Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
٢٦٤٢ - [١] عَنْ جَابِرِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَلِّهِ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ
النَّحْرِ، وَيَقُولُ: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِّكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي، لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي
هَذِهِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٦٤٢ - قوله: (رَأَيْتُ النَِّيِّ نَّهِ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ) هَذَا يدلُّ على أن
رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا أفضل من رميها راجلًا وماشيًا، وحكى النووي
في ((شرح مسلم)) عن الشافعي وموافقيه أنه يستحب لمن وصل راكبًا أن يرمي راكبًا
ولو رمى ماشيًا؛ جاز، ومن وصلها ماشيًا فيرميها ماشيًا. قال: وهذا في يوم
النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق، فالسنة أن يرمي فيهما الجمرات
الثلاثة ماشيًا، وفي اليوم الثالث يرمي راكبًا. وكذا قال في ((مناسكه)).
وقال ابنُ قدامة (ج٣: ص ٤٢٨): ويرميها راكبًا أو راجلًا كيف ما شاء؛ لأنَّ
النبيَّ وَّ رماها على راحلته، رواه جابر وَابْن عمر وأم أبي الأحوص وغَيْرهم. قال
جابر: رأيتُ النبيَّ رَّه يرمي على راحلته يوم النحر ... والحديث. رواه مسلم.
وقال نافع: كانَ ابنُ عُمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتي
سائرها بعد ذلك إلا ماشيًا ذاهبًا وراجعًا، رواه أحمدُ في ((المسندٍ))، وفي هَذَا بيان
للفرق بين هذه الجمرة وغيرها؛ ولأن رمى هذه الجمرة مما يستحب البداية به في
هَذَا اليوم عند قدومه، ولا يسن عندها وقوف، ولو سن له المشي إليها لشغله النزول
عن البداية بها والتعجيل إليه بخلاف سائرها. انتهى.
وقال الدسوقي من المالكية: يندبُ أن يرمي جمرة العقبة حين وصوله على
الحالة التي وصلها من ركوب أو مشي، فلا يصبر حتى ينزل أو يركب؛ لأن فيه عدم
(٢٦٤٢) مُسْلِم (١٢٩٧/٣١٠)، وَأَبُو دَاوُد (١٩٧٠)، وَالنَّسَائِي (٢٧٠/٥) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ .
١٦١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابِ رَمْي الْجِمَارِ
الاستعجال برميها. انتهى. وقال الباجي: قد قال مالك في ((المبسوط)): الشأن يوم
النحر أن يرمي جمرة العقبة راكبًا كما يأتي الناس على دوابهم، وأما في غير يوم
النحر فكان يقول: يرمي ماشيًا، والأصل في ذلك أنه يرمي جمرة العقبة متصلاً
بوروده، وأما في سائر الأيام فإن المشي إليها تواضع ويحتاج إلى الدعاء عند
الجمرتين، فلو ركب الناس لضاق بهم المكان. انتهى.
وقال العَيْنِي: قال أصحابنا الحنفية: كلُّ رمي بعده رمي كالجمرتين الأوليين في
الأيام الثلاثة يرمى ماشيًّا. وإن لم يكن بعده رمي كرمي جمرة العقبة يوم النحر
والجمرة الأخيرة في الأيام الثلاثة فيرمي راكبًا، هَذَا هو الفضيلة، وأما الجوازُ
فثابت كيفما كان. انتهى.
وقال ابنُ عابدين: والضابط عندنا أن كل رمي يقف بعده، فإنه يرميه ماشيًا وهو
كل رمي بعده رمي كما مر، وما لا فلا، ثم هَذَا التفصيل قول أبي يوسف وله حكاية
مشهورة ذكرها الطحطاوي وغيره، وهو مختار كثير من المشائخ كصاحب
((الهداية)) و((الكافي)) و((البدائع)) وغَيْرهم.
وأما قولهما فذكر في ((البحرِ)) أنَّ الأفضلَ الركوب في الكلِّ على ما في الخانيةِ،
والمشي في الكلِّ على ما في الظهيرية، وقال: فتحصل أنَّ في المسألةِ ثلاثة
أقوال. ورجَّح الشيخُ كمال الدين بن الهمام ما في الظهيرية بأن أداءها ماشيًا أقرب
إلى التواضع والخشوع وخصوصًا في هَذَا الزمان، فإنَّ عامة المسلمين مشاة في
جميع الرمي فلا يؤمن من الأذى بالركوب بينهم بالزحمة، ورميه عليه الصلاة
والسلام راكبًا إنما هو ليظهر فعله ليقتدى به كطوافه راكبًا. انتهى. وفي ((المرقاة)):
وروى البيهقي وابن عبد البر أنه عليه الصلاة والسلام رمى أيام التشريق ماشيًا. زاد
البيهقي: فإن صحَّ هَذَا؛ كان أولى بالاتباع، وقال غيره: قد صحَّحه الترمذي
وغيره. وزاد ابنُ عبد البر: وفعله جماعة من الخلفاء بعده وعليه العمل. وحسبك
ما رواه القاسم بن محمد من فعل الناس، ولا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام وقف
بعرفة راكبًا ورمى الجمار ماشيًا، وذلك محفوظ من حديث جابر، انتهى. ويستثنى
منه رمي جمرة العقبة في أول أيام النحر كما لا يخفى. (وَيَقُولُ) عطف على.
(يَرْمِي) فيكون من قبيل: علفتها تبنًا وماءً باردًا. أو الجملة حالية.
١٦٢
*8
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ) قال النووي: هذه اللامُ لام الأمر ومعناه: خذوا مناسککم،
وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من
الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم فخذوها عني
واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس. وهذا الحديث أصل عظيم في
مناسك الحجِّ وهو نحو قوله بَّ في الصلاة: ((صَلَّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))،
انتھی .
قال الطيبي: ويجوز أن تكون اللام للتعليل والمعلل محذوف أي: يقول: إنما
فعلت لتأخذوا عني مناسككم. انتهى. ويؤيد الأول ما ورد عند النسائي والْبَيْهَقِي
بلفظ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). وقال القرطبي: روايتنا لهذا الحديث بلام الجرِّ
المفتوحة والنون التي هي مع الألف ضمير، أي: يقول لنا خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فيكون
قوله: ((لنا))، صلة للقول، قال: هو الأفصحُ، وقد روي: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ))
بكسر اللام للأمر، وبالتاء المثناة من فوق، وهي لغة قرأ بها رسول اللّه وَّ فِي قَوْلِه
تعالى: ﴿فَذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨] انتهى.
قال السندي في ((حاشية النسائي)): ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) أي: تعلموها مني
واحفظوها، وهذا لا يدلَّ على وجوب المناسك، وإنما يدلُّ على وجوب أخذها
وتعلمها، فمن استدل به على وجوب شيء من المناسك، فاستدلاله في محل
النظر؛ فليتأمل. انتهى. وكذا قال في ((حاشية مسلم))، وعلّل ذلك بقوله: إذ
وجوب تعلم الشيء لا يدل على وجوب ذلك الشيء، إذ جميع المندوبات والسنن
يجب أخذها وتعلمها ولو على وجه الكفاية، وهي غير واجبة عملًا فافهم، والله
تعالى أعلم.
(فَإِنِّي لَا أَدْرِي) مفعوله محذوف أي: لا أعلم ماذا يكون. (لَعَلِّ لَا أَحُجُّ بَعْدَ
حَجَّتِي) بفتح الحاء، وهي يحتمل أنْ يَكُون مصدرًا، وأن يكون بمعنى السنة. (هذه)
أي: التي أنا فيها.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد وأبو دَاوُد والنَّسَائِ والْبَيْهَقِي (ج ٥: ص ١٣٠)
قال المزي: هَذَا الحديثُ في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي بكر بن داسة، ولم
يذكره أبو القاسم - أي: اللؤلؤي - ولذا لم يذكره الْمُنْذِرِي في ((مختصر السنن)).
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٍ رَمْي الْجِمَارِ
١٦٣
٢٦٤٣ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ رَمَى الْجَمْرَةَ، بِمِثْلِ
حَصَى الْخَذْفِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيحٍ}
الشرح
٢٦٤٣ - قوله: (بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ) تقدَّم ضبطه ومعناه في شرح حَدِيث
جَابِر الطويل، وهو دليل على استحباب كون الحصى في هَذَا المقدار، قال
القاري: وهو قدر حبة الباقلي أو النواة أو الأنملة فيكره أصغر من ذلك وأكبر منه،
وذلك للنهي عن الثاني في الخبر الصحيح: ((بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءٍ فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي
الدِّينِ))، انتهى. وقال في (ردِّ المحتار)): إنها مقدار الباقلاء، قال في النهر: وهذا
بيان المندوب، وأما الجواز فيكون ولو بالأكبر مع الكراهة. انتهى. قال الشيخُ
ولي اللَّه الدهلوي: وإنما رمى بمثل حصى الخذف؛ لأن دونها غير محسوس،
وفوقها ربما يؤذي في مثل هَذَا الموضع، والحديث رواه الدارمي والْبَيْهَقِي (ج٥ :
ص ١٢٧) من طريق سفيان عن أبي الزبير عن جابر: أن النَّبِي ◌َّ أمرهم أن يرموا
بمثل حصى الخذف. قال الزرقاني: أمرهم ◌َ لّ مع رميه بمثلها لأنهم كلهم لم يروا
رميه لكثرتهم. انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا الترمذي والنَّسَائِي والْبَيْهَقِي
(ج٥: ص ١٢٧).
٢٦٤٤ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللّهِ نَّهِ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ
ضُحَّى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا زَالَتِ الْشَّمْسُ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٤٤ - قوله: (رَمَى رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ الْجَمْرَةَ) أي: جمرة العقبة. (يَوْمَ النَّحْرِ)
(٢٦٤٣) مُسْلِم (١٢٩٩/٣١٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٨٩٧)، وَالنَّسَائِى (٢٧٤/٥) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ.
(٢٦٤٤) مُسْلِم (٣١٤/ ١٣٠٠)، وأَبُو دَاوُد (١٩٧١)، والتِّرْمِذِي (٨٩٤)، وابْنُ مَاجَه (٣٠٥٣)،
والتَّسَائِي (٥/ ٢٧٠) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ .
١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: يوم العيد. (ضُحَّى) قال العراقي: الرواية فيه بالتنوين على أنه مصروف وهو
مذهب النحاة من أهل البصرة سواء قصد التعريف أو التنكير. وقال الجوهري:
تقول: لقيته ضُحَّى وضُحَى، إذا أردت به ضُحَى يومك لم تنونه - يعني: أنه منون
عند التنكير وغير منون عند التعريف - وقال: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم
بعده الضحى وهي حين تشرق الشمس، مقصورة تؤنث وتذكر، فمن أنَّث ذهبَ
إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على فُعَل مثل صرد ونغر، وهو
ظرف غير متمكن مثل سحر، قال: ثم بعده الضحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع
النهار الأعلى، ومنه قول عمر رَوَّلَهُ: يا عباد الله أضحوا لصلاة الضحى، يعني: لا
تصلوها إلا إلى ارتفاع الضحى. انتهى. وقد تحصل من هَذَا أن الضحوة وقت
طلوع الشمس، والضحى وقت شروقها، والضحاء وقت ارتفاعها. قال القاري:
قوله: (ضحى))، أي: وقت الضحوة من بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال.
(وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد يوم النحر وهو أيام التشريق. (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ)
أي: فيرمي بعد الزوال، قال العَيْنِي (ج١٠: ص ٨٦): يستفاد منه أن الرمي في أيام
التشريق محله بعد زوال الشمس وهو كذلك، وقد اتفق عليه الأئمة، وخالف أبو
حنيفة في اليوم الثالث منها فقال: يجوز الرمي فيه قبل الزوال استحسانًا - مع
الكراهة التنزيهية - وقالَ: إن رمى في اليوم الأول أو الثاني قبل الزوال؛ أعاد وفي
الثالث يجزئه. وقال عطاء وطاوس: يجوز في الثلاثة قبل الزوال. انتهى.
وقال ابنُ الهمام: أفادَ حديث جابرٍ أنَّ وقتَ الرمي في اليوم الثاني لا يدخلُ إلا
بعدَ ذلك، وكذا في اليوم الثالث، وفي روايةٍ غير مشهورة عن أبي حنيفةً قال:
أحبُّ إليَّ أن لا يرمي في اليوم الثاني والثالث حتى تزول الشمس، فإن رمى قبل
ذلك؛ أجزأه، وحمل المروي من فعله عليه الصلاة والسلام على اختيار الأفضل
وجه الظاهر اتباع المنقول؛ لعدم المعقولية، كذا في ((المرقاة)). وروى البخاري
عن ابن عمر كما سيأتي في باب خطبة يوم النحر: قال: كنا نتحين - أي: نراقب
الوقت - فإذا زالت الشمس رمينا .
قال الحافظُ: فيه دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد
الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال
١٦٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابِ رَمْيِ الْجِمَارِ
مطلقًا، ورخص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال. وقال إسحاق: إن رمى
قبل الزوال؛ أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزئه. انتهى.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)) بعد ذكر كلام الحافظ: لا دليل على ما ذهب إليه
عطاء وطاوس لا من فعل النَّبِي ◌َّ ولا من قولهِ. وأما ترخيص الحنفية في الرمي
في يوم النفر قبل الزوال، فاستدلوا عليه بأثر ابن عباس الآتي وهو ضعيف،
فالمعتمد ما قال به الجمهور. قال في ((الهداية)»: إن قدم الرمي في اليوم الرابع قبل
الزوال بعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة، وهذا استحسان. وقالا: لا يجوزُ
اعتبارًا بسائر الأيام، وإنما التفاوت في رُخصة النفر، فإذا لم يترخّص؛ التحق بها،
و مذهبه مروي عن ابن عباس. انتهى.
قال ابنُ الهمام: أخرج البيهقي عنه: ((إذا انتفخَ النهارُ من يوم النفر؛ فقد حلَّ
الرمي والصدر: والانتفاخ)) الارتفاع، وفي سنده طلحة بن عمرو ضعفه البيهقي.
قال ابنُ الهمام: ولا شك أنَّ المعتمدَ في تعيين الوقت للرمي في الأول من أول
النهار، وفيما بعده من بعد الزوال ليس إلا فعله كذلك مع أنه غير معقول - أي : لا
مدخل للعقل فيه - ولا يدخل وقته قبل الوقت الَّذِي فعله فيه عليه الصلاة والسلام
كما لا يفعلُ في غير ذلك المكان الَّذِي رمى فيه عليه الصلاة والسلام، وإنما رمى
عليه الصلاة والسلام في الرابع بعد الزوال، فلا يرمى قبله. انتهى. وذكر
الشنقيطي في ((أضواءِ البيان)) حَدِيث جَابِرِ الَّذِي نحن فِي شَرْحِهِ وحَدِيث ابنِ عُمَرِ
المتقدِّم وحديث عائشة عند أحمد وأبي داود بلفظ: أفاضَ رسولُ اللهِ وَلّ آخر يوم
حين صلَّى الظهر، ثم رجعَ إلى منى، فمكثَ بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة
إذا زالت الشمس ... الحديث، وحديث ابنِ عبَّاسٍ عندَ أحمد (ج١: ص ٢٤٨،
٢٩٠، ٣٢٨) والترمذي وابن ماجه بلفظ: رَمَى رسولُ اللهِ وَلّ الجمارَ حينَ زالت
الشمس. ثم قال: وبهذه النصوص الثابتة عن النَّبِي ◌َّ تعلم أن قول عطاء وطاوس
بجوازِ الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر
قبلَ الزوالِ، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث؛ أجزأَهُ كل ذلك
خلاف التَحْقِيق؛ لأنَّهُ مخالف لفعل النَِّي وََّ الثابت عنه المعتضد بقوله: (لِتَأْخُذُوا
عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) ولذلك خالفَ أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد وأبو
يوسف، ولم يرد في كتاب الله ولا سنة نبيه وَ لَه شيء يخالف ذلك، فالقولُ بالرمي
١٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له البتة مع مخالفته للسنة الثابتة عنه وَالخلية، فلا
ينبغي لأحدٍ أن يفعلَهُ، والعلم عند الله تعالى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاريُّ في باب رمي الجمار، معلقًا مجزومًا ومسلم
موصولًا، وكذا أخرجَهُ موصولًا أحمد والترمذي وأبو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن ماجه
وَابْن خزيمة وَابْن حِبَّان وإسحاق بن راهويه والدارمي والْبَيْهَقِي (ج٥: ١٣١،
١٤٩).
٢٦٤٥ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ
الْكُبْرَى، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنَّى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ،
يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٤٥ - قوله: (انْتَهَى) أي: وصل. (إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) أي: جمرة
العقبة، ووهم الطيبي فقال: أي: الجمرة التي عند مسجد الخيف. قال الحافظ:
وتمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر،
وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى، ومن أسفلها استحبابًا. قال: وجمرة العقبة
هي الجمرة الكبرى وليست من منى بل هي حد منى من جهة مكة وهي التي بايع
النَّبِي وَّ الأنصار عندها على الهجرة. (فَجَعَلَ الْبَيْتَ) أي: الكعبة. (عَنْ يَسَارِهِ
وَمِنَّى عَنْ يَمِينِهِ) فيه أنه يستحب لمن وقف عند جمرة العقبة أن يجعل مكة عن يساره
ومنى على جهة يمينه ويستقبل الجمرة بوجهه، وروى أحمد (ج١: ص ٤٣٠،
٤٣٢) والترمذي وابن ماجه حديث ابن مسعود هَذَا بلفظ: لما أتى عبدُ اللهِ جمرةً
العقبةِ استبطنَ الوادي - أي: قصد بطن الوادي ليقوم فيه للرمي - واستقبلَ القبلةَ.
قال الحافظ بعد ذكره: وما رواه البخاري هو الصحيح، وهذا - أي ما رواه
(٢٦٤٥) البُخَارِي (١٧٤٩)، ومسلم (١٢٩٦ /٣٠٧)، وأَبُو دَاوُد (١٩٧٤)، والتِّرْمِذِي (٩٠١)،
والتَّسَائِي (٢٧٣/٥)، وابنُ ماجَهْ (٣٠٣٠) فِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
١٦٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَاب رَمْي الْجِمَارِ
أحمد والترمذي وَابْن ماجه - شاذ، في إسناده المسعودي، وقد اختلط، وبالأول
قال الجمهور، وجزم الرافعي من الشافعية بأنه يستقبل الجمرة ويستدبر القبلة،
وقيل: يستقبلُ القبلة ويجعل الجمرة عن يمينه، وقد أجمعوا على أنه من حيث
رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو
وسطها، والاختلاف في الأفضل. انتهى.
فالأفضل عند الجمهور الكيفية التي وردت في حديث ابن مسعود عند الشيخين
وغَيْرهما. قال النووي في ((شرح مسلم)): في حديث ابن مسعود استحباب كون
الرمي من بطن الوادي، فيستحب أن يقف تحتها في بطن الوادي، فيجعل مكة عن
يساره ومنى عن يمينه ويستقبل جمرة العقبة ويرميها بالحصيات السبع، وهذا هو
الصحيح في مذهبنا وبه قال جمهور العلماء.
وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرًا مكة. وقال
بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه
والصحيح الأول. انتهى.
وقال ابنُ بطال: رمي جمرة العقبة من حيث تيسر من العقبة من أسفلها أو أعلاها
أو وسطها، كل ذلك واسع، والموضع الَّذِي يختار بها بطن الوادي من أجل حديث
ابن مسعود، وكان جابر بن عبد الله يرميها من بطن الوادي، وبه قال عطاء وسالم
وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال مالك: رميها من أسفلها أحب إلي، وقد روي عن عُمر رَضَِّهُ أنه جاءَّ
والزحام عند الجمرة، فصعد فرماها من فوقها، ذكره العَيْنِي (ج ١٠: ص ٨٧) وأما
الجمرة الأولى - أي: الجمرة الدُنيا - بضم الدال وبكسرها - أي: القريبة إلى
جهة مسجد الخيف - والثانية فيرمي مستقبل القبلة عندهم جميعًا ندبًا لا وجوبًا.
(وَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) بفتحِ الصاد والياء جمع حصاة، وفيه دليل على أن رمي
الجمرة يكون بسبع حصياتٍ، وقد ترجمَ البخاريُّ لحديث ابن مسعود هذا: باب
رمي الجمار بسبع حصيات. قال الحافظُ: أشار في الترجمة إلى ردِّ ما رواه قتادة
عن ابن عُمر، قال: ما أبالي رميت الجمار بست أو سبع، وقد أنكرَ ذلك ابن عباس
وقتادة لم يسمعْ من ابنِ عمر، أخرجَهُ ابن أبي شيبة من طريق قتادة، وروي من
١٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
طريق مجاهد: من رمى بست فلا شيء عليه. ومن طريق طاوس يتصدَّق بشيء،
وعن مالك والأوزاعي: مَن رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم، وعن
الشافعية: في ترك حصاة مد، وفي ترك حصاتين مدان، وفي ثلاثة فأكثر دم. وعن
الحنفية: إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم. انتهى.
وقال العَيْنِي: يستفادُ من حديث ابن مسعود أن رمي الجمرة لا بد أنْ يَكُون بسبع
حصيات وهو قول أكثر العلماء، وذهب عطاء إلى أنه إن رمى بخمس أجزأه. وقال
مجاهد: إن رمى بست فلا شيء عليه، وبه قال أحمد وإسحاق، واحتجَّ مَن قال
بذلك بما رواه النسائي من حديث سعد بن مالك رَضِوقلَّهُ قال: رجعنا في الحجة مع
التَّبِي ◌َّه وبعضنا يقول: رميت بست حصيات، وبعضنا يقول: رميت بسبع، فلم
يعب بعضنا على بعض، وروى أبُو دَاوُد والنَّسَائِي أيضًا من رواية أبي مجلز قال:
سألتُ ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عن شيءٍ من أمر الجمار فقال: ما أدري
رماها رسول اللَّه وَلَهبست أو سبع. والصحيحُ الَّذِي عليه الجمهور: أنَّ الواجبَ
سبع كما صحَّ من حديث ابن مسعود وجابر وَابْن عباس وَابْن عمر وغَيْرهم.
وأجيب عن حديث سعد بأنه ليس بمسند، وعن حديث ابن عباس أنه ورد على
الشك من ابن عباس، وشك الشاك لا يقدحُ في جزم الجازم، ومن رماها بأقل من
سبع حصيات، فذهب الجمهور فيما حكاه القاضي عياض إلى أن عليه دمًا، وهو
قول مالك والأوزاعي.
وذهب الشافعيُّ وأبو ثور إلى أن على تارك حصاة مدًّا من طعام وفي اثنتين مدين
وفي ثلاث فأكثر دمًا، وللشافعي قول آخر أن في الحصاة ثلث دم، وله قول آخر أن
في الحصاة درهمًا. وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف
الجمرات الثلاث؛ فعليه دم، وإن ترك أقل من نصفها، ففي كل حصاة نصف
صاع، انتهى.
(يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) فيه أنه يستحب التكبير عند رمي حصى الجمار. قال
النووي: استحباب التكبير مع كل حصاة هو مذهبنا ومذهب مالك والعلماء كافة.
قال القاضي عياض: وأجمعوا على أنه لو ترك التكبير لا شيء عليه. وقال الحافظ:
قد أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء إلا الثوري فقال: يطعم، وإن جبره بدم
١٦٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابِ رَمْي الْجِمَارِ
أحب إلي. انتهى. وذكر الطبري عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر
عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزأه. قال: وإنما جعل الرمي في ذلك بالحصي سببًا
لحفظ التكبيرات السبع كما جعل عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العددِ، وذكر
عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز والنوى يسبح به قال: حسن قد كانت عائشة
تقول: إنما الحصى للجمار ليحفظ به التكبيرات. انتهى.
واستدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على اشتراط رمي الجمار واحدة واحدة لقوله: ((يُكَبِّرُ مَعَ
كُلِّ حَصَاةٍ)) وقد قال ◌ََّ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))، وخالفَ في ذلك عطاء وصاحبه
أبو حنيفة فقالا: لو رمى السبع دفعة واحدة أجزأه، كذا ذكره الحافظ. وقال ابنُ
قُدامة: وإن رمى الحصاة دفعة واحدة لم يجزه إلا عن واحدة، نص عليه أحمد،
وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء: يجزئه ويكبر لكل
حصاة. انتهى.
وما ذكره الحافظ من موافقة أبي حنيفة لعطاء في إجزاء رمي السبع دفعة واحدة
لعله أخذه عن صاحب ((التوضيح)) من الشافعية كما سيأتي في كلام العَيْنِي أو عن
الكرماني، فإنه ذهب إلى ذلك حيث قال: إذا وقعت السبع متفرقة على مواضع
الجمرات جاز، كما لو جمع بين أسواط الحد بضربة واحدة وإن وقعت على مكان
واحد لا يجوز، وليس هَذَا مشهورًا في مذهب الحنفية، بل المصرح في فروعهم
عدم الإجزاء مطلقًا كما هو قول الأئمة الثلاثة. ففي ((الهداية)): لو رمي بسبع
حصيات جملة فهذه الجملة واحدة؛ لأنَّ المنصوص عليه تفرق الأفعال، قال
العَيْنِي في ((البناية)): أي: لأن المنصوص هو فعل الرمي بسبع حصيات متفرقات لا
عين الحصيات. انتهى. وفي ((الغنية)): الخامس - من الشرائط - تفريق الرميات،
فلو رمى بسبع حصيات أو أكثر جملة واحدة لا يجزئه إلا عن واحدة ولو متفرقة عند
الأربعة لا خلافًا لما في الكرماني أنها إذا وقعت متفرفة جاز، وتمامه في
((المنحة))، انتهى. وفي ((اللباب)): الرابع: تفريق الرميات، فلو رمى بسبع
حصيات جملة واحدة لم يجزه إلا عن حصاة واحد.
قال القاري: لأن المنصوص عليه تفريق الأفعال لا عين الحصيات، فإذا أتى
بفعل واحد لا يكون إلا عن حصاة واحدة؛ لاندراجها في ضمن الجملة، إلى آخر
١٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ما قال. وقال العَيْنِي: اختلفوا فيمن رمى سبع حصيات مرة واحدة، فقال مالك
والشافعي: لا يجزئه إلا عن حَصَاة واحدة ويرمي بعدها ستًّا، وقال عطاء: تجزئه
عن السبع وهو قول أبي حنيفة، وهذا الَّذِي ذكر عن أبي حنيفة ذكره صاحب
((التوضيح))، وذكر في ((المحيط)): ولو رمى إحدى الجمار بسبع حصيات رمية
واحدة فهي بمنزلة حصاة، وكان عليه أن يرمي ستَّ مراتٍ. قال العَيْنِي: العمدة
في النقل عن صاحب مذهب من المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك
المذهب، انتھی.
فائدة:
قال الحافظ: زاد محمدُ بنُ عبد الرحمن بن يزيد النخعي عن أبيه في هَذَا
الحديث (عند أحمد ج ١ : ص ٤٢٧) عن ابن مسعود أنه لما فرغ من رمي جمرة
العقبة قال: ((اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا)). انتهى. وروى البيهقي في
((السنن)) (ج٥: ص ١٢٩) عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه استبطنَ الوادي ثم رمي
الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة: الله أكبر، الله أكبر، اللهم اجعله حجًّا
مبرورًا وذنبًا مغفورًا وعملًا مشكورًا. وقال: حدثني أبي: أن النَّبِي وَّ كان يرمي
الجمرة في هَذَا المكان، ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت. قال البيهقي:
عبد الله بن حكيم بن الأزهر ضعيف، وروى حنبل في ((المناسك)) عن زيد بن أسلم
عن سالم بن عبد اللَّه مثل ذلك كما في ((المغني)).
(ثُمَّ قَالَ) أي: ابن مسعود. (هَكَذَا رَمَى) بصيغة الفعل. (الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ
الْبَقَرَةِ) قال ابن المنير: خصَّ عبدُ اللَّه سورة البقرة بالذكر؛ لأنَّهَا التي ذكر اللَّه فيها
الرمي فأشارَ إلى أن فعله وَلّ مبين لمراد كتاب الله تعالى. قال الحافظ: ولم أعرف
موضع ذكر الرمي من سورة البقرة، والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيرًا من أفعال
الحج مذكور فيها، فكأنه قال: هكذا رمى الَّذِي أنزلت عليه أحكام المناسك؛
منبهًا بذلك على أن أفعال الحج توقيفية. وقيل: خص البقرة بذلك؛ لطولها وعظم
قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام. انتهى.
وقال في ((اللمعات)) بعد ذكر كلام الحافظ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي فيها،
قلت: لعلّ الإشارة إلى ذكر الرمي في قَوْلِه تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيّ أَيَّامٍ
١٧١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابِ رَمْي الجمّار
مَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخََّ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فإن
الرمي في تلك الأيام، وينبئ عنه أول حديثي عائشة في الفصل الثاني. انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد مختصرًا ومطولًا مرارًا (ج١: ص ٣٧٤،
٤٠٨، ٤١٥، ٤٢٢، ٤٢٧، ٤٣٦، ٤٥٧، ٤٥٨) وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي
وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٢٩، ١٤٨).
٢٦٤٦ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ: ((الإِسْتِجْمَارُ تَوٍّ،
وَرَمْيُ الْحِمَارِ تَوّ، وَالسَّعْيُ بَيَّنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَوِّ، وَالطَّوَافُ تَوٍّ، وَإِذَا
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوِّ).
الشرح
٢٦٤٦ - قوله: (الإِسْتِجْمَارُ) أي: الاستنجاء بالأحجار. (تَوِّ) بفتحِ المثناة
الفوقية وتشديد الواو، أي: فرد، قال النووي: التوُّ - بفتح التاء المثناة فوق
وتشديد الواو - هو الوتر، والمرادُ بالاستجمار: الاستنجاء. انتهى. والإِيتار
والفردية هنا بالثلاثة، وفي البواقي بالسبعة بدليل الأحاديث المصرحة بذلك. وقد
تقدَّم في باب آداب الخلاء أن الإيتار بالثلاثة في الاستنجاء واجب. (وَرَمْيُ الْجِمَارِ)
في الحج. (تَوِّ) أي: سبع حصيات وكلها واجبة. (وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَوِّ)
أي: سبع وكلها واجبة. (وَالطَّوَافُ تَوِّ) أي: سبعة أشواط وكلها فرائض عند
الجمهور، وعند الحنفية أربعة أشواط فرض والباقي واجب. قال الجزري في
((النهاية)): يريد أنه يرمي الجمار في الحج فردًا وهي سبع حصيات ويطوف سبعًا
ويسعى سبعًا. وقيل: أراد بفردية الطواف والسعي أن الواجب منهما مرة واحدة لا
تثنى ولا تكرر سواء كان المحرم مفردًا أو قارنًا. (وَإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ
بِتَوِّ) قال المناوي: ليسَ هَذَا تكرارًا، بل المراد بالأول الفعل وبالثاني عدد
الأحجار، وفيه وجوب تعدد الحجر؛ لضرورة تصحيح الإِيتار بما يتقدمه من
الشفع؛ إذ لا قائل بتعيين الإيتار بحجر واحد. انتهى.
(٢٦٤٦) مُسْلِم (١٣٠٠/٣١٥) فِيهِ عَنْ جَابٍِ .
ESEN:
١٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
وقال القاري: الظاهرُ أنَّ الْمَرَاد بالاستجمار هنا أي في قَوْلِهِ: ((إِذَا اسْتَجْمَرَ
أَحَدُكُمْ ... )) إلخ. هو التبخر، فإنه يكون بوضع العود على جمرة النار فيرتفع
التكرار، وهو أولى من قول القاضي عياض وتبعه الطيبي أنَّ الْمَرَاد بالأول الفعل
وبالثاني عدد الأحجار. انتهى. وقال السندي في ((حاشية مسلم)): يحتملُ عندي في
وجوه التكرير أن يحمل الاستجمار في هَذَا الحديث في أحد الموضعين على
الاستنجاء وفي الموضع الآخر على التبخر، كتبخر أكفان الميت ونحوه، واللّه
تعالى أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) هَذَا الحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري ولا أصحاب
السنن، وخرج منه البخاري الاستجمار خاصة من حديث أبي هريرة، والحديثُ
ذكره المحب الطبري في ((القرى)) وقال: أخرجاه، وهو وهم منه.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
١٧٣
بَابِ رَمْي الْجِمَارِ
*<<<<<<*****<< ca <<<<<<<<<<<<<< > **********
الفصل الثاني
٢٦٤٧ - [٦] عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َه
يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ صَهْبَاءَ، لَيْسَ ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ وَلَيْسَ قِيلُ :
[رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْتّْمِذِيُّ وَالْنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالْدَارِمِيُّ ] {صحيح}
إِلَيْكَ إِلَيْكَ.
الشرح
٢٦٤٧ - قوله: (عَنْ قُدَامَةَ) بضمِّ القاف وتخفيف الدال المهملة. (بن
عبد الله بن عَمَّار) بفتح المهملة وتشديد الميم. (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ) وفي بعض
النسخ: رَسُولَ اللهِوَّهِ. (يَرْمِي الْجَمْرَةَ) أي: جمرة العقبة. (عَلَى نَاقَةٍ صَهْبَاءَ) بفتح
الصاد المهملة وسكون الهاء، هي التي يخالط بياضها حمرة، وذلك بأن يحمر أعلى
الوبر وتبيض أجوافه. وقال الطيبي: الصهبة كالشقرة. وقال الجزري: المعروف
أن الصهبة مختصة بالشعر وهي حمرة يعلوها سواد. (لَيْسَ) أي: هناك. (ضَرْبٌ)
أي: منع بالعنف. (وَلَا طَرْدٌ) أي: دفع باللطف. (وَلَيْسَ) أي: ثمة. (قَيْلُ) بكسر
القاف ورفع اللام مضافًا إلى. (إِلَيْكَ إِلَيْك) أي: قول ((إِلَيْكَ)) أي: تنح وتبعد. قال
ابنُ حجر تبعًا للطيبي: والتكرير للتأكيد.
قال القاري: وهذا إنما يصحُّ لو قيل لواحد: إليك إليك، والظاهر: أن المعنى
أنه ما كان يقال للناس: ((إليك إليك)) وهو اسم فعل بمعنى تنح عن الطريقِ، فلا
يحتاجُ إلى تقرير متعلق كما نقله الطيبي بقوله: ضم إليك ثوبك وتنح عن الطريق.
انتھی .
والمقصود والغرض من هَذَا الحديث أنه وُّه على سجيته المتواضعة كان يرمي
من غير أنْ يَكُون هناك ضرب للناقة أو طرد للناس أو قول: ((إليك))، فلا فعل صدر
(٢٦٤٧) التِّرْ مِذِي (٩٠٣)، وَالنَّسَائِي (٢٧٠/٥)، وَابن مَاجَهْ (٣٠٣٥) فِي الحَجِّ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ
العَامِرِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِي: حَسَنٌ صَحِيحٌ، قُلْتُ: تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرٍ بَابٍ دُخُولِ مَكَّةَ.
١٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
للضرب والطرد ولا قول ظهر للتبعيد والتنحية. والحديث: يدلُّ على رمي جمرة
العقبة يوم النحر راكبًا .
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ... ) إلخ. وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٦: ص ٤١٢) وَابْن حِبَّان
والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٣٠) والْحَاكِم (ج١ : ص ٤٦٦) وصحَّحه الترمذي، وقال
الحاكم: هَذَا حديث صحيح على شرط البخاري وأقرَّه الذهبي.
٤٨ ٢٦ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِّ ◌ِ لّهقال: ((إِنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْحِمَارِ
وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيَّ، وَقَالَ الِّْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] {ضعيف}
الشرح
٢٦٤٨ - قوله: (إِنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ
اللَّهِ) يعني: إِنَّما شرع ذلك لإقامة شعار النسك، قاله المناوي. وقال القاري: أي:
لأن يذكر الله في هذه المواضع المتبركة، فالحذر الحذر من الغفلة. وإنما خُصا
بالذكر مع أن المقصود من جميع العبادات هو ذكر اللَّه تعالى؛ لأن ظاهرهما فعل لا
تظهر فيهما العبادة، وإنَّما فيهما التعبد للعبودية بخلاف الطواف حول بيت الله،
والوقوف للدعاء فإن أثر العبادة لائحة فيهما. وقيل: إنما جعل رمي الجمار
والسعي بين الصفا والمروة سنة لإقامة ذكر الله، يعني: التكبير مع كلٍّ حجر
والدعوات المذكورة في السعي سنة، ولا يبعد أنْ يَكُون لكل من الرمي والسعي
حكمة ظاهرة ونكتة باهرة غير مجرد التعبد وإظهار المعجزة، ثم أطال القاري
الكلام في ذلك نقلًا عن الطيبي والغزالي، مَن شاء الوقوف على ذلك؛ رجع إلى
((المرقاة)) و((أضواء البيان)) (ج٥: ص ٣١٥) للشنقيطي، وقد تقدَّم شيء من الكلام
على ذلك في شرح حَدِيث جَابِر الطويل، واللفظ المذكور في الكتاب للترمذي،
ورواه أحمد وأبو دَاوُد والدارمي والْحَاكِم بِلفظ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ)) زاد الحاكم: (لَا لِغَيْرِهِ)) وفِي الحَدِيث
(٢٦٤٨) أَبُو دَاوُد (١٨٨٨)، وَالتِّرْ مِذِي (٦٠٢)، وَالحَاكِمُ (٤٥٩/١) عَنْ عَائِشَةً فِيهِ.
١٧٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَاب رَمْي الْحِمَارِ
حث على المحافظة على سنن الحج من ذكر الطواف ونحوه، وقال العزيزي: لعل
المراد بالحديث الحث على الذكر في الطواف وتالبيه. انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ... ) إلخ، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد وأبو دَاوُد في باب الرمل، وَابْن
الجارود والْحَاكِم (ج١: ص ٤٥٩) وقال: هَذَا حديث صحيح الإسناد، ووافقه
الذهبي، وسكت عنه أبو داود، ونقل الْمُنْذِرِي تصحيح الترمذي وأقره، وقال
النووي في ((شرح المهذب)) بعد ذكر الحديث عن أبي داود بسنده ما لفظه: هَذَا
الإسناد كله صحيح إلا عبيد الله فضعفه أكثرهم ضعفًا يسيرًا، ولم يضعف أبُو دَاوُد
هَذَا الحديث فهو حسن عنده. ورَوَاهُ التِّر مذيُّ من رواية عبيد اللّه هذا، وقال: هو
حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح، فلعله اعتضد براوية أخرى.
انتھی .
قال الشنقيطي: عُبيد الله بن أبي زياد المذكور هو القداح أبو الحصين المكي،
وقد وثقه جماعة وضعفه آخرون، وحديثه معناه صحيح بلا شك، ويشهد لصحة
معناه قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]؛ لأنه يدخل في
الذكر المأمور به رمي الجمار بدليل قوله بعده ﴿فَمَنْ تَّعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾
الآية [البقرة: ٢٠٣]. وذلك يدل على أن الرمي شرع لإقامة ذكر الله كما هو واضح.
انتھی .
١٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٦٤٩ - [٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَبْنِي لَكَ بِنَاءً
يُظِلُّكَ بِمِنَّى؟ قَالَ: (لَا، مِنَّى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ)). [رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالْدَارِمِيُّ]
الشرح
٢٦٤٩ - قوله: (قَالَتْ: قُلْنَا) أي: معشر الصحابة، وهذا لفظ الترمذي، وفي
أبي داود والدرامي وَابْن ماجه: قَالَتْ: قُلْتُ. وفي ((السنن)) للبيهقي و((المستدرك))
للحاكم: قَالَتْ: قِيلَ. (أَلَا نَبْنِي) بصيغة المتكلم. (بِنَاءً) وفي ابن ماجه ((بيتًا)) وفي
أبي داود: ((بَيْنَا أَوْ بِنَاءَ)) . (يُظِلَّكَ) زاد في أبي داود: ((مِنَ الشَّمْسِ)). (قَالَ: لا) أي:
لا تبنوا لي بناء بمنى؛ لأنَّهُ ليس مختصًّا بأحدٍ، إنما هو موضع العبادة من الرمي
وذبح الهدي والحلق ونحوها، فلو أجيز البناء فيه لكثرت الأبنية وتضيق المكان.
(مِنَّى) مبتدأ و(مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ) خبره، والمُناخ بضم الميم، موضع إناخة الإبل،
والمعنى: أن الاختصاص فيه بالسبق لا بالبناء فيه.
قال الطيبي: أي: أتأذن أن نبني لك بيتًا في منى لتسكن فيه، فمنع وعلل بأن منى
موضع لأداء النسك من النحر ورمي الجمار والحلق يشترك فيه الناس، فلو بني فيها
لأدى إلى كثرة الأبنية تأسيًا به فتضيق على الناس، وكذلك حكم الشوارع ومقاعد
الأسواق، وعند أبي حنيفة تَخُّْهُ أرض الحرم موقوفة؛ لأنَّ رسولَ اللَّهَوَ ل فتح مكة
قهرًا وجعل أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يمتلكها أحد. انتهى.
وقال الخطابي في ((معالم السنن)): قد يحتج بهذا من لا يرى دور مكة مملوكة
لأهلها ولا يرى بيعها وعقد الإجارة عليها جائزًا، وقد قيل: إنَّ هَذَا خاص للنبي وَلِّلـ
وللمهاجرين من أهل مكة فإنها دار تركوها لله تعالى فلم ير أن يعودوا فيها
فيتخذوها وطنًا أو يبنوا فيها بناء، والله أعلم. انتهى. قال القاري: وفي أن هَذَا
التعليل يخالف تعليله وَ ل مع أن منى ليست دارًا هاجروا منها. انتهى.
(٢٦٤٩) أَبُو دَاوُد (٢٠١٩)، وَالتِّرْمِذِي (٨٨١) وَحَسَّنَهُ، وَابن مَاجَهْ (٣٠٠٦) فِيهِ مِنْ حَدِيثٍ عَائِشَةَ
.
١٧٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابِ رَمْي الْجِمَارِ
قلتُ: عدم جواز بيع أرض الحرم وبيوت مكة وإجارتها هو مذهب أبي حنيفة
ومحمد والثوري، وإليه ذهب عطاء ومجاهد ومالك وإسحاق وأبو عبيد، وذهب
أبو يوسف والشافعي وأحمد وطاوس وعمرو بن دينار وَابْن المنذر إلى الجواز،
واحتج الأولون بحديث عائشة هذا، وما أجيب به من اختصاص ذلك بالنبي رَائِّ
والمهاجرين، فلا يخفى ما فيه، فإن الخصوصية لا تثبت بالادعاء.
وقال المحبُّ الطبري في ((القرى)) (ص٤٣٨) بعد ما حكى نحو كلام الخطابي:
ويحتملُ أنْ يَكُون ذلك مخصوصًا بمنى لمكان اشتراك الناس في النسك المتعلق
بها، فلم ير ◌َّ لأحد اقتطاع موضع منها ببناء وغيره بل الناس فيها سواء، وللسابق
حق السبق وكذلك الحكم في عرفة ومزدلفة إلحاقًا بها. انتهى.
هذا؛ وقد أطال الكلام في بيان حكم بيع دور مكة وإجارتها وحكم البناء بمنى
التقي الفاسي في ((شفاء الغرام)) (ج١: ص ٢٦، ٣٢، ٣٢٠، ٣٢١) فعليك أن ترجع
إليه .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ... ) إلخ، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد وأبو دَاوُد في باب تحريم مكة،
والْحَاكِم (ج١: ص ٣٦٧) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٣٩) وَابْن عساكر كلهم من طريق
يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة عن عائشة، والحديث حسنه الترمذي. وسكت
عنه أبو داود، ونقل الْمُنْذِرِي تحسين الترمذي وأقرَّهُ، وقال الحاكم: هَذَا حديث
صحيح على شرط مسلم، وقرره الذهبي في ((تلخيصه)). وقال ابن القيم: قال ابن
القطان: وعندي أن الحديث ضعيف؛ لأنَّهُ من رواية يوسف بن ماهك عن أمه
مسيكة وهي مجهولة لا نعرف روى عنها غير ابنها. انتهى.
قلتُ: مدار هَذَا الحديث على مسيكة وهي مجهولة؛ قال الحافظ في
((التقريب)): مسيكة المكية لا يعرف حالها، من الثالثة، وذكرها الذهبي في
المجهولات من النساء، وفي ((تهذيب التهذيب)): قال ابن خزيمة: لا أحفظ عنها
راويًا غير ابنها ولا أعرفها بعدالة ولا جرح. انتهى. وقيل: الصوابُ تحسين
الحديث؛ فإن أم يوسف بن ماهك تابعية قد سمعت عائشة ولم يعلم فيها جرح،
ومثل هَذَا الحديث حسن عند أهل العلم بالحديث؛ ولذلك سكت عليه أبُو دَاوُد
وحسَّنه الترمذي وقرره الْمُنْذِرِي وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبيُّ.
١٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٦٥٠ - [٩] عَنْ نَافِعِ قَالَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ
الْأُولَيَيْنِ وُقُوفًا طَوِيلًا، يُكَبِّرُ أَللَّهَ، وَيُسَبِّحُهُ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُو اللَّهَ، وَلَا يَقِفَُ
عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ] {صحيح}
الشرح
٢٦٥٠ - قوله: (عَنْ نَافِع) أي: مولى ابن عمر. (كَانَ يَقِفُ) أي: بعد الرمي.
(عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ) أي: الأولى والوسطى ففيه تغليب، والمراد بالأولى التي
تقرب من مسجد الخيف بمنى وهي التي يقال لها الجمرة الدنيا، وهي أول
الجمرات التي ترمى من ثاني يوم النحر، والثانية الجمرة الوسطى.
(وُقُوقًا طَوِيلًا) مقدار ما يقرأ سورة البقرة، كما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح
عن عطاء عن ابن عمر.
قالَ ابنُ قُدَامَة في ((المغني)): قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه يُسأل: أيقوم الرجل
عند الجمرتين إذا رمى؟ قال: إي لعمري شديدًا، ويطيلُ القيام أيضًا. قيل: فإلى
أين يتوجه في قيامه؟ قال: إلى القبلة ويرميها في بطن الوادي، والأصل في هَذَا ما
روت عائشة قالت: أفاض رسول اللَّه ◌َّ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع
إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة
بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام
ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها، رواه أبو داود. انتهى.
وقد ورد القيام عند الجمرتين بعد رميهما في حديث سالم عن ابن عمر عند
البخاري كما سيأتي، وذكر ابن قدامة الإجماع على جميع ما ذكر فيه، وصرح
أصحاب الفروع من المذاهب الأربعة باستحباب القيام الطويل بعد رمي الجمرتين
(٢٦٥٠) رَوَاهُ مَالِك (٢١٢) وَوَشْتَهُ موقوفًا.
١٧٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابِ رَمْي الْحِمَارِ
الأوليين، منهم النووي وَابْن حجر من الشافعية والدردير من المالكية والقاري
وغيره من الحنفية، ثم قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٤٥٣): وإن ترك الوقوف عندها
والدعاء ترك السنة ولا شيء عليه، وبذلك قال الشافعيُّ وأبو حنيفة وإسحاق وأبو
ثور، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الثوري قال: يطعمُ شيئًا، وإن أراق دمًا أحب إليَّ؛ لأن
النَِّي ◌ُّ فعله فیکون نسكًا. انتهى.
(يُكَبِّرُ اللَّهَ) في هَذَا الوقوف الطويل الَّذِي بعد الرمي بسبع حصيات كما هو ظاهر
السياق، وإليه نحا الباجي حيث قال: بين عبد الله أنَّ وقوفه عند الجمرتين إنما هو
للتكبير والتسبيح والدعاء. انتهى. وقال النووي: ثم ينحرفُ قليلًا ويستقبل القبلة
ويحمد الله ويكبر ويهلل ويسبح ويدعو ... إلخ. وقال القاري في ((شرح اللباب))
فيقف بعد تمام الرمي لا عند كلِّ حصاةٍ مستقبل القبلة، فيحمد الله ويكبر ويهلل
ويسبح ويصلي على النَّبِي نَّ ويدعو. انتهى.
ويحتملُ على بعد التكبير عند كل حصاة كما هو مؤدى رواية سالم عن أبيه عند
البخاري بلفظ: ((كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على أثرٍ كلِّ حَصَاة
ثم يتقدَّم فيسهل ... )) الحديث. وإليه مال الزرقاني؛ إذ قال: قوله: ((يكبر الله)).
زاد سالم: ((على أثر كل حصاة)) أي: من السبع، ففيه مشروعية التكبير عند كل
حصاة. وأجمعوا على أن مَن تركَهُ لا شيء عليه، إلا الثوري فقال: يطعم وإن جبره
بدمٍ أحب إلي. انتهى.
والحاصلُ: أنَّ التكبيرَ مشروعٌ في كلا الموضعين عند الرمي بكلِّ حَصَاةٍ، وبعد
الرمي في الوقوف الطويل بعد الجمرتين الأوليين، لكن ظاهر أثر ابن عمر هَذَا هو
الثاني، ويأتي بيان الأول في حديث سالم عن ابن عمر في باب خطبة يوم النحر
وسنذكر لفظه. (وَيَحْمَدُهُ) من الحمد أو من التحميد.
(وَيَدْعُو اللَّهَ) قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٤٥١): روى أبُو دَاوُد أنَّ ابن عُمر كان
يدعو بدعائه الَّذِي دعا به بعرفة ويزيد: ((وأصلح وأتم لنا مناسكنا)) وقال ابنُ
المنذرٍ: كان ابنُ عمر وَابْن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا
وذنبًا مغفورًا.
(وَلَا يَقِفُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةَ) بعد الرمي للدعاء، وجمرة العقبة هي التي يبدأ بها