Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وغير ذلك أحاديث عن جماعة من الصحابة، ذكرها الهيثمى في ((مجمع الزوائد))
(ج١: ص ١٨٦، ١٨٧) مع الكلام عليها، وعلي المتقي في ((كنزل العمال)) (ج٥:
ص٢١٢، ٢٣٢، ٢٣٣).
٢٧٢ - [٧٥] وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ، فَذَلِكَ
الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمٌ عَلَى اللَّسَانِ، فَذَاَ حُجَّةُ اللَّهِ رَ عَلَّى ابْنِ آدَمَ.
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٢٧٢ - قوله: (الْعِلْمُ) أي: الشرعي. (عِلْمَانِ) أي: نوعان. (فَعِلْمٌ) الفاء
تفصيلية أي: فنوع منه .
(فِي الْقَلْبِ) المراد بعلم في القلب: ما ظهر أثره ونوره في القلب، بأن يعمل به
ويجري على مقتضاه، ويظهر السنة ويبطل البدعة. (فَذَاَكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ) المذكور
المطلوب في الأدعية المأثورة.
(وَعِلْمٌ عَلَى اللَّسَانِ) أي: ونوع آخر من العلم جارٍ على اللسان، ظاهر عليه
فقط، لم يظهر أثره ونوره في القلب، ولا أورث العمل. (فَذَالَكَ حُجَّةُ اللَّهِ رَتْ عَلَى
ابْنِ آدَمَ) فيقول له يوم القيامة: ماذا عملت فيما تعلمت؟ وهو الذي استعاذ منه وَل
بقوله: ((أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمِ لَا يَنْفَعُ)).
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) أي: موقوفًا، وأخرجه الخطيب في ((تاريخه))، عن الحسن، عن
جابر مرفوعًا بإسناد حسن، وأبو نعيم في ((الحلية))، والديلمي في ((مسند
الفردوس)) عن أنس مرفوعًا، وأخرجه ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي في ((نوادر
الأصول))، وابن عبد البر في كتاب العلم عن الحسن مرساًا بإسناد صحيح،
وأخرجه البيهقي عن الفضيل بن عياض من قوله، غير مرفوع.
(٢٧٢) الدَّارِمِي (٣٦٤) عن الحسن ... قوله.

١٠١
كِتَابُ الْعِلْم
٢٧٣ - [٧٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِفْتَهُ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَه
وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثْتُهُ فِيكُمْ، وَأَمَّا الْآَخَرُ فَلَوْ بَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ،
يَعْنِي: مَجْرَى الطَّعَامِ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشَّرْحُ
٢٧٣ - قوله: (وِعَاءَيْنِ) بكسر الواو والمد، تثنية وعاء أي: ظرفين، أطلق
المحل وأراد الحال، أي: نوعين من العلم، ومراده أن محفوظه من الحديث لو
كتب لملأ وعاءين. (فَأَمَّا أَحَدُهُمَا) أي: أحد ما في الوعائين من نوعي العلم.
(فَبَثَنْتُهُ) أي: أظهرته ونشرته. (فِيكُمْ) ليس هذا اللفظ في البخاري، قال الحافظُ:
زاد الإسماعيلي، وقال القسطلاني: زاد الأصيلي: ((فِي النَّاسِ)). (قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ)
بضم الباء، كنى بذلك عِن القتل، وفي رواية الإسماعيلي: ((لقُطِعَ هَذَا)) يعني:
رأسه. (يَعْنِي: مَجْرَى الطَّعَام) أي: في الحلق، وهو المري، وأراد بالوعاء الذي لم
يبثه، ما كتمه من أخبار الفتنَ والملاحم، وتغير الأحوال في آخر الزمان، وما أخبر
به الرسول اللّه وَ له، من فساد الدين على يدي أغيلمة من سفهاء قريش، وقد كان
أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم، أو المراد الأحاديث التي فيها تبيين
أسماء أمراء الجور، وأحوالهم، وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعض ذلك
ولا يصرح خوفًا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة
الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة،
واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة.
قال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم، حيث
اعتقدوا أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، وذلك الباطل إنما حاصله الانحلال من الدين،
قال: وإنما أراد أبو هريرة بقوله: ((قُطِعَ)) أي: قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه
بفعلهم وتضليله لسعيهم. ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام
الشرعية ما وسعه كتمانها؛ لما ذكر هو من الآية الدالة على ذم من كتم العلم.
(٢٧٣) البُخَارِي (١٢٠) عن أبي هريرة في العلم.

١٠٢
NEW
HERE
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
وقال غيره: قد نفى أبو هريرة بثه على العموم من غير تخصيص، فكيف يستدل به
لذلك؟ وأبو هريرة لم يكشف مستوره فيما نعلم، فمن أين علم الذي كتمه؟ فمن
ادعی ذلك فعلیه البيان .
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في العلم، قال القسطلاني: زاد في رواية ابن عساكر،
والأصيلي، وأبي الوقت، وأبي ذر، والمستملي قال أبو عبد الله - يعني:
البخاري: ((الْبُلْعُومُ)) مجرى الطعام، وعلى هذا لا يخفى ما في ((المشكاة))، إذ يفهم
منه أن قوله: ((مُجْرَى الطَّعَام)) يعني: من أحد رواة الحديث، ولا يفهم منه أنه
للبخاري.
٢٧٤ - [٧٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ،
وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُل: اللَّهُ أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللَّهُ
أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِّهِ: ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْتُكَلِّفِينَ
﴾ [ص: ٨٦].
(٨٦)
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرُْ
٢٧٤- قوله: (وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ) إذا أطلق فهو ابن مسعود. (قَالَ: يَا أَيُّهَا
النَّاسُ ... ) إلخ تعريضًا بالرجل القائل: يَجيء دخان يوم القيامة. وإنكارًا عليه،
يعني: لا تتكلفوا فيما لا تعلمون. (مَنْ عَلِمَ شَيْئًا) من علوم الدين فسأله عنه من هو
متأهل لفهم جوابه. (فَلْيَقُلْ بِهِ) أي: بذلك الشيء المعلوم. (وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ)
أي: في الجواب. (اللَّهُ أَعْلَمُ) أي: أكثر علمًا. وقال ابن حجر: ((أَعْلَمُ)) بمعنى
عالم لاستحالة المشاركة، قال القاري: المشاركة الاستقلالية هي المستحيلة.
(فَإِنَّ مِنَ الْعِلْم) أي: من آدابه الواجب رعايتها على من نسب للعلم، أو التقدير:
فإن من جملةَ العلم. وهو خبر إن، واسمه قوله: ((أَنْ تَقُولَ ... )) إلخ قاله القاري،
والثاني هو الظاهر، والمعنى: أن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا
مناسب لما اشتهر من أن ((لاَ أَدْرِى)) نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعلم قسم من
(٢٧٤) البُخَارِي عن ابن مسعود ... قوله في التفسير، البُخَارِي (٤٨٠٩)، ومُسْلِم (٢٧٩٨).

١٠٣
كِتَابُ الْعِلْم
التكلف. (أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ) أي: لأجله أو عنه. (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِّهِ) وهو أعلم
الخلق (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي: على التبليغ (مِنْ أَجْرٍ) أي: آخذه منكم (وَمَا أَنَا مِنَ
المُتَكَلِّفِينَ) أي: من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الاستسقاء، وفي تفسير الروم والدخان،
ومسلم في التوبة، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، والنسائي في التفسير.
٢٧٥ - [٧٨] وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ
تَأْخُذُونَ دِینَكُمْ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ]
الشَّرْحُ
مـ
٢٧٥ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ) هو محمد بن سيرين، يكنى أبا بكر، مولى
أنس بن مالك، من أكابر التابعين، قال المصنف: كان فقيهًا عالمًا، زاهدًا،
عابدًا، ورعًا، محدثًا، من مشاهير التابعين وجلتهم، وقال الحافظُ: إنه ثقة، ثبت،
عابد، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى. مات سنة (١١٠) وهو ابن سبع
وسبعين سنة. قال القاري: وهو غير منصرف للعلمية والمزيدتين على مذهب أبي
علي في اعتبار مجرد الزائدتين.
(إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ) اللام للعهد، يعني: أن علم الإسناد من الدين، وقيل: المراد
به علم الكتاب والسنة، وهما أصول الدين، ويؤيد المعنى الأول ما رواه مسلم في
مقدمة ((صحيحه)) عقب ذلك عن ابن سيرين أيضًا، قال: لم يكن يسألون عن
الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ
حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. (فَانْظُرُوا) أي: فاعلموا
وتحققوا. (عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ) تنبيه وحث على رعاية الوثوق والديانة،
والحفظ، والورع، والسنة، حتى لا يؤخذ من كل من يروي، و((عَنْ)) متعلق
بـ((تأخذون)) على تضمين معنى تروون.
(٢٧٥) مُسْلِم عن ابن سيرين ... قوله، في خطبة كتابه.

١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في مقدمة ((صحيحه)) موقوفًا من قول ابن سيرين، وكذا الدارمي،
وأخرجه الحاكم في ((تاريخه)، وابن عدي في ((الكامل)) مرفوعًا عن أنس، وكذا
أخرجه مرفوعًا أبو نصر السجزي في ((الإبانة))، والديلمي في ((مسند الفردوس)) من
حديث أبي هريرة، لكن المرفوع ضعيف، والصحيح أنه قول ابن سيرين.
٢٧٦ - [٧٩] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا، فَقَدْ سَبَقْتُمْ
سَبْقًا بَعِيدًا؛ وَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا.
[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشّرْحُ
٢٧٦ - قوله: (يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ) أي: الذين يحفظون القرآن، قاله الطيبي.
وقال الحافظُ: المراد بهم العلماء بالقرآن والسنة العباد. (اسْتَقِيمُوا) أي: على
جادة الشريعة، أي: اسلكوا طريق الاستقامة، بأن تتمسكوا بأمر الله فعلًا وتركًا.
(فَقَدْ سَبَقْتُمْ) بفتح السين والموحدة، قال الحافظُ: هو المعتمد، وحكي بضم
السين وكسر الباء مبنيًّا للمفعول، والمعنى على الأول: اسلكوا طريق الاستقامة؛
لأنكم أدركتم أوائل الإسلام، فإن تتمسكوا بالكتاب والسنة، تسبقوا إلى كل خير؛
لأن من جاء بعدكم إن عمل بعملكم لم يصل إليكم لِسَبْقِكُمْ إلى الإسلام، ومرتبة
المتبوع فوق مرتبة التابع، وإلا فهو أبعد منه حسًّا وحكمًا، وعلى الثاني: أي
سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى الله، فكيف ترضون لنفوسكم هذا التخلف
المؤدي إلى الانحراف عن سنن الاستقامة يمينًا وشمالاً، الموجب للهلاك الأبدي.
(سَبْقًا بَعِيدًا) أي: ظاهر التفاوت. (وَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا) أي: خالفتم
المذكور بالإعراض عن الجادة والانحراف عن طريق الاستقامة. (فَقَدْ ضَلَلْتُمْ
ضَلَالًا بَعِيدًا) أي: عن الحق بحيث يبعد رجوعكم عنه إليه، وكلام حذيفة منتزع من
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، والذي له حكم الرفع من حديث حذيفة هذا الإشارة إلى
(٢٧٦) البُخَارِي (٧٢٨٢) عن حذيفة في الاعتصام.

١٠٥
كِتَابُ الْعِلْم
فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين مضوا على طريق
الاستقامة .
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الاعتصام، وأخرجه أيضًا أبو نعيم في ((المستخرج))، وابن
أبى شيبة، وابن عساكر بنحوه.
٢٧٧ - [٨٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ
مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ: ((وَادٍ فِي جَهَنَّمَ
يَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَ مِائَةٍ مَرَّةٍ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَدْخُلُهَا؟
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف جدًّا}
قَالَ: ((الْقُرَّاءُ الْمُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ)).
الشَّرْحُ
٢٧٧ - قوله: (مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ) الجُب: بضم الجيم وتشديد الموحدة، البئر
التي لم تطو، و((الْحَزَنُ)) بفتحتين أو بضم فسكون ضد الفرح، أي: من بئر فيها
الحزن لا غير، قال الطيبي: ((جب الحزن)) علم والإضافة كما في دار الإسلام،
أي: دار فيها السلامة من كل حزن وآفة. (قَالَ: وَادٍ) أي: هو وادٍ عميق يشبه البئر
من كمال عمقه. (يَتَعَوَّذُ مِنْهُ) أي: من شدة عذابه (جَهَنَّمُ) أي: سائر أودية جهنم.
قيل: ينبغي أن يراد بجهنم ما أعد فيها لتعذيب العصاة من المسلمين، لا الكفرة
والمنافقين .
قال الطيبي: التعوذ من جهنم هنا كالنطق منها في قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن
مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وكالتميز والتغيظ ﴿تَكَادُ تَمَيَّرُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]، والظاهر أن
يجري ذلك على المتعارف؛ لأنه تعالى قادر على كل شيء.
(كُلَّ يَوْم) يحتمل النهار والوقت. (أَرْبَعَ مِائَةِ مَرَّةٍ) هذا لفظ ابن ماجه، وفي رواية
الترمذي ((مَّائَةً مَرَّةٍ))، ولا منافاة؛ لأن القليل لا ينافي الكثير، وهو يحتمل التحديد
والتكثير. (وَمَنْ يَدْخُلُهَا؟) أي: تلك البقعة المسماة بجب الحزن، وهو عطف على
(٢٧٧) التِّرْمِذِي (٢٣٨٣)، وابن مَاجَهْ (٢٥٦). ولفظه أتمّ . عن أبي هريرة.

١٠٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
محذوف، أي: ذلك شيء عظيم هائل. فمن الذي يستحقها؟ ومن الذي يدخل
فيها؟ (الْقُرَّاءُ) جمع قارئ، والمراد: العلماء بالكتاب والسنة، العباد النساك.
(الْمُرَاؤُونَ) من الرياء. (بِأَعْمَالِهِمْ) السماعون بأقوالهم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الزهد، وقال: غَرِيبٌ، انتهى. وفيه سيف بن عمار، وهو
ضعيف الحديث، وفيه أيضًا أبو معان البصري، وهو مجهول. (وَكَذَا) رواه (ابْنَ
مَاجَهْ) في السنة، وفي سنده أيضًا ما في سند الترمذي.
(وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ) قيلِ: أي من القرائين المذكورين - وهم المراؤون -
قرائين مخصوصين، وهم (الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ) طمعًا في مالهم وجاههم، لا
لحاجة دينية، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لضرورة دنيوية تلجئهم
بهم، کدفع شرهم وإيذائهم ونحو ذلك.
(قَالَ الْمُحَارِبِيُّ) أحد رواة الحديث، وهو بضم الميم وبالحاء المهملة، وبالراء
المكسورة، وبالباء الموحدة، نسبة إلى محارب، وهو عبد الرحمن بن محمد بن
زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي، روى عن الأعمش، ويحيى بن سعيد، وعنه
أحمد بن حنبل، وثقه النسائي وابن معين والبزار والدار قطني. وقال الحافظُ: لا
بأس به وكان يدلس، قاله أحمد. مات سنة (١٩٥). (يَعْنِي: الْجَوَرَةَ) كالظلمة لفظًا
ومعنَى، جمع جائر؛ لأنه لا حرج في زيارة الأمير العادل، المتمسك بالكتاب
والسنة. والحديث أخرجه أيضًا الطبراني بنحوه إلا أنه قال: ((يُلْقَى فِيهِ الغَزَّارُونَ))،
قيل: يا رسول الله، وما الغرارون؟ قال: ((الْمُرَاؤونَ بِأَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا))، وأخرجه
العقيلي في ((الضعفاء))، والعسكري في ((المواعظ)) عن علي، وفيه عبد الله بن
حكيم أبو بكر الداهري ليس بشيء.

١٠٧
كِتَابُ الْعِلْم
ISE
NTBE
٢٧٨ - [٨١] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((يُوشَكُ أَنْ يَأْتِيَ
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّ اسْمُهُ، وَلَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّ
رَسْمُهُ؛ مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ
أَدِيمِ السَّمَاءِ، مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ وَفِيهِم تَعُودُ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))] {ضعيف}
الشّرْخُ
٢٧٨ - قوله: (يُوشَكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ) أي: فاسد لفساد أهله، قال
الطيبي: أتى متعدٍ إلى مفعول واحد بلا واسطة، فعدي بـ((عَلَى)) ليشعر بأن الزمان
عليهم حينئذٍ بعد أن كان لهم. (وَلَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ) أي: من شعائره. (إِلَّا اسْمُهُ)
أي: إلا ما يصح إطلاق اسم الإسلام عليه كلفظ الصلاة والزكاة والحج، أو إلا
العلم به، وأما العمل به فلا. (لَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ) أي: من آدابه وعلومه. (إِلّا
رَسْمُهُ) أي: أثره الظاهر من قراءة لفظه، وكتابة خطه، بطريق الرسم والعادة لا على
جهة تحصيل العلم والعبادة، وقيل: المراد برسم القرآن تجويد الحروف وإتقان
الألفاظ، وتحسين الألحان فيه من غير التفكر في معانيه والامتثال بأوامره والانتهاء
عن نواهيه. (مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ) أي: بالأبنية المرتفعة، والجدران المنقشة،
والقناديل والبسط. (وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى) المراد بكون مساجدهم عامرة،
عمارة بنائها الظاهر، وبكونها خرابًا من الهدى، تركهم إياها عاطلة من الصلاة
والجماعة، وإقامة الأذان فيها، والعلم والذكر، وإنما عبر عنها بالهدى لأنها سبب
هداية الشخص، وقيل: التقدير: من آثار الهداية أو أهلها. (أَدِيم السَّمَاءِ) أي:
وجهها. (مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ) أي: للناس. (وَفِيهِمْ تَعُودُ) أي: مضرتها
وعاقبتها السوء، وفي مثلها في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]،
يعني: يستقر عود ضررهم فيهم، ويتمكن منهم.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ)، وأخرجه أيضًا ابن عدي في ((الكامل)،
(٢٧٨) البَيْهَقِي (١٩٠٨) في ((شعب الإيمان)) عن علي رَوَّهُ.

١٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأخرجه الحاكم في ((تاريخه)) بنحوه عن ابن عمر، والديلمي عن معاذ وأبي هريرة،
وأخرجه العسكري في ((المواعظ)) عن علي موقوفًا من قوله.
٢٧٩ - [٨٢] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ وَلّهِ شَيْئًا فَقَالَ: ((ذَاَكَ
عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْم)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ
الْقُرْآنَ، وَنُقْرِتُهُ أَبْنَاءَنَا، وَيُقْرِتُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: (( ثَكِلَتْكَ
أُمَُّ زِيَادُ، إِنْ كُنْتُ لَأُرَاَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلِ بِالْمَدِينَّةِ! أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ
وَالنَّصَارَى يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، لَا يَغَّمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا؟!)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ] {صحيح}
الشَّرُْ
٢٧٩ - قوله: (وَعَنْ زِیَادِ بْنِ لَبِيدٍ) بفتح لام وكسر موحدة، ابن ثعلبة، يكنى
أبا عبد الله الأنصاري الخزرجي، خرج إلى رسول اللّه وَل بمكة فأقام معه حتى
هاجر، فكان يقال له: مهاجري أنصاري، وشهد العقبة وبدرًا والمشاهد، ومات
النبي ◌َّ وهو عامله على حضر موت، وكان له بلاء حسن في قتال أهل الردة،
وكان من فقهاء الصحابة. روى عنه عوف بن مالك، وسالم بن أبي الجعد، وجبير
ابن نفير، قال البخاري: ولا أرى سالمًا سمع منه، مات في أول خلافة معاوية.
(ذَكَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ شَيْئًا) أي: هائلًا. (فَقَال: ذَاكَ) أي: الشيء المخوف يقع (عِنْدَ
أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْم) أي: وقت اندراسه. (وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ؟) الواو للعطف،
أي: متى يقع ذلَك المهول؟ وكيف يذهب العلم؟ (وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ ... ) إلخ
يعني: والحال أن القرآن مستمر بين الناس إلى يوم القيامة، فمع وجوده كيف
يذهب العلم؟
(شَكِلَتْكَ أُمُّكَ) أي: فقدتك، وأصله الدعاء بالموت، ثم يستعمل في التعجب.
(٢٧٩) أَحْمَد (٤/ ١٦٠)، وابن مَاجَهْ (٤٠٤٨) عن زياد بن لبيد في الفتن، وبعضه في التِّرْمِذِي
(٢٦٥٣).

١٠٩
كِتَابُ الْعِلْم
(زِيَادُ) أي: يا زياد. (إِنْ كُنْتُ) إن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن
محذوف، أي: إن الشأن كنت أنا. (لَأَرَاكَ) بضم الهمزة، أي: لأظنك، وبفتحها
أي لأعلمك. (مِنْ أَفْقَهِ رَجُلِ بِالْمَدِينَةِ) ثاني مفعولي أراك، ومن زائدة في الإثبات،
أي: على مذهب الأخفشَ، أو متعلقة بمحذوف أي: كائنًا، قاله الطيبي. وأضاف
أفعل التفضيل إلى النكرة المفردة؛ لأن المراد به الاستغراق. (أَوَلَيْسَ) أي: أتقول
هذا وليس (لَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا) الجملة حال من فاعل يقرؤون، أي:
يقرؤون غير عاملين، يعني: ومن لم يعمل بعلمه هو والجاهل سواء، بل هو بمنزلة
الحمار يحمل أسفارًا.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص١٦، ٢١٨). (وابْنُ مَاجَهْ) في الفتن، وأخرجه أيضًا
الحاكم (ج١: ص ١٠٠) كلهم من طريق سالم بن أبي الجعد عن زياد. وسند
الحديث صحيح، رجاله ثقات إلا أنه منقطع. قال البخاري في التاريخ الصغير: لم
يسمع سالم بن أبي الجعد من زياد بن لبيد، وتبعه على ذلك الذهبي في الكاشف،
وقال: ليس لزياد عند المصنف - أي ابن ماجه - سوى هذا الحديث، وليس له
شيء في بقية الكتب. (وروى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ) أي: عن زياد. (نَحْوَهُ) أي: نحو هذا
اللفظ، وهو معناه، وهذا وهم من المصنف؛ لأن الترمذي روى هذا الحديث عن
أبي الدرداء، لا عن زياد، ولأنه ليس لزياد شيء في الكتب الستة غير ابن ماجه.
٢٨٠ - [٨٣] وَكَذَا الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
{ضعيف}
الشَّرْجُ
٢٨٠ - قوله: (وَكَذَا الدَّارِمِيُّ) أي: رواه بمعناه لكن. (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) لا عن
زياد. وأخرج عن أبي أمامة أيضًا أحمد والطبراني وأبو الشيخ في ((تفسيره))، وابن
مردويه كما في ((الكنز)) (ج٥: ص٢٠٨).
(٢٨٠) أخرجه الدَّارِمِي عن أبي أمامة.

١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٨١ - [٨٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: «تَعَلَّمُوا
الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ
وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، فَإِنِّي امْرُؤْ مَقْبُوضٌ، وَالْعِلْمُ سَيَنْقَبِضُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، حَتَّى
يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي فَرِيضَةٍ لَا يَجِدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا)).
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ] {ضعيف}
الشّرْخُ
٢٨١ - قوله: (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَيِ) يحتمل أن ابن مسعود كان وحده، أو
خصه بالخطاب وعم الحكم بقوله: (تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ) أي: الشرعي، أو الجمع
للتعظيم. (تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ) أي: علم الفرائض خصوصًا، سواء أريد بها فرائض
الإسلام أو فرائض الإرث. (عَلَّمُوهَا النَّاسَِ) كذا في بعض النسخ موافقًّا لرواية
الدار قطني، ووقع في بعض النسخ: ((وَعَلَّمُوهُ النَّاسَ))، وكذا عند الدارمي، أي:
علموا هذا العلم، فالضمير إلى المضاف المقدر. (فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ) لكوني امرأ
مثلكم، فلا أعيش أبدًا، فاغتنموا فرصة حياتي. (وَالْعِلْمُ سَيَنْقَبِضُ) من الانقباض،
أي: بعدي، بقبض أهله، وفي بعض النسخ: ((سَيُقْبَضُ)) مجهول مجرد. (حَتَّى
يَخْتَلِفَ) يجوز أن يتعلق بكل من الفعلين السابقين. (فِي فَرِيضَةٍ) من فرائض
الإِسلام أو فرائض الإرث. (لَا يَجِدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا) لقلة العلم أو لكثرة
الفتن.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالدَّارَ قُطْنِيُّ) (ص ٤٥٩)، وسياق الحديث للدارمي، وأخرجه
أيضًا أحمد والترمذي ولم يسق لفظه، والنسائي، والحاكم وصححه، قال
الحافظُ: رواته موثقون إلا أنه اختلف فيه اختلافًا كثيرًا ... إلخ، وقال الترمذي:
إنه مضطربٍ، وقد تقدم بيان شيء من هذا الاختلاف عند تخريج حديث أبي
هريرة: (تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ)) في الفصل الثاني، وأخرج نحوه الدار قطني عن أبي
سعيد الخدري من طريق عطية، وهو ضعيف.
(٢٨١) رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ في ((سُنَنِهِ)) (٧٢/١، ٧٣)، والدَّارَ قُطْني (ص٤٥٩).

كِتَابُ الْعِلْمِ
HEN
ees
٢٨٢ - [٨٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((مَثَلُ عِلْم لَا
يُنْتَفَعُ بِهِ، كَمَثَلِ كَْزِ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللّهِ)). [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ ] (حسن)
الشَّرْحُ
٢٨٢ - قوله: (مَثَلُ عِلْم لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) أي: بالعمل والتعليم، ولو كان العلم في
نفسه نافعًا. (كَمَثَلِ كَنْزِ لَا يُنْفَقُّ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: لا على نفسه ولا على غيره في
الجهاد وسائر وجوه الخير. قال الطيبي: التشبيه في عدم النفع والانتفاع والإنفاق
منهما، لا في أمر آخر، وكيف لا والعلم يزيد بالإنفاق والكنز ينقص، والعلم باقٍ
والكنز فانٍ .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ والدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا البزار، ورجاله موثقون، قاله الهيثمي.
وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الأوسط)) بنحوه، وفي إسناده ابن لهيعة، وأخرجه ابن
عساكر عن ابن عمر، والقضاعي عن ابن مسعود.
(٢٨٢) أَحْمَد (٢/ ٤٩٩) والدَّارِمِي (٥٥٦) عن أبي هُريرة.

١١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
OSO Za
٣ - كِتَابُ الطَّهَارَةِ
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ) الطهارة لغة: النظافة والنزاهة من كل عيب حسي أو معنوي،
وشرعًا: طهارة البدن من النجاسة الحكمية، أي: الحدثين الأكبر والأصغر،
وطهارة البدن والثوب والمكان من النجاسة الحقيقة، أي: الأخباث وفضلات
الأعضاء، ولما كان العمل نتيجة العلم، وبعد العلم يكون العمل، وأفضل الأعمال
البدنية الصلاة، ولا يتوصل إليها إلا بالطهارة، عَقَّبَ كتاب العلم بكتاب الطهارة،
وينبغي - بل يجب - للطالب أن يرجع لمعرفة أسرار الدين ومصالح أحكامه إلى
((إعلام الموقعين)) للإمام ابن قيم، و(حجة اللَّه البالغة))، و((إحياء علوم الدين)) مع
تخريج أحاديثه للعراقي، و((الحصون الحميدية)) للجسر، وغير ذلك من كتب هذا
الفن.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ
١١٣
الفصل الأول
٢٨٣ - [١] عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْعَرِيِّ رَوَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
تَمْلَآنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ
بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَو عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ
نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلَآنِ مَا بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)).
لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِِّ، وَلَاَ فِي
((الْجَامِعِ))، وَلَكَنْ ذَكَرَهَا الدَّارِمِيُّ بَدَلَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ للَّهِ))(*)
الشرحُ
٢٨٣ - قوله: (عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ) اختلف في اسمه فقيل: عبيد. وقيل :
عبيد الله. وقيل: عمرو. وقيل: كعب بن كعب. وقيل: عامر بن الحارث.
وقيل: الحارث بن الحارث. وقيل غير ذلك. صحابي، مات في خلافة عمر في
طاعون عمواس سنة (١٨). وقال الحافظ في ((المقدمة)): لا يعرف اسمه، وهو من
رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وله عند البخاري تعليقًا، روى
عنه عبد الرحمن بن غنم الأشعري، وربيعة الجرشي، وأبو سلام ممطور الأسود
وغيرهم، وروى أبو سلام أيضًا عن عبد الرحمن بن غنم عنه. وفي الصحابة أبو
مالك الأشعري اثنان غير هذا.
أحدهما: الحارث بن الحارث الأشعري الشامي من رواة الترمذي والنسائي،
تفرد بالرواية عنه أبو سلام ممطور الأسود، أخرج له الترمذي والنسائي حديثًا
(٢٨٣) مُسْلِم (١/ ٢٢٣)، وَالنَّسَائِي (٥/٥) عَنْ أَبِي مَالِك الأَشْعَرِيِّ فِي الطَّهَارَةِ.
(*) النَّسَائِي في ((الكبرى)) (٩٩٩٦) عَنْهُ فِي ((عَمَلِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)).

١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قدسيًّ طويلاً جامعًا لأنواع من العلوم، وهو حديث: ((إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيًّا
بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ)).
والثاني: كعب بن عاصم الأشعري، نزل الشام ومصر، له حديثان فقط:
أحدهما: ما روته أم الدرداء عنه مرفوعًا: ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ)». أخرجه
أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم.
والحديث الثاني: ما روى جابر بن عبد الله عنه أنه رأى النبي ◌َلّ يخطب عند
الجمرة أوسط أيام النحر. أخرجه البغوي، وابن السكن وهو - أي: أبو مالك -
كعب بن عاصم الأشعري من رواة النسائي وابن ماجة فقط، ليس له عند غيرهما
من أصحاب الكتب الستة شيء، وقال المصنف في ((الإكمال)): أبو مالك
الأشعري راوي حديث: ((الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ)) هو كعب بن عاصم الأشعري،
كذا قال البخاري في ((التاريخ)) وغيره. وقيل: هو الحارث بن الحارث الأشعري
المتقدم الذى روى الحديث القدسي الطويل.
والراجح عندى أنه غيرهما، أعني: هو أبو مالك الأشعري الذي اختلف في
اسمه حتى قال الحافظ في ((المقدمة)) فيه: أنه لا يعرف اسمه، فليس هو الحارث بن
الحارث الأشعري؛ لأن هذا قد تأخرت وفاته، وأما أبو مالك الأشعري المختلف
في اسمه فقد تقدم أنه توفي في خلافة عمر، وليس هو كعب بن عاصم أيضًا؛ لأنه
لم يرو عنه غير أم الدرداء وجابر بن عبد الله، والله أعلم.
(الطُّهُورُ) بضم أوله على الأفصح، والمراد به المصدر أي التطهر، وروي
بالفتح على حذف المضاف، أي: استعماله، وفي بعض الروايات: ((الْوُضُوءُ)) بدل
الطهور. (شَطْرُ الْإِيمَانِ) أي: نصفه، قيل: المراد به الترغيب في الطهور، وتعظيم
ثوابه، حتى كأنه بلغ إلى نصف ثواب الإيمان. وقيل: الإيمان يكفر الصغائر
والكبائر والوضوء لا يكفر إلا الصغائر، فكان في مرتبة نصف الإيمان. وقيل:
المراد بالإيمان الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بالطهارة فصارت كالشطر،
وتوضيحه أن صحّة الصلاة باستجماع الشرائط الخارجة عنها والأركان الداخلة
فيها، والطهارة أقوى الشرائط وأعظمها، فجعلت كأنها لا شرط سواها، واعتبرت
الأركان والشرائط نصفًّا، والطهارة وحدها نصفًا آخر على سبيل المبالغة والإدعاء.

١١٥
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
وقيل: المراد بالطهور هاهنا التخلية عن الرذائل من العقائد الزائغة، والأخلاق
الذميمة، والجرائم، والآثام، والأحداث والأخباث، ومن المعلوم أن الإيمان
موجب التخلية عن الرذائل والتحلية بالفواضل، فيكون الطهور شطر الإيمان.
ويرد هذا الاحتمال رواية: ((الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ)) وكذا رواية إسباغ الوضوء.
وقيل المراد بالشطر: الجزء، والمعنى: أن الطهارة جزء من أجزاء الإيمان، وركن
من أركان الإسلام، وقد تقدم أن الأعمال من أجزاء الإيمان. وهذا أيضًا ضعيف،
يرده حديث رجل من بني سليم بلفظ: ((الطَّهُورُ نِصْفُ الْإِيمَانِ))، وأيضًا إنما يعرف
استعمال الشطر لغة في النصف.
(وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) أي: تلفظه. (تَمْلَأُ) بالتأنيث على تأويل الكلمة أو الجملة، وروي
بالتذكير على إرادة اللفظ والكلام، أو المضاف المقدر، أي: ثوابها لو قدر مجسمًا
لملأ (الْمِيزَانَ) فمعناه: بيان عظيم أجرها وأن ثوابها يملأ الميزان، أو محمول على
أن الأقوال والأعمال والمعاني تتجسد يوم القيامة عند الوزن، وقد تظاهرت
نصوص الشرع من القرآن والسنة على وزن الأعمال، وثقل الموازين وخفتها، وأما
القول بأن الأعمال والأقوال أعراض مستحيلة البقاء، غير متصفة بالثقل والخفة،
فمن هفوات الأهفاء وسقطات الحمقاء، قد أبطلها وحقق خلافها الفلسفة الحديثة
الجديدة .
وقال السندي: ولعل الأعمال تصير أجسامًا لطيفة نورانية، لا تزاحم بعضها ولا
تزاحم غيرها أيضًا، كما هو المشاهد في الأنوار؛ إذ يمكن أن يسرج ألف سراج في
بيت واحد مع أنه يمتلئ نورًا من واحد من تلك السرج، لكن لكونه لا يزاحم
يجتمع معه نور الثاني ونور الثالث، ثم لا يمنع امتلاء البيت من النور جلوس
القاعدين فيه لعدم التزاحم، فلا يرد أنه كيف يتصور ذلك مع كثرة التسبيحات
والتقديسات، مع أنه يلزم من وجوده أن لا يبقى مكان لشخص من أهل المحشر،
ولا لعمل آخر متجسد مثل تجسد التسبيح وغيره.
(تَمْلَآنٍ) أي: هاتان الجملتان. (أَوْ تَمْلَأُ) ((أو)) للشك من الراوي، والضمير في
(تَمْلَأُ) للجملة الشاملة لهما، ويمكن أن يكون الإفراد بتقدير كل واحدة منهما. (مَا
بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) معناه لو قدر ثوابهما جسمًا لملأ ما بين السماوات

١١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
والأرض، وسب عظم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه للَّه تعالى بقوله:
سبحان اللَّه، والتفويض والافتقار إليه بقوله: الحمد لله، وقد أوضحه الشيخ
عبد الحق الدهلوي في ((أشعة اللمعات))، فارجع إليها.
(وَالصَّلَاةُ نُورٌ) لتأثيرها في تنوير القلوب وإشراح الصدور وإشراق أنوار
المعارف وكشف الحقائق لفراغ القلب فيها، وقيل: لأنها تمنع من المعاصي
والشهوات، وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب، كما أن النور
يستضاء به، وقيل: يكون أجرها نورًا لصاحبها يوم القيامة. وقيل: إنها تكون نورًا
في ظلمة القبر، وقيل: إن الصلاة تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة، ويكون
في الدنيا أيضًا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يُصَلِّ.
(وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ) أي: دليل واضح على صدق صاحبه في دعوى الإيمان؛ إذ
الإقدام على بذله خالصًا لله لا يكون إلا من صادق في إيمانه، وقيل: معناه يفزع
إليها كما يفزع إلى البراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت
صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول: تصدقت به، ويجوز أن يوسم
المتصدق بسيمًا يعرف بها، فيكون برهانًا له على حاله، ولا يسأل عن مصرف
ماله .
(الصَّبْرُ) على الطاعة، وعن المعصية، وفي النائبات، وأنواع المكاره في
الدنيا. (ضِيَاءٌ) أي: نور قوي، شديد كامل، فإن الضياء أقوى من النور، قال
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَاُلْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]، وذلك لأن الصبر أوسع
من الصلاة؛ لأن كل واحدة من الواجبات والمحظورات تحتاج إلى الصبر، بل
مناط جميع أمور الدين على الصبر. وقيل معناه: الصبر المحمود المحبوب في
الشرع لا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًّا على الصواب، وقيل: المراد بالصبر
الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة والصدقة، وهو لكونه قهرًا على النفس، قامعًا
الشهواتها - له تأثير عادة في تنوير القلوب بأدَم وجه، وقيل: خص الصبر بالضياء
على تفسيره بالصوم؛ لتخصيصه بالنهار كتخصيص الشمس به، لا لمزية الصوم
على الصلاة .
(وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ) أي: تنتفع به إن عملت به. (أَوْ عَلَيْكَ) أي: إن أعرضت
عنه، أو قصرت فيه بترك العمل بما فيه.

١١٧
Best
كِتّابُ الطَّهَارَةِ
(كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو) أي: يصبح أو يسير، وهي جملة مستأنفة، جواب ما يقال: قد
تبين الرشد مما تقدم، فما حال الناس؟ فأجيب بأن كلهم يغدو أي: يسعى ويعمل،
فيبيع نفسه من الله أو من الشيطان، فالأول أعتقها؛ لأن اللَّه اشترى أنفسهم،
والثاني أوبقها: ﴿وَلَبِتْسَ مَا شَرَوْا بِهِ- أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقال النووى: معناه كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها للّه تعالى بطاعته،
فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعهما فيوبقها، أي:
يهلكها، وقوله: (فَبَائِعٌ) خبر لمبتدأ محذوف، أي: فهو بائع أي: باذل نفسه، فمن
بذلها في طاعة الله فهو معتقها، ومن بذلها في هوى نفسه فهو مهلكها، وقوله:
(فَمُعْتِقُهَا)، قال الطيبي: الفاء فيه للسببية وهو خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون بدل
البعض من قوله (فبائع).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في أول الطهارة، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في الدعوات،
والنسائي في الزكاة، وابن ماجه في الطهارة، إلا أنهما قالا: إسباغ الوضوء شطر
الإيمان. والحديث أخرجه مسلم، وأحمد، والترمذي من طريق يحيى بن أبي
كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري، وأخرجه
النسائي، وابن ماجه من طريق معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده
أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري. فتكلم الدارقطني
وغيره في رواية مسلم، فقالوا: هي منقطعة؛ لسقوط عبد الرحمن بن غنم فيها بين
أبي سلام وأبي مالك.
قال النووى: ويمكن أن يجاب لمسلم عن هذا بأن الظاهر من حال مسلم أنه علم
سماع أبي سلام لهذا الحديث من أبي مالك، فيكون أبو سلام سمعه من أبي
مالك، وسمعه أيضًا من عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك، فرواه مرة عنه ومرة
عن عبد الرحمن عنه .
(وَفِي رِوَايَةٍ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلَآنِ مَا بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) هذا قول
صاحب ((المصابيح)). قال صاحب ((المشكاة)): (لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ) أي: التي
أوردها صاحب ((المصابيح)) في ما ذكر في قوله من الصحاح. (فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)))
أي: متنيهما. (وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) ((الجامع بين الصحيحين)). (وَلَا فِي

١١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(الْجَامِع))) أي: للأصول الستة. (وَلَكَنْ ذَكَرَهَا) أي: هذه الرواية. (الدَّارِمِيُّ)
يعني: التزم صاحب ((المصابيح)) أن يكون جميع ما ذكر في قوله من الصحاح
المعبر عنه بالفصل الأول مما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وهذه الرواية ليست في
أحدهما، فإيرادها في الصحاح خلاف لما التزمه.
وقد يجاب بأن الإلتزام إنما هو في أصول الأحاديث، وأما هذه فإنما هي زيادة
إفادة متفرعة على أصل الحديث الموجود في ((صحيح مسلم))، والله أعلم.
٢٨٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ قَالَ: ((أَلَا
أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟)) قَالُوا: بَلَى
يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى
الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)).
- وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: (فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)) مَرَّتَيْنِ.
[رَوَاهُ مُسلم] {صحیح}
- وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: ثَلَاثًا
الشّرْحُ
٢٨٤ - قوله: (أَلَا أَدُلَّكُمْ) الهمزة للاستفهام، ولا نافية، وليس (ألا) للتنبيه
بدليل قولهم: بلى. (يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا) أي: يغفرها، أو يمحوها من كتب
الحفظة، ويكون ذلك المحو دليلًا على عفوه تعالى ومغفرته، والمراد بالخطايا:
الصغائر مما يتعلق بحقوق اللَّه. (يَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ) أي: يعلي به المنازل في
الجنة، ويحتمل رفع الدرجات في الدنيا أيضًا. (قَالُوا: بَلَى) فائدة السؤال
والجواب أن يكون الكلام أوقع في النفس بحكم الإبهام والتبيين.
(إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ) أي: إكماله بتطويل الغرة والتحجيل والتثليث والدلك. (عَلَى
الْمَكَارِهِ) جمع مكره بفتح الميم من الكره بمعنى المشقة، كبرد الماء، وألم
(٢٨٤) مُسْلِم (٤١/ ٢٥١) فِي الطَّهَارَةِ، وَالنَّسَائِي (٨٩/١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.

١١٩
كِتَابُ الطّهَارَةِ
EADex
Hrese
الجسم، والاشتغال به مع ترك أمور الدنيا. قيل: ومنها الجد في طلب الماء مع
إعوازه وشرائه بالثمن الغالي. (وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ) إما لبعد الدار، أو على
سبيل التكرار، والخُطَا بضم الخاء جمع خطوة وهي ما بين القدمين. (وَانْتِظَارُ
الصَّلَاةِ) بالجلوس لها في المسجد، أو تعلق القلبِ بها والتأهب والاهتمام لها مع
اشتغاله بكسبه في بيته، كما ورد: ((وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ، حَتَّى
يَعُودَ)). (فَذَلِكُمْ) الإشارة إلى ما ذكر من الأعمال الثلاثة، وقيل: إلى انتظار
الصلاة. (الرِّبَاطُ) المرغب فيه، أو أفضل أنواع الرباط، كما قيل: الجهاد جهاد
النفس، أو الرباط المتيسر الممكن، أي: أنه من أنواع الرباط، أو أراد أن ثوابه
كثواب الرباط. وقيل: أصل الرباط ملازمة ثغر العدو لمنعه، والمعنى: أن هذه
الأعمال هي المرابطة الحقيقة المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [النساء: ٢٠٠]؛ لأنها تسد طرق الشيطان عنه، وتمنع النفس
عن الشهوات، وعداوة النفس والشيطان لا تخفى، فهذا هو الجهاد الأكبر الذي فيه
قهر أعدى عدوه، فلذلك قال: (فذلكم الرباط)، بالتعريف، أي: هو الذي يستحق
أن يسمى رباطًا، والتكرار تعظيمًا لشأنه.
(وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، صاحب المذهب، راوي
الحديث في سند مسلم. ((فَذَلَّكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)). مَرَّتَيْنِ) وفي بعض
النسخ: رَدَّدَ مَرَّتَيْنِ، أي: كرر: (فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)) مرتين، والذي في ((صحيح
مسلم)): وَفِي حَدِيثِ مَالِكْ ثِنْتَيْنِ: ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ))، قال النووي:
هكذا هو في الأصول ((ثِنْتَيْنٍ)) وهو صحيح ونصبه بتقدير فعل أي: ذكر ثنتين أو کرر
ثنتین، انتھی.
وهذا قول مسلم صاحب ((الصحيح))، قاله بناء على رواية معن عنده، وإلا فأكثر
الموطآت ثلاثًا .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الطهارة، وأخرجه أيضًا مالك، وأحمد، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه بمعناه. (وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: ثَلاثًا) أخرجه الترمذي أولًا
من طريق على بن حجرٍ، وذكر فيه ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)) مرة، ثم رواه من طريق قتيبة:
وقال: قال قتيبة: ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)) ثَلَاثًا، أي: ذكره ثلاثًا تأكيدًا أو تعظيمًا لشأنه،
ولزيادة الحث عليه.