Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨٠ # مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ بين الحديثين؛ إذ قد يجوز أنْ يَكُون خطب على الناقة، ثم تحول إلى البغلة، ويجوزُ أنَ يكونَ الخطبتان في وقتين، وكانت إحدى الخطبتين تعليمًا للناس، لا أنها من خطب الحج. انتهى فتأمل. (وَعَلِيُّ يُعَبِّرُ عَنْهُ) من التعبير، أي: يُبَلِّغُ حديثَهُ مَن هو بعيد من النَّبِيِ وَ، فهو رغواڅُ وقفَ حیثُ يبلغه صوت النّبِي ◌َآل﴾ ویفهمه، فيبلغه للناس ويفهمهم من غير زيادة ونقصان. (وَالنَّاسُ بَين قَائِم وَقَاعِدٍ) أي: بعضهم قاعدون وبعضهم قائمون وهم كثيرون حيث بلغوا مائة ألفً وثلاثين ألفًا، كذا في ((المرقاة)). وفي هَذَا الحديث أيضًا دليل على مشروعية الخطبة في يوم النحر. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجَهُ أيضًا النسائي والْبَيْهَقِي (ج ٥ : ص ١٤٠) وسكتَ عنه أبُو دَاوُد والمُنْذِري، وقال النووي في ((شرح المهذب)): رواه أبُو دَاوُد بإسناد حسن والنّسائي بإسناد صحيح . ٢٦٩٦، ٢٦٩٧ - [١٤، ١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ. [ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] الشرح ٢٦٩٦، ٢٦٩٧ - قوله: (أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ) هَذَا يعارضُ ما وقع في حَدِيث جَابِرِ الطويل في صفة حجة الوداعِ من أنهلنََّ رَمَى، ثم انصرف إلى المنحر فنحر، ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، وكذا يعارض ما تقدَّم في بابِ الحلق من حديث ابن عمر: أن رسول اللَّه ◌َّ أفاضَ يومَ النحرِ، ثم رجعَ فصلّى الظهرَ بمنى. واختلفوا في الجواب عن ذلك فذهب جماعة منهم ابن القطان الفاسي وَابْن القيم وَابْن حزم إلى تضعيف حديث عائشة وَابْن (٢٦٩٦)، (٢٦٩٧) أَبُو دَاوُد (٢٠٠٠)، وَالتِّرْمِذِي (٩٢٠)، وَابن مَاجَهْ (٣٠٥٩) فِيهِ مِن رِوَايَةٍ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقال التِّرْمِذِي: حَسَنٌ. ٣٨١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ عباس هَذَا، بل إلى تغليطه. قال ابن القطان: عندي أن هَذَا الحديث يعني حديث عائشة هَذَا ليس بصحيح، إنما طاف التَّبِي ◌ِّلّ يومئذ نهارًا، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه التي فيها: أنه أخر الطواف إلى الليل، وهذا شيء لم يُرْوَ إلا من هَذَا الطريق، وأبو الزبير مدلِّس لم يذكر ها هنا سماعًا عن عائشة. انتهى . وقال ابن القيم: أفاض بَله إلى مكّة قبل الظهر راكبًا، فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، ولم يطف غيره ولم يَسْعَ معه، هَذَا هو الصواب. وطائفة زعمت أنه لم يطف في ذلك اليوم، وإنما أخّر طواف الزيارة إلى الليل وهو قول طاوس ومجاهد وعروة، واستدلوا بحديث أبي الزبير المكي عن عائشة المخرج في ((سنن أبي داود)) والترمذي، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، وهذا الحديث غلط بين خلاف المعلوم من فعله وَّ الَّذِي لا يشك فيه أهل العلم بحجته وَّر، وقال ابن حزم: هَذَا - أي حديث عائشة الَّذِي نحنٍ فِي شَرْحِه - حديث معلول؛ لأنَّهُ يرويه أبو الزبير عَنِ ابْن عَبَّاسٍ وعائشة، وهو يدلّس فيما لم يقل فيه: أخبرنا أو حدثنا أو سمعت فهو غير مقطوع إلا ما كان من روایة اللیث عنه عن جابر، فإنه کله سماع، ولسنا نحتجُ من حديثه إلا بما كان فيه بيان أنه سمعه، وليس في هَذَا بيان سماعه منهما. انتهى. وذهب بعضهم إلى ترجيح حَدِيث ابنِ عُمَر وجابر وتقديمه على حديث عائشة وَابْن عباس، قال البيهقي بعد ذكر روايات ابن عمر وجابر وعائشة وَابْن عباس ما لفظه: أصُّ هذه الروایات حدیث نافع عن ابن عمر، وحديث جابر وحديث أبي سلمة عن عائشة - يعني حديث البخاري - بلفظ: قَالَتْ: ((حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ)) وذهبَ جماعة منهم البخاري وَابْن حِبَّان والنووي والسندي إلى الجمع بين هذه الروايات. قال البخَارِي في باب الزيارة يوم النحر: وقال أبو الزبير عن عائشة وَابْن عباس: أخَّر النبيُّ ◌َلَّ الزيارةَ إلى الليلِ. ويذكر عن أبي حسان عَنِ ابْن عَبَّاسٍ أن النَِّي ◌َّ كان يزور البيت أيام منى. وقال لنا أبو نعيم: ثنا سفيان عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر، أنه طافَ طوافًا واحدًا، ثم يقيل، ثم يأتي منى يعني يوم النحر. ورفعه عبد الرزاق قال: حدثنا عبيد اللَّه، ثم ذكر البخَارِي حديث أبي سلمة أن عائشة قالت: حَجَجْنَا مع النبيِّ ◌َّ فأفضنا يوم النحر ٣٨٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ... الحديث. قال الحافظُ: كأنَّ البخاريَّ عقب هَذَا - أي: حديث أبي الزبير عن عائشة وَابْن عباس - بطريق أبي حسان ليجمع بين الأحاديث بذلك، فيحمل حَدِيث جَابِرٍ وَابْن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عباس وعائشة هَذَا على بقية الأيام. قال الحافظ: وحديث أبي حسان عَنِ ابْن عَبَّاسٍ وصله الطَّرَاني والْبَيْهَقِي (ج٥ : ص ١٤٦) قال: ولرواية أبي حسان هذه شاهد مرسل أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة حدثنا ابن طاوس عن أبيه: أن النَّبِيِ وََّ كان يفيضُ كلَّ ليلةٍ - يعني: ليالي منى - وقال النووي: قوله: (أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ) محمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة. قال: ولا بدَّ من هَذَا التأويل للجمع بين الأحاديث - وقال ابن حبان: يشبه أن يكونَ النبيُّ وَ لَ رَمَى ثم أفاض ثم رجع فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة ثم ركب إلى البيت، فطاف طوافًا ثانيًا بالليل. قال الطَّبَري بعد ذكر حديث ابن عباس: إنَّ النبيَّ ◌ََّ كان يزورُ البيت أيام منى ما لفظه: هَذَا يؤيد تأويل أبي حاتم فلعلَّ زيارته وَّ وقعت في تلك المرة ليلاً، ويجوزُ أنْ يَكُون هَذَا منشأ اختلاف الروايات، فأراد بعضهم يوم النحر وبعضهم غير يوم النحر، وقد سمى الزيارة إفاضة؛ لأن معنى الإفاضة الدفع بكثرة، ولم يذكر جميعهم أنه كان يوم النحر. انتهى. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله: ((أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ إِلَى اللَّيْلِ)). المعلوم الثابت من فعله ولا هو أنه طاف طواف الإفاضة، وهو الطواف الفرض قبل الليل، فلعلَّ المراد بِهَذَا الحَدِيث أنه رخص في تأخيره إلى الليل، أو المراد بطواف الزيارة غير طواف الإفاضة، أي: إنه كان يقصد زيارة البيت أيام منى بعد طواف الإفاضة فإذا زار طاف أيضًا، وكان يؤخر طواف تلك الزيارة إلى الليل بتأخير تلك الزيارة إلى الليل ولا يذهب على مكة لأجل تلك الزيارة في النهار بعد العصر مثلًا. وقال القاري: قوله: ((أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ)). أي: جوز تأخيره يوم النحر إلى الليل إما مطلقًا أو للنساء؛ لما ثبت أنه وَّ أفاضَ يوم النحر، ثم صلى الظهر بمكة أو منى. وقال شيخنا في ((شرح الترمذي)): حديث ابن عباس وعائشة المذكور ضعيف كما ستعرف. وكما تقدم فلا حاجة إلى الجمع الّذِي أشار إليه البخاري وغيره، وأما على تقدير الصحة، فهذا الجمع متعين، هَذَا وقد سبق شيء من الكلام ٣٨٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ *B بَابُ خْطَبَةٍ يَوْم النّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشَرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ في الجواب عن هَذَا الحديث في شرح حَدِيث جَابِر الطويل في صفة الحج. (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ ... ) إلخ. وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ٢٨٨، ٣٠٩) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٤٤) وذكره البخاري في ((صحيحه)) تعليقًا بصيغة الجزم كما تقدم. وقال الترمذي: هَذَا حَدِيث حَسَن. وسكت عنه أبُو دَاوُد ونقل الْمُنْذِرِي تحسين الترمذي وأقرَّهُ. وقال شيخنا في ((شرح الترمذي)) في كون هَذَا الحديث حسنًا نظر، فإنَّ أبا الزبير ليس له سماع من ابن عباس وعائشة، كما صرَّح به الحافظ ابن أبي حاتم في كتاب ((المراسيل))، انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في ((شرحٍ المسند)): أبو الزبير هو المكي محمد بن مسلم تدرس ثقة ولكن في سماعه من ابن عباس وعائشة شك، روى ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (ص٧١) عن سفيان بن عيينة قال: يقولون: إن المكي لم يسمع من ابن عباس، وروى عن أبيه أبي حاتم قال: أبو الزبير رأى ابن عباس رؤية ولم يسمع من عائشة. قلت: وقال البيهقي (ج١ : ص ١٤٤): بعد رواية هَذَا الحديث: وأبو الزبير سمع من ابن عباس وفي سماعه من عائشة نظر، قاله البخاريُّ. ٢٦٩٨ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيْهِ. [رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَابْنُ مَاجَهْ] الشرح ٢٦٩٨ - قوله: (لَمْ يَرْمُلْ) بضمِّ الميم من باب نصر. (فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ) أي: في طواف الزيارة، يعني: لا رمل في طواف الإفاضة كما في طواف الوداع، وإنما هو في طواف القدوم، ففيه دليل على أنه لا يشِرِع الرمل الَّذِي سلفت مشروعيته في طواف القدوم في طواف الزيارة، قال الطّبَري: فيه دلالة على اختصاص الرمل بطواف القدوم أو بكل طواف يعقبه سعي وهما قولان للشافعي. وقال أيضًا في شرح حديث ابن عمر: أنَّ النبيَّ وَّ كانَ إذا طافَ بالبيتِ الطوافِ (٢٦٩٨) أَبُو دَاوُد (٢٠٠١)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٤١٧٠)، وَابن مَاجَهْ (٣٠٦٠) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ٣٨٤ * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ itE الأولِ؛ خَبَّ ثلاثًا ومَشَى أربعةً. قوله: ((الطواف الأول)): هو الَّذِي يأتي به أول ما يقدم يعني: طواف القدوم، وفيه دلالة على تخصيص الرمل بطواف القدوم وهو أظهر قولي الشافعي، والقول الآخر: أنه يرمل في كل طواف يعقبه سعي بين الصفا والمروة. انتهى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ) وأخرجَهُ أيضًا النسائي والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٨٤) كلُّهم من طريقٍ ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، وقد سَكَت عنه أبُو دَاوُد ثم المنذري. ٢٦٩٩ - [١٧] وَعَنْ عَائِشَةَ أِنَّ النَّبِيِّ نَ سِرْ قَالَ: ((إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ؛ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ النِّسَاءَ)). [رَوَاهُ فِي (شَرْحِ الْسُنَّةِ))، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ] الشرح ٢٦٩٩ - قوله: (إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) أي: وحَلَق أو قصر، قاله القاري بناء على مذهب الحنفية أن المؤثر في التحلَّل هو الحلق. (فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) أي: حرم بالإحرام، ومنه الحلق. (إِلَّا النِّسَاءَ) بالنصبِ على الاستثناء، أي: وطئًا ومباشرة وَقُبْلَةً ولَمْسًا بشهوة وعقد نكاح حتى يطوف طواف الإفاضة. والحديث: يدلُّ على أنه يحل كل محظور من محظورات الإحرام إلا الوطء ودواعيه بعد الرمي وإنٍ لم يحلقٍ، لكن وقع في رواية لأحمد وغيره: ((إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ)) وهو يدلَّ على أنه بمجموع الأمرين رَمَی جمرة العقبة، والحلق يحل كل محرم على المحرم إلا النساء، وقد بسطنا الكلام في ذلك في شرح حديث عائشة: كنتُ أطيِّبُ رسولَ اللهِ وَ لإحرامهِ قبلَ أنْ يحرم، ولِحِلَّه قبلَ أنْ يطوفَ بالبيتِ. وهو أول أحاديث الفصل الأول من باب الإحرام والتلبية. (رَوَاهُ) أي: صاحب ((المصابيح)). (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أي: بسنده، وأخْرَجَه أيضًا (٢٦٩٩) أَبُو دَاوُد (١٩٧٨) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ: ضَعِيفٌ. ٣٨٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ خْطَبَةٍ يَوْمِ النّحْرِ، وَرَمْي أيَّامَ التَّشَرِيقِ، وَالتَّؤْدِيع أَحْمَد وأبو دَاوُد والدار قطني (ص٢٧٩) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٣٦) والطحاوي وسعيد بن منصور. (وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ)؛ لأن مداره على الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ومدلس، وقال المنذري: قد ذكر غير واحد من الحفاظ أنه لا يحتج بحديثه. انتھی . وأيضًا اضطرب هو في إسناده، ففي رواية قال: عن أبي بكر بن حزم، وفي رواية قال: عن الزهري. ولم يسمع من الزهري شيئًا. وقال البيهقي بعد ذكر الاختلاف في سنده ومتنه: وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة. انتهى. لكن أخرج مثلها ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عائشة كما قال الحافظ في ((الدراية)) (ص١٨٩) قلت: وذكر ابن الهمام إسناده فقال: أخرج ابن أبي شيبة، ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن عائشة رضينا ... الحديث. وفي الباب عَنِ ابْن عَبَّاسٍ كما سيأتي، وعن أم سلمة أخرجه أحمد (ج٦: ص ٢٩٥، ٣٠٣) وأبو دَاوُد والْحَاكِم (ج١: ص ٤٨٩، ٤٩٠)، والْبَيْهَقِي (ج٥ ص ١٣٦، ١٣٧) مطولًا وفيه قصة وزيادات، وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، فيصح الاحتجاج بها على أنه يحل بالرمي كل محرم من محرمات الإحرام سوى النساء. ٢٧٠٠ - [١٨] وَفِي رِوَايَةٍ أَحْمَدَ وَالْنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِذَا وَمَّى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ النِّسَاءَ. الشرح ٢٧٠٠ - قوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيّ) وَابْن ماجه والطحاوي والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٣٦) من طريق الحسن العرني. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) مَرْفُوعًا وموقوفًا. (قَالَ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ) أي: جمرة العقبة. (فَقَدْ حَلَّ لَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ) أي: حتى يطوف طواف الإفاضة، وهذا أيضًا يدلَّ على أن الرمي هو السبب للتحلل الأول، كما هو مذهب المالكية، ويحمله الحنفية على إضمار الحلق، أي: إذا رمى وحلق جمعًا بينه وبين ما وقع في بعض الروايات من عطفه على الرمي (٢٧٠٠) النسائي (٣٠٨٤) احمد (٢٠٩٠)(٣٢٠٤). ٣٨٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وحديث ابن عباس هَذَا منقطع؛ لأنَّ الحسنَ العرني لم يسمع من ابن عباس، كما قاله الإمام أحمد وغيره، وقد تقدَّم شيء من الكلام في حديث ابن عباس هَذَا وحديث عائشة الَّذِي قبله في شرح أول أحاديث باب الإحرام والتلبية. ٢٧٠١ - [١٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ مِنْ آخِرٍ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنَّى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، فَيُطِيلُ الْقِيَامَ، وَيَّتَضَرَُّ، وَيَرْمِي الثَّالِئَةَ، فَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. [رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] الشرح ٢٧٠١ - قوله: (أَفَاضَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ) أي: طاف طواف الإفاضة في آخر يوم النحر، وهو أول أيام النحر. (حِينَ صَلَّى الظَّهْرَ) فيه دلالة على أنه صلى الظهر بمكة موافقًا لما دلَّ عليه حَدِيث جَابِر الطويل، وأنه وقع طوافه بعد الزوال بل بعد صلاة الظهر؛ لقوله: ((مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ))، وهذا مخالف لما وقع في حَدِيث ابنٍ عُمَر وغيره أنه طافَ قبلَ الظهر. وقال الطيبي: أي: أفاض يوم النحر من منى إلى مكة حين صلى الظهر، فيفيدُ أنه صلى الظهر بمنى ثم أفاض، وهو خلاف ما ثبت في الأحاديث، لاتفاقها على أنه صلى الظهر بعد الطواف مع اختلافها أنه صلاها بمكة أو بمنى. قال القاري: لا يبعدُ أن يحمل على يوم آخر من أيام النحر بأن صلى الظهر بمنى ونزل في آخر يومه مع نسائه لطواف زيارتَهن. انتهى. ولا يخفى ما في هَذَا الجمع من التكلف والتعسُّف، وقد تفرَّد باللفظ المذكور محمد بن إسحاق ورواه ب(عن))، فلا حاجة إلى الجمع. (فَمَكَثَ) بفتح الكاف وضمها، أي: لبث وبات. (بِهَا) أي: بمنى. (إِذَا زَالَتِ (٢٧٠١) أَبُو دَاوُد (١٩٧٣) فِيهِ عَنْ عَائِشَةً. ٣٨٧ كِتّاب الْمُنَاسِكِ بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ SextS الشَّمْسُ) فيه دليل على أن وقت رمي الجمرات في غير يوم النحر بعد الزوال. (كُلّ جَمْرَةٍ) بالنصب على البدلية وبالرفع على الابتدائية. (وَيَقِفُ عِنْدَ الأَولَى) أي: أولى الجمرات الثلاث وهي التي تلي مسجد الخيف. (والثَّانِيَةِ) هي الوسطى. (فَيُطِيلُ. الْقِيَامَ) للأذكار من التكبير والتوحيد والتسبيح والتحميد والاستغفار. (وَيَتَضَرَّعُ) أي: إلى الله بأنواع الدعوات وعرض الحاجات. (وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ) هي جمرة العقبة التي رماها يوم النحر. (فَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) أي: للذكر والدعاء. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد وَابْن حِيَّان والْحَاكِم والْبَيْهَقِي (ج٥ : ص ١٤٨) وفي سنده عندهم محمد بن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث، والمدلِّسُ إذا قال: (عن)، ولم يتابعه أحد على روايته لا يحتج بروايته. ٢٧٠٢ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي الْبَدَّحِ بْنِ عَاصِمٍ بْنِ عَدِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللّهِ وَلَه لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِيَ الْبَيْتُوتَةِ: أَنْ يَرْمُلُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ الْنَّحْرِ، فَيَرْمُوهُ فِي أَحَدِهِمَا. [رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّْمِذِيُّ وَالْنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ] الشرح ٢٧٠٢ - قوله: (وَعَنْ أَبِي الْبَدَّاح) بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة فألف فحاء مهملة. (بْنِ عَاصِم بْنِ عَدِيٍّ) بن الجد - بفتح الجيم - بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة القضاعي البلوي ثم الأنصاري، حليف لبني عمرو بن عوف من الأنصار. قال الواقدي: أبو البداح لقب غلب عليه، وكنيته: أبو عمرو. انتهى. وكذا قال على بنُ المديني وَابْن حبان: كنيته أبو عمرو، وقيل: كنيته أبو بكر، وقيل: أبو عمر. يقال: اسمه عدي. مات سنة (١١٧) فيما ذكره جماعة، وقيل: سنة (١١٠) قال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): اختلف فيه فقيل: الصحبةُ لأبيهِ وهو من التابعين، وقيل: له صحبة وهو الَّذِي توفي عن سبيعة الأسلمية، وخطبها أبو (٢٧٠٢) أَبُو دَاوُد (١٩٧٥)، والترمذي (٩٥٤)، وابن ماجه (٣٠٣٧)، والنَّسَائِي (٢٧٣/٥) فِيهِ عَنْ أَبِي البَدَّاحِ ابْنِ عَاصِمٍ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِهِ ﴿ّ. ٣٨٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ السنابل بن بعكك، ذكره ابن جريج وغيره، وهو الصحيح في أنَّ له صحبة، والأكثر يذكرونه في الصحابة، انتهى. وذكره الحافظ في القسم الرابع من حرف الباء من ((الإصابة))، وتعقَّب ابنَ عبدِ البر فقال: عليه مؤاخذات، الأولى: أن مالكًا أخرجَ في ((الموطأ)) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبي البداح حديثًا، وهذا يدلُّ على تأخُّر أبي البداح عن عهدِ النبيِّ وَّ؛ لأنَّ أبا بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم لم يدرك العصر النبوي، وقد روى أيضًا عن أبي البداح أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابنه عبد الملك وغير واحد، وأرَّخَ جماعةٌ وفاتَه سنة (١١٧). وقال الواقدي: مات سنة (١١٠) وله أربع وثمانون سنة، فعلى هَذَا يكون مولده سنة (٢٦) بعد النَّبِي وَّ بخمس عشرة سنة، وهذا كله يدفع أنْ يَكُون له صحبة، ويدفع قول ابنِ مَنْدَهْ: أدركَ النَّبِي ◌َّ. وقال ابن فتحون: قول أبي عمر: توفي عن سبيعة. وَهْمٌ. انتهى. قال ابن سعد: كان أبو البداح ثقة قليل الحديث. وقال الحافظ في ((التقريب)): ثقة من الثالثة، ووَهِم مَن قال: له صحبة . (عَنْ أَبِيهِ) عاصم بن عدي، كان سيد بني عجلان، وهو أخو معن بن عدي، يكنى: أبا عمرو، ويقال: أبا عبد الله. قال الحافظ في ((الإصابة)): اتفقوا على ذكره في البدريين، ويقال: إنه لم يشهدها بل خرج، فكسر، فرده النَّبِي بَّ من الروحاء واستخلفه على العالية من المدينة، وهذا هو المعتمد، وبه جزم ابن إسحاق، وأورد الواقدي بسنده إلى أبي البداح: أن رسول اللَّه وَل خلف عاصمًا على أهل قباء والعالية لشيء بلغه عنهم، وضرب له بسهمه وأجره - فكان كمن شهدها ولهذا ذكروه في البدريين - وقال: شهد أُحُدًا وما بعدها، وله ذكر في ((الصحيح)) في قصة اللعان. قال ابن سعد وَابْن السكن وغَيْرهما: مات سنة (٤٥) وهو ابن مائة وخمس عشرة، وقيل: عشرين. انتهى. (رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ وََّ) أي: جوَّز وأباح. (لِرِعَاءِ الْإِبِلِ) بكسر الراء والمد، جمع راع، أي: لرعاتها بضم الراء. (فِي الْبَيْتُوتَةِ) مصدر بات أي: رخص لهم في البيتوتة خارج منى أو في ترك البيتوتة، والمعنى: أباحَ لهم ترك البيتوتة بمنى ليالي أيام التشريق؛ لأنهم مشغولون برعي الإبل وحفظها، فلو أخذوا بالمقام والمبيت بمنى؛ ضاعت أموالهم. قال الباجي: قوله: (رَخَّصَ) يقتضي أن هناك منع خص ٣٨٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ خُطْبَةٍ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ هَذَا منه؛ لأن لفظ الرخصة لا تستعمل إلا فيما يخص من المحظور للعذرِ، وذلك أن للرعاء عذرًا في الكون مع الظهر الَّذِي لابد من مراعاته، والرعي به للحاجة إلى الظهر في الانصراف إلى بعيد البلاد، فأبيح لهم ذلك لهذا المعنى. انتهى. وقد تقدَّمَ بيان اختلاف الأئمة في البيتوتة بمنى، هل هو واجب أو سنة؟ وتقدَّم أيضًا أنهم اتفقوا على سقوطه للرعاء وأهل السقاية، واختلفوا في أنه يختصُّ السقوط بالرعاء وبأهل السقاية أو يعم أهل الأعذار كلها من مرض أو شغل أو حاجة . (أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ) أي: جمرة العقبة كسائر الحجاج، قال الباجي: أخبر أن رميهم يوم النحر لا يتعلق به رخصة ولا يغير عن وقته ولا إضافته إلى غيره. (ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنٍ) أي: الحادي عشر والثاني عشر. (فَيَرْمُوهُ) أي: رمي اليومين وقوله: (فَيَرْمُوهُ) هكذا في ((المشكاة)) و((المصابيح)) والذي في الترمذي ((فيرمونه)) وكذا وقع عند أحمد وَابْن ماجه، وهكذا نقله الجزري. (فِي أَحَدِهِمَا) أي: في أحد اليومين، ومعناه: أنهم يجمعون رمي اليوم التالي ليوم النحر مع اليوم الَّذِي يليه وهو يوم النفر الأول جمع تقديم، فيرمون في اليوم التالي ليوم النحر، ولا يرمون في يومِ النفرِ الأول، أو جمع تأخير، فيرمون في يوم النفر الأول ولا يرمون في اليوم التالي ليوم النحر. فظاهر الحديث: أنهم بالخيار، إن شاؤوا رموا يوم القر لذلك اليوم ولما بعده تقديمًا، وإن شاؤوا أخَّروا فرموا يوم النفر الأول ليومين تأخيرًا، وإلى ذلك ذهب بعضهم كما حكاه الخطابي إذ قال: قَالَ بَعْضُهُم: هم بالخيار إن شاؤوا قدموا وإن شاؤوا أخروا، انتهى. ويؤيد ذلك رواية النسائي بلفظ: ((رخَّص للرِّعَاءِ في البَيْتُوتة يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، والْيَوْمَيْنِ الَّذِينِ بَعْدَهُ يَجْمَعُونَهُمَا فِي أَحَدِهِمَا)). ورواية أحمد وَابْن ماجه بلفظ: ((ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْي يَوْمَين بعدَ النَّحرِ فَيَرْمُونَه فِي أَحَدِهما)). ورواية مالك في ((الموطأ)) على ما في طبعات الهند، وفي ((مسند أحمد))، و((المستدرك)) للحاكم بلفظ: ((ثُمَّ يَرْمُون من الغدِ أو مِنْ بعدِ الغدِ لَيَوْمَيْن ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ الآخر))، لكن الجمهور وَمِنْهُم الأئمة الأربعة لم يقولوا بجمع التقديم، فأَوَّلُوا الحديثَ إلى جمع التأخير، فقال مالك كما في ((مسند أحمد)): ظننتُ أنه في الآخر منهما، وفسره في ((الموطأ)) ٣٩٠ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ بعبارة أوضح فقال: وتفسيرُ الحديث الَّذِي أَرْخص فيه رسول اللَّه لرعاء الإبل في رمي الجمار فيما نرى، والله أعلم، أنهم يرمون يوم النحر جمرة العقبة كسائر الناس، ثم ينصرفون لرعيهم، فيغيبون عن منى في أول أيام التشريق، وهو اليوم الَّذِي يلي يوم النحر، فإذا مضى اليوم الَّذِي يلي يوم النحر رموا من الغدِ أي: من غدِ هَذَا اليوم الَّذِي يلي يوم النحر، وهو اليوم الثالث من أيام النحر، واليوم الثاني مِن أيام التشريق وذلك يوم النفر الأول لمن تعجل فيرمون أي في هَذَا اليوم لليوم الَّذِي مضى أي: لليوم الحادي عشر، ثم يرمون ليومهم ذلك أي: لليوم الثاني عشر؛ لأنَّهُ لا يقضي أحد شيئًا مما يجب عليه قضاؤه حتى يجب عليه، فإذا وجبَ عليه الأداء ومضى وقته ولم يؤد فيه؛ كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم النفر بعد رمى يومين الَّذِي رمى لهما في الثاني؛ فقد فرغوا ويجوز لهم النفر وإن أقاموا إلى الغد أي: إلى اليوم الثالث عشر رموا مع الناس يوم النفر الآخر ونفروا. انتهى. وقال الخطابي: قد اختلفَ الناسُ في تعيينِ اليوم الَّذِي يرمون فيه، فكان مالك يقول: يرمون يوم النحر، وإذا مضى اليوم الَّذِي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول يرمون لليوم الَّذِي مضى ويرمون ليومهم ذلك، وذلك أنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه. وقال الشافعي نحوًا من قول مالك. انتهى. وقال القاري في ((المرقاة)): قال الطيبي: رخّص لهم أن لا يبيتوا بمنى، وأن يرموا يوم العيد جمرة العقبة، ثم لا يرموا في الغدِ، بل يرموا بعد الغد رمي اليومين - القضاء والأداء - ولم يجوز الشافعي ومالك أن يقدموا الرمي في الغد. انتھی . قال القاري: وهو كذلك عند أئمتنا، يعنى لم يجوزوا التقديم، ويؤيد تفسير مالك ومن وافقه رواية أحمد والْبَيْهَقِي من طريق ابن جريج عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح عن عاصم بن عدي، أن الشَِّي ◌َّةِ أَرْخَص للرِّعاء أن يتَعَاقبوا فيرموا يوم النحر، ثم يدعوا يومًا وليلة، ثم يرموا الغد. ولفظ الطحاوي من هَذَا الطريقِ: أنَّ النبيَّ وَلَّهَ رَخَّص للرعاء أن يتعاقبوا، فكانوا يرمون غدوة يوم النحر ويدعون ليلة ويومًا ثم يرمون من الغد، ويؤيده أيضًا ما ورد في حديثِ الباب من طريق سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، عن أبي البداح عن أبيه عند أحمد كِتَابُ الْمُنَاسِكِ ٣٩١ بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ وأبي داود والترمذي والنَّسَائِي وَابْن ماجه والْحَاكِمِ والْبَيْهَقِي وغَيْرِهم: أن النَّبِي ◌ِّ رخَّص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا. قال الشوكاني: أي: يجوز لهم أن يرموا اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبوا إلى إبلهم، فيبيتوا عندها ويدعوا يوم النفر الأول، ثم يأتوا في اليوم الثالث، فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني مع رمى اليوم الثالث. وفيه تفسير ثان: وهو أنهم يرمون جمرة العقبة، ويدعون رمي ذلك اليوم ويذهبون، ثم يأتون في اليوم الثاني من أيام التشريق فيرمون ما فاتهم، ثم يرمون عن ذلك اليوم كما تقدَّم، وكلاهما جائزٌ. انتھی . فهذه الروايات ظاهرة، بل صريحة فيما قال به الجمهور من جمع التأخير وموافقة لتفسير ((الموطأ)) المذكور، وأما رواية مالك على ما في النسخ الهندية ((للموطأ)) وأحمد وغَيْرِهما بلفظ: ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين. فقال في المحلى في تأويلها: قوله: ((ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ)) من يومِ النحرِ، وهو اليوم الحادي عشر إن شاؤوا، وذلك هو العزيمة أو من بعد الغد ليومين لذلك اليوم واليوم الماضي إن لم يرم من الغد من يوم النحر، فقوله: ليومين، متعلّق بقوله: (أَوْ مِنْ بَعْدِ الْغَدِ)). وهذا المعنى على مذهب مالك والشافعي وغيره ممن لم يجوز تقديم الرمي على يومه؛ لأنه لا قضاء حتى يجب وإلا فظاهر الحديث أنهم بالخيار إن شاؤوا رموا يوم القر لذلك اليوم ولما بعده، وإن شاؤوا أخّروا، فرموا يوم النفر الأول ليومين، وبه قَالَ بَعْضُهُم، انتهى. وقال الزرقاني: ظاهر رواية ((الموطأ)) بلفظ: (ثُمَّ يَرْمُون الغدَ ومِن بَعْدِ الغَدِ لِيَوْمَيْن) على ما في النسخ المصرية أنهم يرمون لهما في يوم النحر، وليس بمراد كما بينه الإمام مالك بعد. انتهى. وقال الباجي: يريد أنه يرمي لليومين الغد ومن بعد الغد، فذكر الأيام التي يرمي لها وهي الغد من يوم النحر وبعد الغد، وهما أول أيام التشريق وثانيها، ولم يذكر وقت الرمي، وإنما يرمي لهما في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال؛ ولذا جمع بينهما في اللفظ، فقال: (لَيَوْمَيْنِ) وقد فسر ذلك مالك، انتهى. قلت: ويشكل على تفسير ((الموطأ)) وعلى ما وقع عند أحمد في آخر الحديث: seex ٣٩٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قال مالك: ظننتُ أَنَّه في الآخرِ منهما. ما حكاه الترمذي وابن ماجه عن مالك بعد قول عاصم بن عدي في الحديث: ((فيرمونه في أحدهما)): قال مالك: ظننتُ أَنَّه قالَ في الأولِ منهما، ثم يرمون يوم النفر. واختلفوا في دفع هَذَا الإشكال والاختلاف، فذهب بعضهم إلى أن ما في الترمذي وَابْن ماجهَ سهو وخطأ من بعض الرواة والصحيح ما في ((مسند أحمد))؛ لأنَّهُ موافق لتفسير ((الموطأ)) الصريح الواضح، وذهب بعضهم إلى توجيه رواية الترمذي وتأويلها إلى ما في ((الموطأ)) و((المسند)) فقال: معنى قوله: ((فِي الْأَوَّلِ مِنْهُمَا)). أي: بترك الرمي في الأول، أي: في الحادي عشر منهما وقضائه في اليوم الثاني من أيام التشريق، وليس المراد الرمي في الأول منهما، ولا يخفى ما في هَذَا التأويل من التعسُّف، وقيل: معناه: أنهم يرمون في الأول منهما، أي: في الحادي عشر كسائر الحجاج، ثم يروحون إلى إبلهم في المراعي ولا يأتون اليوم الثاني من أيام التشريق، أي: اليوم الثالث من أيام النحر، وهو يوم النفر الأول، بل يأتون يوم النفر الآخر، فيجمعون فيه بين رمي يومين، أي: رمي اليوم الثاني عشر، ورمي الثالث عشر، أي: النفر الآخر. وفيه: أن هَذَا شيء آخر لا يناسب ما في ((المسند)) و((الموطأ))، وقيل: في معنى رواية الترمذي غير ذلك، ثم إن الجمهور بعد ما اتفقوا على جمع التأخير ونفي جمع التقديم، أي: تقديم رمي يوم على ذلك اليوم اختلفوا في أنه: هل يجبُ الدم في جمع التأخير أو لا يجب؟ وهل هو أداء أو قضاء؟ فذهبت الأئمة الثلاثة وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة إلى أنه لا يجبُ عليه دم. وقال أبو حنيفة: إذا طلع الفجر من الغد في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر فات وقت الأداء، فيجب عليه القضاء مع الجزاء إلى غروب آخر أيام التشريق. قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٤٥٥): إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة ولا شيء عليه إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي وأبو ثور؛ لأنَّ أيام التشريق وقت للرمي، فإذا أخَّرَه من أول وقته إلى آخره؛ لم يلزمه شيء. قال القاضي: ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء؛ لأنَّهُ وقت واحد، والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها كالحكم في رمي أيام التشريق في أنها إذا لم تُرْمَ يوم النحر؛ رميت من الغد. وقال أيضًا: آخر وقت الرمي آخر أيام التشريق فمتى ٣٩٣ كِتَابَ الْمُنَاسِكِ بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ خرجت قبل رميه؛ فات وقته، واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي، هَذَا قول أكثر أهل العلم. انتهى. وقال النووي في ((مناسكه)): إذا ترك شيئًا من الرمي نهارًا، فالأصح: أنه يتدار كه فيرميه ليلًا أو فيما بقي من أيام التشريق سواء تركه عمدًا أو سهوًا، وإذا تداركه فيها فالأصح: أنه أداء لا قضاء، وإذا لم يتدار كه حتى زالت الشمس من اليوم الَّذِي يليه فالأصح: أنه يجب عليه الترتيب فيرمي أولًا عن اليوم الفائت ثم عن الحاضر، ومتى تدارك فرمى في أيام التشريق فائتها أو فائت يوم النحر فلا دم عليه، ومتى فات ولم يتداركه حتى خرجت أيام التشريق؛ وجب عليه جبره بالدم. انتهى. وقال الشيخ المواق في ((شَرْحِه مختصر خليل بن إسحاق المالكي)) في الكلام على قوله: ((والليل قضاء)): قال ابن شاس: للرمي وقت أداء ووقت قضاء ووقت فوات، فوقت الأداء في يوم النحر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قال: وتردد الباجي في الليلة التي تلي يوم النحر، هل هي وقت أداء أو وقت قضاء؟ ووقت الأداء في كل يوم من الأيام الثلاثة من بعد الزوال إلى مغيب الشمس ويتردّد في الليل كما تقدَّم. انتهى. وقال الدردير: في جملة ما يجبُ فيه الدم تأخير الرمي حتى خرجت أيام الرمي وتأخير رمي كل حصاة من العقبة أو غيرها، أو تأخير جميع الحصيات عن وقت الأداء وهو النهار لليل وهو وقت القضاء، فأولى لو فات الوقتان قدم واحد وقضاء كل من الجمار ولو العقبة ينتهي إلى غروب الرابع، والليل عقب كل يوم قضاء لذلك اليوم يجب به الدم، ووقت أداء كل من الزوال للغروب. انتهى. فعلم من هَذَا أن الرمي في الليل وفيما بعد الليل قضاء على ما هو المشهور عند المالكية، فيجب به الدم لكنه يرخص للرعاة مطلقًا، أو رعاة الإبل خاصة في جمع التأخير ولا يجب عليهم دم. وقال في ((الغنية: لو لم يرم في الليل رماه في النهار، ولو قبل الزوال قضاء عند أبي حنيفة وعليه الكفارة للتأخير وأداء عندهما ولا شيء عليه. انتهى. قال القاري: والحاصلُ: أن الرمي موقت عند أبي حنيفة وعندهما ليس بموقت، فإذا أخّر رمي يوم إلى يوم آخر فعنده يجب القضاء مع الدم، وعندهما ٣٩٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ يجب القضاء لا غير؛ لأن الأيام كلها وقت لها انتهى. وقال محمد في ((موطئه)) بعد رواية حديث عاصم بن عدي: من جمع رمي يومين في يوم من علة، أو غير علة فلا كفارة عليه إلا أنه يكره أن يدع ذلك من غير علة حتى الغد. وقال أبو حنيفة: إذا ترك ذلك حتى الغد، فعليه دم. وروى الطحاوي في ((المعاني)) حديث ابن عباس مَرْفُوعًا: ((الرَّاعِي يَرْعَى بِالنَّهَارِ ويرمى بِاللَّيْلِ)) ثم قال: ذهب أبو حنيفة إلى أن في هَذَا الحديث دلالة على أن الليل والنهار وقت واحد للرمي، فقال: إن ترك رجل رمي العقبة في يوم النحر ثم رماها بعد ذلك في الليلة التي بعده، فلا شيء عليه، وإن لم يرمها حتى أصبح من غده رماها وعليه دم؛ لتأخيره إياها إلى خروج وقتها وهو طلوع الفجر من يومئذ، وخالفه في ذلك أبو يوسف ومحمد، فقال: إذا ذكرها في شيء من أيام الرمي؛ رماها ولا شيء عليه غير ذلك من دم ولا غيره، وإن لم يذكرها حتى مضت أيام الرمي، فذكرها لم يرمها وكان عليه في تركها دم. ثم احتج الطحاوي لهما بحديث الباب واستظهره بالنظر. وقد ظهر من هَذَا كله أنه يجب الدم في جمع التأخير عند أبي حنيفة، ولا شك أن قوله بلزوم الجزاء، أي: الدم، مخالف لحديث عاصم بن عدي، وقد أجاب بعض الحنفية عن ذلك بوجوه كلها مخدوشة واهية . والراجح عندنا: أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي في حقِّ الرعاة، فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه ولا شيء عليه، والدليل على ذلك حديث عاصم بن عدي، فلو كان يجب الجزاء بتأخير رمي يوم عن ذلك اليوم البينه وَّةِ؛ لأنَّهُ لا يجوزُ تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأما ما روي عَنِ ابْن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: ((مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا مِنْ حَجِّهِ أَوْ أَخَّرَهُ فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًّا)) فهو محمول على عدم العذر. والله أعلم. قال الشنقيطي بعد ذكر حديث عاصم بنِ عدي: التَحْقِيق: أن أيام الرمي كلها كاليوم الواحد، وأن من رمى عن يوم في الَّذِي بعده لا شيء عليه؛ لِإِذن الشَّبِي وَّ للرعاء في ذلك، ولكن لا يجوز تأخير يوم إلى يوم آخر إلا لعذر فهو وقت له ولكنه كالوقت الضروري. والله تعالى أعلم. (رَوَاهُ مَالِك) في باب: الرخصة في رمي الجمار بلفظ: ((أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي ٣٩٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ خْطَبَةٍ يَوْمِ النّحْرِ، وَرَمْي أيَّامَ التشريق، والتّؤْدِيع الْبَيْتُوتَةِ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ أَوْ مِنْ بَعْدِ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ))، وكذا رواه أبُو دَاوُد والدارمي. (وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسائِيُّ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٥ : ص ٤٥٠) والشافعي وَابْن ماجِه وَابْن حِبَّان والْحَاكِم والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٤٥٠) وفي رواية للترمذي وأبي داود والنَّسَائِي وَابْن الجارود والْحَاكِم قال: رْخَصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يومًا وَيَدْعُوا يومًا. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وسكت عنه أَبُو دَاوُد ونقل الْمُنْذِرِي تصحيح الترمذي وقرره، وصححه الحاكم على شرط الشيخين وسكت عنه الذهبي. ٣٩٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ١١ - بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المخرِمُ (بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ) أي: من المحظورات، يعني: وما لا يجتنبه من المباحات، قاله القاري. والمقصود بيان ما يحرم على المحرم وما يباح له، والمراد بالمحرم: من أحرم بحج أو عمرة أو قرن، وقد تقدم الكلام على معنى الإِحرام وحقيقته في باب الإحرام والتلبية. الفصل الأول ٢٧٠٣ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثَّابِ؟ فَقَالَ: ((لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنٍ، فَيَلْبَسُ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ القِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانُ وَلَا وَرْسٌ». - وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّزَيْنِ (*). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشّزْخُ ٢٧٠٣ - قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه في شيء من الطرق. (سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَ لَهِ: مَا يَلْبَسُ) كلمة استفهامية أو (٢٧٠٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٥٤٢)، مُسلم (١١٧٧) فِي الحَجِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. (*) البُخَارِي (١٨٣٨)، وَأَبُو دَاوُد (١٨٢٤)، وَالتِّرْ مِذِي (٨٣٣)، وَالنَّسَائِي (١٣١/٥) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. ٣٩٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ مَا يجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ موصولة أو موصوفة في محلّ النصبِ على أنه مفعول ثان لسأل، و (يُلْبِسْ) بفتح الموحدة من اللبس بضمِّ اللام، يقال: لبس الثوب يلبس من باب علم يعلم. وأما اللبس بفتح اللام فهو من باب ضرب يضرب، يقال: لبست عليه الأمر، ألبس بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل إذا خلطت عليه، ومنه التباس الأمر وهو اشتباهه . (الْمُحْرِمُ) قال الحافظُ: أجمعوا على أنَّ المَرَاد به ها هنا الرجل ولا يلتحقُ به المرأة في ذلك. قال ابنُ المنذر: أجمعوا على أنَّ للمرأة لبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الَّذِي مسَّه الزعفران أو الورس، وسيأتي الكلام على ذلك. (مِنَ الثِّيَابِ) أي: من أنواع الثياب وهو بيان لـ((ما))، أو للمسئول عنه وعند أحمد (ج٢: ص ٧٧) والنَّسَائِي من طريق عمر بن نافع عن أبيه: ((مَا نَلْبَسُ مِنَ القِيَابِ إِذَا أَحْرَمْنَا؟)) وهكذا عند أحمد (ج٢: ص ٥٤) من طريق عبيد الله و(ص٦٥) من طريق أيوب، كلاهما عن نافع، وهو مشعر بأن السؤال كان قبل الإحرام. وللبيهقي من طريق عبد الله بن عون عن نافع عن ابن عمر قال: قام رجلٌ من هَذَا الباب يعني: بعض أبواب مسجد المدينة، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما يلبسُ المُحْرِمِ؟ وله أيضًا من طريق أيوب عن نافعٍ عن ابنٍ عُمر قال: ((نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ وَه وَهُو يخطبُ وَهُو بِذَاك المكانِ، وَأَشَار نافعٌ إِلى مُقَدَّم المسجدِ))، فظهر أن السؤال كان بالمدينة. وفي حديث ابن عباس عند الشيخين: ((أنه رََّ خطبَ بِذَلك في عرفات)) فيحمل على التعدُّد، ويؤيده أنَّ في حديثِ ابن عمر أجابَ به السائل. وفي حديث ابن عباس ابتدأ به الخطبة. وقوله: ((مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ)). هي الرواية المشهورة عن نافع عن ابن عمر. وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج عن نافع بلفظ: ((مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ)). قال الحافظ: وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جريج لا على نافع، وأخرجه أحمد (ج٢: ص ٨) عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن سالم عن ابن عمر فقال مرة: ((ما يترك؟)) ومرة: ((ما يلبس؟)) وأخرجه أَبُو دَاوُد عن ابن عيينة بلفظ: ((مَا يَتْرك)). من غير شك. ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: ((مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثَّابِ)). أخرجه أحمد (ج٢: ص ٣٤) وَابْن خزيمة وأبو عوانة في ((صحيحيهما)) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عنه، وأخرجه البُخَارِي في أواخر الحج من طريق إبراهيم بن سعد عن ٣٩٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ الزهري بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزهري يشعر بأن بعضهم رواه بالمعني، فاستقامت رواية نافع؛ لعدم الاختلاف فيها . (لَا تَلْبَسُوا) أي: مريدو الإحرام. وفي رواية للبخاري: ((لَا يَلْبَسُ» بالرفع على الخبر على الأشهر، وهو في معنى النهي، وروي بالجزم على أنَّ نهى، وهذا الجواب مطابق للسؤال على إحدى الروايتين وهي قول السائل: ((ما يترك المحرم أو ما يجتنبُ المحرم؟)) وأما على الرواية المشهورة - أي: قول السائل -: ((مَّا يَلْبَسُ)) فإنَّ المسئول عنه ما يلبسه المحرم، فأجيب بذكر ما لا يلبسه. والحكمةُ فيه: أن ما يجتنبه المحرم ويمتنع عليه لبسه محصور، فذكره أولى ويبقى ما عداه على الإباحة بخلاف ما يباح له لبسه، فإنه كثير غير محصور فذكره تطويل. وفيه تنبيه: على أن السائل لم يحسن السؤال، وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه، فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وبعض علماء المعاني يسمى هَذَا أسلوب الحكيم، وقريب منه قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: الآية ٢١٥] فالسؤال عن جنس المنفق، فعدل عنه في الجواب إلى ذكر المنفق عليه؛ لأنَّهُ أهم. وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى. قال النووي: قال العلماء: هَذَا الجواب من بديع الكلام وجزله، فإنه ◌َّ سئل عما يلبسه المحرم، فقال: لا يلبس كذا وكذا، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات ويلبس ما عداها، فكان التصريح بما لا يلبس أولى؛ لأنَّهُ منحصر، وأما الملبوسُ الجائزُ للمحرم؛ فغير منحصر، فضبط الجميع بقوله: لا يلبس كذا وكذا يعني ويلبس ما سواه. انتهى. وقال البيضاوي: سُئل عما يلبس؟ فأجابَ بما لا يلبس؛ ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب؛ لأنَّهُ أخصر وأحصر، وفيه إشارة إلى أن حقَّ السؤال أنْ يَكُون عما لا يلبس؛ لأنَّهُ الحكم العارض فِي الإِحِرْام المحتاج لبيانه؛ إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب، فكان الأليق السؤال عما لا يلبس. وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف ما كان، ولو بتغيير أو زيادة ولا يشترط المطابقة. (الْقُمُصَ) بضمتين، جمع قميص: نوع من الثياب معروف وهو الدرع، وذكر كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ ٣٩٩ ابنُ الهمام في أبواب النفقة من ((فتح القدير)): أنهما سواء إلا أن القميص يكون مجيبًا من قبل الكتف والدرع من قبل الصدر. انتهى. ونبه به وبالسراويلات على جميع ما في معناهما وهو ما كان محيطًا أو مخيطًا معمولًا على قدر البدن أو قدر عضو منه، وذلك مثل الجبة والقميص والقباء والتبان والقفاز، وفي ((البحر)) عن مناسك الحج أمير الحاج الحلبي: أن ضابطه لبس كل شيء معمول على قدر البدن أو بعضه بحيث يحيط به بخياطة أو تلزيق بعضه ببعض أو غيرهما، ويستمسك عليه بنفس لبس مثله إلا المكعب، انتهى. وفي ((شرح الإحياء)) للزبيدي: ثم إن قولهم: إن المحرم لا يلبس المخيط؛ ترجمة لها جزءان لبس ومخيط، فأما اللبسُ فهو مرعي في وجوب الفدية على ما يعتاد في كلِّ ملبوس؛ إذ به يحصل الترفه والتنعم، فلو ارتدى بقميص أو قباء أو التحف فيهما أو اتزر بسراويل فلا فدية عليه؛ فإنه لا يعد لابسًّا له في العرفِ كما لو اتزر بإزار خيط عليه رقاع، وأما المخيط فخصوص الخياطة غير معتبر، بل لا فرق بين المخيط والمنسوج كالدرع والمعقود كجبة اللبد والملزق بعضه ببعض، قياسًا لغير المخيط على المخيط والمتخذ من القطن والجلد وغَيْرهما سواء، انتهى. فإن قلت: تقييد اللبس المنهي عنه باللبس المعتاد يخالف ما سيأتي في الفصل الثالث من حديث نافع، أن ابن عمر وجد القر فقال: أَلْقٍ عليَّ ثوبًا يا نافع، فألقيت عليه برنسًا، فقال: تلقي على هذا؟ وقد نهى رسول اللّه وَّ أن يلبسه المحرم. قلت: قال ابنُ عبد البر: هذا من ورعه وتوقيه، كره أن يلقى عليه البرنس وسائر أهل العلم إنما يكرهون الدخول فيه، ولكنه رََِّهُ استعمل العموم في اللباس؛ لأن التغطية والامتهان قد يسمى لباسًا، ألم تسمع إلى قول أنس : ((فقمتُ إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس))، انتهى. وهو يقتضي أن ابن عمر إنما فعل ذلك احتياطًا لا لاعتقاده الوجوب. وقال العراقي في ((شرح الترمذي)): ويحتملُ أن البرنس كان مفرجًا كالقباء بحيث لو قام عُدَّ لَا بِسًا له، فإن بعض البرانس كذلك. وقد حكى الرافعي عن إمام الحرمين فيما لو ألقى على نفسه قباء أو فرجية وهو مضطجع أنه إن أخذ من بدنه ما إذا قام عد لا بسه فعليه الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا، انتهى، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك عند شرح حديث نافع المذكور.