مستحب إذا كان قد صلى بالوضوء الأول صلاة فريضة كانت أو
تطوعًا، وكرهه قوم إذا لم يصل بالأول صلاة، ذكره الطيبي. قال القاري: ولعل
سبب الكراهة هو الإسراف.
قلت: الحديث ساكت عن هذا التفصيل. قال المنذري في الترغيب: وأما
الحديث الذي يروى عن النبي وَّر أنه قال: ((الوضوء نور على نور))، فلا يحضرني
له أصل من حديث النبي وَّ، ولعله من كلام بعض السلف. انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن أبي غطيف
الهذلي، عن ابن عمر، وقال: هو إسناد ضعيف، وذلك لتفرد الإفريقي وأبي
غطيف به، والأول: مختلف فيه، والثاني: مجهول الحال، لم أجد فيه جرحًا ولا
تعديلاً إلا قول البخاري في حديثه هذا: لم يتابع عليه. وليس له في الكتب الستة إلا
هذا الحديث، وأخرجه أيضًا أبو داود وابن ماجه من طريق الإفريقي عن أبي
غطیف، وسكت عنه أبو داود.
(٢٩٤) أَبُو دَاوُد (٦٢)، وَالتِّرْ مِذِي (٥٩) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ التِّرْمِذِي: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

١٣٥
SERENE
كِتَابُ الطّهَارَةِ
الفصل الثالث
٢٩٥ - [١٣] عَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الصَّلَاةُ، وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُوَّرُ)).
الشَّرُ
٢٩٥ - قوله: (مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ، وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ) فيكون مفتاح
الجنة الطهور، وهو بضم الطاء ويجوز فتحها، والمراد به أيضًا المصدر، قال
الطيبي: جعلت الصلاة مقدمة لدخول الجنة كما جعل الوضوء مقدمة للصلاة،
وكما لا تتأتى الصلاة بدون الوضوء كذلك لا يتهيأ دخول الجنة بدون الصلاة،
وفيه: دليل لمن يكفر تارك الصلاة، وأنها الفارقة بين الإيمان والكفر. وقال غيره:
هو حثٌّ وتحريض على الصلاة، وأنها مما لا يستغنى عنه قط، فإنها من أسباب
دخول الجنة أولًا من غير سابقة عذاب.
قال ابن العربي: سمى الطهور مفتاحا مجازًّا؛ لأن الحدث مانع من الصلاة،
فالحدث كالقفل موضوع على المحدث حتى إذا توضأ انحل الغلق، وهذه استعارة
بديعة لا يقدر عليها إلا النبوة، وكذلك مفتاح الجنة الصلاة؛ لأن أبواب الجنة
مغلقة يفتحها الطاعات، وركن الطاعات الصلاة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) وأخرجه أيضًا الترمذى على ما في نسخة الترمذى (ج١: ص١٠)
طبعة مصر، بتصحيح وتعليق العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر، وعلى ما في
((التلخيص الحبير)) (ص ٨٠) والبزار، والطبراني، والبيهقي من حديث سليمان بن
قرم، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، وسليمان سيئ الحفظ،
وأبو يحيى لين الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه عندی حسان.
(٢٩٥) أَحْمَد (٣/ ٣٤٠) عن جابر.

١٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٩٦ - [١٤] وَعَنْ شَبِيبٍ بْنِ أَبِي رَوْحِ، عَنْ رَجُلِ مِنْ أَصْحَاب
رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ صَلَّيِ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَقَرَّأَ الرُّومَ، فَالْتَبَسَ
عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُصَلَّونَ مَعَنَا، لَا يُحْسِنُونَ الطَّهُورَ، فَإِنَّمَا
يَلْبِسُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ أُولَئِكَ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٢٩٦- قوله: (شبِیب) کحبیب. (بْنِ أَبِي رَوْح) بفتح الراء بعدها واو ثم حاء
مهملة، ويقال: إن أبا روح كنية شبيب، واسم أبيه نعيم الكلاعي، من ثقات
التابعين، قال الحافظُ: أخطأ من عده من الصحابة.
(عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ) اسمه الأغر - بفتح المعجمة بعدها راء
مشددة - الَّغفارى، قال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (ج١: ص ٤٥): الأغر
الغفارى روى عن النبي ◌َّر أنه سمعه يقرأ في الفجر بالروم. ولم يروه عنه إلا شبيب
أبو روح وحده. انتهى.
(فَقَرَأَ) فيها. (الرُّومَ) أي: سورة الروم. (فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ) أي: اشتبه واستشكل
واختلط، وضميره للروم باعتبار أنه اسم مقدار من القرآن، وفي حديث أبي روح
عند أحمد: فقرأ بالروم فتردد في آية. (فَلَمَّا صَلَّى) أي: فرغ من الصلاة. (لَا
يُحْسِنُونَ) من الإحسان أو التحسين. (الطَّهُورِ) بضم الطاء ويجوز فتحها، والحمل
على الماء لا يناسب المقام، أي: لا يأتون بواجباته وسننه، ففي حديث أبي روح
عند أحمد (ج٣: ص ٤٧١): ((إِنَّمَا لَسَ الشَّيْطَانُ الْقِرَاءَةَ مِنْ أَجْلِ أَقْوَامِ يَأْتُونَ الصَّلَاةَ
بِغَيْرِ وُضُوءٍ))، أي: بفقد ركن أو شرط من شروط الطهارة، فيعود شؤَّم خَلَلِهِمْ على
المصلي معهم. وفيه: تشريع وتعليم للأمة أن المقصر يعود شؤمه على غيره.
وقال الطيبي: فيه أن ترك السنن والآداب سد باب الفتوحات الغيبية، وأنه يسري
إلى الغير، وأن بركتها تسرى في الغير، ثم تأمل أن مثله وّ مع جلالة قدره وغاية
(٢٩٦) النَّسَائِي (٢ / ١٥٦) عن شَبيب أبي روح، عن رجل من الصحابة.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
SHIANESE
BE
ESHiNE
١٣٧
كماله إذا كان يتأثر من مثل تلك الهيئة، فكيف بغيره من صحبة أهل الأهواء
والبدع، وصحبة الصالحين بعكسه.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) في الصلاة، وأخرجه أيضًا أحمد، وعبد الرزاق، والبغوي،
والطبراني، وأبو نعيم كلهم عن رجل من الصحابة، قال علي المتقي: سماه
مؤمل بن إسماعيل الأغر. قال أبو موسى: لا نعلم أحدًا سماه غيره، وهو أحد
الثقات، وقال البغوي عن الأغر: رجل من بنى غفار، انتهى. قال الحافظُ: وسماه
الطبراني وخلطه بالأغر المزنى صحابي آخر. وأما ابن عبد البر فجعل هذا غفاريًّا،
وكذا ثبت في بعض طرقه، انتهى.
قلتُ: رجال النسائي وكذا أحمد رجال الصحيح، لكن الحديث مضطرب
الإسناد، اختلف أصحاب عبد الملك بن عمير عليه، فرواه سفيان عند النسائي،
وشعبة عند أحمد، عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب أبي روح، عن رجل من
أصحاب النبي وَّر، ورواه شريك وزائدة، عن عبد الملك، عن شبيب أبي روح
الكلاعي أنه صلى مع النبي وَّ الصبح ... الحديث، فجعلا الحديث عن أبي
روح نفسه، وهذا أيضًا عند أحمد (ج٣: ص٤٧١، ٤٧٢) والراجح عندنا رواية
سفيان وشعبة، وقد صوب الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج ٤: ص ٣١٠) رواية
شعبه، وخطأ في ((التقريب)) من عدَّ شبيبًا أبا روح في الصحابة.
٢٩٧ - [١٥] وَعَنْ رَجُل مِنْ بَنِي سُلَيْم قَالَ: عَدَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِله
فِي يَدِي - أَوْ فِي يَدِهِ - قَالَ: ((التَّسْبِيحُ نِصْفِّ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ،
وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ، وَالطَّهُورُ
[رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ] {ضعيف}
نِصْفُ الْإِيمَانِ)).
الشَّرْحُ
٢٩٧ - قوله: (وَعَنْ رَجُلٍ) من الصحابة. (مِنْ بَنِي سُلَيْم) بالتصغير. (عَدَّهُنَّ)
أي: الخصال الآتية، فهو ضمير مبهم يفسره ما بعده، والمفسَّر قوله: ((التَّسْبِيحُ)).
(٢٩٧) التِّرْمِذِي (٣٥١٩) عن رجل من بني سُلَيم في الدعوات.

aDNE
١٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فِي يَدِي) أي: أخذ أصابع يدي، وجعل يعقدها في الكف خمس مرات على عدَّ
الخصال لمزيد التفهيم والاستحضار. (أَوْ فِي يَدِهِ) شك من الراوى. (التَّسْبِيحُ
نِصْفُ الْمِيزَانِ) قيل: إنه ضرب مثل وأن المعنى: لو كان التسبيح جسمًا لملأ نصف
الميزان. وقيل: بل اللَّه يمثل أقوال بني آدم وأعمالهم صورًا تُرى يوم القيامة
وتوزن، وهذا هو الظاهر، وقيل: أي ثوابه بعد تجسمه يملأ نصف الميزان،
والمراد به إحدى كفتيه الموضوعة لوضع الحسنات فيها. (وَالْحَمْدُ للَّهِ يَمْلَؤُهُ) أي:
الميزان كله، فيكون المراد تفضيل الحمد على التسبيح، وأن ثوابه ضعف ثواب
التسبيح أو نصفه الآخر، فيكون المقصود التسوية بين التسبيح والحمد بأن كل
واحد منهما يأخذ نصف الميزان فيملآنه معًا، وذلك؛ لأن الأذكار تنحصر في
نوعين: التنزيه والتحميد، والأول أظهر، ويؤيده حديث أبي مالك الأشعري
المتقدم في الفصل الأول، ولأن الحمد يشتمل على التنزيه ضمنًا؛ لأن الوصف
بالكمال متضمن نفى النقصان .
وقال الطيبي: لأن الحمد جامع لصفات الكمال من الثبوتية والسلبية والتسبيح
من السلبية .
(وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ)؛ لأنَّ الصبر حبس النفس على الطاعات، وعن
المعاصي، وكان الصوم أقمع لشهوات النفس الباعثة على المعاصي فصار نصف
الصبر بهذا الاعتبار، وقيل: الصوم صبر عن الحلق والفرج فيبقى نصفه الآخر من
الصبر عن سائر الأعضاء.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وأخرجه أيضًا أحمد، وأخرجه
الترمذي أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو بنحوه، وزاد فيه: ((وَلَا إِلَّهُ إِلَّا اللَّهُ لَيْسَ
لَهَا دُونَ اللَّهِ حِجَابٌ حَتَّى تُخْلُصَ إِلَيْهِ».

كِتّابُ الطَّهَارَةِ
HENISE X CHANIeS
١٣٩
٢٩٨ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا
تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ، فَمَضْمَضَ، خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَنْثَرَ
خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، وَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى
تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى
تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى
تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَّيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ
تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيّ] {صحيح}
الشّرْحُ
٢٩٨ - قوله: (عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيّ) مختلف في صحبته بل في وجوده، فقيل:
هو صحابي مدني، وإليه جنح الحاكم، وابن السكن، وابن معين، والترمذى،
ففي بعض نسخ الترٍمذي الصحيحة القلمية: الصنابحي هذا الذى روى عن
النبي ◌ََّ ((فَضْلِ الطَّهُورِ)) هو عبد اللَّه الصنابحي، والذى روى عن أبي بكر
الصديق ليس له سماع من النبي ◌ّ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة. انتهى. وإليه
يميل كلام الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) و((الإصابة))، وابن الأثير الجزرى في
((أسد الغاية))، والذهبي في ((التجريد))، والمصنف في ((الإكمال))، والمنذري في
((الترغيب)). وقيل: هو أبو عبد الله الصنابحي عبد الرحمن ابن عسيلة التابعى،
ووهم من قال عبد الله الصنابحي، وأخطأ قلب كنيته فجعلها اسمًا، فأحاديثه عن
النبي ◌َّ مرسلة، صرح بذلك البخاري، وعلي بن المديني، ويعقوب بن شيبة،
ومن تبعهم، والراجح عندنا هو القول الأول، فعبد الله الصنابحي صحابي له ثلاثة
أحاديث، الأول هو هذا، والثاني يأتي في الفصل الثالث من باب أوقات النهي،
وقد صرح في بعضها بالسماع من النبي وَلّ. وأبو عبد الله الصنابحي عبد الرحمن
ابن عسيلة رجل آخر تابعي، وارجع إلى ((تهذيب التهذيب)) (ج٦: ص٩١، ٢٢٩)
(٢٩٨) مَالِك (٣٠)، والنَّسَائِي (١/ ٧٤) في الطهارة عن عبد الله الصُّنابحي.