Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦٠
se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البدنات أن يبدأ في النحر بها. قال الطيبي: أي: منتظرات بأيتهن يبدأ للتبرك بيد
رسول اللّه وَّله في نحرهن، ولا يخفى ما فيه من المعجزة الباهرة. قال الخطابي:
قوله: ((يَزْدَلِفْنَ)) معناه: يقتربن من قولك: زلف الشيء؛ إذا قرب، ومنه قوله
﴾ [الشعراء: ٦٤] ومعناه - والله أعلم: القربُ والدنو من
٦٤
تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِنَ
الهلاك، وإنما سميت المزدلفة؛ لاقتراب الناس فيها إلى منى بعد الإفاضة من
عرفات. (قَالَ) أي: عبد الله. (فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) أي: سقطت على الأرضِ؛
لأنَّهَا تنحر قائمة كما تقدم. قال الخطابي: معناه زهقت أنفسها، فسقطت على
جنوبها، وأصل الوجوب: السقوط. (قَالَ) أي: عبد الله، وهو تأكيد، وقال
الطيبي: أي الراوي. (فَتَكَلَّم) أي: النَّبِي ◌َّ. قال القاري: فِيلزم منه أن يقال بزيادة
الفاء، وعندي أن ضمير ((قال)) راجع إليه وَّل، وقوله: ((فَتَكَلّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيفَةٍ)) عطف
تفسیر لـ((قال)). انتهى.
قلتُ: ولفظ البيهقي: ((فَلمَّا وجبَتْ جنوبُهَا تكلّم بكلمَةٍ خفيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا». وهذا
واضح لا يحتاجُ إلى تأويل. (لَمْ أَفْهَمْهَا) قال القاري: أي: لخفاء لفظها. (فَقُلْتُ)
أي: للذي يليني. (مَا قَالَ) أي: النَّبِي ◌َّ. (قَالَ) أي: المسئول. (قَالَ) أي:
النَّبِي بَ. (مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ) قال الخطابي: فيه دليل على جواز هبة المشاع، وفيه
دلالة على أخذ النثار في عقد الأملاك، وأنه ليس من باب النهبى، وإنما هو من باب
الإباحة، وقد كَرِهَ بعضُ العُلَمَاء خوفًا أن يدخل فيما نهي عنه من النهبى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٥: ص ٢٤١) كلاهما من طريق ثور بن
يزيد عن راشد بن سعد عن عبد الله بن عامر بن لحي عن عبد الله بن قرط. وسكت
عنه أَبُو دَاوُد والمُنْذِري، وقال المنذري: وأخرجه النسائي أي في ((الكبرى)) وذكره
الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة عبد الله بن قرط، وعزاه لأبي داود والنَّسَائِي وَابْن
حِبّان والحاِم وقال: قال الطَّرَاني: تفرد به ثور بن یزید.
(وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ) وقع في بعض النسخ: حدثنا ابن عباس، وهو الظاهر
ويريد بحديث ابن عباس قوله: ((كنا مع النبيِّ رَّر في سفر فحضر الأضحى،
فاشتركنا في البقرة سبعة وفي الجزور عشرة)). (وَجَابِرٍ) أي: البقرة عن سبعة
والجزور عن سبعة. (فِي بَابِ الْأَضْحِيَةِ) الأظهر أنه اعتراض من صاحب

٢٦١
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
((المشكاة)) بأنه حولهما عن هَذَا الباب؛ لأنهما أنسب إلى ذلك الباب، ويحتمل أنْ
يَكُون اعتذارًا منه بأنه أسقطهما عن تكرار، والله أعلم. والحديثان قد تقدَّم البسط
فِي شَرْحِهما في باب الأضحية، وقد بينا هناك أن حَدِيث جَابِر أنسب لبابِ الهدي.

٢٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٦٦٧ - [١٧] عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((مَنْ ضَخَّى
مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيَّءٌ)) فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلُّنَا الْعَامَ الْمَاضِيَّ؟ قَالَ: ((كُلُوا، وَأَطْعِمُوا،
وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيْهِمْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ]
الشرح
٢٦٦٧ - قوله: (مَنْ ضَخَّى) بتشديد الحاء. (فَلَا يُصْبِحَنَّ) بالصاد المهملة
الساكنة والموحدة المكسورة. (بَعْدَ ثَالِثَةٍ) من الليالي من وقت التضحية. (وَفِي
بَيْتِهِ) قال القسطلاني: ولأبي ذرِّ ((وَبَقَي فِي بَيْتِهِ)). (مِنْهُ) أي: من الَّذِي ضحَّى به.
(شَيْءٌ) من لحمه؛ لحرمة ادخار شيء من لحم الأضحية في هَذَا العام لأجل القحط
الَّذِي وقع فيه حتى امتلأت المدينة من أهل البادية، فأمر أهلها بإخراج جميعٍ ما
عندهم من لحوم الأضاحي التي اعتادوا ادخار مثلها في كل عام. (فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ
الْمُقْبِلُ) أي: الآتي بعده. (قَالُوا) أي: بعض الأصحاب. (نَفْعَلُ) بتقدير
الاستفهام. (كَمَا فَعَلْنَا الْعَامَ الْمَاضِي؟) من تَرْك الادخار، قال ابنُ المنير: وكأنهم
فهموا أنَّ النهي ذلك العام كان على سببٍ خاصٍّ وهو الدافة، وإذا وردَ العام حاك
في النفسِ من عمومه وخصوصه إشكال، فلما كان مظنة الاختصاص عاودوا
السؤال، فبَيَّن لهم ◌َّ أنه خاص بذلك السببِ، ويشبه أنْ يستدلَّ بهذا مَنْ يقولُ: إن
العام يضعف عمومه بالسبب، فلا يبقى على أصالته ولا ينتهي به إلى التخصيص،
ألا ترى أنهم لو اعتقدوا بقاء العموم على أصالته لما سألوا، ولو اعتقدوا الخصوص
أيضًا لما سألوا، فسؤالهم يدلُّ على أنه ذو شأنين، وهذا اختيار الإمام الجويني.
وحاصل كلام ابنُ المنيرِ: أنَّ وجهَ قولهم: هَلْ نَفْعَلُ كَمَا كُنَّا نَفْعَلُ. معَ أنَّ النهي
(٢٦٦٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٥٦٩)، ومُسْلِم (١٩٧٤) عنه.

٢٦٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْهُدِي
يقتضي الاستمرار؛ لأنهم فهموا أن ذلك النهي وردَ على سببٍ خاصٍّ، فلما احتمل
عندهم عموم النهي أو خصوصه من أجل السبب سألوا، فأرشدهم إلى أنه خاص
بذلك العام من أجلِ السببِ المذكور، واستدلَّ به على أن العام إذا ورد على سبب
خاص؛ ضعفت دلالة العموم حتى لا يبقى على أصالته، لكن لا يقتصر فيه على
السبب، كَذَا فِي ((الفَتْح)).
(قَالَ) أي: النَّبِي ◌َةِ. (كُلُوا) بصيغة الأمر من الأكل. قال الحافظ: تمسك به
من قال بوجوب الأكل من الأضحية، ولا حجة فيه؛ لأنَّهُ أمر بعد حظر، فيكون
للإباحةِ. وقال النووي: يستحب الأكل من الأضحية، هَذَا مذهبنا ومذهب العُلَمَاء
كافة إلا ما حكي عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها وهو قول أبي الطيب بن
سلمة من أصحابنا، حكاه عنه الماوردي لظاهر هَذَا الحديث في الأمر بالأكل مع
قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨، ٣٦]، وحملَ الجمهورُ هَذَا الأمر على الندبِ أو
الإباحةِ، لا سيما وقد ورد بعد الحظر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢]،
وقد اختلف الأصوليون والمتكلمون في الأمر الوارد بعد الحظر، فالجمهورُ من
أصحابنا وغَيْرهم على أنه للوجوب، وقال جماعة منهم من أصحابنا وغَيْرهم: إنه
للإباحة، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك.
(وَأَطْعِمُوا) بهمزة قطع وكسر العين المهملة، وفي حديث عائشة وأبي سعيد:
((تَصَدَّقُوا)) قال الخطابي: استدل بإطلاق الأحاديث على أنه لا تقييد في القدر الَّذِي
يجزئ من الإطعام، ويستحب للمضحي أن يأكل من الأضحية شيئًا ويطعم الباقي
صدقة وهدية، وعن الشافعي يستحبُّ قسمتها أثلاثًا لقوله: ((كُلُوا وَتَصَدَّقُوا
وَأَطْعِمُوا)) قال ابنُ عبد البر: وكان غيره يقولُ: يستحبُّ أن يأكل النصف ويطعم
النصف، وقد أخرج أبو الشيخ في كتاب ((الأضاحي))، وأحمد من طريق عطاء بن
يسار عن أبي هريرة رَفَعَه: ((مَنْ ضَخَّى فَلْيَأْكُلْ مِنْ أُضْحِيَتِهِ)) ورجاله ثقات، لكن قال
أبو حاتم الرازي: الصوابُ عن عطاء مرسل.
قال النووي: مذهبُ الجمهور أنه لا يجبُ الأكل من الأضحية، وإنما الأمر فيه
للإذن. وذهب بعض السلف إلى الأخذ بظاهر الأمر، وحكاه المارودي عن أبي
الطيب بن سلمة من الشافعية، وأما الصدقة منها: فالصحيح أنه يجبُ التصدق من

٢٦٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الأضحية بما يقع عليه الاسم، والأكمل أن يتصدق بمعظمها، ولنا وجه أنه لا تجب
الصدقة بشيء منها، كَذَا فِي ((الفَتْح)).
وقال ابن حزم في ((المحلى)): فرض على كلِّ مضحِّ أن يأكل من أضحيته، ولا بد
ولو لقمة، وفرض عليه أن يتصدق أيضًا منها بما شاء قل أو كثر ولا بد، ومباح له أن
يطعم منها الغني والكافر وأن يهدي منها إن شاء ذلك. انتهى. وقالَ ابنُ قُدَامَة في
((المغني)) (ج٨: ص ٦٣٢): قال أحمد: نحن نذهب إلى حديث عبد الله: يأكل هو
الثلث ويطعم من أراد الثلث ويتصدق على المساكين بالثلث. قال علقمة: بعث
معي عبد الله بهدية فأمرني أن آكل ثلثًا، وأن أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث، وأن
أتصدق بثلث. وعن ابن عمر قال: الضحايا والهدايا ثلث لك، وثلث لأهلك،
وثلث للمساكين. وهذا قول إسحاق وأحد قولي الشافعي. وقال في الآخر: يجعلها
نصفين، يأكلُ نصفًا ويتصدَّقُ بنصفٍ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ
الْبَآِسَ الْفَقِيَرَ﴾ [الحج: ٢٨] وقال أصحاب الرأي: ما كثر من الصدقة فهو أفضل؛ لأن
النَّبِي وَرَ أهدى مائة بدنة وأمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فأكل هو
وعلي مِن لَحْمِها وحِسيا من مَرَقِها ونحر خمس بدنات أو ست بدنات وقال: ((مَنْ
شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا)).
ولنا ما روي عن ابنِ عباسٍ في صفةٍ أضحية النَّبِي وََّ، قال: ويطعم أهل بيته
الثلث ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث. رواه الحافظ أبو
موسى الأصفهاني في ((الوظائف)) وقال: حديث حسن، ولأنَّه قول ابن مسعود
وَابْن عمر، ولم نعرف لهما مخالفًا في الصحابة، فكان إجماعًا، ولأن اللَّه تعالى
قال: ﴿فَكُلُوْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَّرَّ﴾ [الحج: ٣٦] والقانع: السائل، يقالُ: قَنَع
قنوعًا؛ إذا سأل، وقنع قناعة إذا رضي، والمعتر الَّذِي يعتريك، أي: يتعرض لك
لتطعمه فلا يسأل، فذكر ثلاثة أصناف، فينبغي أن يقسم بينهم ثلاثًا، قال: والأمر
في هَذَا واسع، فلو تصدَّقُ بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق
بها جاز.
وقال أصحابُ الشافعي: يجوزُ أَكْلُها كلها. ولنا أَنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَ
وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وقال: ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيَرَ﴾ [الحج: ٢٨] والأمرُ يقتضي

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْهُدِي
٢٦٥
IXEDE
الوجوب. وقال بعضُ أهلِ العلم: يجبُ الأكل منها ولا تجوز الصدقة بجميعها
للأمر بالأكل منها. انتهى مختصرًا. وقال في ((الدُّرِّ المختارِ)): يأكلُ من لحم
الأضحية ويؤكل غنيًّا ويدخر، وندب أن لا ينقص التصدق عن الثلث وندب تركه
الذي عيال توسعة عليهم، وفي ((البدائع)): يستحبُّ أن يأكل من أُضحيته، والأفضلُ
أن يتصدق بالثلث ويتخذ الثلث ضيافة لأقربائه وأصدقائه ويدخر الثلث، وله أن
يهبه جميعًا، ولو تصدق بالكلِّ؛ جازَ، ولو حبس لنفسه الكل؛ جاز؛ لأن القربة
بالدم والتصدق باللحم تطوع. انتهى ملخصًا.
قلتُ: اختلفوا في قَوْلِه تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآَيِسَ الْفَقِيْرَ﴾ [الحج: ٢٨]
ج
وفي قَوْلِه: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَّرَ﴾ [الحج: ٣٦] أن حكم الأكل المأمور به
في الآيتين، هل هو الوجوب لظاهر صيغة الأمر أو الندب والاستحباب؟ فجمهور
أهل العلم على أن الأمر بالأكل فيهما للاستحباب لا للوجوب، والقرينة الصارفة
عن الوجوب هي ما زعموا من أن المشركين كانوا لا يأكلون هداياهم فرخَّص
للمسلمين في ذلك، وعليه فالمعنى: فكلوا إن شئتم ولا تحرموا الأكل على
أنفسكم، كما يفعله المشركون.
وقال ابنُ كثيرٍ في ((تفسيرِهِ)): إن القولَ بوجوب الأكل غريب، وعزا للأكثرين أن
الأمر للاستحباب. قال: وهو اختيار ابن جرير في ((تفسيره)). وقال القرطبي في
((تفسيره): ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أمر معناه: الندب عند الجمهور، ويستحبُّ للرجل أن
يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بالأكثر مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل
الكل. وشدَّت طائفةٌ فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية، ولقوله بَله: ((فَكُلُوا
وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا)). انتهى كلام القرطبي.
ورجّح الشنقيطي الوجوب حيث قالَ: أقوى القولين دليلًا وجوب الأكل
والإطعام من الهدايا والضحايا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ في
موضعين، فأمرَ بالأكل من الذبائح مرتين، ولم يقمْ دليلٌ يجب الرجوع إليه صارف
عن الوجوب، وكذلك الإطعامُ هَذَا هو الظاهر بحسب الصناعة الأصولية. قال:
ومما يؤيد أن الأمر في الآية يدلُّ على وجوب الأكل وتأكيده: أنَّ النبيَّ وَّ نحرَ
مائةً من الإبل، فأمر بقطعة من لحمٍ من كلِّ واحدة منها، فأكل منها وشرب من

٢٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مَرَقِها، وهو دليل واضح على أنه أراد أن لا تبقي واحدة من تلك الإبل الكثيرة إلا
وقد أكل منها أو شرب من مرقها. وهذا يدلَّ على أن الأمر في قَوْلِه ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾
ليس بمجرَّدِ الاستحباب والتخيير؛ إذ لو كان كذلك لاكتفى بالأكل من بعضها
وشرب مرقة دون بعض، وكذلك الإطعام، فالأظهر فيه الوجوب. انتهى.
وقال أبو حيان في ((البحر المحيط)): والظاهرُ: وجوب الأكل والإطعام، وقيل:
باستحبابهما. وقيل: باستحباب الأكل ووجوب الإطعام، والأظهر: أنه لا تحديد
للقدر الَّذِي يأكله، والقدر الَّذِي يتصدق به، فيأكل ما شاء ويتصدق بما شاء، وقد
قال بعض أهل العلم: يتصدق بالنصف ويأكل النصف. واستدل لذلك بقوله
تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَايِسَ الْفَقِيْرَ﴾ [الحج: ٢٨] قال: فجزأها نصفين: نصف
له، ونصف للفقراء، وقَالَ بَعْضُهُم: يجعلها ثلاثة أجزاء: يأكل الثلث، ويتصدق
بالثلث، ويهدي الثلث، واستدل بقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَّرَّ﴾.
[الحج: ٣٦] فجزَّأها ثلاثة أجزاء: ثلث له، وثلث للقانع، وثلث للمعتر، هكذا قوله،
وأظهرها الأول، والعلم عند الله تعالى.
(وَادَّخِرُوا) بتشديد الدال المهملة وأصله من ذخر بالمعجمةِ، دخلت عليها تاء
الافتعال ثم أدغمت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: اجعلوا
ذخيرة، وهو أمر إباحة. قال الحافظ: يؤخذ من الإذن في الادخار الجواز خلافًا
لِمَنْ كَرِهَهُ. وقد وردَ في الادخارِ: ((كان يدَّخِرُ لأهلهِ قُوت سَنَّةٍ)). وفي رواية: ((كانَ
لا يدَّخِرُ للغدٍ)). والأول في ((الصَّحِيحَيْن))، والثاني في مسلمٍ، والجمعُ بينهما أنه
كان لا يدخر لنفسه ويدخر لعياله، أو أن ذلك كان لاختلاف الحال، فيتركه عند
حاجة الناس إليه ويفعله عند عدم الحاجة. انتهى.
(فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ) أي: الواقع فيه النهي علة لتحريم الادخار السابق وإيماء إلى أن
الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. (كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ) بفتح الجيم أي: مشقة
من جهة قحط السنة. (فَأَرَدْتُ) أي: بالنهي عن الادخار. (أَنْ تُعِينُوا فِيهِمْ) بالعين
المهملة من الإعانة: قال الطيبي: أي توقعوا الإعانة فيهم. انتهى. قال القاري:
فجعله من باب التضمين كقول الشاعر:
يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي

٢٦٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
**********************<*********** ***< Ex*
ومنه قوله تعالى حكايةً: ﴿وَأَصْلِحْ لِ فِىِ ذُرِّيَّنِيٌ﴾ [الأحقاف: ١٥] ويمكن أنْ يَكُون
التقدير: أن تعينوني في حقهم فإن فقرهم كان صعبًا عليه ◌ِّ. قلتُ: قوله: ((أَنْ
تُعِينُوا فِيهِمْ)) هكذا وقع في جميع نسخ ((المشكاة))، وكذا ذكرَهُ الجزري في ((جامع
الأصول)) (ج٤: ص ١٥٦) وهو خطأ، والصواب: ((أَنْ تُعِينُوا فِيهَا)) كما وقع في
البخاري، يعني: تعينوا الفقراء في المشقةِ، والضمير في ((تُعِينُوا فِيهَا)) للمشقة
المفهومة من الجهد .
قال الحافظ: قوله: ((أَنْ تُعِينُوا فِيهَا)) كذا هنا من الإعانة، وفي رواية مسلم: عن
محمد بن المثنى عن أبي عاصم شيخ البخَارِي فيه: ((فَأَرَدْتُ أَنْ يَفْشُوَ فِيهِمْ)) أي :
بالفاء والشين، وللإسماعيلي عن أبي يعلى عن أبي خيثمة عن أبي عاصم: ((فأردت
أن تقسموا فيهم كلوا وأطعموا وادخروا)). قال عياض: الضميرُ في ((تُعِينوا فِيهَا))
للمشقة المفهومة من الجهدٍ أو من الشدة أو من السنة؛ لأنَّهَا سبب الجهد، وفي
(يَفْشُو فِيهِمْ)) أي: في الناس، يعني: يشيع لحم الأضاحي في الناس المحتاجين
إليها. قال في ((المشارق)): ورواية البخَارِي أَوْجَه. وقال في ((شرح مسلم)): وروايةٌ
مسلمٍ أَشْبَه. قال الحافظ: قد عرفت أن مخرج الحديث واحد، ومداره على أبي
عاصم وأنه تارة قال هَذَا وتارة قال هذا، والمعني في كل صحيح، فلا وجه
للترجيح. انتهى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجاه في الأضاحي، وهو الحديث الثامن عشر من ثلاثيات
الإمام البخَارِي رواه عن أبي عاصم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع. قال
القاري: لا يظهرُ وجهُ إيراد المصنف هَذَا الحديث في هَذَا الباب كما لا يخفي،
ولعله أراد به تفسيرًا لحديث جابر في آخر الفصل الأول. والحديث أخرجه البيهقي
في الأضاحي (ج٩: ص ٢٩٢).

٢٦٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٦٦٨ - [١٨] وَعَنْ نُبَيْشَةَ رَوْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ: ((إِنَّا كُنَّا
نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومِهَا أَنْ تَأْكُلُوهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، لِكَيْ تَسَعْكُم، جَاءَ اللهُ بِالسَّعَةِ،
فَكُلُوا وَادَّخِرُوا، وَأُتَجِرًا، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
الشرح
٢٦٦٨ - قوله: (وَعَنْ نُبَيْشَةَ) بضم النون وفتح الموحدة، وهو نبيشة الخير
الهذلي، تقدَّم ترجمته. (إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومِهَا) أي: الأضاحي أو الهدايا،
فيظهر وجه المناسبة للباب قاله القاري. قلتُ: وقع في رواية لأحمد: ((إِنِّي كُنْتُ
نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي)). (أَنْ تَأْكُلُوهَا) بدل اشتمال. (فَوْقَ ثَلَاثٍ) أي: ليال.
(لِكَيْ تَسَعْكُمْ) مَن الوسع، أي: ليصيب لحومها كلكم من ضحى ومن لم يضح.
(جَاءَ اللهُ) وفي بعض نسخ أبي داود: ((فَقَدْ جَاءَ اللهُ)) وهكذا وقع في ((مسند أحمد))
بالسعة بفتح السين، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَيْهِ﴾ [الطلاق: ٧] استئناف
مبين لتغير الحكم، أي: أتى اللَّه بالخصب وسعة الخير، وأتى بالرخاء وكثرة
اللحم، فإذا كان الأمر كذلك. (فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَاتْتَجِرُوا) افتعال من الأجر، أي :
اطلبوا الأجر بالتصدق، قال المنذري: افتعلوا من الأجرِ يريد الصدقة التي يتبعها
أجرها وثوابها، وليس من بابِ التجارة؛ لأن البيع في الضحايا فاسد.
قلت: وقع في بعض نسخ أبي داود: ((وَاتَّجِرُوا)) بتشديد التاء، وكان أصله
((ائتجروا))، ثم أدغم كما في ((اتخذ))، قال الخطابي: ((وَاتَّجِرُوا)) أصله ((ايتجروا))
على وزنٍ افتعلوا، يريد الصدقة التي يبتغى أجرها وثوابها، ثم قيل: اتجروا، كما
قيل: اتخذت الشيء، وأصله ايتخذته، وهو من الأخذِ، فهو من الأجر، وليس من
باب التجارة؛ لأن البيع في الضحايا فاسد، إنما تؤكل ويتصدق منها. انتهى.
(أَلَا) للتنبيه. (وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ) أي: أيام منى وهي أربعة، قاله القاري. (أَيَّامُ أَكْل
وَشُرْبٍ) بضمِّ الشين وفتحها، فيحرم الصيام فيها، وقد علّل ذلك عليٍّ رَّتَهُ: بأَنّ
(٢٦٦٨) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢٨١٣).

٢٦٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
القوم زاروا اللَّه وهم في ضيافته في هذه الأيام، وليس للضيف أن يصوم دون إذن
مَن أَضَافَه، رواه البيهقي بسندٍ مقبولٍ، ومن ثم قال: جمع سرَّ ذلك أنه تعالى دعا
عبادَهُ إلى زيارةٍ بيته، فأجابوه وقد أهدى على كل قدر وسعه، وذبحوا هديهم فقبله
منهم وجعل لهم ضيافة وهي ثلاثة أيام، فأوسع زواره طعامًا وشرابًا ثلاثة أيام،
وسنة الملوك إذا أضافوا أطعموا مَن على الباب كما يطعمون مَن في الدار، والكعبةُ
هي الدار، وسائر الأقطار باب الدار، فعمَّ اللهُ الكلَّ بضيافته فمنع صيامها، ذكره
الزرقاني. (ذِكْرِ اللهِ) أي: كثرة ذكره تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم
مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّْكُمْ ءَبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، ولقوله رَمن:
﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قال الزرقاني: وعقب الأكل والشرب
بقوله: ((وَذِكْرِ اللهِ)) لئلا يستغرق العبد في حظوظ نفسه وينسى حقوق الله تعالى.
قال الطيبي: هَذَا من باب التتميم، فإنه لما أضاف الأكل والشرب إلى الأيام
أوهم أنها لا تصلح إلا لهما؛ لأن الناس أضياف اللَّه فيها، فتدارك بقوله: ((وَذِكْرٍ
اللهِ)) لئلا يستغرقوا أوقاتهم باللذات النفسانية، فينسوا نصيبهم من الروحانية،
ونظيره في التتميم للصيانة، أي: الاحتراس قول الشاعر:
فَسَقی دِيَارَكَ غَيْرَ مُفْسِدِها صَوْبُ الرَّبِيعِ وَدِيمَةٌ تَهْمِي
قال الخطابي: قوله: ((هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ)) فيه دليل على أنَّ صوم أيام
التشريق غير جائز؛ لأنَّهُ قد وسمها بالأكل والشرب كما وسم يوم العيد بالفطر ثم لم
يجز صيامه، فكذلك أيام التشريق، وسواء كان ذلك تطوعًا من الصائم أو نذرًا أو
صامها الحاج عن التمتعٍ. انتهى.
قلتُ: رواه مسلم في كتابٍ الصوم بلفظ: ((أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ
اللهِ)) وقد ذكره المصنف في باب صيام التطوع، وتقدم هناك الكلام في صيام أيام
التشريق مفصلًا.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الأضاحي وسكت عليه. قال المنذري: وأخرجه النسائي
بتمامه، وأخرجه ابن ماجه مختصرًا على الإذن في الادخار فوق ثلاث، وأخرج
مسلم الفصل الثاني في ذكر الأكل والشرب والذكر. انتهى. قلت: وأخرجه أيضًا
مطولًا أحمد (ج٥: ص ٧٥، ٧٦) والْبَيْهَقِي (ج٩: ص ٢٩٢).

٢٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨ - بَابُ الْحَلْق
(بَابُ الْحَلْقِ) أي: والقصر، واكتفى بأفضلهما، والكلام ها هنا في ستة أمور
بسطها الباجي في شرح باب: ما جاء في الحلاق من ((الموطأ))، الأول: في حُكم
الحلقِ. الثاني: في صفته. الثالث: في موضعه. الرابع: في وقته. الخامس: فيما
يتعلق به من الأحكام. السادس: في أنه هل هو نسك أو تحلل؟
قال العَيْنِي: قال شيخنا زين الدين العراقي في ((شرح الترمذي)): إن الحلق
نُسك، قاله النووي. وهو قول أكثر أهل العلم، وهو القولُ الصحيح للشافعي،
وفيه خمسة أوجه؛ أصحها: أنه ركن لا يصحُّ الحج والعمرة إلا به. والثاني: أنه
واجب. والثالث: أنه مستحب. والرابع: أنه استباحة محظور. والخامس: أنه
ركن في الحج واجب في العمرة، وإليه ذهب الشيخ أبو حامد وغير واحد من
الشافعية. انتهى.
وصحَّح النووي في ((مناسكه)) أنه نسك، وأنه ركن لا يصح الحج إلا به، ولا
يجبر بدم. وقال في ((شرح مسلم)): مذهبنا المشهور أن الحلق أو التقصير نُسك من
مناسك الحج والعمرة، وركن من أركانهما لا يحصل واحد منهما إلا به، وبهذا
قال العُلَمَاء كافة، وللشافعي قول شاذ ضعيف: أنه استباحة محظور كالطيب
واللباس وليس بنسكِ، والصواب الأول. انتهى. وبوَّب البخَارِي فِي ((صَحِيحِه)) :
بابُ الْحَلْقِ والتَّقْصِيرِ عندَ الْإِحْلَالِ.
قال ابن المنير في ((الحاشية)): أفهم البخَارِي بهذه الترجمة أن الحلق نسك؛
لقوله: ((عندَ الإحلالِ)). وليس هو نفس التحلل، وكأنه استدلَّ على ذلك بدعائه وَل
لفاعله، والدعاء يشعر بالثواب، والثواب لا يكون إلا على العبادة لا على
المباحات، وكذلك تفضيله الحلق على التقصير يشعر بذلك؛ لأن المباحات لا
تتفاضل، والقول بأن الحلق نسك قول الجمهور إلا رواية مضعفة عن الشافعي أنه
استباحة محظور، وقد أوهم كلام ابن المنذر أن الشافعي تفرَّد بها، لكن حكيت

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحُلْق
٢٧١
أيضًا عن عطاء وعن أبي يوسف، وهي رواية عن أحمد وعن بعض المالكية، كَذَا
فِي ((الفَتْح)).
وقال الباجي: وعندنا أنه نسك وهو أحد قولي الشافعي، والدليل على أنه نسك
يثابُ صاحبه على فعله قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ اُلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧].
فوصف دخول المَسْجِد على هذه الصفة فیما وعدهم به، ولو لم يكن نسكًا مقصودًا
لما وصف دخولهم به كما لم يصف دخولهم بلبسهم الثياب، ووجه ثان: أنه كناية
عن الحج أو العمرة ولو لم يكن من النسك لما كنى به عنه، ودليلنا من جهة السنة
حَدِيث ابنِ عُمَر في الدعاء للمحلقين، فلو لم يكن فعلًا يثاب عليه فاعله لما دعا له،
وأيضًا إنه تمالَّ أظهر تفضيل الحلق على التقصير، ولو لم يكن نسكًا له فضيلة لما
كان أفضل من التقصير كما أنه ليس لبس نوع من الثياب أفضل من لبس غير ذلك.
انتھی .
وقالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٤٣٥): الحلقُ والتقصيرُ نسك في الحجّ والعمرةٍ في
ظاهر مذهب أحمد وقول الخرقي، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وعن
أحمد أنه ليس بنسك، وإنما هو إطلاق من محظور كان محرمًا عليه بالإحرام،
فأطلق فيه عند الحلِّ كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام، فعلى هذه
الرواية لا شيء على تاركه، ويحصل الحل بدونه، وجهها: أن النَّبِي وَّ أمر بالحل
من العمرة قبله فروى أبو موسى قال: قدمت على رسول اللَّه وَ ل فقال لي: ((بِمَ
أَهْلَلْتَ؟)) قلت: لبيك بإهلال كإهلال رسول اللَّه وَ له. قال: ((أَحْسَنْتَ))، فأمرني
فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم قال لي: ((أَحِلَّ)). مُتفق عَلَيه.
وعن جابر: أن النَّبِي وَّ لما سعى بين الصفا والمروة قال: ((مَن كان معه هدي
فليحل وليجعلها عمرة)). رواه مسلم. وعن سراقة: أن النَّبِي ◌َّ قال: ((إِذَا قَدِمْتُمْ
فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ)) رواه أبو
إسحاق الجوزجاني، والرواية الأولى أصح، فإن النَّبِي وَ لّ أمر به فروى ابن عمر:
أن الشَِّ وَّه قال: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ)).
وعن جابر: أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((أَحِلُّوا إِحْرَامَكُمْ بِطَوَافٍ بِالْبَيْتِ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ

٢٧٢
cs SeitoN
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وَقَصِّرُوا)) وأمره يقتضي الوجوب، ولأن اللَّه تعالى وصفهم به بقوله سبحانه:
﴿ُحِلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَهُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ولم يكن من المناسك لما وصفهم به، كاللبس
وقتل الصيد، ولأن النَِّي ◌َّه تَرَخَّم على المُحَلِّقِين ثلاثًا وعلى المُقَصِّرِين مرةً، ولو
لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات، ولأن النَّبِي وَّ وأصحابه
فعلوه في جميع حجهم وعمرهم ولم يخلوا به، ولو لم يكن نسكًا لما داوموا عليه
بل لم يفعلوه؛ لأنَّهُ لم يكن من عادتهم فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله،
وأما أمره بالحل فإنما معناه - والله أعلم - الحل بفعله؛ لأن ذلك كان مشهورًا
عندهم، فاستغنى عن ذكره، ولا يمتنع الحل من العبادة بما كان محرمًا فيها
كالسلام من الصلاة. انتهى.
قال الولي العراقي في ((شرح التقريب)): القائلون بأنه نسك اختلفوا في أنه ركن
الحج لا يتم إلا بفعله ولا يجبر بدم أو واجب؟ فذهب إلى الأول أكثر الشافعية.
وقال إمام الحرمين: إنه متَّفقٌ عَلَيْه. وقال النووي: إنه الصواب، وذهب
الداركي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى أنه واجب، وهو مذهب الأئمة الثلاثة،
وذهبَ الشيخُ أبو حامد الإسفرائيني وجماعة إلى أنه ركن في العمرة واجب في
الحجّ.

كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الْحَلْق
#ese
٢٧٣
الفصل الأول
٢٦٦٩ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةٍ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْوَدَاعِ، وَأَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُم.
الشرح
٢٦٦٩ - قوله: (حَلَقَ رَأْسَهُ) بتشديد اللام وتخفيفها، أي: أمر بحلقه. (فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) أي: حَلَقوا لإدراك شرف متابعته وفضيلة الحلق
التي بينه بالَدعاء للمحلقين مرات. (وَقَصَّرَ) بتشديد الصاد. (بَعْضُهُمْ) أي: بعضُ
أصحابه أخذًا بالرخصة بعد دعائه للمقصرين في المرة الأخيرة بالتماسهم. قال
القاري: ويمكنُ أنْ يَكُون المراد من قوله: ((وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ)) أي: بعد عمرتهم قبل
حجتهم. انتهى. واللفظ المذكور للبخاري في المغازي، أخرجه من طريق موسى
ابن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر، وأخرج مسلم من طريق الليث بن سعد عن
نافع أن عبد الله قال: حَلَقَ رسولُ اللهِ وَّهِ، وَحَلَقَ طائفةٌ من أصحابهِ وقصَّر
بعضُهُمْ، قال عبد الله: إنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ)) مرَّةً أو
مرَّتين، الشك من الليث، ثم قال: ((وَالْمُقَصِّرِينَ)) ومجموع الروايتين يدل على أن
الحلق والدعاء للمحلقين كان في حجة الوداع، وسيأتي الكلام فيه مفصلًا.
تنبيه:
أفاد ابنُ خزيمة فِي ((صَحِيحِه)) من الوجه الَّذِي أخرجه البخَارِي منه في المغازي
من طريق موسى بن عقبة عن نافع متصلًا بالمتن المذكور، قال: وزعموا أن الَّذِي
حلقه معمر بن عبد الله بن نضلة، وبين أبو مسعود في ((الأطراف)) أن قائل: وزعموا
ابنُ جريج الراوي له عن موسى بن عقبة، كَذَا فِي ((الفَتْح))، وقال النووي: اختلفوا
(٢٦٦٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧٢٦)، ومُسْلِم (١٣٠٤)، فِي الحَجِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو دَاوُد
(١٩٨٠).

٢٧٤
excx #cea
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في اسم الحالق، فالصحيح أنه: معمر بن عبد اللَّه العدوي، كما ذكر البخاري.
وقيل: هو خراش بن أمية، وهو بمعجمتين الأولى مكسورة. انتهى. قال الحافظ:
والصحيحُ أن خراشًا كان الحالق بالحديبية. والله أعلم.
قلت: وقد بيَّنَهُ ابن عبد البر فقال في ترجمة خراش بن أمية بن الفضل الكعبي
الخزاعي: وهو الَّذِي حلق رأسَ رسولِ الله وَله يومَ الحديبية. انتهى. ولمعمر بن
عبد الله الَّذِي حلقه في حجة الوداع قصة رواها أحمد والطّبَرَاني في ((الكبير)) كما
في ((مجمع الزوائد))، والبخاري في ((تاريخه الكبير)) كما حكاها العَيْنِي.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخَارِي في الحج وفي المغازي، ومُسْلِمٍ فِي الحج،
واللفظ المذكور للبخاري في المغازي، وأخرجَهُ أيضًا الترمذي والْبَيْهَقِي (ج٥ :
ص ١٠٣، ١٣٤).
٢٦٧٠ - [٢] وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي مُعَاوِيةُ: إِنِّي قَصَّرْتُ مِنْ
رَأْسِ الشَِّيِّ وَّهِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٧٠ - قوله: (قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ) أي: ابن أبي سفيان. (إِنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ
النَّبِيِّ وَّ) أي: من شعر رأسه، واستدلّ به من ذهب إلى اجتزاء تقصير بعض شعر
الرأس كالحلق؛ لأن ظاهر حرف ((مِنْ)) للتبعيض. ووقع عند أحمد (ج٤: ص ٩٢)
والنَّسَائِي من طريق عطاء: أن معاوية حدَّث أنه أخذ من أطراف شعر رسول اللّه وَه
في أيام العشر ... الحديث. قال: فلو ثبت هَذَا لكفى في تقدير الحلق والقصر
ببعض الرأس. انتهى.
قلتُ: اختلفت ألفاظ الرواية، وفي بعضها: قال: قصَّرْتُ عن رسولِ اللهِ وَله
وهذا كما ترى مجمل، وأما ما وقع في بعض الروايات من قوله: قصَّرْتُ من
(٢٦٧٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧٣٠)، ومُسْلِم (١٢٣٦/٢٠٩)، وَأَبُو دَاوُد (١٨٠٢)، وَالنَّسَائِي (٥/
٣٤٤) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ.

٢٧٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحُلْق
رَأْسِهِ. أو: أَخذ من أطرافِ شعرهٍ. فالظاهر أنَّ الْمَرَاد به نفي المبالغة في التقصير،
بحيث يبلغُ إلى أصل الشعر لا الاجتزاء بأخذ بعض الرأس وترك بعضه على أن حمل
فعله على المُتَّفَق عَلَيْه أولى من حمله على المختلف فيه بل هو المتعين. والله
أعلم. قال النووي: في هَذَا الحديث جواز الاقتصار على التقصير، وإن كان الحلق
أفضل، وسواء في ذلك الحاج والمعتمر إلا أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في
العمرة، ويحلق في الحجّ ليقع الحلق في أكمل العبادتين، وقد سبقت الأحاديث
في هذا. انتهى.
(عِنْدَ الْمَرْوَةِ) فيه أنه يستحبُّ أنْ يَكُون تقصير المعتمر أو حلقه عند المروة؛ لأنَّهَا
موضع تحلله، كما يستحب للحاج أنْ يَكُون حلقه أو تقصيره في منى؛ لأنها موضع
تحلله، وحيث حلقا أو قصرا من الحرم كله، جاز. (بِمِشْقَصٍ) بكسر الميم
وإسكان الشين المعجمة وفتح القاف وآخره صاد مهملة، أي: نصل طويل عريض
أو غير عريض له حدة، وقيل: المراد به المقص وهو الأشبه في هَذَا المحل، قاله
القاري. وقال في ((اللمعات)): مِشْقص كمِنْبر، وهو نصل عريض أو سهم فيه ذلك،
وقيل: المراد به الجَلَم بالجيم بفتحتين، وهو الَّذِي يجز به الشعر والصوف وهو
أشبه .
ثم اعلم: أن في الحديث إشكالاً وهو أنه لا يدرى أن تقصير رأسه وَ ﴿ الَّذِي أخبر
به معاوية كان في الحج أو في العمرة؟ ولا يصح الحمل على الأول؛ لأن الحلق
والتقصير من الحاج يكون بمنى لا عند المروة، وأيضًا قد ثبت حلق رأسه في الحج
فتعين أنْ يَكُون في العمرة، ثم في أي عمرة من عمره كان؟ لا يجوز أنْ يَكُون في
العمرة الحكمية التي كانت بالحديبية؛ لأنَّهُ حلق يومئذ فيها ولم يدخل مكة ولم
يسلم معاوية يومئذ، ولا يصح أن يحمل على عمرة القضاء؛ لأنَّهُ قد ثبت عن أهل
العلم بالسير أن معاوية إنما أسلم عام الفتح، نعم قد ينقل عنه نفسه أنه كان يقول :
أسلمت عام القضية، لكن الصحيح أنه أسلم عام الفتح، وفي هَذَا النقل وهن، أو
يحمل على عمرة الجعرانة وكان في ذي القعدة عام الفتح، وذلك أيضًا لا يصح؛
لأنَّهُ قد جاء في بعض ألفاظ الصحيح: ((وَذَلِكَ في حجَّتِه)). وفي رواية النسائي
بإسناد صحيح: ((وذلك في أيام العشرِ)). وهذا إنما يكون في حجة الوداع، كذا في
((المواهب)) فتعين حمله على عمرة حجة الوداع، وقد ثبت أنه وَّل لم يحل يومئذ

٢٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
*
ولا من كان معه هدي، وإنما أمر بحل من لم يسق الهدي، نعم قد توهم بعض
الناس أنه وَ لّ حج متمتعًا حل فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية بالحج مع سوق
الهدي، وتمسكوا بِهَذَا الحَدِيث من معاوية، لكن الصواب أنه وَّ لم يحل يومئذ.
وقد قالوا: إن الصَّحَابَة أنكروا هَذَا القول على معاوية وغلطوه فيه، كما أنكروا
على ابن عمر في قَوْلِه: إنَّ إحدى عمره وَ لَّ كان في رجب.
قال التُّورِبَشْتِي: الوجهُ فيه أن نقول: نسي معاوية أنه كان في حجة الوداع، ولا
يستبعد ذلك فيمن شغلته الشواغل ونازعته الدهور والأعصار في سمعه وأبصاره
وذهنه، وكان قد جاوز الثمانين وعاش بعد حجة الوداع خمسين سنة. انتهى.
فحينئذ يحملُ ذلك على عمرة الجعرانة، ويكون ذكر الحجة وأيام العشر سهوًا
والله أعلم، انتهى ما في ((اللمعات)).
وقال ابن الهمام: حديث معاوية - أي: في إحلاله بالتقصير عند المروة - إما
هو خطأ أو محمول على عمرة الجعرانة، فإنه قد كان أسلم إذ ذاك، وهي عمرة
خفيت على بعض الناس؛ لأنَّهَا كانت ليلًا على ما في الترمذي والنسائي، وعلى
هَذَا، فيجبُ الحكم على الزيادة التي في النسائي وهو قوله: ((في أيام العشر))
بالخطأ ولو كانت بسند صحيح، إما للنسيان من معاوية أو من بعض الرواة، كذا
في ((المرقاة)). وقال الحافظ بعد ذكر رواية الباب: هَذَا يحتملُ أنْ يَكُون في عمرة
القضية أو الجعرانة، لكن وقع عند مسلم والنَّسَائِي ما يدل على أن ابن عباس حمل
ذلك على وقوعه في حجة الوداع لقوله لمعاوية: ((إن هذه حجة عليك)) إذ لو كان في
العمرة لما كان فيه على معاوية حجة، وأصرح منه ما وقع عند أحمد (ج٤ : ص
٩٢) من طريق قيس بن سعد عن عطاء أن معاوية حدث أنه أخذ من أطراف شعر
رسول اللَّه ◌َ له في أيام العشر بمشقص معي وهو محرم، وفي كونه في حجة الوداع
نظر؛ لأن النَّبِي ◌َّ لم يحل حتى بلغ الهدي محله، فكيف يقصر عنه على المروة،
وقد بالغ النووي هنا في الردِّ على من زَعَم أن ذلك كان في حجة الوداع فقال: هَذَا
الحديثُ محمولٌ على أن معاوية قصر عن النَّبِي وَلّ في عمرة الجعرانة؛ لأن
النَّبِي ◌َّ في حجة الوداع كان قارنًا وثبت أنه حلق بمنى، وفرق أبو طلحة شعره بين
الناس، فلا يصح حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضًا على
عمرة القضاء الواقعة سنة سبع؛ لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلمًا، إنما أسلم يوم

٢٧٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحَلْق
الفتح سنة ثمان، هَذَا هو الصحيح المشهور، ولا يصحُّ قول من حمله على حجة
الوداع، وزعم: أنَّ النَّبِي وَلَ كان متمتعًا؛ لأن هَذَا غلط فاحش، فقد تظاهرت
الأحاديث في مسلم وغيره: أن النَّبِي وَّ قيل له: ما شأن الناس حلوا من العمرة
ولم تحل أنتَ من عُمْرَتِك؟ فقال: ((إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى
أَنْحَرَ )). قلتُ - قائله الحافظ: ولم يذكر الشيخ هنا ما مر في عمرة القضية والذي
رجحه من كون معاوية إنما أسلم يوم الفتح صحيح من حيث السند، لكن يمكن
الجمع بأنه كان أسلم خفية وكان يكتمُ إسلامه، ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم
الفتح .
وقد أخرجَ ابنُ عساكر في ((تاريخ دمشق)) من ترجمةٍ معاوية تصريح معاوية بأنه
أسلم بين الحديبية والقضية، وأنه كان يخفي إسلامه؛ خوفًا من أبويه، وكان
النبيُّ ◌َّةٍ لما دخل في عمرة القضية مكة خرج أكثرِ أهلها عنها حتى لا ينظرونه
وأصحابه يطوفون بالبيتِ، فلعلَّ معاويةً كان ممن تخلّف بمكة بسبب اقتضاه. ولا
يعارضه أيضًا قولُ سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه مسلم وغيره: فعلناها - يعني
العمرة - في أشهر الحج، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش - بضمتين - يعني بيوت مكة،
يشير إلى معاوية؛ لأنَّهُ يحمل على أنه أخبر بما استصحبه من حاله ولم يطلع على
إسلامه لكونه كان يخفيه، ويعكر على ما جوزوه أن تقصيره كان في عمرة
الجعرانة: أن النَّبِي وَلّوركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة ولم يستصحب أحدًا
معه إلا بعض أصحابه المهاجرين، فقدم مكة فطاف وسعى وحلق ورجع إلى
الجعرانة، فأصبح بها كبائت، فخفيت عمرته على كثير من الناس. كذا أخرجه
التر مذي وغيره، ولم يعدوا معاوية فيمن كان صحبه حينئذ ولا كان معاوية فيمن
تخلَّف عنه بمكة في غزوة حنين حتى يقال: لعله وجده بمكة، بل كان مع القوم
وأعطاه مثل ما أعطى أباه من الغنيمة مع جملة المؤلفة. وأخرج الحاكم في
((الإكليل)) في آخر قصة غزوة حنين: أنَّ الَّذِي حلقَ رأسَهُ مَله في عمرته التي
اعتمرها من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة. فإن ثبت هَذَا وثبت أن معاوية كان
حينئذ معه، وكان بمكة فقصر عنه بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية قصر عنه
أولًا وكان الحلاق غائبًا في بعض حاجته، ثم حضر فأمره أن يكمل إزالة الشعر
بالحلق؛ لأنَّهُ أفضل ففعل، وإن ثبت أن ذلك كان في عمرة القضية، وثبت أنه وَ له

٢٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حلقَ فيها جاء هَذَا الاحتمال بعينه وحصل التوفيق بين الأخْبَار كلها، وهذا مما فتح
اللَّه علي به في هَذَا الفتح ولله الحمد ثم لله الحمد أبدًا. قال صاحب ((الهدي)):
الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدلّ على أنَّهُ وَّهِ لم يحل من إحرامه إلى يومٍ
النحرِ، كما أخبر عن نفسه بقوله: ((فَلَا أَحِلَّ حَتَّى أَنْحَرَ)) وهو خبر لا يدخله الوهم
بخلاف خبر غيره، ثم قال: فلعل معاوية قصر عنه في عمرة الجعرانة فنسي بعد
ذلك وظن أنه كان في حجته، انتهى. ولا يعكر على هَذَا إلا رواية قيس بن سعد
المتقدمة لتصريحه فيها بكون ذلك في أيام العشرة إلا أنها شاذة، وقد قال قيس بن
سعد عقبها: ((والناسُ يُتْكِرون ذَلِك على مُعَاوية)). انتهى. وأظنُّ قيسًا رواها
بالمعنى ثم حدث بها فوقع له ذلك، وقد أشار النووي إلى ترجيح كونه في
الجِعْرَانة، وصوَّبه المحبُّ الطبري وابنُ القيم، وفيه نظر؛ لأنه جاءَ أنه حلق في
الجعرانة، واستبعاد بعضهم أن معاوية قصر عنه في عمرة الحديبية لكونه لم يكن
أسلم ليس ببعيد. انتهى كَلَام الحَافِظ.
قلت: لا إشكالَ في رواية الشيخين، فإنها تحملُ على عمرة من عمره كما وقع
في التصريح بذلك في رواية النسائي، والمرادُ بها عمرة الجِعْرَانة، كما قال النووي
والمحب الطبري وَابْن القيم وغَيْرهم، وأما ما وقع في رواية الحاكم في ((الإكليل))
ورواية الملا في ((سيرته)) على ما حكاه الطبري من أنه حلق في عمرة الجِعْرَانة، فقد
تقدَّم وجه الجمع بينه وبين روايات: ((أنه قصر عنه)). والمشكل إنما هو رواية أبي
داود بلفظ: ((قَصَّرْتُ عَنْهُ عَلَى الْمَرْوَةِ بِحَجَتِهِ)). ورواية أحمد والنَّسَائِي بلفظ: ((أخذَ
مِنْ أَطَرْافٍ شَعْرِ النبِّ ◌َِّ فِي أيَّامِ العَشْرِ)). وأوَّلَ المنذريُّ روايةً أبي داود بأن قوله:
((لِحَجَّتِهِ)). يعني: لعمرته، قال: وقد أخرجه النسائي أيضًا، وفيه: فِي عُمْرَةٍ على
الْمَرْوَةِ. وتسمى العمرة حجًا؛ لأن معناها القصد، وقد قالت حفصة: ما بال الناس
حُلُّوا، ولم تحللْ أنْتَ من عُمْرَتِك؟ قيل: إنما تعني من حجتك. انتهى. وأما راوية
أحمد والنَّسَائِي فهي محمولة على الخطأ والنسيان والوهم كما قال التُّورِبَشْتِي وَابْن
القيم وَابْن الهمام والطيبي والحافظ. والله أعلم.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظُ لمسلم، وقوله: عِنْدَ المروةِ. مما تفرد به مسلم دون
البخاري، والحديثُ أخْرَجَه أيَّضًا أَحْمَد (ج٤: ص ٩٥، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ١٠٢)
وأبو دَاوُد في باب الإقران، والنَّسَائِي والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٠٢).

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحَلْق
٢٧٩
٢٦٧١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ له قَالَ فِي حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ: ((اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ)). قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
((اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ)). قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
((وَالْمُقَصِّرِينَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ]
الشرح
٢٦٧١ - قوله: (قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) هكذا في جميع نسخ ((المشكاة))
و((المصابيح)) وهو خطأ من المصنف والبغَوي، فإنَّ الحديثَ رواه مالك في
((الموطأ)) عن نافع عن ابن عمر، ومن طريق مالك رواه أحمد (ج٢: ص ٧٩)
والبخاري ومسلم وأبو دَاوُد وليس عندهمٍ قوله: ((فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ)) وقد اختلفَ
المتكلمون على هَذَا الحديث في الوقت الَّذِي قال فيه رسول ◌َّ ذلك، فقال ابن
عبد البر: كونه في الحديبية هو المحفوظ. وقال النووي: الصحيحُ المشهورُ أنه
كان في حجة الوداع. قال القاضي عياض: لا يبعدُ أنَّ النَّبِي وَّ قاله في
الموضعين. قال العَيْنِي: ما قاله القاضي هو الصوابُ؛ جمعًا بين الأحاديث.
وهو الَّذِي اختارَهُ الحافظُ حيثُ قال: قال ابنُ عبد البر: لم يذكر أحد من رواة
نافع عن ابن عمر أن ذلك كان يوم الحديبية، وهو تقصير وحذف، وإنما جرى ذلك
يوم الحديبية حين صُدَّ عن البيتِ، وهذا محفوظ مشهور من حديث: ابن عمر،
وَابْن عباس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وِحبشي بن جنادة، وغَيْرهم، ثم أخِرِجَ
حديث أبي سعيد بلفظ: سمعتُ رسولَ اللَّه ◌ِ له يستغفرُ لأهلِ الحديبية للمحلِّقِينَ
ثلاثًا وللمُقَصِّرين مرة.
وحديثُ ابن عباس بلفظ: حِلقَ رجالٌ يومَ الحديبيةِ وقَصَّر آخرونَ، فقال
رسولُ اللهِ وَلَّ: ((رَحِمَ اللهُ الْمُحَلَّقِينَ .. )) الحديث.
وحديث أبي هريرة من طريق محمد بن فضيل الَّذِي أخرجه البخَارِي بلفظ: قال
(٢٦٧١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧٢٧)، ومسلم (٣١٨/١٣٠١) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبُو دَاوُد (١٩٧٩).