Indexed OCR Text
Pages 221-240
2*
٢٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وإنَّما جوَّزناه عند الضرورة للحديث، فإن نقصها الركوب ضمن النقص؛ لأنه تعلق
بها حق غيره، وفي الركوب مع عدم الحاجة روايتان: إحداهما: لا يجوز لما
ذكرنا. والثانية: يجوز لحديث أبي هريرة وأنس. انتهى.
واختلفَ المجيزون في أنَّ جوازَ الركوب المقيد بالحاجة أو الضرورة هل ينتهي
بانتهاء الحاجة أو يمتد إلى ما بعد ذلك، وهما قولان لمالِكٍ، فقال الجمهور: يتقيد
بذلك وينتهي بانتهاء الحاجة كما تقدَّم في بيانِ القول الثالث ما قال الحافظ من أن
مقتضى من قيده بالضرورة أن من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلا من
ضرورة أخرى.
وقال عياض: قوله وَّ: ((إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا)) فيه حجة لأحد قولي
مالك أنه إذا ركبَ واستراحَ ينزل. قال إسماعيلُ: وهذا الَّذِي يدلُّ عليه المذهب.
وقال ابنُ القاسم: لا يلزمه النزول؛ لأنه أبيح له الركوب فجاز له الاستصحاب.
وقال الأبي: قوله: حتى يجد ظهرًا يرد قول ابن القاسم؛ لأنه إذا زال العذر صار
دوام ركوبه كابتدائه لا لعذر. انتهى. لكن مختار الدردير هو قول ابن القاسم حيثُ
قال: فإن ركبَ حينئذٍ - أي: حين كان مضطرًّا - فلا يلزم النزول بعد الراحة، وإنما
يندب فقط .
قال الدسوقي: فإن نزل بعد الراحة فلا يركبها ثانيًا إلا إذا اضطر كالأول.
واختلفوا أيضًا هل يحمل عليها متاعه، فمنعه مالك وأجازه الجمهور؛ قياسًا للحمل
على الركوب، ورواه ابن أبي شيبة عن عطاء وطاوس، وهل يحمل عليها غيره؟
أجازه الجمهور أيضًا على التفصيل المتقدم من جوازه مطلقًا أو بقيد الحاجة أو
الضرورة. قال الولي العراقي: قال أصحابنا: كما يجوز له الركوب بنفسه يجوز له
إقامة غيره في ذلك مقام نفسه بالعارية، فله أن يعيرها لركوب غيره، وحكى ابن
المنذر عن الشافعي أنه قال: له أن يحمل المعيي والمضطر على هديه ومنعوا
إجارتها؛ لأنَّهَا بيع للمنافع، ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها،
وأما لبنها، فقال الطحاوي: قال أصحابنا والشافعي: إن احتلبَ منها شيئًا تصدق به
فإن أكله تصدق بثمنه. وقال مالك: لا يشرب من لبنه فإن شرب لم يغرم. انتهى.
قال الشنقيطي: والظاهرُ أن شرب ما فضل من لبنها عن ولدها لا بأس به؛ لأنَّه لا
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
Bex =xoba
٢٢١
ضرر فيه عليها ولا على ولدها، وقال ابنُ قدامة في ((المغني)): وللمهدي شرب لبن
الهدي؛ لأنَّ بقاءه في الضرع يضر به، فإذا كان ذا ولد لم يشرب إلا ما فضل عن
ولده؛ لما رواه سعيد بن منصور والأثرم عن علي، أنه أتاه رجل ببقرة قد أولدها
فقال له: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم الأضحى ضحيت
بها وولدها عن سبعة. قال ابن قدامة: فإن شرب ما يضر بالأم أو ما لا يفضل عن
الولد ضمنه؛ لأنه تعدى بأخذه. انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد وأبو
دَاوُد والنَّسَائِي والْبَيْهَقِي وَابْن الجارود.
قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةٍ سِتَّةً
٢٦٥٩ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ .
عَشْرَ بَدَنَةَ مَعَ رَجُلٍ، وَأَمَّرَهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ
عَلَيَّ مَنْهَا؟ قَالَ: ((انْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهَا عَلَى
صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح}
الشرح
٢٦٥٩ - قوله: (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ سِنَّةَ عَشْرَ بَدَنَةً) كذا وقعَ في جميع نسخ
((المشكاةٍ))، وفي ((صحيح مسلم)): سِتَّ عَشْرَةَ. وهكذا في ((جامع الأصول)) ونسخ
((المصابيح)). قال الطيبي: كلاهما صحيح؛ لأن البدنة تطلق على الذكر والأنثى،
انتهى. واختلفت الروايات في مقدار البدن التي بعث بها رسول اللّه وَ له، ففي هَذه
الرواية أنها: ((ست عشرة بدنة))، وفي أخرى عند مسلم أيضًا أنها: ((ثماني عشرة))،
ويمكنُ الجمعُ بتعدُّد القصةَ أو يصار إلى ترجيح الرواية المشتملة على الزيادة إن
كانت القصة واحدة، قاله الشوكاني.
وقال النووي: يجوزُ أنهما قضيتان، ويجوزُ أن تكون قضية واحدة والمراد ثمان
عشرة، وليست في قَوْلِه: ((ست عشرة))؛ نفي الزيادة؛ لأنَّهُ مفهوم عدد ولا عمل
عليه، والله أعلم. انتهى. وأسندَ الواقدي في أول غزوة الحديبية القصة بطولها،
وفيها أنه - عليه الصلاة والسلام - استعملَ على هديه ناجية بن جندب الأسلمي
(٢٦٥٩) مُسْلِمٍ (١٣٢٥/٣٧٧)، وَأَبُو دَاوُد (١٧٦٣)، وَالنَّسَائِي (١١٦/٥) فيه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٢٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأمره أن يتقدمه بها، وقال: كان سبعين بدنة.
قال القاري: نقل الواقدي مخالف لرواية مسلم، اللهم إلّا أن يقال: العدد
المذكور في رواية مسلم مختص بخدمة ناجية له، والباقي لغيره من رفقائه كما
يدلُّ عليه قوله: ((وأمره فيها)). (مَعَ رَجُلٍ) أي: ناجية الأسلمي، قاله القاري.
(وَأَمَّرَهُ) بتشديد الميم أي: جعله أميرًا. (فِيهَا) أي: لينحرها بمكة. (فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ) وفي مسلم قَالَ: ((مَضَى ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ)).
(كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ) بضم الهمزة وإسكان الباء وكسر الدال وفتح العين بصيغة
المبني للمفعول. (عَلَى) أي: بما حبس على من الكلال. (مِنْهَا) أي: من تلك
البدن، يقال: أبدعت الراحلة إذا كلت وأعيت حتى وقفت من الإعياء، وأبدعَ
بالرجل على بناءِ المجهولِ إذا انقطعت راحلته به لكلال، ولذا لم يقلْ أبدع بي؛
لأنه لم يكن هو راكبًا؛ لأنَّهَا كانت بدنة يسوقها بل قال: ((أبدعَ علي)) لتضمين معنى
الحبس كما ذكرنا.
(ثُمَّ اصْبُغْ) بضمِّ الموحدة ويجوز فتحها وكسرها. (نَعْلَيْهَا) وفي حديث ابن
عباس عن ذويب أبي قبيصة عند مسلم أيضًا ((نَعْلَهَا)) بالإفراد، أي: التي قلدتها في
عنقها. (فِي دَمِهَا) ليعلم أنه هدي عطب، فينبغي أن يأكله من يجوز له أكله، وحكي
عن مالك أنه قال: أمره بذلك ليعلم أنه هدي، فلا يستباح إلا على الوجه الَّذِي
ينبغي. (ثُمَّ اجْعَلْهَا عَلَى صَفْحَتِهَا) قال القاري: أي: كل واحدة من النعلين على
صفحة من صفحتي سنامها. انتهى. وقوله: ((ثُمَّ اجْعَلْهَا)) كذا في جميع نسخ
((المشكاة))، وفي ((صحيح مسلم)): (ثُمَّ اجْعَلْهُ)) وهكذا في ((جامع الأصول))، وفي
((المصابيح)): (ثُمَّ اجْعَلْهُمَا)) أي: بضمير التثنية، وفي حديث ذويب: «ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ
صَفْحَتَهَا)).
(وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ) للتأكيد. (وَلَا أَحَدٌ) - أي: وَلَا يَأْكُلْ أَحَدٌ - (مِنْ أَهْلِ
رُفْقَتِكَ) بضم الراء وسكون الفاء، وفي القاموس: الرفقة مثلثة، وقال الشوكاني:
الرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان، أي: رفقاؤك، فأهل زائد، وقال
البوصيري: بضم الراء وكسرها وسكون الفاء جماعة ترافقهم في سفرك والأهل
مقحم. قال الطيبي: سواء كان فقيرًا أو غنّيًّا، وإنما منعوا ذلك قطعًا لأطماعهم؛
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
٢٢٣
لئلا ينحرها أحد ويتعلل بالعطب، انتهى. قال النووي: وفي المراد بالرفقة وجهان
لأصحابنا: أحدهما: أنهم الَّذِينِ يخالطون المهدي في الأكل وغيره دون باقي
القافلة. والثاني: وهو الأصحُّ الَّذِي يقتضيه ظاهر نص الشافعي وكلام جمهور
أصحابنا: أنَّ الْمَرَاد بالرفقة جميع القافلة؛ لأنَّ السبب الَّذِي منعت به الرفقة هو
خوف تعطيبهم إياه، وهذا موجود في جميع القافلة. فإن قيلَ: إذا لم تجوزوا لأهل
القافلة أكله وقلتم بتركه في البرية كان طعمة للسباع، وهذا إضاعة مال. قلنا: ليسَ
فيه إضاعة مال بل العادة الغالبة أن سكان البوادي وغَيْرهم يتتبعون منازل الحجيج
لالتقاط ساقطة ونحو ذلك، وقد تأتي قافلة في أثر قافلة، والله أعلم، انتهى.
والحديث: يدلُّ على أن مَن بعث معه هدي إلى الحرم فعطب في الطريق قبل
بلوغ محله أنه ينحره ثم يصبغ نعليه في دمه ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة
سنامها ليعلم من مر بها أنها هدي ويخلي بينها وبين الناس ولا يأكل منها هو ولا
أحد من أهل رفقته.
والظاهرُ: أن علَّة منعه ومنع رفقته هو سد الذريعة لئلا يتوسل هو أو بعض رفقته
إلى نحره بدعوى أنه عطب أو بالتسبب له في ذلك للطمع في أكلٍ لحمه؛ لأنَّهُ صارَ
للفقراءِ وهم يعدون أنفسهم من الفقراء، والظاهر: عدم الفرق بين هدي التطوع
والفرض، لكن خصص ذلك بهدي التطوع؛ لأن الهدي الذي بعثه التَّبِي ◌َّ كان
هدي تطوع، والظاهرُ: أنه لا يجوزُ الأكل منه للأغنياء بل للفقراء. واختلف الفقهاء
في حكم هدي التطوع إذا عطب قبل محله.
قال الشنقيطي: أما هدي التطوع فالظاهر أنه إن عطب في الطريق ألقيت قلائده
في دمه وخلى بينه وبين الناس وإن كان له سائق مرسل معه لم يأكل منه هو ولا أحد
من رفقته، وليسَ لصاحبه الأكل منه عند مالك وأصحابه، وهو ظاهر مذهب أحمد
وليس عليه بدله؛ لأنَّهُ لم يتعلَّق بذمته.
قلتُ: مذهب مالك على ما يدلَّ عليه فروع المالكية، وكلام ابن قدامة أنه يجوز
أكله للرفقاء مطلقًا سواء كانوا أغنياء أو فقراء فضلاً عن غير الرفقة، ولا يجوزُ
لصاحبه ولو فقيرًا ولا لرسوله ولا يجوز له الأمر لأحدٍ أن يأكل ولا أن يفرقه على
الناس بل يخلي بينه وبينهم، وارجع للتفصيل إلى ((المغني)) (ج ٣: ص ٥٣٧،
٢٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٥٣٨)، وحملت المالكية حديث ابن عباس على سدِّ الذريعة كما جزم به المازري
والقرطبي والزرقاني والأبي.
قال الشنقيطي: وأما مذهب الشافعي وأصحابه فهو أن هدي التطوع باق على
ملك صاحبه فله ذبحه وأكله وبيعه وسائر التصرفات فيه ولو قلده؛ لأنَّهُ لم يوجد منه
إلا نية ذبحه والنية لا تزيل ملكه عنه حتى يذبحه بمحله، فلو عطب في الطريق
فلمهديه أن يفعل به ما يشاء من بيع وأكل وإطعام؛ لأنَّهُ لم يزل في ملكه ولا شيء
عليه في شيء من ذلك.
قلتُ: وهكذا ذكر مذهب الشافعي النووي في ((شرح مسلم))، وفي ((مناسكه))
والطيبي والقسطلاني، وحمل الطيبي حديث ابن عباس على الهدي الواجب،
حيث حكى القاري عنه في شرح حديث ابن عباس تحت قوله: ((وَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ وَلَا
أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ)) أنه قال: سواء كان فقيرًا أو غنيًّا هَذَا إذا أوجبه على نفسه، وأما
إذا كان تطوعًا فله أن ينحره ويأكل منه، فإنَّ مجرَّد التقليد لا يخرجه عن ملكه،
انتھی .
قال الشنقيطي: وأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع إذا عطب في الطريق قبل
بلوغ محله، فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه ولا لغني من الأغنياء، وإنما يأكله
الفقراء.
قلتُ: حاصل مذهب الحنفية أكله للفقراء سواء كانوا رفقة أم لا، ولا يجوز
للأغنياء مطلقًا، قال الزيلعي في ((التبيين)): حديث ابن عباس محمول على أنه
ورفقته كانوا أغنياء.
قال الشنقيطي: ووجه قول من قال: إن هدي التطوع إذا عطب في الطريقٍ لا
يجوز لمهديه أن يأكل منه، هو أن الإذن له في الأكل جاء النص به بعد بلوغه ملحه،
أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإذن بأكله، ووجه خصوص الفقراء به لأنه حينئذ
يصير صدقة؛ لأن كونه صدقة خير من أن يترك للسباع تأكله، هكذا قالوا، والعلم
عند الله تعالى، انتهى.
وأما حكم الهدي الواجب إذا عَطب قبل محله فقال الخرقيُّ: مَن ساق هديًا
واجبًا فعطب دون محله صنع به ما شاء وعليه مكانه، قال ابن قدامة (ج٣: ص
٢٢٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الهدِي
٥٣٤): الواجبُ من الهدي قسمان: أحدهما: وجبَ بالنذر في ذمته، والثاني:
وجب بغيرهٍ، كدم التمتع والقرآن والدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور،
وجميع ذلك ضربان: أحدهما: أن يسوقه ينوي به الواجب الَّذِي عليه من غير أن
يعينه بالقول، فهذا لا يزولُ ملكه عنه إلا بذبحه ودفعه إلى أهله، وله التصرف فيه
بما شاء من بيع وهبة وأكل وغير ذلك، وإن عطب تلف من ماله، وإن تعيب لم
يجزئه ذبحه، وعليه الهدي الَّذِي كان واجبًا، الضرب الثاني: أن يعين الواجب عليه
بالقول فيقول: هَذَا الواجب عليَّ، فإنه يتعيَّن الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة
منه، فإن عطب أو سرق أو ضلَّ أو نحو ذلك لم يجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته
وهذا كله لا نعلم فيه مخالفًا، ورُوي عن أحمد أنه يذبح المعيب وما في ذمته
جميعًا، ولا يرجع المعين إلى ملكه.
ثم قال الخرقي: وإن ساقه تطوعًا نحره موضعه وخلى بينه وبين المساكين ولم
يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته ولا بدل عليه، قال ابنُ قدامة (ج٣: ص ٥٣٧):
من تطوع بهدي غير واجب لم يخل من حالين: أحدهما: أن ينوي به هديًا ولا
يوجب بلسانه ولا بإشعاره وتقليده، فهذا لا يلزمه إمضاؤه وله أولاده ونماؤه
والرجوع فيه متى شاء ما لم يذبحه؛ لأنَّهُ نوى الصدقة بشيء من ماله فأشبه ما لو
نوى الصدقة بدرهم .
الثاني: أن يوجب بلسانه فيقول: هَذَا هدي، أو يقلده أو يشعره ينوي بذلك
إهداءه فيصير واجبًا معينًا يتعلق الوجوب بعينه دون ذمة صاحبه ويصير في يدي
صاحبه كالوديعة يلزمه حفظه وإيصاله إلى محله، فإن تلف بغير تفريط منه أو سرق
أو ضل لم يلزمه شيء؛ لأنَّهُ لم يجب في الذِّمَّة، إنما تعلق الحق بالعين فسقط بتلفها
كالوديعة، وقد روى الدار قطني بإسناده عن ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَله
يقول: ((مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا ثُمَّ ضَلَّتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَدَلُ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ، فَإِنْ كَانَ نَذْرًا فَعَلَيْهِ
الْبَدَلُ))، فأما إن أتلفه أو تلف بتفريطه فعليه ضمانه؛ لأنَّهُ أتلف واجبًا لغيره فضمنه
كالوديعة، وإن خاف عطبه أو عجز عن المشي وصحبة الرفاق نحره موضعه وخلى
بينه وبين المساكين ولم يبح له أكل شيء منه، ولا لأحد من صحابته، وإن كانوا
فقراء ويستحب له أن يضع نعل الهدي المقلد في عنقه في دمه ثم يضرب به صفحته
ليعرفه الفقراء فيعلموا أنه هدي وليس بميتة فيأخذوه، انتهى.
٢٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال عياض: أما ما عطب من الهدى الواجب قبل النحر، فقال مالك
والجمهورُ: يأكلُ منه صاحبه والأغنياء؛ لأنَّ صاحبه يضمنه؛ لأنَّه تعلق بذمَّته،
واختلفَ هل له بيعه؟ فمنعه مالك وأجازَهُ الجمهور، انتهى. وهكذا ذكر ابنُ رشدٍ،
والأبي في ((الإكمالِ))، وأما مذهب الشافعية، فقال النووي في ((شرح مسلم)): إن
كان هديًا منذورًا لزمه ذبحه، فإن تركَهُ حتى هلك لزمه ضمانه كما لو فرط فيَّ حفظ
الوديعة حتى تلفت، فإذا ذبحه غمس نعله التي قلده إياها في دمه ليعلم من مر به أنه
هدي فيأكله ولا يجوز للمهدي ولا لسائق هَذَا الهدي الأكل منه، ولا يجوزُ للأغنياءِ
الأكلُ منه مطلقًا؛ لأنَّ الهدي مستحق للمساكين، فلا يجوزُ لغيرهم ويجوز للفقراءِ
من غير أهل هذه الرفقة ولا يجوز لفقراء الرفقة، انتهى. وهذا خلاف ما ذكره
الشافعي في ((الأم)) حيث قال (ج٢: ص ١٨٣): إذا عطبَ الهدي الواجب دون
المحرم صنع به صاحبه ما شاء من بيع وهبة وإمساك وعليه بدله بكلِّ حالٍ؛ لأنَّهُ قد
خرج من أنْ يَكُون هديًا حين عطب قبل أن يبلغ محله، انتهى.
وحاصل مذهب الحنفية على ما في مناسكهم كـ((الغنية)) و((شرح اللباب))
وغَيْرهما: أنه إن عطب الهدي الواجب قبل وصوله إلى محله فعليه أن يقيم غيره
بدله وصنع بالأول ما شاء من بيع وغيره.
وقال الشنقيطي (ج٥: ص ٥٨٣): اعلم أنَّ الهدي إما واجب وإما تطوع،
والواجب إما بالنذر أو بغيره، والواجب بالنذرٍ، إما معين أو غير معين، فالظاهرُ
الَّذِي لا ينبغي العدول عنه: أن الهدي الواجب بغير النذر كهدي التمتع والقران
والدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور، والواجبُ بالنذرِ في ذمته كأن يقول:
لله علي نذر أن أهدي هديًا، أن لجميع ذلك حالين:
الأولى: أنْ يَكُون ساق ما ذكر من الهدي ينوي به الهدي الواجب عليه من غير
أن يعينه بالقول كأن يقول: هَذَا الهدي سُقته أريد به أداء الهدي الواجب علي.
والحالة الثانية: هي أن يسوقه ينوي به الهدي المذكور مع تعيينه بالقولِ، فإن نواه
ولم يعينه بالقولِ، فالظاهرُ: أنه لا يزال في ضمانه ولا يزول ملكه عنه إلا بذبحه
ودفعه إلى مستحقيه، ولذا إن عطب في الطريقِ فله التصرف فيه بما شاءً من أكل
وبيع؛ لأنَّهُ لم يزلْ في ملكِهِ، وهو مطالب بأداءِ الهدي الواجب عليه بشيء آخر غير
٢٢٧
بَابَ الهدِي
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الَّذِي عطب؛ لأنَّهُ عطب في ضمانه، فهو بمنزلة من عليه دين فحمله إلى مستحقه
يقصد دفعه إليه، فتلف قبل أن يوصله إليه، فعليه قضاء الدين بغير التالف؛ لأنَّهُ
تلف في ذمته، وإن تعيب الهدي المذكور قبل بلوغه محله، فعليه بدله سليمًا
ويفعل بالذي تعيب ما شاء؛ لأنَّهُ لم يزل في ملكه وضمانه، والذي يظهر أن له
التصرف فيه، ولو لم يعطب ولم يتعيب؛ لأنَّ مجرد نية إهدائه عن الهدي الواجب
لا ينقل ملكه عنه، والهدي المذكور لازم له في ذمته حتى يوصله إلى مستحقهِ،
والظاهر: أن له نمائه.
وأما الحالةُ الثانية: وهي ما إذا نواه وعينه بالقول كأن يقولُ: هَذَا هو الهدي
الواجب عليَّ. والظاهر: أن الإشعار والتقليد كذلك، فالظاهرُ: أنه يتعين الوجوب
فيه من غير أن تبرأ الذمة فليس له التصرف فيه ما دام سليمًا، وإن عطب أو سرق أو
ضلَّ أو نحو ذلك لم يجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته فيجب عليه هدي آخر؛ لأنَّ
الذمةَ لا تبرأ بمجرَّد التعيين بالنية والقول أو التقليد والإشعار، والظاهر: أنه إن
عطب فعل به ما شاء؛ لأنَّ الهدي لازم في ذمته، وهذا الَّذِي عطب صار كأنه شيء
من ماله لا حق فيه لفقراء الحرم؛ لأنَّ حقَّهُم باق في الذمة فله بيعه وأكله و کل ما
شاء، وعلى هَذَا جمهور أهل العلم، وعن مالك يأكل ويطعم من شاء من الأغنياء
والفقراء، ولا يبيعُ منه شيئًا، وإن بلغ الهدي محله فذبحه وسرق فلا شيء عليه عند
أحمد .
قال في ((المغني)) (ج٣: ص ٥٣٥): وبهذا قال الثوري وَابْن القاسم صاحب
مالك، وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: عليه الإِعادة؛ لأنَّهُ لم يوصل الحق إلى
مستحقِّه، فأشبه ما لو لم يذبحه، ولنا أنه أدى الواجب عليه فبرئ منه كما لو فرقه،
ودليلٌ أنه أدى الواجب أنه لم يبق إلا التفرقة وليست واجبة بدليل أنه لو خلى بينه
وبين الفقراء أجزأه، ولذلك لما نحر الشَّبِي ◌َّةِ البدنات قال: من شاء اقتطع،
انتھی .
قال الشنقيطي: وأظهر القولين عندي: أنه لا تبرأ ذمته بذبحه حتى يوصله إلى
المستحقين؛ لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به، لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه
حيًّا، ولأنَّ اللَّه تعالى يقولُ: ﴿وَأَطْعِمُوْ الْبَابِسَ الْفَقِيْرَ﴾ [الحج: ٢٨] ويقول: ﴿ وَأَطْعِمُواْ
٢٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اَلْقَانِعَ وَالْمُعْتَّرَّ﴾ [البقرة: ٣٦] والآيتان تدلان على لزوم التفرقة والتخلية بينه وبين الفقراء
يقتسمونه تفرقة ضمنية؛ لأن الإذن لهم في ذلك وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه
بالفعل، والعلم عند الله تعالى. وقول مَن قال: إن الهدي المذكور إن تعيب في
الطريق فعليه نحره، ونحر هدي آخر غير معيب لا يظهر كل الظهور، إذ لا موجب
لتعدُّد الواجب عليه وهو لم يجب عليه إلا واحد، وحجة من قال بذلك: أنه لما عينه
متقربًا به إلى اللهِ لا يحسن انتفاعه به بعد ذلك ولو لم يجزئه، وأما الواجب المعين
بالنذر كأن يقول: نذرت لله إهداء هَذَا الهدي المعين.
فالظاهر: أنه يتعين بالنذر، ولا يكونُ في ذمته، فإن عطب أو سرق لم يلزمه
بدله؛ لأن حقَّ الفقراء إنما يتعلق بعينه لا بذمة المهدي، والظاهرُ: أنه ليس له
الأكل منه، سواء عطب في الطريق أو بلغ محله، وحاصل ما ذكرنا راجع إلى أن ما
عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلَّقًا بذمته سليمًا، فالظاهر: أن له الأكل منه
والتصرف فيه؛ لأنَّهُ يلزمه بدله سليمًا، وقيل: يلزم الَّذِي عطب والسليم معًا لفقراء
الحرم، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدي كالنذر المعين للمساكين ليس له
تصرف فيه ولا الأكل منه إذا عطب ولا بعد نحره إن بلغ محله على الأظهر، انتهى.
G تنبيه:
اختلفَ فيما إذا ضلَّ المعين فذبح غيره ثم وجد الضال؛ قال الشنقيطي: الأظهرُ
عندي أنَّهُ إذا عين هديًا بالقول أو التقليد والإشعار ثم ضلَّ ثم نحرَ هديًا آخر مكانه،
ثم وجد الهدي الأول الَّذِي كان ضالًّا، أن عليه أن ينحره أيضًا؛ لأنَّهُ صار هديًا
للفقراء فلا ينبغي أن يرده لملكه مع وجوده، وكذلك إن عين بدلًا عنه، ثم وجد
الضال فإنه ينحرهما جميعًا، قال ابنُ قدامة في ((المغني)) (ج٣: ص ٥٣٥): وإن
ضلَّ المعين فذبح غيره ثم وجده، أو عين غير الضال بدلًا عما في الذمة، ثم وجد
الضال ذبحهما معًا. روي ذلك عن عمر وابنه وَابْن عباس وفعلته عائشة، وبه قال
مالك والشافعيُّ وإسحاقُ، ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب الهدي فأبدله، فإن له
أن يصنع به ما شاء أن يرجع إلى ملك أحدهما؛ لأنَّهُ قد ذبح ما في الذمة فلم يلزمه
شيء آخر كما لو عطب المعين، وهذا قول أصحاب الرأي. ووجه الأول: ما روى
عن عائشة أنها أهدت هديين فأضلتهما فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما، ثم
٢٢٩
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَابِ الهُدِي
keX
عاد الضالان فنحرتهما، وقالتْ: هذه سنة الهدي، رواه الدار قطني، وهذا منصرف
إلى سنة رسول اللَّه ◌َ له، ولأنَّه تعلق حق اللَّه بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما،
وإيجاب الآخر، انتهى كلام ابن قدامة.
قال الشنقيطي بعد ذكره: وليسَ في المسألة شيء مرفوع، والأحوط ذبح الجميع
كما ذكرنا أنه الأظهر، والعلم عند الله تعالى، ثم قال الشنقيطي: إن الهدي إن كان
معينًا بالنذر من الأصل بأن قال: نذرت إهداء هَذَا الهدي بعينه أو معينًا تطوعًا إذا
رآه صاحبه في حالة يغلب على الظنِّ أنه سيموت فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرط فيها
حتى ماتَ كان عليه ضمانه؛ لأنَّهُ كالوديعةِ عنده، أما لو مات بغير تفريطه أو ضل أو
سرق فليس عليه بدل عنه؛ لأنَّهُ لم يتعلَّق الحق بذمته بل بعين الهدي، والأظهرُ
عندي: إن لزمه بدله بتفريطه أنه يشتري هديًا مثله وينحره بالحرم بدلاً عن الَّذِي
فرط فيه، وإن قيل بأنه يلزمه التصدق بقيمته على مساكين الحرم فله وجه من
النظر، والله أعلم، ولا نص في ذلك، انتهى.
وأما ما يجوزُ الأكل منه من الهدايا إذا بلغت محلها وما لا يجوز فقد اختلفوا فيه
أيضًا فذهب مالك وأصحابه إلى جواز الأكل من جميع الهدي واجبه وتطوعه إذا
بلغ محله إلا ثلاثة أشياء: جزاء الصيد، وفدية الأذى، والنذر الَّذِي هو للمساكين.
قال الأبي: أما ما بلغ من الهدي محله فمشهور مذهب مالك أنه لا يأكل من ثلاثة:
من الجزاء والفدية ونذر المساكين، ويأكل مما سوى ذلك، وبه قال فقهاء الأمصار
وجماعة من السلف، انتهى. وهكذا حكى الباجي، وقال الدردير: لما كانَ الأكلُ
من دماء الحجِّ ينقسمُ منعًا وإباحة باعتبار بلوغ المحل وعدمه أربعة أقسام أشار
للأول منها وهو المنع مطلقًا بقوله: ((ولم يؤكل)) أي: يحرم على رب الهدي أن
يأكل ((من نذر مساكين عين لهم)) باللفظ أو النية بأن قال هَذَا نذر اللَّه ونوى أنْ يَكُون
للمساكين. ((مطلقًا)) بلغ محله أو لم يبلغ، ومثل نذر المساكين هدي التطوع إذا
نواه للمساكين وكذا الفدية إن لم يجعل هديًا فهذه ثلاثة يحرم الأكل منها مطلقًا،
وأشار للقسم الثاني بقوله: ((عكس الجميع)) أي: جميع الهدايا غير ما ذكر من
تطوع أو واجب لنقص بحجٍّ أو عمرة من ترك واجب أو فساد أو فوت أو تعدي
ميقات أو متعة أو قران أو نذر لم يعين، فله الأكل منها مطلقًا بلغت محلها أو لا ،
وإذا جاز له الأكل في الجميع. ((فله إطعام الغني والقريب)) وأولى غيرهما ثم
٢٣٠
BE* *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
استثنى مما يؤكل منه مطلقًا ما يؤكل في حال دون حال، وتحته قسمان أولهما ثالث
الأقسام الأربعة بقوله: إلا ثلاثة نذرًا لم يعين مثل لله عليَّ هدي للمساكين.
والفدية إذا جعلت هديًا والجزاء للصيد فلا يأكل من هذه الثلاثة. بعد بلوغ المحل
سالمة، فأما إن عطبت قبله فيأكل منها؛ لأنَّ عليه بدلها وأشار لرابع الأقسام بقوله:
وهدي تطوع لم يجعله للمساكين بلفظ: ولا نية ومثله النذر المعين الَّذِي لم يجعل
لهم. إن عطب قبل محله فلا يأكل منه، وأما إن وصل لمحله سالمًا فإنه يأكل منه،
انتھی .
وقال اللخمي: كل هدي واجب في الذمة عن حج أو عمرة من فساد أو متعة أو
قران أو تعدي ميقات أو ترك النزول بعرفة نهارًا أو ترك النزول بمزدلفة أو ترك رمي
الجمار أو أخر الحلق يجوز الأكل منه قبل بلوغ محله وبعده، أما جزاء الصيد
وفدية الأذى فيؤكل منهما قبل بلوغهما محلهما ولا يؤكل منهما بعده، وأما النذر
المضمون إذا لم يسمه للمساكين فإنه يأكل منه بعد بلوغه محله، وإن كان منذورًا
معينًا ولم يسمه للمساكين أو قلده أو أشعره من غير نذر أكل منه بعد بلوغه محله
ولم يأكل منه قبله، وإن عين النذر للمساكين أو نوى ذلك حين التقليد والإشعار لم
يأكل منه قبل ولا بعد، والحاصل: أن النذر المعين للمساكين لا يجوز له الأكل منه
مطلقًا عند مالك، وأن النذر المضمون للمساكين حكمه عند المالكية حكم جزاء
الصيد وفدية الأذى، فيمتنع الأكل منه بعد بلوغه محله ويجوز قبله؛ لأنَّهُ باقي في
الذمة حتى يبلغ محله، وأما النذر المضمون الَّذِي لم يسم للمساكين كقوله: لله
علي نذر أن أتقرَّب إليه بنحر هدي. فله عند المالكية الأكل منه قبل بلوغ محله
وبعده، وقد تقدَّم أن هدي التطوع إن عطب في الطريق لا يجوزُ له الأكل منه عند
المالكية، وذهب أحمدُ في المشهور عنه إلى أنه لا يؤكل من الهدايا إلا دم التمتع
والقران والتطوع، وبه قالت الحنفية كما سيأتي.
قال الحافظ في ((الفتح)) تحت ما روى البخَارِي عن ابن عمر معلقًا أنه قالَ: لا
يؤكل من جزاء الصيد والنذر، ويؤكل من سوى ذلك: وهذا القول إحدى الروايتين
عن أحمد وهو قول مالك وزاد: إلا فدية الأذى. والرواية الأخرى عن أحمد: لا
يؤكل إلا من هدي التطوع والتمتع والقران. وهو قولُ الحنفية بناء على أصلهم أن
دم التمتع والقران دم نسك لا دم جبران، انتهى. وقال الخرقي: ولا يأكلُ من كلِّ
٢٣١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الهدِي
واجبٍ إلا مِن هدي التمتع، قال ابنُ قدامة (ج٣: ص ٥٤١): المذهبُ أنه يأكل من
هدي التمتع والقران دون ما سواهما؛ نصَّ عليه أحمد، ولعلَّ الخرقي ترك ذكر
القران؛ لأنَّهُ متعة، أو اكتفى بذكر المتعة؛ لأنهما سواء في المعنى، فإن سببهما
غير محظور فأشبها هدي المتطوع، وهذا قول أصحاب الرأي وعن أحمد أنه لا
يأكل من المنذور وجزاء الصيد ويأكل مما سواهما، وهو قول ابن عمر وعطاء
والحسن وإسحاق؛ لأنَّ جزاء الصيد بدل والنذر جعله الله تعالى بخلاف غيرهما.
وقال ابن أبي موسى: لا يأكل أيضًا من الكفارة ويأكل مما سوى هذه الثلاثة،
ونحوه مذهب مالك؛ لأن ما سوى ذلك لم يسمه للمساكين ولا مدخل للإطعام فيه
فأشبه التطوع، وقال الشافعي: لا يأكل من واجب؛ لأنَّهُ هدي وجب بالإحرام، فلم
يجز الأكل منه كدم الكفارة، ولنا أن أزواج النَّبِي ◌َّ تمتعن معه في حجة الوداع
وأدخلت عائشة الحج على العمرة فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن التَّبِي وَّ البقرة
فأكلن من لحومها، قال أحمد: قد أكلٍ من البقرة أزواج النَّبِي وَّ في حديث عائشة
خاصة، وقال ابنُ عُمر: تمتَّع رسولُ اللَّه ◌َ ل ل بالعمرةِ إلى الحجِّ فساق الهدي من ذي
الحليفة، متفقٌ عَلَيه. وقد ثبتَ: أنَّ النبيَّنَ لَهأمرَ من كل بدنة ببضعة، فجُعِلَت في
قدر فأكلَ هو وعليٍّ مِنْ لحمِهَا وشَرِبا من مَرَقِها، رواه مسلم .
ولأنهما دماء نسك فأشبها التطوع ولا يؤكل من غيرهما؛ لأنَّه يجبُ بفعل
محظور فأشبه جزاء الصيد، فأما هدي التطوع وهو ما أوجبه بالتعيين ابْتِدَاء من غير
أنْ يَكُون عن واجب في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه فيستحب أن يأكل
منه لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] وأقل أحوال الأمر الاستحباب،
ولأنَّ النبيَّ وَّ أكلَ من بدنة. وقال جابر: كُنَّا لا نأكلُ من بدننا فوقَ ثلاث،
فرخَّص لنا النَّبِي ◌َِّ فقال: ((كُلُوا وَتَزَوَّدُوا)) فأكلنا وتزودنا. رواه البخاري، وإنْ لم
يأكل فلا بأس؛ فإنَّ النَِّي ◌َّهِ لما نحرَ البدنات الخمس قال: ((مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ)) ولم
يأكل منهن شيئًا، انتهى.
وقال في ((الهداية)): يجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران؛ لأنَّهُ دم
نسك، فيجوز الأكل منها بمنزلة الأضحية، وقد صحَّ أنَّ النَّبِي ◌ِّ أكل من لحم
هديه وحسا من المرقة، ويستحبُّ له أن يأكل منها لما روينا وكذلك يستحب أن
٢٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يتصدق على الوجه الَّذِي عرف في الضحايا، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا؛
لأنها دماء كفارات، انتهى.
وقال في ((شرح اللباب)): الهدي على نوعين: هدي شكر وهو هدي المتعة
والقران والتطوع، وهدي جبر وهو سائر الدماء الواجبة ما عدا الثلاثة، وكلُّ دم
وجب شكرًا فلصاحبه أن يأكل منه ما شاء ولا يتقيد ببعض منه ويؤكل الأغنياء
والفقراء، ولا يجبُ التصدق لا بكُلُّه ولا ببعضه، بل يستحبُّ أن يتصدق بثُلُثه،
ويطعم ثلثه، ويهدي للأغنياء ثلثه، وكل دم وجب جبرًا لا يجوزُ له الأكل منه ولو
کان فقيرًا ولا للأغنياء، ويجبُ التصدُّق بجمیعه حتى لو استهلكه بعد الذبح كله أو
بعضه لزمه قيمته للفقراء فیتصدق بها عليهم، انتهى.
ومذهبُ الشافعية: أنه لا يجوزُ أكل شيء من الدماء الواجبة حتى دم التمتع
والقران، ويجوزُ الأكل من دمِ التطوع مع وجوبِ التصدق ببعض لحمِهِ.
قال النوويُّ: وكذا قال الأوزاعيُّ وداود الظاهري: لا يجوزُ الأكل من الواجبٍ،
قال الشنقيطي بعد ذكر مذاهب الأئمة: الَّذِي يرجِّحُه الدليل في هذه المسألةِ هو
جواز الأكل من هدي التطوع وهدي التمتع والقران دون غير ذلك، والأكلُ من
هدي التمتع لا خلاف فيه من بين العُلَمَاء بعد بلوغه محله، وإنما خلافهم في
استحباب الأكل منه أو وجوبه، ومعلوم أنَّ النبيَّ ◌ََّ ثبتَ عنه في الأحاديث
الصحيحة في حجة الوداع أنه أهدى مائة من الإبل، ومعلوم أن ما زاد على
الواحدةِ منها تطوع، وقد أكل منها وشرب من مرقها جميعًا. وأما الدليل على
الأكلِ من هدي التمتع والقران فهو ما ثبت في الصحيح أن أزواج النَّبِي ◌َّ ذبح
عنهن النَّبِي وَِّ بقرًا، ودخلَ عليهن بلحمه وهن متمتعات وعائشة منهن قارنة، وقد
أكلن جميعًا مما ذبح عنهن في تمتعهن وقرانهن بأمرِهِ مَّ، وهو نصٌّ صحيحٌ صريحٌ
في جوازِ الأكل من هدي التمتع والقران، أما غير ما ذكرنا من الدماءِ فلم يقمْ دليلٌ
يجبُ الرجوع إليه على الأكل منه، ولا يتحقق دخوله في عموم قوله تعالى:
﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾؛ لأنَّهُ لتركِ واجبٍ أو فعل محظور، فهو بالكفارات أشبه، وعدم
الأكل منه أظهر وأحوط، والعلم عند الله تعالى، انتهى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد وأبو دَاوُد والنَّسَائِي والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٢٤٣)
كِتَابُ الْمَنَاسِكِ
بَابُ الهدِي
٢٣٣
وفي الباب أيضًا عن ذويب أبي قبيصة عند أحمد ومسلم وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي، وعن
ناجية الخزاعي وسيأتي في الفصل الثاني، وعن عمرو بن خارجة الثمالي عند أحمد
(ج٤: ص ١٨٧، ٢٣٨) والطَّرَاني في ((الكبير)) وعن أبي قتادة عند الطَّرَاني في
((الأوسط))، وعن شهر بن حوشب عن الأنصاري صاحب بدن النَّبِي ◌َّ عند أحمد
(ج٤: ص ٦٤).
٢٦٦٠ - [١٠] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ
الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبَّعَةٍ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٦٦٠ - قوله: (عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) بالتخفيف وقيل: بالتشديد. (الْبَدَنَةَ) أي:
الإبل. (عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ) ظاهرُهُ: أنَّ البقرةَ لا تسمى بدنة، وهو كذلك
بالنسبة لغالبِ استعمالها، ففي ((القاموسِ)): البدنة محركة، من الإبلِ والبقرِ
كالأضحية من الغنم تهدي إلى مكة المكرمة للذكر والأنثى، وفي ((الصحاح))
للجوهري: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، وفي ((النهاية)): البدنة تقع على الجمل
والناقة والبقرة وهي بالإبل أشبه، وقال في ((الفتح)): إنَّ أصلَ البدنِ ممن الإبلِ،
وألحقت بها البقرة شرعًا، انتهى.
والحديثُ: فيه دليلٌ على جوازٍ اشتراك السبعة في الهدي من البدنة وهو قولُ
الجمهورِ، وعن داود وبعض المالكية يجوزُ في هدي التطوع دونَ الواجبٍ، وعن
مالِك لا يجوزُ مطلقًا، وأولت المالكية حَدِيث جَابِرِ بوجوهٍ كلها تكلفات باردة من
شاء الوقوف عليها رجع إلى ((شرحي الموطأ)) للزرقاني والباجي.
وأجاب إسماعيل القاضي عن حديث جابرٍ: بأنه كان بالحديبية حيث كانوا
محصرين، وهذا الجوابُ لا يدفع الاحتجاج بالحديث بل ثبت عن جابر عند
(٢٦٦٠) مُسْلِم (١٣١٨/٣٥٠)، وَأَبُو دَاوُد (٢٨٠٩)، والتِّرْمِذِي (٩٠٤)، وابنُ ماجَهْ (٣١٣٢)،
والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٤١٢٢) فِهِ عَنْ جَابِرٍ .
٢٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مسلم: أنَّهم اشتركوا الاشتراك المذكور معه وَ لَرَ أيضًا في حجه، ولا شكَّ أنَّ
المرادَ بحجه حجة الوداع؛ لأنَّهُ لم يحج بعد الهجرة حجة غيرها. روى مسلم عن
جابرٍ قال: اشتركنا مع النبيِّ وَّ في الحجّ والعمرةِ كل سبعة منا في بدنةٍ، فقال
رجلٌ لجابرٍ: أيشترك في البقرةِ ما يشتركُ في الجزورِ؟ فقال: ما هِي إلا من البدن،
وفي لفظٍ له عنه قال: خرجنا مع رسولِ اللهِ وَِّ مُهِلَّين بالحجِّ، فأمرنا رسولُ الله
وَ الر أن يشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة. وفي لفظ له عنه أيضًا: قال:
حججنا مع رسولِ اللهِ وَّ﴿ فَنَحَرْنا البعيرَ عن سبعةٍ والبقرةَ عن سبعةٍ. وفي لفظٍ له
عنه وهو يحدث عن حجة النَّبِي وَّه قال: فَأَمَرَنا إذا أحللْنَا أنْ نهدِي ويجتمع النفرُ
منا في الهديةِ، وذلك حينَ أمرهم أنْ يحلوا من حجّهم. وهذا يدلّ على صحة أصل
الاشتراك. وفي لفظ له عنه أيضًا قال: كنا نتمتعُ مع رسولِ اللَّه ◌ِوَله فنذبحُ البقرة عن
سبعة نشترك فيها، انتهى.
فهذه الروايات الصحيحة تدلَّ على أن دم التمتع يكفي فيه الاشتراك للسبع في
بدنة أو بقرة، ويدلَّ على جواز الاشتراك أيضًا ما رواه البخَارِي عن أبي جمرة قال:
سألتُ ابن عباس عن المتعةِ فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور أو
بقرة أو شاة أو شك في دمٍ، انتھی.
قال الحافظ: قوله: أو شِرْك؛ بكسر الشين المعجمة وسكون الراء، أي:
مشاركة في دم، أي: حيث يجزئ الشيء الواحد عن جماعة، وهذا موافق لما رواه
مسلم عن جابرٍ قال: خرجنا مع رسولِ الله وَلَ مُهلين بالحجِّ، فأمرنا رسولُ اللَّه ◌َلِلّ
أنْ نشترك في الإبلِ والبقرِ، كلَّ سبعةٍ منا في بدنةٍ .
وقال الشنقيطي: قوله: أو شرك في دم؛ يعني به ما بينته الروايات المذكورة
الصحيحة عن جابرٍ: أنَّ البدنة والبقرة كلتاهما تكفي عن سبعة من المتمتعين.
وأجابَ إسماعيلُ القاضي عن حديثٍ ابن عباس هذا: بأنه خالف أبا جمرة في
ذكره الاشتراك المذكور ثقات أصحاب ابن عباس، فرووا عنه أن ما استيسر من
الهدي شاة، ثم ساق ذلك بأسانید صحیحة عنهم عن ابن عباس. قال: وحدثنا
سليمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن ابن عباس، قال: ما
كنتُ أرى أن دمًا واحدًا يقضي عن أكثر من واحد، انتهى.
٢٣٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الھدِي
قال الحافظُ: ليسَ بينَ روايةٍ أبي جمرة ورواية غيره منافاة؛ لأنَّه زادَ عليهم ذكر
الاشتراك، ووافقهم على ذكرِ الشّاةِ، وإنما أراد ابنُ عباس بالاقتصارِ على الشاةِ
الردّ على مَن زَعَم اختصاص الهدي بالإبل والبقر، وذلك واضح فيما سنذكره بعد
هذا، وأما رواية محمد عَنِ ابْن عَبَّاسٍ فمنقطعةٌ، ومع ذلك لو كانت متصلة احتمل
أن يكونَ ابنُ عباس أخبرَ أنَّه كان لا يرى ذلك من جهةِ الاجتهادِ حتى صحَّ عنده
النقل بصحةِ الاشتراكِ، فأفتى به أبا جمرة، وبهذا تجتمعُ الأَخْبَارُ، وهو أولى من
الطعنِ في رواية من أجمعَ العُلَمَاء على توثيقه والاحتجاج بروايته، وهو أبو جمرة
الضبعي، وقد روي عن ابنِ عمر: أنه كانَ لا يَرَى التشريكَ، ثُمَّ رجعَ عن ذلك لمّا
بَلَغَتْه السنَّةُ، ثم ذكرَ الحافظُ رجوعَ ابنِ عمر عن ذلك عن أحمد بسندِهِ من طريق
الشعبيِّ عن ابن عُمر، واستدلَّ بقوله: كلُّ سبعةٍ منا في بَدَنَةٍ، مَن قَالَ: عدل البدنة
سبع شياه. وهو قول الجمهور، أي: في الهدي والأضحية كليهما، وادَّعى
الطحاوي وابنُ رشدٍ أنه إجماعٌ وتعقُّب عليهما: بأنَّ الخلافَ في ذلك مشهور حكاه
الترمذي في ((سُنَتَه)) عن إسحاق بن راهويه، وكذا الحافظُ في ((الفتح))، وقال: هو
- أي: إجزاء البدنة عن عشرة - إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب، وإليه ذهبَ
ابنُ خزيمة من الشافعية واحتجَّ له فِي ((صَحِيحِه)) وقواه، واحتجَّ له ابنُ حزم، وكذا
ابنُ خزيمة بحديث رافع بن خديج: أنه ◌ِّالّ قسم فعدل عشرا من الغنمِ ببعير
... الحديث. وهو في ((الصَّحِيحَيْن)).
واحتجوا أيضًا بحديث ابن عباس، قال: كُنَّا مع النبيِّ نَّ في سفرٍ فحضرَ
الأضحى فذبحنا البقرةَ عن سبعةٍ، والبعيرَ عن عشرةٍ، رواه الخمسة إلا أبا داود،
ويجابُ عنه: بأنه خارج عن محلِّ النزاع؛ لأنَّهُ في الأضحية، فإن قالوا: يقاسُ
الهدي عليها، قلنا: هو قياسٌ فاسدُ الاعتبارِ؛ لمصادمته النصوص.
ويجابُ عن حديث رافع أيضًا بمثل هَذَا الجوابِ؛ لأن ذلك التعديل كان في
القسمة وهي غير محلّ النزاع، وأيضًا حَدِيث جَابِر في خصوص الهدي والأخص
في محل النزاع مقدَّم على الأعمِّ، ويؤيد كون البدنة عن سبعة فقط: أمره ◌َثّ لمن
لم يجد البدنة أن يشتري سبعًا فقط، ولو كانت تعدل عشرًا لأمره بإخراج عشر؛ لأنَّ
تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يجوزُ.
٢٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمدُ ومالك في الأضاحي والترمذي في الحجِّ وابنُ
ماجه في الأضاحي وَابْن حِبَّان والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٢٣٤) وغَيْرهم.
٢٦٦١ - [١١] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلِ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ
يَنْحَرُهَا، قال: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ◌َِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٦١ - قوله: (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ) أي: ابن عمر. (أَتَّى) أي: مَرَّ. (عَلَى
رَجُلٍ) أي: بمنى كما في ((مسند أحمد))، وهذا الرجل لم يعرف ولم يسمه أحد من
أصحاب الأصول. (قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا) أي: حال كونه يريد نحرها، وهذا لفظ
البخاري، ولمسلمٍ: ((وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً)). (ابْعَثْهَا) أي: أقمها. (قِيَامًا) قال
القاري: حالَ مؤكدة، أي: قائمة، وقد صحَّت الروايةُ بها، وعاملها محذوف دلَّ
عليه أولُ الكلام، أي: انحرها قائمة لا ابعثها؛ لأن البعث إنما يكون قبل القيام،
اللهم إلا أن تجعل حالًا مقدرة، أي: ابعثها مقدرًا قيامها، وقال الحافظ: قوله:
((ابْعَثْهَا)) أي: أثرها يقال: بعثت الناقة أثرتها، وقوله: ((قِيَامًا)) مصدر بمعنى قائمة،
وهي حال مقدرة، أو قوله: ((ابْعَثْهَا)) أي: أقمها أو العامل محذوف، تقديره:
انحرها، وقد وقعَ في رواية عند الإسماعيلي: ((انْحَرْهَا قَائِمَةً)). (مُقَيَّدَةً) حال ثانية،
أي: معقولة الرجل قائمة على ما بقي من قوائمها، ولأبي داود من حديث جابر:
أن النَّبِي وَلِّ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من
قوائمها .
(سُنَّةَ مُحَمَّدٍ وَلَّ) بنصب سُنة على المفعولية، أي: فاعلًا بها سنة محمد أو متبعًا
سنة محمد، ويجوزُ رفعُهُ خبرًا لمبتدأ محذوف، ويدلَّ عليه رواية الحربي في
المناسك بلفظ: ((فَقَالَ لَهُ: انْحَرْهَا قَائِمَةً فَإِنَّهَا سُنَّهُ مُحَمَّدٍ)) والحديثُ: يدلّ على
استحبابٍ نحر الإبل قيامًا مقيدة، قال الباجي: وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء
(٢٦٦١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧١٣)، ومُسْلِم (٣٥٨/ ١٣٢٠) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبُو دَاوُد (١٧٦٨)،
والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٤١٣٤).
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الهُدِي
٢٣٧
غير الحسن البصري في قَوْلِه: تنحر باركة. والأصلُ في ذلك حديث أنس عند
البخاري: أنَّ النَّبِي ◌َّ نحر بيده سبعة بدن قيامًا.
قال الشيخُ أبو بكرٍ: إنما كان ذلك في الإبل؛ لأنَّهُ أمكن لمن ينحرها؛ لأنَّهُ
يطعن في لبتها، وأماً البقر والغنم التي سنتها الذبح فإنَّ إِضْجَاعَها أمكنُ لتناول
ذبحها، فالسنةُ إضْجَاعُها، وروى محمد عن مالك: أن الشأن أن تنحر البدن قائمةً
قد صفت يداها بالقيد، وقال ذلك ابنُ حبيب في قَوْلِه تعالى: ﴿فَذَّكُرُواْ اسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا
صَوَآَفَّ﴾ [الحج: ٣٦] وقد روى محمد عن مالك أيضًا: لا يعقلها إلا من خاف أن
يضعف عنها، انتهى.
وقال ابنُ قُدَامة (ج ٣ : ص ٤٣١): السنةُ نحرُ الإبلِ قائمةً معقولة يدها اليسرى،
فيضربها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، وممن استحبَّ ذلك
مالك والشافعي وإسحاق وَابْن المنذر، واستحبَّ عطاء نحرَهَا باركةً - وهذا
مخالف للسنة - وجوَّز الثوريُّ وأصحابُ الرأي كلَّ ذلك، ولنا حَدِيث ابنِ عُمَر عند
الشيخين وحديث جابر عند أبي داود، وفي قول الله تعالى: ﴿وَجَتْ جُنُوبُهَا﴾ دليل
على أنها تنحر قائمة، ويروى في تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَّكُرُواْ اسْمَ اُللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾
أي: قيامًا وتجزئه كيفما نحر. قال أحمد: ينحرُ البدن معقولة على ثلاث قوائم،
وإن خشى عليها أن تنفر أناخها، انتهى.
قلتُ: وبذلك قالت الحنفية، ففي ((المضمرات)): السنة أن ينحر البعير قائمًا،
وتذبح الشاة والبقرة مضطجعة، ذكره ابنُ عابدين. وفي ((الهداية)): الأفضلُ في
البدنِ النحرُ، وفي البقرِ والغنمِ الذبحُ، ثم إن شاء نحرَ الإبل في الهدايا قيامًا أو
أضجعها، وأي ذلك فعل فهو حسن، والأفضل أن ينحرها قيامًا؛ لما رُوِي: أنه وَ ل
نحرَ الهدايا قيامًا وأصحابه كانوا ينحرونها قيامًا معقولة يدها اليسرى، انتهى.
وقال ابنُ الهمام بعد ذكر حَدِيث جَابِر عن أبي داود المتقدم: وإنما سنَّ النبيُّ وَل
النحرَ قيامًا عملًاَ بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] والوجوب
السقوط، وتحققه في حال القيام أظهر. قال: والاستدلال بقولِ اللَّه تعالى:
﴿ فَاذَكُرُواْ اسْمَ الَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ أظهر، وقد فسَّرَهُ ابنُ عباسٍ بقوله: قيامًا، على ثلاث
قوائم، وهو إنما يكون بعقل الركبة، والأولى كونه اليسرى للاتباع، رواه أبُو دَاوُد
٢٣٨
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
بإسناد صحيح على شرط مسلم. قال: والحاصلُ أن القيام أفضل، فإن لم يتسهل؛
فالقعود أفضل من الاضطجاع. انتهى.
قال الحافظُ في ((الفتح)): في حَدِيث ابنِ عُمَر استحباب نحر الإبل على الصفةِ
المذكورة، وعن الحنفية يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة. انتهى.
قلتُ: هَذَا خلاف ما وقعَ في عامة فروع الحنفية كما تقدَّم، ولعلَّ منشأ ما حكى
الحافظُ والنوويُّ عن الحنفية من استواء البروك والقيام في الفضيلة هو ما ذكره ابن
الهمام في ((فتح القدير)) عن أبي حنيفة: نحرتُ بدنةً قائمة فكدت أَهْلَك قيامًا من
الناسِ؛ لأنَّهَا نَفَرت فاعتقدت أن لا أنحر بعد ذلك إلا باركة معقولة، وأستعينُ عليه
بمن هو أقوى مني. انتهى. وهذا كما ترى مبني على خشيةِ النفورِ لا مطلقًا.
قال الحافظُ: وفِي الحَدِيث تعليم الجاهل وعدم السكوت على مخالف السنة
وإن كان مباحًا، وفيه أن قول الصحابي: ((من السنة كذا)) مرفوع عند الشيخين؛
لاحتجاجهما بِهَذَا الحَدِيث في صحيحيهما.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد (ج٢: ص ٣) وأبو دَاوُد والنَّسَائِي والدارمي
والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٢٣٧).
٢٦٦٢ - [١٢] وَعَنْ عَلِيٍّ رَوُلَّهُ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ أَنْ أَقُومَ
عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ
مِنْهَا، قَالَ: ((نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٦٢ - قوله: (أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ) بضمِّ الباء وسكون الدال جمع بَدَنة،
والمرادُ: بدنه التي أهداها إلى مكّة في حجة الوداع ومجموعها مائة كما تقدَّم،
وفيه جواز الإنابة في نحرِ الهدي وتفرقته. قال الحافظ: قوله: ((أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ))
(٢٦٦٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧١٧)، ومُسْلِم (٣٤٨/ ١٣١٧) فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. كَرَّمَ اللهُ
وَجْهَهُ . أَبُو دَاوُد (١٧٦٩)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٢١٤٢)، وابن مَاجَهْ (٣٠٩٩).
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَأبَ الهدِي
يين
٢٣٩
أي: عندَ نحرها للاحتفاظِ بها، ويحتملُ أن يريد ما هو أعمُّ من ذلك، أي: على
مصالحها في علفها ورعيها وسقيها وغير ذلك. (وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا) المراد: أنه
يقسِّمُ لحومَها على المساكين، إلا ما أمر به من كل بدنة ببضعة فطبخت كما مرَّ في
حَدِيث جَابِرِ الطويل. (وَجُلُودِهَا) قال الكرماني: فيه أنه لا يجوز بيع جلود الهدايا
والضحايا، كما هو ظاهر الحديث؛ إذ الأمر حقيقة في الوجوب. انتهى. وتعقبَّهُ
في ((اللامع)) فقال: فيه نظر، فذلك صيغة ((أفعل)) لا لفظ أمر.
وقال الحافظُ: استدل به على منع بيع الجلد. قال القرطبي: فيه دليلٌ على أنَّ
جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم وإعطائها حكمه، وقد اتفقوا على
أنَّ لحمها لا يُباع، فكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق
وأبو ثور وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ويصرف ثمنه مصرف الأضحية، واستدلَّ
أبو ثورٍ على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع به، وكل ما جاز الانتفاع به؛ جاز بيعه،
وعورض باتفاقهم على جوازِ الأكل من لحمٍ هدي التطوع، ولا يلزمُ من جواز أكله
جواز بيعه، وأقوى من ذلك في ردِّ قوله ما أخرجه أحمد في حديث قتادة بن النعمان
مَرْفُوعًا: ((لَا تَبِيعُوا لُحُومَ الْأَضَاحِي وِالْهَدْيِ وَتَصَرَّفُوا وَكُلُوا وَاسْتَمْتَعُوا بِجُلُودِهَا وَلَا
تَبِيعُوا، وَإِنْ أُطْعِمْتُمْ مِنْ لُحُومِهَا فَكُلُوا إِنْ شِئْتُمْ)). انتهى كَلَام الحَافِظ.
وقال النووي في ((شرح المهذب)): مذهبنا أنه لا يجوزُ بيعُ جلدِ الهدي
والأضحية ولا غيره من أجزائها لا بما ينتفع به في البيت ولا بغيره، وبه قال عطاء
ومالك وأحمد وإسحاق، هكذا حكاه عنهم ابنُ المنذر، ثم حكى عن ابنِ عمر
وأحمد وإسحاق: أنه لا بأسَ أن يبيعَ جلدَ هديه ويتصدق بثمنه، قال: ورخَّص فيه
أبو ثور، وقال النخعي والأوزاعي: لا بأسَ أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس
والميزان ونحوها. انتهى.
قلتُ: ونحوه مذهب الحنفية، ففي ((الدر المختار)): ويتصدق بجلدها، أو يعمل
منه نحو غربال وجراب وقربة وسفرة ودلو، أو يبدله بما ينتفع به باقيًا لا بمستهلك
كخل ولحم ونحوه كدارهم، فإن بيع اللحم أو الجلد به - أي: بمستهلك - أو
بدارهم تصدق بثمنه، ومفاده صحة البيع - وهو قول أبي حنيفة ومحمد كما في
((البدائع)) - مع الكراهة، وعن أبي يوسف باطل؛ لأنه كالوقف. انتهى.