Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
لأجلك، ففي تعليلية. (كَذَبْتَ) أي: في دعوى الإخلاص. (لِأَنْ يُقَالَ جَرِيٌ) أي:
لأن يقال في حقك: أنك أو هو جريء أي شجاع. (فَقَدْ قِيلَ) أي: ذلك القول في
شأنك، فحصل مقصودك وغرضك. (ثُمَّ أَمِرَ بِهِ) أي: قيل لخزنة جهنم: ألقوه في
النار. (فَسُحِبَ) أي: جر.
(وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ) الشرعي. (وَعَلَّمَهُ) الناس. (وَقَرَأَ الْقُرْآنَ) تخصيص بعد
تعميم، أو المراد به مجرد تلاوة القرآن، يعني: التعلم والتعليم لم يمنعاه عن
الاشتغال بالقرآن. (فَأَتَّى بِهِ) إلى محضر الحساب. (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا) أي: هل
صرفتها في مرضاتي أم في غيرها؟ (تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ) أي:
صرفت نعمتي التي أنعمت بها علي في الاشتغال بالعلم والعمل والقراءة ابتغاء
لوجهك، وشكرًا لنعمتك. (تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ) ولعلَّهُ لم يقل: وعملت
العلم ليقال إنك معلم للاختصار، واكتفاء بالمقايسة. (فَقَدْ قِيلَ) لك عالم وقارئ،
فمالك عندنا أجر.
(وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي: كثر ماله. (وَأَعْطَاهُ) عطف بيان. (مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ
كُلَّهِ) كالنقود، والمتاع، والعقار، والمواشي. (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا) أي: في مقابلة
النعم، أو في الأموال. (مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيل) ((مِنْ)) زائدة تأكيدًا لاستغراق النفي.
(قَالَ: كَذَبْتَ) أي: في قولك ((لَكَ)). (هُوَّ جَوَادٌ) أي: سخي كريم. والحديث:
دليل على وجوب الإخلاص في الأعمال، وهو كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا
لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾ [البينة: ٥]، وأن العمومات الواردة في فضل الجهاد،
وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كل ذلك محمول
على من فعل ذلك للّه تعالى مخلصًا.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الجهاد، وأخرجه أيضًا النسائي.
قال المنذري: ورواه الترمذي، وحسَّنَهُ ابن حبان في ((صحيحه)) كلاهما بلفظ
واحد .

٢١
كِتَابُ الْعِلْم
٢٠٧ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ
اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الَّعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضٍ
الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اَنَّخَذَ النَّاسُ رُؤْسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ
عِلْمِ، فَضَلَّوا وَأَضَلَّوا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٢٠٧ - قوله: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ﴾ أي: في حجة الوداع. (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ
الْعِلْمَ) أي: علم الكتاب والسنة. (انْتِزَاعًا) مفعول مطلق عن معنى يقبض، نحو
قعد جلوسًا. وقوله: (يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ) جملة مستأنفة لبيان القبض انتزاعًا، أي:
يرفعه عن قلوبهم. وقيل: صفة لانتزاعًا. والظاهر أن ضميره للعلم لا للانتزاع، فلا
يصلح أن يكون صفة للانتزاع لعدم العائد، فليتأمل. أو هو مفعول مطلق مقدم،
والجملة حالية، أي: لا يقبض العلم حال كون العلم ينتزعه انتزاعًا من العباد، أو
حال من العلم بمعنى: منتزعًا، أي: لا يقبض العلم حال كونه منتزعًا ينتزعه من
العباد.
(وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ) أي: يرفعه. (بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ) أي: بموتهم وقبض
أرواحهم. (حَتَّى) ابتدائية دخلت على الجملة. (إِذَا لَمْ يُبْقِ) الله. (عَالِمًا) وفي
رواية ((لَمْ يَتْرُْ عَالِمًا)) ولفظه ((حَتَّى)) تدل على أن ذلك واقع بالتدريج كما أن ((إِذَا))
تدل على أنه واقع لا محالة. (رُؤَسًا) ضبط في مسلم بوجهين: أحدهما: بضم
الهمزة والتنوين جمع رأس، أي: سادة كبراء عظماء، والثاني: رؤساء جمع
رئيس، وكلاهما صحيح، والأول أشهر (جُهَّالًا) جمع جاهل، وهو صفة ((رُؤَسَاءَ))
وهذا يكون عند انقراض العالم مطلقًا. (فَأَفْتَوْا) أي: أجابوا وحكموا.
قال العيني: لا يختص هذا بالمفتين، بل عام للقضاة الجاهلين، إذ الحكم
بالشيء مستلزم للفتوى به. (بِغَيْرِ عِلْم) وفي رواية: ((بِرَأْيِهِمْ)) وفي الحديث الحث
(٢٠٧) مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَالبُخَارِي (٣٤) فِي العِلْمِ، وَمُسْلِم (١٣ / ٢٦٧٣) فِي
التَّوْبَةِ، والتِّرْمِذِي (٢٦٥٢)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٥٩٠٧)، وابن مَاجَهْ (٥٢).

٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على العلم والتحذير عن ترئيس الجهلة وذم من يقدم على الإفتاء بغير علم.
(فَضَلَّوا) أي: صاروا ضالين بالفتوى بغير علم. (وَأَضَلّوا) أي: صاروا مضلين
لغیرهم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في العلم، وفي الاعتصام، ومسلم في العلم،
وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي، والنسائي في العلم، وابن ماجه في السنة.
٢٠٨ - [١١] وَعَنْ شَقِيقٍ: كَانَ عَبْدُاللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ
خَمِيس، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَاً عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلِّ يَوْم.
قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَّةِ
كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَتَخَوَّلْنَا بِهَا؛ مَخَافَةَ السََّمَةِ عَلَيْنَا.
[مُثَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٢٠٨ - قوله: (وَعَنْ شَقِيقٍ) هو ابن سلمة يكنى أبا وائل الأسدي، ثقة حجة،
مخضرم، روى عن خلق من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، وابن مسعود وكان
خصيصًا به، من أكابر أصحابه، وهو كثير الحديث. مات في خلافة عمر بن
عبد العزيز. (يُذَكِّرُ النَّاسَ) بالتشديد، أي: يعظهم. (فِي كُلّ خَمِيسٍ) احتمل عمل
ابن مسعود مع استدلاله أن يكون اقتدى بفعل النبي ◌ّ حتى في اليوم الذي عينه،
واحتمل أن يكون اقتدى بمجرد التخلل بين العمل والترك الذي عبر عنه بالتخول.
(فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) قال الحافظُ: هذا المبهم يشبه أن يكون هو يزيد بن معاوية النخعي،
وفي سياق البخاري في أواخر الدعوات ما يرشد إليه. (يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ) هو كنية
ابن مسعود. (لَوَدِدْتُ) أي: أحببت أو تمنيت. (أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلَّ يَوْم) قاله
استحلاءً للذكر لما وجد من بركته ونوره.
(قَالَ) أي: ابن مسعود. (أَمَا) بمعنى ((أَلَا)) للتنية. (إِنَّهُ) بكسر الهمزة والضمير
(٢٠٨) مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٨)، ومُسْلِم (٨٢/ ٢٨٢١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كِلَاهُمَا فِي العِلْمِ،
والتِّرْمِذِي (٢٨٥٥)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٥٨٨٩).

٢٣
eese
كِتَابُ الْعِلْم
beacrxxx X
للشأن. (يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِك) أي: من التذكير كل يوم. (أنى أكره) بفتح الهمزة فاعل
(يَمْنَعُنِي)) أي: كراهتي. (أَنْ أَمِلَّكُمْ) بضم الهمزة وكسر الميم وتشديد اللام
المفتوحة، أي: أكره إملالكم يعني: إيقاعكم في الملالة والضجر. (وَإِنِّي) بكسر
الهمزة عطف على ((أَنَّهُ)) أو حال. (أَتَخَوَّلُكُمْ) من التخول وهو التعهد وحسن
الرعاية. (كَمَا كَانَ ... ) إلخ. الكاف للتشبيه، و((مَا)) مصدرية. (يَتَخَوَّلُنَا) أي:
يتعهدنا. والمعنى: كان يراعي الأوقات في تذكيرنا، ويتحرى منها ما كان مظنة
القبول، ولا يفعل ذلك في كل يوم لئلا نمل ونسأم. (مَخَافَةَ السَّآمَةِ) بالنصب
مفعول له، أي: لأجل مخافة السآمة من الموعظة. (عَلَيْنَا) متعلق بالسآمة على
تضمين معنى المشقة، أي: مخافة المشقة علينا، أو بتقدير الصفة، أي: مخافة
السآمة الطارئة علينا، أو الحال أي مخافة السآمة حال كونها طارئة علينا، أو
بمحذوف أي: مخافة السآمة شفقة علينا.
وفي الحديث: الاقتصاد في الموعظة لئلا تملها القلوب فيفوت المقصود.
واستنبط البخاري منه التعهد والتخول بالعلم والاقتصاد فيه كيلا ينفر الطلبة، وأخذ
من صنيع ابن مسعود في تذكيره كل خميس أو من استنباطه ذلك من الحديث الذي
رواه، جواز أن يجعل الشيخ لأهل العلم يومًا معلومًا أو أيامًا معلومة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في العلم، وفي الدعوات، ومسلم في التوبة.
وأخرجه أيضًا الترمذي في أواخر الاستئذان.
٢٠٩ - [١٢] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا
ثَلَاثًا؛ حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَّى عَلَى قَوْم فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشَّرْجُ
٢٠٩ - قوله: (إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ) المراد بها ما يشمل الجملة والجمل. وجزاء
الجملة. (أَعَادَهَا ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرات. قال البدر الدماميني: لا يصح أن يكون
(٢٠٩) البُخَارِي (٩٥) فِي العِلْمِ، وَالتِّرْمِذِي (٣٦٤٠) عَنْ أَنَسٍ.

٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
89
((أَعَادَ)) مع بقائه على ظاهره عاملًا في (ثَلَاثًا)) ضرورة أنه يستلزم قول تلك الكلمة
أربع مرات، فإن الإعادة ثلاثًا إنما تتحقق بها، إذا المرة الأولى لا إعادة فيها، فإما
أن تضمن معنى ((قَالَ)) ويصح عملها في (ثَلَاثًا)) بالمعنى المضمن، أو يبقى ((أَعَادَ))
على معناه ويجعل العامل محذوفًا، أي: أعادها فقالها ثلاثًا، فلم تقع الإعادة إلا
مرتین، انتھی.
والمراد أنه كان يكرر الكلام ثلاثًا إذا اقتضى المقام ذلك لصعوبة المعنى، أو
غرابته أو كثرة السامعين لا دائمًا، فإن تكرير الكلام من غير حاجة لتكريره ليس من
البلاغة، فيحمل الحديث على المواضع المحتاجة إلى الإعادة لا على العادة، وإلا
لما كان لذكر عدد الثلاث في بعض المواضع كثير فائدة، مع أنهم يذكرون في
الأمور المهمة أنه قالها ثلاثًا كما لا يخفى.
فإن قلت: عنوان هذا الكلام يفيد الاعتياد.
قلت: لو سلم يمكن أن يقال: كان عادته الإعادة في كل كلمة مهمة لا في كل
كلمة، على أن تنكير كلمة للتعظيم، وفيه دليل على أنه ينبغي للمعلم أن يكرر
الكلام في المواضع المهمة المحتاجة إلى الاهتمام، وكذا إذا كان المستفيد لا
يحفظ من مرة. (حَتَّى تُفْهَمَ) أي: لكي تعقل تلك الكلمة. (عَنْهُ) أي: فهمًا قويًّا
راسخًا في النفس. (وَإِذَا أَتَّى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) أي: فأراد السلام عليهم. (سَلَّمَ
عَلَيْهِمْ ثَلاثًا) أحدها: للاستئذان، والثاني: عند الدخول، والثالث: عند الوداع،
و کل سنة، وقیل: المعنی أن القوم إذ کانوا کثیرین بحیث لا یبلغهم سلام واحد،
فإذا دخل عليهم سلم ثلاثًا أي في الجوانب الثلاث، وقيل: هديه في التسليم الثاني
والثالث إن ظن أن الأول لم يحصل به الإسماع، كما سلم لما انتهى إلى منزل سعد
ابن عبادة ثلاثًا، فلما لم يجبه أحد رجع.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في العلم، وفي الاستئذان، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في
الاستئذان، وفي المناقب، والحاكم في ((المستدرك)) (ج٤: ص٢٧٣)، ووهم في
استدراکه .

٢٥
19es
كِتَابُ الْعِلْم
٢١٠ - [١٣] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َه
فَقَالَ: إِنَّهُ أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِ. فَقَالَ: (مَا عِنْدِي). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا
أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَخْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرِ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرٍ
فَاعِلِهِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْحُ
٢١٠ - قوله: (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة، أبو
مسعود الأنصاري البدري الصحابي الجليل، مشهور بكنيته، اتفقوا على أنه شهد
العقبة وأحدًا وما بعدها، ونزل الكوفة وكان من أصحاب علي، واختلفوا في
شهوده بدرًا، فقال الأكثر: نزل ماء ببدر فنسب إليه، وجزم البخاري بأنه شهد غزوة
بدر، واستدل بأحاديث أخرجها في ((صحيحه)). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام
ومسلم في ((الكنى)): شهد بدرًا. وقال ابن البرقي: لم يذكره ابن إسحاق في
البدريين. وورد في عدة أحاديث أنه شهدها.
قلت: القول ما قال البخاري؛ لما يدل عليه الأحاديث الصحيحة. وروي له مائة
وحديثان، اتفقا على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بسبعة. روى عنه ابنه
بشير وخلق سواه. مات بعد الأربعين بالكوفة، وقيل: بالمدينة.
(أَبْدِعَ بِي) على بناء المفعول، يقال: أبدعت الراحلة إذا انقطعت عن السير
لِكَلَالٍ. جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه إبداعًا عنها، أي: إنشاء أمر خارج
عما اعتيد منها. ويقال: أبدع بالرجل إذا كلَّت ركابه أو عطبت وبقي منقطعًا به.
ولما حول للمفعول صار الظرف نائبه كـ(سير بعمرو)). (فَاحْمِلْنِي) بهمزة الوصل أي
أركبني واجعلني محمولًا على دابة غيرها. (فَقَالَ) وَلَهِ: (مَا عِنْدِي) أي: لا أجد ما
أحملك عليه. (مَنْ دَلَّ) أي: بالقول أو الفعل أو الإشارة أو الكتابة. (عَلَى خَيْرٍ)
أي: علم أو عمل مما فيه أجر وثواب. (فَلَهُ) أي: فللدال. (مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ) أي:
من غير أن ينقص من أجره شيء، قاله القاري. وقال المناوي: فله مثل أجر فاعله
(٢١٠) مُسْلِمٌ (١٣٣/ ١٨٩٣) فِي الجِهَادِ، وَأَبُو دَاوُد (٥١٢٩)، وَالتِّرْمِذِي (٢٦٧١) عَن أبي مَسْعُودٍ.

٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي لإعانته عليه. وهذا إذا حصل ذلك الخير وإلا فله ثواب دلالته. قال النووي:
المراد أن له ثوابًا بذلك كما أن لفاعله ثوابًا. ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء،
انتهى. وذهب بعض الأئمة إلى أن المثل المذكور في هذا الحديث ونحوه إنما هو
بغير تضعيف. وقال القرطبي: إنه مثله سواء في القدر والتضعيف؛ لأن الثواب على
الأعمال إنما هو تفضل من اللّه، يهبه لمن يشاء وعلى أي شيء صدر منه، خصوصًا
إذا صحت النية التي هي أصل الأعمال في طاعة عجز عن فعلها لمانع منع منها. فلا
بُعد في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر والفاعل أو يزيد عليه، قال: وهذا جارٍ
في كل ما ورد مما يشبه ذلك الحديث، كذا في ((السراج المنير)).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في العلم، وأبو داود
في الأدب، وورد معناه عن ابن مسعود عند ابن حبان في ((صحيحه)) والبزار، وعن
أنس عند الترمذي والبزار وابن أبي الدنيا، وعن بريدة بن الحصيب عند أحمد
والضياء، وعن سهل بن سعد عند الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)).

٢٧
كِتَابُ الْعِلْم
٢١١ - [١٤] وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ،
فَجَاءَهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِّ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَّلِّدِي السُُّوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ،
بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَّغَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللّهِ وَ سَلِّ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ
ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ
رَبَّكُمُ الَّذِ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِبًا﴾،
وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿أَنَّقُواْ اللّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَّ﴾،
تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهٍ)).
حَتَّى قَالَ: ((وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ)) قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفَّهُ
تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تِتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنٍ مِنْ طَعَامِ
وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلِّ: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ
بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِّنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً،
كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ
شئْءٌ)».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْجُ
٢١١ - قوله: (وَعَنْ جَرِيرٍ) بن عبد الله بن جابر البجلي القسري، أبو عمرو أو
أبو عبد الله اليماني، أسلم سنة عشر، وبسط له النبي وّ ثوبًا، وَوَجَّهَهُ إلى ذي
الخلصة فهدمها. روى الشيخان وغيرهما عنه، قال: ما حجبني رسول اللّه وَل منذ
أسلمت، ولا رآني إلا تبسم، وشهد فتح المدائن، وكان على ميمنة الناس يوم
القادسية، ويلقب بيوسف هذه الأمة. وقال عبد الملك بن عمير: رأيت جرير بن
عبد الله وكأن وجهه شقة قمر، له مائة حديث، اتفقا على ثمانية وانفرد البخاري
بحدیث، ومسلم بستة، مات سنة (٥١)، وقيل: بعدها، روى عنه خلق كثير.
(كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ) أي: أوله. (عُرَاةً) جمع عار، أي: يغلب عليهم العري،
(٢١١) مُسْلِم (٦٩ / ١٠١٧) عَنْ جَرِيرٍ فِي العِلْمِ.

٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حال كونهم (مُجْتَابِي) بالجيم الساكنة وبعد الألف باء موحدة، من الاجتياب.
(الِّمَارِ) بكسر النون جمع نمرة بالفتح، وهي كساء مخطط من صوف، أي: لا بسي
النمار قد خرقوها في رؤوسهم وقوروا وسطها، والجوب القطع. (أَوِ الْعَبَاءِ) بفتح
العين كساء معروف و ((أَوْ)) للشك من الراوي. (عَامَّتُهُمْ) أي: أكثرهم أو غالبهم.
(بَلْ كُلَّهُمْ مِنْ مُضَرَ) قال السندهي: إضراب إلى التحقيق، ففيه أن قوله: ((عَامَّتُهُمْ))
كان عن عدم التحقيق، واحتمال أن يكون البعض من غير مضر أول الوهلة.
(فَتَمَعَّر) أي: تغير. (وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ) أي: وظهر عليه آثار الحزن. (مِنَ الْفَاقَةِ)
أي: الفقر الشديد، و((مِنْ)) بيان ((لِمَا)). (فَدَخَلَ) أي: بيته، لعله لاحتمال أن يجد
في البيت ما يدفع به فاقتهم، فلعله ما وجِد فخرج، أو دخل لتجديد الطهارة، والله
أعلم. (فَأَمَرَ بِلَالًا) أي: بالأذان. (فَصَلَّى) أي: إحدى الصلوات المكتوبة بدليل
الأذان والإقامة، والظاهر أنها الظهر لقوله: ((فِي صَدْرِ النَّهَارِ)). (فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ ... ) إلخ. سبب قراءة هذه الآية وهي أول النساء؛ أنها أبلغ في الحث
على الصدقة عليهم؛ ولما فيها من تأكد الحق لكونهم إخوة. (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ)
وتمامها ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىِ تَسَاءَلُونَ بِهِ،
وَاُلْأَرْحَمْ﴾ [النساء: ١]. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) بيان لآخر الآية. (وَالْآيَةَ الَّتِي فِي
الْحَشْرِ) بالنصب عطفًا من حيث المعنى على قوله: ﴿يَأَيُهَا النَّاسُ اتَّقُواْ﴾ على تأويل
((قَالَ)) بقرأ. أي: قرأ هذه الآية والآية التيٍ في سورة الحشر، قاله الطيبي، وأولها:
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وبعده: (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرُ نَفْسٌ) نكرة تفيد العموم، أي:
كل نفس، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ﴾ [الانفطار: ٥] أي: لتتفكر وتتأمل النفوس.
﴿مَا قَدَّمَتْ﴾ أي: أى شيء من العبادات والخيرات أرسلته إلى الآخرة ﴿لِغَدِّ﴾
أي: لنفع غد من الزمان، وهو يوم القيامة، وتمامها ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]. (تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ) بفتح القاف صيغة ماضٍ بمعنى
الأمر، ذكر بصيغة الإخبار مبالغة فكأنه أمره وامتثل به فأخبر عنه به، وبه اندفع
قول الطيبي: لوحمل ((تَصَدَّقَ)) على الماضي لم يساعده قوله: ((وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ))؛
لأن ذلك لو كان إخبارًا معنى، وأما إذا كان أمرًا معنى فلا.
قلت: قال الطيبي: لعل الظاهر: ليتصدق رجل، ولام الأمر للغائب محذوف
والقاف ساكنة، وجوزه ابن الأنبارى، ونقل عن بعض أهل اللغة أنَّ: نبك، في:

٢٩
كِتَابُ الْعِلْم
SEELEX
قفا نبك، مجزوم على تأويل الأمر، أي: فلنبك واحتج بقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ
يَأْكُلُواْ﴾ [الحجر: ٣] أي: فليأكلوا، ولو حمل ((تَصَدَّقَ)) على الفعل الماضي لم
يساعده قوله: ((ولو بشق تمرة))، إذ المعنى: ليتصدق رجل ولو بشق تمرة، وكذا
قوله: ((فَجَاءَ رَجُلٌ ... )) إلخ.؛ لأنه بيان لامتثال أمره العالَلا عقيب الحث على
الصدقة، ولمن يجريه على الإخبار وجه لكن فيه تعسف غير خاف، انتهى.
قال الأبهري: ويأبى عن الحمل على حذف اللام عدم حرف المضارعة، انتهى.
فيتعين حمله على أنه خبر لفظًا وأمر معنى، وإتيان الإخبار بمعنى الإنشاء كثير في
الكلام، ليس فيه تكلف فضلًا عن تعسف.
قال الطيبي: و(رَجُلٌ)) نكرة وضعت موضع الجمع المعرف لإفادة الاستغراق في
الإفراد وإن لم تكن في سياق النفي كشجرة في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ اُلْأَرْضِ مِن شَجَرَةِ
أَقْلَمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، فإن ((شَجَرَةً)) وقعت موضع الأشجار. ومن ثم كرر في الحديث
مرارًا بلا عطف، أي: ليتصدق رجل من ديناره، ورجل من درهمه، وهلم جرًّا،
و((مِنْ)) في ((من ديناره)) إما تبعيضية، أي: ليتصدق مما عنده من هذا الجنس، وإما
ابتدائية متعلقة بالفعل، فالإضافة بمعنى اللام، أي: ليتصدق بما هو مختص به
وهو مفتقر إليه. (حَتَّى قَالَ) أي: النبي ◌َِّ ليتصدق كل رجل منكم (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ.
قَالَ) أي: الراوى وهو جرير. (بِصُرَّةَ) بالضم، أي: ربطة من الدراهم لا من
الدنانير على الظاهر. (تَعْجِزُ عَنْهَا) أي: عن حمل الصرة لثقلها لكثرة ما فيها. (ثُمَّ
تَتَابَعَ النَّاسُ) أي: توالوا في إعطاء الصدقات. (كَوْمَيْنِ) الكوم بالضم: العظيم من
كل شيء، والكوم بالفتح: المكان المرتفع كالرابية. قال القاضي: الفتح هنا
أولى؛ لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية. (مِنْ طَعَام) الظاهر أنه هنا حبوب،
ولعل الاقتصار عليه من غير ذكر النقود لغلبته. (يَتَهَّلُ) أي: يستنير فرحًا وسرورًا.
(مُذْهَبَةٌ) بضم الميم وسكون الذال المعجمة وفتح الهاء بعده موحدة أي: فضة
مذهبة، أي: مموهة بالذهب، ومعناه: ظهور البشر في وجهه وَّل حتى استنار
وأشرق من السرور، والمذهبة أيضًا: صحيفة منقشة بالذهب، أو ورقة من
القرطاس مطلية بالذهب، يصف حسنه وتلألؤه.
(مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً) أي: أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من

٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أصول الدين، أو صار باعثًا وسببًا لترويج أمر ثابت في الشرع. (فَلَهُ أَجْرُهَا) أي:
أجر السنة، أي: ثواب العمل بها والإضافة لأدنى ملابسة، فإن السنة سبب ثبوت
الأجر، فجازت الإضافة. (مِنْ بَعْدِهِ) أي: من بعد ما سن. (مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ) على
البناء للمفعول، وجُوِّز أن يكون معلومًا؛ لأنه متعدٍ ولازم. (سُنَّةً سَيِّئَةً) أي: طريقة
غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين، يعني: بدعة شرعية. (مِنْ أَوْزَارِهِمْ)
جمع في الموضعين باعتبار معنى ((مِنْ)) كما أفرد في ((يُنْقَصَ)) باعتبار لفظه. وفي
الحديث: الحث على البداءة بالخير ليستن به، والتحذير من البداءة بالشر خوف
أن يستن به، ووجه المناسبة بالعلم أن استنان السنن المرضية من باب العلم:
المنتفع به.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الزكاة وفي العلم، وأخرجه أيضًا النسائي في الزكاة مطولًا،
والترمذي في العلم، وابن ماجه في السنة مختصرًا أي بدون القصة.
٢١٢ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَا تُقْتَلُ
نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَىَ ابْنَ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ
الْقَتْلَ))
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: ((لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي)) فِي بَابٍ ثَوَابٍ هَذِهِ الأَمَّةِ، إِنْ
شَاءَ اللَّهُ تَعَالى.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
٢١٢ - قوله: (ظُلْمًا) نصب على التمييز. (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ) صفة
لابن، والمراد الأول من القتلة، أي: الذي هو قاتل أولًا، لا أول الأولاد. قيل:
هو قابيل قتل أخاه هابيل. ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ﴾
[المائدة: ٢٧]. وارجع للتفصيل إلى كتب التفسير.
(٢١٢) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَّهُ: البُخَارِي (٧٣٢١) فِي الاعْتِصَامِ وَغَيْرِهِ، وَمُسْلِم (٢٧]
١٦٧٧) فِي الحُدُودِ، التِّرْمِذِي (٢٦٧٣)، والنَّسَائِي (٧/ ٨١)، وابن مَاجَهْ (٢٦١٦).

٣١
كِتَابُ الْعِلْم
(كِفْلٌ) أي: نصيب. (مِنْ دَمِهَا) أي: دم النفس. (لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) فهو
متبوع في هذا الفعل، وللمتبوع نصيب من فعل تابعه، وإن لم يقصد التابع اتباعه
في الفعل.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في خلق آدم، وفي الديات، وفي الاعتصام.
ومسلم في الحدود، وأخرجه أيضًا الترمذي في العلم، والنسائي في المحاربة،
وابن ماجه في الحدود.

٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*e
الفصل الثاني
٢١٣ - [١٦] عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي
مَسْجِدٍ دِمَشْقَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَّالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ
الرَّسُولِ بَّهِ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدَّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ، مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ،
قَالَ: فَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا؛
سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَّا
◌ِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ،
وَالْحِيتَانُ فِيَ جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ
الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرُِّوا
دِينَارًا وَلَا دِرْهَمَّا، وَإِنَّمَا وَرَُّوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظَّ وَافِرٍ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ قَيْسَ بْنَ كَثِيرٍ] (حسن}
الشَّرْجُ
٢١٣ - قوله: (عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ) الشامي، ويقال: قيس بن كثير. والأول
أصح، ضعيف من أوساط التابعين. قال في ((تهذيب التهذيب)): روى عن أبي
الدرداء في فضل العلم، وعنه داود بن جميل، جاء في أكثر الروايات أنه كثير بن
قيس على اختلاف في الإسناد إليه، وتفرد محمد بن يزيد الواسطي في إحدى
الروايتين عنه بتسمية قيس بن كثير، وهو وهم. وذكره ابن حبان في ((لله الثقات)).
وقال ابن سميع: أمره ضعيف لم يثبته أبو سعيد، يعني: دحيمًا. وقال الدار قطني:
ضعيف. ووقع لابن قانع وهم بحت عجيب في ((معجم الصحابة))، فإن الحديث
وقع له بدون ذكر أبي الدرداء فيه، فذكر كثيرًا بسبب ذلك في الصحابة فأخطأ،
انتھی .
(٢١٣) أَبُو دَاوُد (٣٦٤١)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٦٨٢) فِي العِلْمِ، وَابن مَاجَهْ (٢٢٣) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.

٣٣
ges
كِتَابُ الْعِلْم
(فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ) بكسر الدال وفتح الميم ويكسر، أي: الشام. (يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ)
يقرأ الهمزة بعد حرف النداء ولا يكتب رسمًا. (لِحَدِيثِ) أي: لأجل تحصيل
حديث. (بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدَّثُّهُ) أي: ذلك الحديث. (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ) يحتمل أن
يكون سمعه إجمالًا، أو أراد أن يسمعه بلا واسطة لإفادة العلم وزيادة الطمانينة، أو
لعلو الإسناد فإنه من الدين. (مَا جِئْتُ) إلى الشام. (لِحَاجَةٍ) أخرى غير أن أسمعك
الحديث .
(قَالَ) أي: أبو الدرداء. (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ) يحتمل أن هذا الحديث
هو الحديث المطلوب للرجل أو غيره، ذكره تبشيرًا له وترغيبًا في مثل ما فعل. (مَنْ
سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ) أي: في ذلك الطريق. (عِلْمًا). قال الطيبي: إنما أطلق
الطريق والعلم ليشملا في جنسهما أيَّ طريقٍ كان من مفارقة الأوطان والضرب في
البلدان إلى غير ذلك، وأي علم كان من علوم الدين قليلًا كان أو كثيرًا. (سَلَكَ اللَّهُ
بِهِ طَرِيقًا) الضمير المجرور عائد إلى ((مَنْ)) والباء للتعدية، أي: جعله سالكًا ووفقه
أن يسلك طريق الجنة. وقيل: عائد إلى العلم، والباء للسبية، و((سَلَكَ)) بمعنى
سهل، والعائد إلى ((مَنْ)) محذوف، والمعنى: سهل الله له بسبب العلم طريقًا،
فعلى الأول ((سَلَك)) من سلوك، وعلى الثاني من السلك، والمفعول محذوف،
كقوله تعالى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [النمل: ١٧]. وعلى التقديرين نسبة ((سَلَكَ)) إلى
الله تعالى على سبيل المشاكلة، كذا قاله الطيبي. وهو إما كناية عن التوفيق
للخيرات في الدنيا، أو عن إدخال الجنة بلا تعب في الآخرة. (وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ
أَجْنِحَتَهَا) جمع جناح بالفتح، وهو محمول على الحقيقة وإن لم يشاهد، أي:
تفرشها لتكون وطاء له إذا مشى، أو تكفها عن الطيران وتنزل عند مجالس العلم
لسماعه، أو تبسطها له لتحمله عليها وتبلغه حيث يريد من البلاد، ومعناه: المعونة
في طلب العلم، أو هو مجاز عن التواضع توقيرًا لعلمه وتعظيمًا لحقه ومحبة
للعلم. (رِضًا) حال أو مفعول له على معنى إرادة رضًا ليكون فعلًا لفاعل الفعل
المعلل به. (لِطَالِبِ الْعِلْم) متعلق برضا. (لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ) إذا لحقه ذنب، ومجازاة
على حسن صنيعه بإلهام مَن اللَّه تعالى إياهم ذلك، وذلك لعموم نفع العلم، فإن
مصالح كل شيء ومنافعه منوطة به، وهو محمول على الحقيقة. (وَالْحِيتَانُ) جمع
الحوت، قال الطيبي: ذكر الحيتان بعد ذكر الملائكة والثقلين تتميم لاستيعاب

٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جميع الحيوانات على طريق: الرَّحْمنِ الرَّحيمِ، كما بيناه في ((فتوح الغيب))، وأما
تخصيص الحيتان فللدلالة على أن إنزال المطر ببركتهم، حتى أن الحيتان تعيش
بسببهم كما ورد: ((بِهِمْ تُمْطَرُونَ وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ)). (وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِم) والمراد به من
غلب عليه الاشتغال بالعلم على عبادته النافلة. (عَلَى الْعَابِدِ) المراد به من غلب
عبادته على الاشتغال بالعلم. (كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ) شبه
العابد بالكواكب؛ لأن كمال العبادة ونورها لا يتعدى منه على غيره، وشبه العالم
بالقمر الذى يتعدى نوره ويستضيء به وجه الأرض؛ لأن كمال العلم ونوره يتعدى
إلى غيره، فيستضيء بنوره المتلقى عن النبي وَّ الذي هو شمس العلم والدين،
وإنما قيده بليلة البدر لكمال إضاءة القمر فيها وانمحاء الكواكب في شعاعها. (وَرَثَةُ
الأَنْبِيَاءِ) لم يقل: ورثة الرسل ليشمل الكل. (وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا) بالتشديد.
(دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا) أي: شيئًا من الدنيا، وخُصَّا لأنهما أغلب أنواعها، والمراد أنهم
ما ورثوا أولادهم وأزواجهم شيئًا من ذلك، بل بقي بعدهم إن بقي شيء معدًّا
النوائِب المسلمين. (وَإِنَّمَا وَرَّثُوا) من التوريث. (فَمَنْ أَخَذَهُ) أي: العلم. (أَخَذَ
بِحَظَّ وَافِرٍ) أي: أخذ حظًا وافرًا يعني: نصيبًا تامًّا. والباء زائدة للتأكيد.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ : ص١٩٦). (وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) في العلم. (وابْنُ مَاجَهْ)
في السنة. (والدَّارِمِيُّ) في العلم. (وَسَمَّاهُ) أي: سمى الراوي عن أبي الدرداء.
(التِّرْمِذِيُّ) في روايته، وكذا أحمد في طريق له. (قَيْسَ بْنَ كَثِيرٍ) وهو وهم من أحد
الرواة، والصحيح كثير بن قيس. قال المنذري في ((الترغيب)): وقد اختلف في هذا
الحديث اختلافًا كثيرًا ذكرت بعضه في ((مختصر السنن)) وبسطته في غيره، انتهى،
فمن شاء الوقوف على ذلك فليرجع إلى ((مختصر السنن))، وسند الترمذي منقطع
بين عاصم بن رجاء وقيس بن كثير لعدم ذكر واسطة داود بن جميل بينهما، ورواه
أبو داود، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبان في ((صحيحه))، والبيهقي في
(الشعب))، وكذا أحمد في طريق له متصلًا بذكر الواسطة، وهذا أرجح.

٣٥
كِتَابُ الْعِلْم
MEN
٢١٤ - [١٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ رَجُلَانِ
أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِّ: ((فَضْلُ الْعَالِم عَلَى الْعَابِدِ
كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الثَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلَّونَ عَلَى
مُعَلَّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {حسن}
الشّرْجُ
٢١٤ - قوله: (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) بضمِّ الهمزة. (الْبَاهِلِيِّ) نسبة إلى باهلة بكسر
الهاء، قوم، وأبو أمامة كان سيدهم.
(ذُكِرَ) على البناء للمفعول. (لِرَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿ رَجُلَانٍ) أي: بوصف الكمال، وهو
يحتمل أن يكون تمثيلًا، وأن يكونا موجودين في الخارج قبل زمانه أو في أوانه،
ويؤيد الثاني ما ذكر في الفصل الثالث من رواية الحسن مرسلاً قال: سئل
رسول اللَّه ◌َ ل عن رجلين كانا في بني إسرائيل أحدهما كان عالمًا ... إلخ.
(فَضْلُ الْعَالِمِ) بالعلم الشرعي مع القيام بفرائض العبودية. (عَلَى الْعَابِدِ) أي:
على المتجرد للعبادة بعد تحصيل قدر الفرض من العلوم. (كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)
أي: نسبة طرف العالم إلى شرف العابد، كنسبة شرف الرسول إلى شرف أدنى
الصحابة، وفيه مبالغة لا تخفى. (وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ) تعميم بعد تخصيص.
(وَالْأَرْضِ) أي: أهل الأرض من الإنس والجن وجميع الحيوانات. (حَتَّى الثَّمْلَةَ)
بالنصب على أن ((حَتَّى)) عاطفة، وبالجر على أنها جارة، وبالرفع على أنها ابتدائية.
قال القاري: والأول أصح. (فِي جُحْرِهَا) بضم الجيم وسكون الحاء، أي: ثقبها .
(وَحَتَّى الْحُوتَ) كما تقدم، وهما غايتان مستوعبتان لدواب البر والبحر، وخصت
النملة من دواب البر؛ لأنها أكثر الحيوانات ادخارًا للقوت في جحرها، فهي أحوج
إلى بركتهم من غيرها. (لَيُصَلّونَ) أي: يدعون بالخير، وفيه: تغليب للعقلاء على
(٢١٤) التِّرْ مِذِي (٢٦٨٥) فِ العِلْمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَأَخْرَجَه الدارمي (١ / ٩٨.٩٧)
مَعْنَى أَوَّلِهِ بِزِيَادَةِ قِصَّةٍ فِيهِ مِنْ مُرْسَلِ الحَسَنِ .

٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
غيرهم. (عَلَى مُعَلَّم النَّاسِ الْخَيْرَ) قيل: أراد بالخير هنا علم الدين وما به نجاة
الرجل، وفيه: إشارة إلى وجه الأفضلية بأن نفع العلم متعدٍ، ونفع العبادة قاصر.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في العلم، وقال: حديث حسن غريب صحيح. وأخرجه أيضًا
الطبراني، والضياء، وأخرج البزار من حديث عائشة مختصرًا قال: ((معلم الخير
يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر)).
٢١٥ - [١٨] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ: رَجُلَانِ،
وَقَالَ: ((فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)). ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْاْ﴾. وَسَرَدَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ.
{حسن}
الشّرْجُ
٢١٥ - قوله: (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ) كنيته أبو عبد الله، أو أبو مسلم،
أو أبو أيوب الشامي الدمشقي. قيل: كان من سبي كابل، وكان معلم الأوزاعي،
ثقة فقيه كثير الإرسال من الطبقة الصغرى من التابعين، وروي عنه قال: عتقت
بمصر فلم أدع فيها علمًا إلا احتويت عليه فيما أدري، ثم أتيت العراق والمدينة
والشام فذكر كذلك. قال الخزرجي: روى عن كثير من الصحابة مرسلاً، مات سنة
بضع عشرة ومائة. (مُرْسَلًا) أي: حذف الصحابي. (وَلَمْ يَذْكُرْ) أي: مكحول.
(رَجُلَانِ) مرفوع على الحكاية، والمراد: هو وما بعده من قوله: ((أَحَدُهُمَا عَابِدٌ
وَالْآخَرُ عَالِمٌ)) ولذا قال: (وَقَالَ) أي: مكحول رواية عن رسول اللَّه وَّل وحكاية
(إنما يخشى الله) بالنصب. (من عباده العلماءُ) بالرفع، والخشية الخوف مع
التعظيم، وقرئ في الشواذ برفع الجلالة ونصب العلماء، أي: يعظمهم على
التجريد. قيل: هو استشهاد لبيان علة الفضل، وحاصله: أن العلم يورث الخشية
لكون صاحبه أكثر معرفة باللّه وبجلاله وكبريائه، والخشية تنتج التقوى وهو
موجب الأكرمية والأفضلية، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات:
(٢١٥) أَخْرَجَهُ الدَّارِمِي (١/ ٨٨) مُطَوَّلًا مِنْ مُرْسَلِ مَكْحُولٍ.

كِتَابُ الْعِلْم
*
EX
٣٧
١٣]، وفيه: إشارة إلى أن من لم يكن علمه كذلك فهو كالجاهل بل هو الجاهل.
(وَسَرَدَ) أي: ذكر وأورد مكحول. (الْحَدِيثَ) أي: بقية الحديث السابق إلى آخره.
٢١٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ
النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ،
فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
٢١٦ - قوله: (لَكُمْ تَبَعٌ) بفتحتين جمع تابع کخدم وخادم، والخطاب لعلماء
الصحابة، يعني: يتبعونكم في أفعالكم وأقوالكم؛ لأنكم أخذتم عني مكارم
الأخلاق. (مِنْ أَقْطَارِ الأَرْضِ) جمع قطر بالضم أي من أطراف الأرض وجوانبها.
(يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ) أي: يطلبون علم الدين، والجملة استئنافية لبيان علة الإتيان،
أو حال من الضمير المرفوع في ((يَأْتُونَكُمْ))، وهو أقرب إلى الذوق، كذا قاله
الطيبي .
(فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا) أي: في تعليمهم علوم الدين وأخلاق المهتدين،
وتحقيقه: اطلبوا الوصية والنصيحة بهم من أنفسكم، فالسين للطلب، والكلام من
باب التجريد، وفيه مبالغة حيث أمروا أن يجردوا عن أنفسهم أشخاصًا أخر يطلبون
منهم التوصية في حق طلبة العلم ومراعاة أحوالهم. وقيل: الاستيصاء قبول
الوصية، أي: أوصيكم بهم خيرًا فاقبلوا الوصية مني فيهم، وافعلوا بهم خيرًا،
ولهذا كان جمع من أكابر السلف إذا دخل على أحدهم غريب طالب العلم يقول:
مرحبًا بوصية رسول اللّه ◌َله .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في العلم، وأخرجه أيضًا ابن ماجه في السنة، وهو حديث
ضعيف؛ لأن في سنده أبا هارون العبدي وهو متروك، ومنهم من كذَّبه.
(٢١٦) التِّرْ مِذِي (٢٦٥٠) فِي العِلْمِ، وَابن مَاجَهْ (٢٤٩) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَشَارَ التِّرْ مِذِي إِلَى ضَعْفِهِ مِنْ
أَجْلِ أَبِي هَارُونَ.

٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢١٧ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ («الْكَلِمَةُ
الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْحَكِيمِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)). [رَوَاهُ التّْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ،
وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
٢١٧ - قوله: (الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ) أي: ذات الحكمة المشتملة عليها، جعلت
الكلمة نفس الحكمة مبالغة، فهو من باب رجل عدل، وروي ((كَلِمَةُ الْحَكْمَةِ)»
بالإِضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة، وروي ((الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ)) على طريق
الإسناد المجازي، فإن الحكيم قائلها، والمراد بها الجملة المفيدة معنى دقيقًا.
(ضَالَّةُ الْحَكِيم) أي: مطلوبه، والضالة في الأصل الضائعة من الحيوان وغيره،
و((الْحَكِيم)) هَوَ المتقن للأمور الذي له فيها غور. (فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) أي: بقبولها،
يعني: أنَ الحكيم يطلب الحكمة فإذا وجدها فهو أحق باتباعها والعمل بها، أو
المعنى: أن الناس متفاوتون في فهم المعاني واستنباط الحقائق المحتجبة، فينبغي
أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك دقائق الآيات والأحاديث على من رزقه، ولا
ينازعه كما لا ينازع صاحب الضالة في ضالته إذا وجدها، أو كما أن صاحب الضالة
آخذ ضالته ممن وجدها لا يحل له منعها، كذا العالم لا يحل له المنع عن السائل إذا
رأى فيه استعدادًا لفهمه، ففيه أنه لا يجوز منح غير الحكيم، فإنها ليست ضالته، أو
المراد أن كلمة الحكمة ربما يتكلم بها من ليس لها بأهل ثم وقعت إلى أهلها فهو
أحق بها من الذي قالها من غير التفات إلى خساسة من تكلم بها، كالضالة إذا وجد
صاحبها أخذها من واجدها وإن كان خسيسًا ولا ينظر إلى خساسته. ووقع في
الترمذي وابن ماجه ((ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ)) بدل قوله: ((ضَالَّةُ الْحَكِيمِ)).
قال السندهي: أي: مطلوبة له بأشد ما يتصور في الطلب، كما يطلب المؤمن
ضالته، وليس المطلوب بهذا الكلام الإخبار، إذ كم مؤمن ليس له طلب للحكمة
(٢١٧) التِّرْ مِذِي (٢٦٨٧)، وَابن مَاجَهْ (٤١٦٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ فَضْلٍ
يضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ.

٣٩
كِتَابُ الْعِلْم
أصلًا، بل المطلوب به الإرشاد كالتعليم، أى: اللائق بحال المؤمن أن يكون
مطلوبه الكلمة الحكمة، ويحتمل أن يكون إخبارًا لحمل ((الْمُؤْمِنِ)) على الكامل في
الإِيمان، ومعنى قوله: ((فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)) أي: ينبغي أن يكون نظر
المؤمن إلى القول لا إلى القائل.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في العلم. (وابْنُ مَاجَهْ) في الزهد. (وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ
الرَّاوِي) بتخفيف الياء، أي: راوي هذا الحديث عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.
(يُضَعَّفُ) بصيغة المجهول، أي: ينسب إلى ضعف الرواية. وفي نسخ الترمذي
الحاضرة: ((ضَعِيفٌ)). (فِي الْحَدِيثِ) أي: في باب نقل الحديث وروايته. قال في
((التقريب)): إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني أبو إسحاق، ويقال: إبراهيم بن
إسحاق، متروك، انتهى. وقال أبو حاتم والبخاري والنسائي: منكر الحديث.
وذكر العقيلي من مناكيره هذا الحديث. والحديث أخرجه ابن عساكر عن علي،
والعسكري في ((الأ مثال)) عن أبي هريرة بلفظ: ((كَلِمَةُ الْحِكْمَةِ ضَالَّةُ كُلِّ حَكِيم، فَإِذَا
وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا».
٢١٨ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «فَقِيَةٌ وَاحِدٌ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {موضوع}
أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ)).
الشّرْحُ
٢١٨ - قوله: (فَقِيَةٌ وَاحِدٌ) إن كان المراد من الفقيه الذي رزق الفهم في
الدين، والتفطن لمدار كه وموارده، فهو عارف لمكائد الشيطان ولمته، ورزق علم
الخواطر وتمييزها، والاطلاع على دسائس النفوس ووساوسها. وإن كان المراد
العالم بأحكام الدين وتفاصيلها كما يجوز فكذلك؛ لأنه بعلمها يحذر عن المواقع
المحرمة، فلا يستخفها ولا يستحلها، فلا يقع في ورطة الكفر، بخلاف المتعبد
الذي ليس في مرتبته في المعنيين. (أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ)؛ لأن الفقيه لا يقبل إغواءه،
(٢١٨) التِّرْ مِذِي (٢٦٨١) فِي العِلْمِ، وَابن مَاجَهْ (٢٢٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَْتَهُ، وَقَالَ التِّرْ مِذِيُّ: غَرِيبٌ.