Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤٠
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
والشعبي إلى أن أول الوقت الَّذِي يجزئ فيه رمي جمرة العقبة هو ابْتِدَاء النصف
الأخير من ليلة النحر، واستدل لهم بحديث عائشة الَّذِي ذكره المصنف بعد هَذَا
وهو حديث صحيح، ويعتضد هَذَا بما رواه الخلال من طريق سليمان بن أبي داود
عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة قالت: قدمني رسول اللّه وَليه
فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت
بها الصبح، ثم رجعت إلى منى، كذا ذكرَهُ ابنُ القيم. وذهب جماعةٌ من أهل العلم
إلى أن أول وقته من بعد طلوع الفجر، وأول الوقت المستحب بعد طلوع الشمس
وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، فإن رمى قبل طلوع الشمس
وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة،
واستدلَّ لذلك بما رواه الطحاوي بسنده عَنِ ابْن عَبَّاسٍ أن رسول اللَّه ◌َ لل كان يأمر
نساءه وثقله صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد ولا يرموا الجمرة إلا
مصبحين، وفي رواية أن رسول اللَّه وَ ل بعثه في الثقل وقال: ((لَا تَرْمُوا الْجِمَارَ حَتَّى
تُصْبِحُوا)).
وذهب النخعي ومجاهد والثوري وأبو ثور إلى أنَّ أولَ وقته يبتدئ من بعد طلوع
الشمس فلا يجوز رميها عندهم إلا بعد طلوع الشمس، واستدلوا لذلك بحديث ابن
عباس الَّذِي نحن فِي شَرْحِه. قالوا: إذا كان من رخص له منع أن يرمي قبل طلوع
الشمس فمن لم يرخص له أولى.
وأجاب الحنفية عن هَذَا: بأنه محمول على بيان الوقت المستحب والفضيلة،
وما رواه الطحاوي فيه بيان وقت الجواز، وأما حديث عائشة الآتي في قصة أم
سلمة فأجابوا عنه: بأنه ليس فيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام علم ذلك
وأقرَّها عليه، ولا أنه أمرها أن ترمي ليلًا، ويمكنُ أن يرادَ بقوله: فرمت قبل
الفجر، أي: قبل صلاة الفجر، وقيل: إن حديث أم سلمة رخصة خاصة لها.
وذهبَ بعضُ أهلِ العلم: إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من
بعد طلوع الشمس وهو اختيار ابن القيم، واستدل لذلك بحديث أسماء عند
الشيخين: أنها نزلَتْ ليلةَ جمع عندَ المزدلفةِ فِقامَتْ تصلِّي، فصلَّتْ ساعةً، ثُمَّ
قالَتْ: يا بني، هلْ غابَ القمرُ؟ قلتُ: لَا. فصلَّتْ ساعةً ثم قالتْ: يا بُنِي هَلْ غَاب
١٤١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ
القمرُ؟ قلتُ: نعمْ. قالَتْ: فَارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلْنَا وَمَضَيْنا حَتَّى رَمَت الجمرةَ، ثم
رجعتْ فصلَّتْ الصبحَ في منزلها، فقلتُ لها: يا هنتاه، مَا أرانا إلا قَدْ غلسنا.
قالت: يا بني، إنَّ رسولَ اللهِ وَّ أَذِن للطعنِ، انتهى. فهذا الحديث صريح أن
أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس بل بغلسٍ، وقد صرَّحت بأنه ◌ِ لّ أذن في
ذلك للظعن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور.
واستدلَّ لذلك أيضًا بحَدِيث ابنٍ عُمَر عند الشيخين أيضًا أنه كان يقدم ضعفة أهله
فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله رَّ ما بدا لهم، ثم
يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، وَمِنْهُم
من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص في
أولئك رسول اللّه وَلَه، انتهى. وهذا يدل دلالة واضحة على الترخيص للضعفة في
رمي جمرة العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس كما ترى. ومفهو مه أنه لم يرخص
لغيرهم في ذلك.
قال الشنقيطي: إن الَّذِي يقتضي الدليل رجحانه في هذه المسألة أن الذكور
الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس وأن الضعفة والنساء لا
ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس؛ لحديث أسماء وَابْن
عمر المتَّفَق عَليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك، وأما رميهم أعني
الضعفة والنساء قبل طلوع الفجر فهو محل نظر فحديث عائشة عند أبي داود الآتي
يقتضي جوازه وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن - يعني: الَّذِي نحن فِي
شَرْحِه - يقتضي منعه. وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم فجعلوا لرمي
جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس على
وقت الفضيلة وحديث عائشة على وقت الجواز. وله وجه من النظر، والعلم عند
اللَّه تعالى. أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنة دليل يدلّ على جواز
رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص
في ذلك كلها في الضعفة وليس شيء منها في الأقوياء الذكور، وقد قدمنا أن قياس
القوي على الضعيف الَّذِي رخصَّ له من أجل ضعفه قياس مع وجود الفارق وهو
مردود كما هو مقرَّر في الأصول؛ لأن الضعف الموجود في الأصلِ المقيس عليه
الَّذِي هو علة الترخيص المذكور ليس موجودًا في الفرع المقيس الَّذِي هو الذكر
ESCHE
١٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القوي كما ترى، انتهى.
ثم اعلم: أن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى آخر نهار يوم النحر فمن رماها قبل
الغروب من يوم النحر فقد رماها في وقت لها. قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم
على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن ذلك
مستحبًّا لها، انتهى.
فإنْ فاتَ يوم النحر ولم يرمها فقال بعضُ أهل العلم: يرميها ليلاً، ثم اختلف
هؤلاء فقَالَ بَعْضُهُم: رميها ليلًا أداء لا قضاء، وهو أحد وجهين مشهورين
للشافعية، حكاهما صاحب ((التقريب)) والشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام
الحرمين وآخرون. وروى مالك عن نافع: أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست
بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية حتى أتتا من بعدٍ أن غربت الشمس من يوم النحر،
فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا ولم ير عليهما شيئًا، انتهى.
وهذا يدلُّ على أن ابن عمر يرى أن رميها في الليل أداء لمن كان له عذر كصفية
وابنة أخيها. وممن قال برميها ليلًا الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأصحابهم. وفي
((الموطأ)) في آخر باب الرخصة في رمي الجمار قال يحيى: سُئل مالك عمن نسي
جمرة من الجمار في بعضٍ أيام منى حتى يمسي قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو
نهار كما يصلي الصلاة إذا نسيها ثم ذكرها ليلاً أو نهارًا.
فإن كان ذلك بعد ما صدر وهو بمكة أو بعدما يخرج منها فعليه الهدي واجب.
وقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في ((حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز
الدقائق)): ولو أخر الرمي إلى الليل رماها ولا شيء عليه؛ لأن الليل تبع لليوم في
مثل هَذَا كما في الوقوف بعرفة فإن أخره إلى الغد رماها وعليه دم. انتهى.
وقال بعض أهل العلم: إن غربت الشمس من يوم النحر وهو لم يرم جمرة العقبة
لم يرمها في الليل ولكن يؤخر رميها حتى تزول الشمس من الغد. قالَ ابنُ قُدَامَة
(ج ٣: ص ٤٢٩): فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس، واستدل
لجواز الرمي ليلاً بما رواه البخاري عَنِ ابْن عَبَّاسٍ قال: كان الَّبِي ◌ََّ يسأل يومَ
النحر بمنى فيقول: ((لَا حَرَجَ))، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: ((اذْبَحْ
وَلَا حَرَجَ)). وقال: رميت بعد ما أمسيت فقال: (لَا حَرَجَ))، انتهى.
١٤٢
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةٌ وَالُزْدَلِفَةِ
قالوا: قد صرح النَّبِي ◌ِّ بأن من رمى بعد ما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء
يصدق بجزء من الليل، وأجاب القائلون بعدم جواز الرمي ليلاً عن هَذَا الاستدلال
بأن مراد السائل بقوله بعد ما أمسيت يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل
الليل. والدليل على ذلك أن حديث ابن عباس المذكور فيه كان النَّبِي وَلّ يسأل يوم
النحر بمنى ... الحديث. فتصريحه بقوله: يوم النحر، يدلّ على أن السؤال وقع
في النهار والرمي بعد الإمساء وقع في النهار؛ لأن المساء يطلق لغة على ما بعد
وقت الظهر إلى الليل.
قال الحافظ في شرح الحديث المذكور: قوله: رميت بعد ما أمسيت، أي: بعد
دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون
الرمي المذكور كان بالليل، انتهى.
وقال ابن قدامة: قول النَّبِي بََّ: ((ارْمٍ وَلَا حَرَجَ)) إنما كان في النهار؛ لأنَّهُ سأله
في يوم النحر ولا يكون اليوم إلا قبل مغيب الشمس، انتهى.
قالوا: فالحديث صريح في أنَّ الُمَرَاد بالإمساء فيه آخر النهار بعد الزوال لا
الليل، وإذن فلا حجة فيه للرمي ليلًا. وأجاب القائلون بجواز الرمي ليلًا عن هَذَا
بأجوبة، منها: أن قول النَّبِي ◌َِّ((لَا حَرَجَ)) بعد قول السائل: رميت بعد ما أمسيت،
يشمل لفظه نفى الحرج عمن رمى بعد ما أمسى، وخصوص سببه بالنهار لا عبرة
به؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ولفظ المساء عام لجزء من
النهار وجزء من الليل، وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار، وقد ثبت في
الأصول أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ٢٣٤،
٣١١) والطحاوي (ج١: ص ٤١٣) وَابْن حِبَّان والْبَيْهَقِي (ج ٥: ص ١٣٢) كلهم من
طريق الحسن بن عبد الله العرني عن ابن عباس، والحسن العرني ثقة ولكنه لم
يسمع من ابن عباس كما قال الإمام أحمد والبخاري وَابْن معين، بل قال أبو حاتم :
لم يدركه. قال المنذري: الحسن العرني بجلى كوفي ثقة، واحتج به مسلم،
واستشهد به البخَارِي غير أن حديث ابن عباس منقطع. وقال الإمام أحمد: الحسن
العرني لم يسمع من ابن عباس شيئًا، انتهى.
١٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
لكن رواه البخَارِي في ((التاريخ الصغير)) (ص١٣٦) وأحمد والترمذي
والطحاوي، من طريق مقسم عَنِ ابْن عَبَّاسٍ بمعناه وزيادة ونقص، وصححه
الترمذي وغيره. وقال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر حديث الباب: هو حديث حسن
أخرجه أبُو دَاوُد والنَّسَائِي والطحاوي وَابْن حِبَّان من طريق الحسن العرني، وهو
بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون، عن ابن عباس، وأخرجه الترمذي والطحاوي
من طرق عن الحكم عن مقسم عنه، وأخرجه أَبُو دَاوُد من طريق حبيب عن عطاء،
وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، ومن ثم صححه الترمذي وابن حبان.
٢٦٣٨ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَرْسَلَ الْتَّبِيُّ وَلِلّهِ بِأُمِّ سلَمَةٍ لَيْلَةَ
الْنَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْيَوْمَ
الَّذِي يَكُوْنُ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ عِنْدَهَا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
الشرح
٢٦٣٨ - قوله: (أَرْسَلَ النَّبِيُّ وَلَ بِأُمِّ سَلَمَةَ) أي: ومن معها من الضعفةِ،
والباء زائدة للتأكيد. (لَيْلَةَ النَّحْرِ) أي: من مزدلفة إلى منى. (فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ
الْفَجْرِ) أي: طلوع الصبح. وفيه: دليل على جواز الرمي قبل الفجر للنساء؛ لأن
الظاهر أنه لا يخفى عليه وَّ ذلك فقرَّره. قال الأمير اليماني: وقد عارضَهُ حديثُ
ابن عباس المتقدِّم، وجمع بينهما بأنه: يجوزُ الرمي قبل الفجر لمن له عذر، وكان
ابن عباس، أي: وغيره من الصبيان والغلمة لا عذر له.
وقال الشوكاني: قوله: قَبْلَ الْفَجْرِ، هَذَا مختص بالنساء فلا يصلح للتمسك به
على جواز الرمي لغيرهن من هَذَا الوقت لورود الأدلة القاضية بخلاف ذلك، ولكنَّهُ
يجوزُ لمن بعث معهن من الضعفة كالعبيد والصبيان أن يرمي في وقت رمیهن، كما
في حديث أسماء وحديث ابن عباس عند أحمد: أنَّ النبيَّ ◌َّ بعث به مع أهله إلى
منى يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر. وقد تقدَّم ما أجابَ به الحنفية عن حديث
عائشة هذا.
(٢٦٣٨) أَبُو دَاوُد (١٩٤٢) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَصَخَّحَهُ البَيْهَقِي (١٣٣/٥).
١٤٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَزَفةٌ وَالمُزْدَلِفَةِ
(ثُمَّ مَضَتْ) أي: ذهبت من منى. (فَأَفَاضَتْ) أي: طافت طواف الإفاضة ثم
رجعت إلى منى. (وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ) أي: اليومِ الَّذِي فعلت فيه ما ذِكر من الرمي
والطواف. (الْيَوْمَ) بالنصب على الخبرية. (الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ ﴿ِ عِنْدَهَا)
يعني: عند أم سلمة أي: في نوبتها من القسم، كأنه إشارة إلى سبب استعجالها في
الرمي والإفاضة، وقوله: ((عِنْدَهَا)) كذا في جميع النسخ من ((المشكاة)) وهكذا في
((المصابيح))، وفي أبي داود ((تَعْنِي عِنْدَهَا)) وهو من تفسير أبي داود أو أحد رواته.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمُنْذِري. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)):
إسناده على شرط مسلم. وكذا قال النووي في ((شرح المهذب)). وقال الزيلعي في
((نصب الراية)) (ج٣: ص ٧٣) بعد أن ساق حديث أبي داود هَذَا عن عائشة: ورواه
البيهقي في ((سننه)) وقال: إسناده صحيح لا غبار عليه. انتهى.
قلتُ: حديث عائشة هَذَا أخرجه البيهقي في باب: مَن أجازَ رميها بعد نصف
الليل (ج٥: ص ١٣٣)، ولكن لم أجد فيه قوله: إسناده صحيح لا غبار عليه. وقال
الشوكاني: رجاله رِجَال الصَّحِيح.
٢٦٣٩ - [١٢] وَعَنْ ابْنِ عَبَاسٍ، قَالَ: يُلَبِّي الْمُقِيمُ أَوِ الْمُعْتَمِرُ، حَتَّى
يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، وَقَالَ: وَرُوِيَ مَوْقُوْفًا عَلَى ابْنِ عَبَاسٍ]
الشرح
٢٦٣٩ - قوله: (يُلَبِّي الْمُقِيمُ) أي: بمكة من المعتمرين. (أَوِ الْمُعْتَمِرُ) أي:
من القادمين، فـ(أو)) للتنويع، ولا يبعد أن يراد به المعتمر مطلقًا، فـ((أو)) شك من
الراوي، قاله القاري. قلت: قوله: ((يُلَبِّي الْمُقِيمُ أَوِ الْمُعْتَمِرُ)) كذا وقع في جميع
نسخ ((المشكاة))، وهكذا ذكره الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٣: ص ٤٣٨)
والمحبُّ الطبري في ((القرى)) (ص١٥٣) ومحمد بن محمد بن سليمان الفاسي
المغربي في ((جمع الفوائد)) (ج١: ص ٤٦٢)، وليس في ((المصابيح)) لفظ ((المقيم))
(٢٦٣٩) الشَّافِعِي (٨٧٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ .
١٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ولا في ((السنن)) لأبي داود والْبَيْهَقِي و((الأم)) للشافعي ولم يذكرهِ أيضًا الزيلعي في
((نصب الراية)) والمجد في ((المنتقى)). والظاهر: أنَّ المصنف قلَّد في ذلك ((جامع
الأصول)) وهو من أوهام الجزري.
(حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرُ) وفي ((المصابيح)): ((حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ)). ويروى: ((حَتَّى
يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ)). وللبيهقيِّ من طريقِ الشافعي عن مسلم بن خالد وسعيد بن سالم
عن ابن جريج عن عطاء عَنِ ابْن عَبَّاسٍ قال: ((يُلَبِّي المعتمرُ حتَّى يفتتحَ الطوافَ
مُسْتَلِمًا أو غَيْرِ مُسْتَلِمٍ)). قال شارح ((المصابيح)): قوله: ((حتَّى يفتتحَ الطوافَ))،
أي: يلبي الَّذِي أحرمُ بالعمرة من وقت إحرامه إلى أن يبتدئ بالطواف ثم يترك
التلبية. انتهى. ورواه الدار قطني بلفظ: ((لَا يُمْسِكُ المعتمرُ عن التَّلْبِية حتَّى يفتَتِحَ
الطَّوَاف)). ولا فرق بين رواية أبي داود وبين رواية الشافعي والدار قطني إلا في
التعبير دون الواقع؛ لأن ابْتِدَاء الطواف من استلام الحجر الأسود؛ ولذلك قال
الطَّبَري بعد تخريج الروايتين: هَذَا قول أكثر أهل العلم أن المعتمر يلبي حتى يفتتح
الطواف. قال ابنُ عباس: يلبي المعتمر إلى أن يفتتح الطواف مستلمًا وغير مستلم،
وبه قال الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. انتهى.
قال الشوكاني: قوله: ((حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ))، ظاهره أنه يلبي في حال دخوله
المَسْجِد وبعد رؤية البيت وفي حال مشيه حتى يشرع في الاستلام، ويستثنى منه
الأوقات التي فيها دعاء مخصوص، وقد ذهبَ إلى ما دلّ عليه الحديث من ترك
التلبية عند الشروع في الاستلام أبو حنفية والشافعي وهو قول ابن عباس وأحمد،
انتهى. وقال الترمذي بعدَ رواية الحديث مَرْفُوعًا: ((أنَّه كانَ يمسكُ عن التلبيةِ في
العُمرة إذا استلمَ الحجر)). ما لفظُهُ: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. قالوا: لَا
يقطَعُ المعتمرُ التلبيةَ حتَّى يستلمَ الحجرَ وقال بعضُهُمْ: إذا انتهى إلى بيوتٍ مَكَّة
قطع التلبية، والعملُ على حديث النَّبِي ◌ِّ، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد
وإسحاق. انتهى. وقد ظهر بهذا كله أن المسألة خلافية.
قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٤٠١): يقطعُ المعتمر التلبية إذا استلم الركن. وبهذا
قال ابن عباس وعطاء وعمرو بن ميمون وطاوس والنخعي والثوري والشافعي
وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال ابن عمر وعروة والحسن: يقطعها إذا دخلَ
١٤٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الذَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالْزْدَلِفَةِ
الحرم. وقال سعيد بن المسيب: يقطعها حين يرى عرش مكة. وحكي عن مالك
إن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا وصل إلى الحرم، وإن أحرم بها من أدنى
الحل؛ قطع التلبية حين يرى البيت، ولنا ما روي عَنِ ابْن عَبَّاسٍ يرفع الحديث:
((كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر)). قال الترمذي: هَذَا حَدِيث
حَسَن صحيح .
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ النَّبِي ◌َ اعتمرَ ثلاث عمر ولم يزل
يلبي حتى استلم الحجر. أخرجَهُ أحمد (ج ٢: ص ١٨٠) والْبَيْهَقِي (ج٥ : ص
١٠٥) قلتُ: ما حكي عن مالك هو رواية ((الموطأ)) و((المختصر))، والمعروف في
مذهب المالكية أن معتمر الجعرانة أو التنعيم يلبي إلى دخول بيوت مكة. وفي
((المدونة)): قال ابن القاسم: قال مالك: والمحرمُ بالعمرةِ من ميقاته يقطعُ التلبية
إذا دخل الحرم ثم لا يعود إليها، والذي يحرم من غير ميقاته مثل الجعرانة والتنعيم
يقطع إذا دخل بيوت مكة. قال: فقلت له: أو المسجد، قال: أو المَسْجِد كل ذلك
واسع. انتهى.
وقال ابن حزم: والذي نقول به، فهو قول ابن مسعود أنه لا يقطعها، حتى يتم
جميع عمل العمرة. وقال الشافعي بعد ما روى عن عبد الله بن مسعود: أنَّه لبي في
عمرةٍ على الصفا بعدَ ما طافَ بالبيتِ: وليسوا يقولون - أي: أهل العراق - بهذا
ولا أحد من الناس علمناه، وإنما اختلف الناس فمنهم من يقولُ: يقطع التلبية في
العمرة إذا دخل الحرم. وهو قول ابن عمر. وَمِنْهُم منْ يقولُ: إذا استلم الركن.
وهو قول ابن عباس، وبه نقول، ويَقُولُون هم أيضًا: فأما بعد الطواف بالبيت، فلا
يلبي أحد، أورده إلزامًا للعراقيين فيما خالفوا فيه عبد الله بن مسعود كذا في
((القرى)) (ص ١٥٤).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في باب: متى يقطع المعتمر التلبية. (وَقَالَ: وَرُوِيَ) على بناء
المجهول. (مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) قلتُ: الحديث رواه أبُو دَاوُد مَرْفُوعًا حيث
قال: حدثنا مسدد نا هشيم عن ابن أبي ليلي عن عطاء عَنِ ابْن عَبَّاسٍ عن النَّبِي ◌َّه
قال: ((يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر))، ثم قال أبو داود: رواه عبد الملك بن أبي
سليمان وهمام عن عطاء عَنِ ابْن عَبَّاسٍ موقوفًا. وقد تبيَّن بهذا أن الاقتصار المخل
١٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إنما هو في نقل صاحب ((المشكاة))، فكان حقه أن يقول أولًا: عَنِ ابْن عَبَّاسٍ
مَرْفُوعًا. وقال الْمُنْذِرِي في ((مختصر السنن)): وأخرجَهُ الترمذي وقال: صحيح،
هَذَا آخر كلامه. وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وتكلّم فيه جماعة
من الأئمةِ أي: من جهة حفظه. انتهى كلام المنذري.
قلتُ: حديثُ ابن عباس المرفوع عند الترمذيِّ هو حديث فعلي بلفظِ: أنه كان
يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلمَ الحجر، وحديث ابن عباس المرفوع عند أبي
داود قولي بلفظ: أنَّ النبيَّ وََّ قال: ((يُلبي المعتمر حتى يستلمَ الحجر))، فإذن هما
حديثان من رواية ابن عباس قولي عند أبي داود وفعلي عند الترمذي، ولهذا
الاختلاف جعلهما المجد في ((المنتقى)) حديثين، قال الزيلعي في ((نصب الراية))
(ج٣: ص ١١٥): ولم ينصف الْمُنْذِرِي في عزوه هَذَا الحديث للترمذي، فإن لفظ
الترمذي من فعل النَّبِي بَّه ولفظ أبي داود من قوله، فهما حديثان ولكنه قلد
أصحاب الأطراف، إذ جعلوهما حديثًا واحدًا، وهذا مما لا ينكر عليهم، وقد بينا
وجه ذلك في حديث: ((ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)) (ج٣: ص ٥٤) قال: وروى الواقدي
في كتاب ((المغازي)): حدثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه:
أن النَّبِي وَّ لبى - يعني في عمرة القضية - حتى استلم الركن. انتهى.
قلت: مدار الروايتين المرفوعتين عند الترمذي وأبي داود على محمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلي الكوفي القاضي وهو صَدُوق سيئ الحفظ جدًّا. قال
البيهقيُّ بعدَ رواية الحديث الفعلي المرفوع من طريق زهير والحسن بن صالح عن
ابن أبي ليلي عن عطاء عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ما لفظه: رَفْعُه خطأ وكان ابن أبي ليلى هَذَا
كثير الوهم، وخاصة إذا روى عن عطاء فيخطئ كثيرًا، ضعفه أهل النقل مع كبر
محله في الفقه، وقد روى عن المثنى بن الصباح عن عطاء مَرْفُوعًا، وإسناده أضعف
مما ذكرنا. ثم روى من طريق الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جدِّهِ قال: اعتمرَ النبيُّ ◌َّ ثلاث عمر كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر،
وقد قيل عن الحجاج عن عطاء عَنِ ابْن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، والحجاج بن أرطاة لا يحتج
به. ثم روى البيهقي عن أبي بكرة مَرْفُوعًا: أنه خرج معه وَّ في بعض عمره فما
قطع التلبية حتى استلم الحجر. ثم قال: إسناده ضعيف. انتهى.
١٤٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ
ومن المعلوم أن الروايات الضعيفة تكتسب قوة بالاجتماع، والضعف اليسير
ينجبر بكثرة الطرق ويصير الحديث حسنًا قابلًا للاحتجاج؛ ولذلك صحَّح الترمذي
حديث ابن عباس واحتج به الشافعي وغيره من الأئمة. قال القاري: ومناسبة
الحديث لعنوان الباب استطراد لحكم قطع التلبية للمعتمر، كما ذكر فيما تقدم
وقت قطع تلبية المحرم بالحج.
١٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
tea
الفصل الثالث
٢٦٤٠ - [١٣] عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِم بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الشَّرِيدَ
يَقُولُ: أَفَضْتُ مَعَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ، فَمَاَ مَسَّتْ قَدَمَاهُ الْأَرْضَ حَتَّى أَتَّى جَمْعًا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
الشرح
٤٠ ٢٦ - قوله: (عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِم بْنِ عُرْوَةٍ) أي: ابن مسعود الثقفي أخو
نافع بن عاصم المكي روى عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو والشريد بن سويد
وغَيْرهم، وعنه إبراهيم بن ميسرة ويعلى بن عطاء والنعمان بن سالم وآخرون. ذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال الحافظ في ((التقريب)): إنه مقبول من الثالثة، أي:
من الطبقة الوسطى من التابعين. (أَنَّهُ) أي: يعقوب. (سَمِعَ الشَّرِيدَ) بوزن
الطويل، وهو شريد بن سويد الثقفي وقيل: إنه من حضر موت ولكن عداده في
ثقيف؛ لأنهم أخواله، روى عنه ابنه عمرو بن الشريد ويعقوب بن عاصم وغَيْرهما.
قال ابنُ السكن: له صحبة حديثه في أهل الحجاز، سكن الطائف، والأكثر: أنه
الثقفي، ويقال: إنه حضرمي حالفَ ثقيفًا وتزوَّج آمنة بنت أبي العاص بن أميّة.
وقيل: كان اسمُهُ مالكًا، فسمي الشريد؛ لأنَّهُ شردَ من المغيرة بن شعبة لما قتل
رفقته الثقفيين، كذا في ((الإصابة)).
وقال الجزري: قيل: إنَّ الشريدَ اسمه مالك قتل قتيلًا من قومهِ، فلحق بمكّة
فحالفَ بني حطيط بن جشم بن ثقيف، ثم وفدَ إلى النبيِّ وَّرَ فأسلم وبايعه بيعة
الرضوان، وسماه الرسولُ وَلّ الشريد. انتهى.
وروى مسلمٌ وغيره من طريق عمرو بن الشريد عن أبيه قال: استنشدني النَّبِي وَل
شعر أمية بن أبي الصلت. وفي رواية: أنه أنشدَ النَّبِيِ وَّر من شعر أمية بن أبي
الصلت مائة قافية فقال: كاد يسلم، يعني: أمية. والله أعلم.
(٢٦٤٠) رَوَاه أَبُو دَاوُد فِي الحَجِّ.
١٥١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ
19
(أَفَضْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ) أي: رجعت من عرفات إلى المزدلفة. (فَمَا مَسَّتْ
قَدَمَاهُ الْأَرْضَ حَتَّى أَتَى جَمْعًا) أي: المزدلفة، وهذا يدلّ على أنه يَّه لم ينزل لحاجة
في ذهابه من عرفات إلى المزدلفة، ويشكلُ عليه ما رواه الشيخان وأبو دَاوُد
والنَّسَائِي عن أسامة قال: دفعَ رسولُ اللهِ وَّه من عَرفة حتى إذا كان بالشعبِ نزل
فبال، وفي رواية: فلما جاء الشعب أناخ راحلته ثم ذهب إلى الغائط، ثم توضأ ولم
يسبغ الوضوء - وفي رواية: توضأ وضوءً خفيفًا - قلت له: الصلاة، فقال:
(الصَّلَاةُ أَمَامَكَ)) فَرَكِبَ. فلما جاءَ المزدلفةَ نزلَ فتوضأً فأسبغَ الوضوءَ ثُمَّ أقيمتِ
الصلاةُ فصلَّى المغربَ ... الحديث. قال الطيبي: قوله: ((مَا مَسَّتْ قَدَمَاهُ الْأَرْضِ
حَتَّى أَتَى جَمْعًا)) عبارةً عن الركوبِ من عرفة إلى الجمع، يعني: فما يرد عليه أنه
عليه الصلاة والسلام نزل فبالَ فتوضأ. انتهى.
وحاصلُهُ: أنَّ الشريدَ بالغَ في بيان ركوبِهِ وَّ في السير من عرفة إلى الجمع، بأنه
قطعَ تلك المسافة راكبًا، ولم يمش على الرجلين في تلك المسافة، وليس معناه:
أنه لم ينزل عن الناقة فلا يعارض هو حديث أسامة.
وقال في ((عون المعبود)): حديث الشريد يدلُّ على أنَّ النبيَّ وَلَه لم ينزل لحاجة
بين عرفات والمزدلفة، وحديث أسامة يعارض ذلك لكن يرجح حديث أسامة على
حديث الشريد؛ لأنَّهُ المثبت، أي: والمثبت مقدَّم على النافي كما تقرَّر في
موضعهِ، وكان أسامة رديف النَّبِي وَّ فهو أعلم بحاله ولم ير الشريد نزوله ◌َّ،
فلذا نفاه على علمه. وقال المحب الطبري بعد ذكر حديث الشريد: وما رواه أسامة
أثبت فإنه كان ردف النَّبِي وَّ، وأخبر الشريد عما علمه ولم يبلغه ذلك. انتهى.
هذا؛ وقد اعترض صاحب ((بذل المجهود)) على جواب ((العون)) فقال بعد ذكر
توجيه الطيبي: وأما الجواب بترجيح رواية أسامة كما فعله صاحب ((العون)) بأن
أسامة كان رديفه ◌َ لفبعيد، فإنه وقع في حديث الشريد: أنه كانَ مع رسول اللّه وَّ
فلا سبيلَ لترجيح أحدهما على الآخر. قال صاحب ((الأوجز)): كذا أفاده الشيخ في
((البذلِ)).
قلتُ: جوابُ ((العون)) وكذا المحب الطبري مطابق للأصول، فإن حديث
الشريد ظاهر بل صريح في نفي النزول على الأرض، وحديثُ أسامة صريح في
١٥٢
*ce
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النزول وقضاء الحاجة والوضوء وهو أقوي سندًا وأثبت، فلا بعد في تقديمه
وترجيحه، وأما توجيه الطيبي فلا يخلو عن التكلَّف ومخالفة الظاهر، وكون
الشريد مع رسول اللَّهُ بَّله وإفاضته معه لا يستلزمُ أنْ يعلمَ جميع أحواله تَّر في
مسيره إلى المزدلفة على أنه قد قال أحمد بعد رواية الحديث عن روح، حيث قال
روح: وقفتُ مع رسولِ الله وَ ل بعرفات: أملاه من كتابه يعنى بخلاف قوله:
أفضت، فإنه رواه من حفظه، ومن المعلوم أن رواية الكتاب أقوى وأثبت من رواية
الحفظ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) عن محمد بن المثني عن روح بن عبادة عن زكريا بن
إسحاق عن إبراهيم بن ميسرة عن يعقوب بن عاصم بن عروة أنه سمع الشريد
... إلخ. وكذا رواه أحمد (ج٤: ص ٣٨٩، ٣٩٠) عن روح، وهذا إسناد رجاله
ثقات. والحديث ذكره صاحب ((العون)) على الهامش بعد حديث أسامة المذكور
في باب الدفع من عرفة وقال: لم يوجد هَذَا الحديث إلا في نسخة واحدة. انتهى.
ونقل عن المزيِّ أنه قال في ((الأطراف)): هَذَا الحديث في رواية أبي الحسن بن
العبد وأبي بكر بن داسة عن أبي داود ولم يذكره أبو القاسم. انتهى. ولذلك لم
يذكره الْمُنْذِرِي في ((مختصر السنن))، وذكره الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٤:
ص ٧٦) والنابلسي في ((ذخائر المواريث)) (ج١: ص ٢٦٨) ولم ينبها على ذلك.
٢٦٤١ - [١٤] وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ: أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ
يُوسُفَ عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، سَأَلَ عَبَّدَ اللَّهِ: كَيْفَ نَصْنَعُ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمَ
عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقَالَ
عبد الله بن عُمَرَ: صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي
السُّنَّةِ، فَقُلْتُ لِسَالِمِ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: وَهَلْ يَتَّبِعُوْنَ
فِي ذَلِكَ إِلَّ سُنَتَهُ؟
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٦٤١ - قوله: (وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ) أي: الزهري. (أَخْبَرَنِي سَالِمٌ) أي: ابن
(٢٦٤١) رواه البُخَارِي (١٦٦٢) فيهِ رَضِ لُلَّهُ.
١٥٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ
عبد الله بن عمر. (أَنَّ الْحَجَّاجَ) بفتح الحاء، مبالغة الحاج بمعنى الآتي بالحجة.
(ابْنَ يُوسُفَ) أي: ابن أبي عقيل الثقفي الأمير الشهير الظالم المبير. قال الحافظ في
((التقريب)): وقع ذكره وكلامه في ((الصَّحِيحَيْن)) وغَيْرهما وليس بأهل أن يروى
عنه، ولي إمره العراق عشرين سنة ومات سنة خمس وتسعين. وقال في ((تهذيبٍ
التهذيب)): ولد سنة (٤٥) أو بعدها بيسيرٍ ونشأ بالطائف، وكان أبوه من شيعة بني
أمية، وحضر مع مروان حروبه، ونشأ ابنه مؤدب كتاب ثم لحقٍ بعبد الملك بن
مروان وحضر معه قتل مصعب بن الزبير، ثم انتدبَ لقتال عبد الله بن الزبير بمكة
فجهَّزه أميرًا على الجيش، فحضر مكة ورمى الكعبة بالمنجنيق إلى أن قتل ابن
الزبير (سنة ٧٣)، وقال جماعة: إنه دسَّ على ابن عمر مَن سَمَّه في زج رمح. وقد
وقع بعض ذلك في ((صحيح البخاري))، وولاه عبد الملك الحرمين مدةً ثم استقدمه
فولاه الكوفة وجمع له العراقين، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فسار بالناسٍ سيرة
جائرة، واستمر في الولاية نحوًا من عشرين سنة، روى الترمذي في الفتن من
((جامعه)) عن هشام بن حسان القردوسي البصري قال: أحصوا ما قتل الحجاج
صبرًا، فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل. قال عمرُ بن عبد العزيز: لو جاءت كل
أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج غلبناهم. وكفّره جماعة، منهم سعيد بن جبير والنخعي
ومجاهد والشعبي وعاصم بن أبي النجود وغَيْرهم وقالت له أسماء بنت أبي بكر:
أنت المبير الَّذِي أخبرنا به رسول اللَّه ◌َله، ومات بواسط في شوال سنة (٩٥)
وعمره أربعٌ خمسون سنة. وقيل: إنه لم يعش بعد قتل سعيد بن جبير إلا يسيرًا،
ذكر قصة موته المؤلف في ترجمة سعيد بن جبير في حرف السين من ((إكماله)).
(عَامَ نَزَلَ) أي: بجيش كثير. (بِابْنِ الزُّبَيْرِ) أي: لقتاله، وهو عبد الله بن الزبير،
وكان نزولُ الحجاج في سُنة ثلاث وسبعين. وقال القاري: قوله: ((عَامَ نَزَلَ بِابْنِ
الزُّبَيْرِ)) أي: سنة قاتَل فيها مع عبد الله بن الزبير الخليفة بمكة والعراقين وغَيْرهما
ما عدا نحو الشام حتى فرَّ مَن معه وبقي صابرًا مجاهدًا بنفسه إلى أن ظفروا به فقتلوه
وصلبوه، ثم أمر عبد الملك الحجاج تلك السنة على الحاجِّ وأمره أن يقتدي في
جميع أحواله نسكه بأقوال عبد الله بن عمر وأفعاله وأن يسأله ولا يخالفه، فحينئذٍ
(سَأَلَ) أي: الحجاج. (عَبْدَ اللَّهِ) أي: ابن عمر، وهو أبو سالم الراوي. (كَيْفَ
نَصْنَعُ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟) أي: في صلاة الظهر والعصر والوقوف في ذلك
١٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
اليوم، هل نقدمهما على الوقوف أو نوسطهما فيه أو نؤخرهما عنه؟ (فَقَالَ سَالِمٌ)
أي: ابن عبد الله، ففيه تجريد أو نقل بالمعني وإلا فحق العبارة أن يقول: فقلتُ.
(إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ) أي: متابعة سُنة النَّبِي ◌ََّ. (فَهَجِّرْ) أمر من التهجير، أي:
صل بالهاجرة وهي شدة الحرِّ. (بِالصَّلَاةِ) أي: الظهر والعصر، قال في ((النهاية)):
التهجير: التبكير في كل شيء، فالمعنى: صل صلاة الظهر والعصر جمعًا أول وقت
الظهر. (صَدَقَ) أي: سالم. (إِنَّهُمْ) بكسرِ الهمزةِ، أي: إن الصحابة. (كَانُوا
يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السُّنَّةِ) بضمِّ السين المهملة وتشديد النون، أي:
سُنة النَّبِي وََّ، وكأن ابن عمر فهم من قول ولده سالم ((فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ)) أي: الظهر
والعصر معًا، فأجابَ بذلك فطابق كلام ولده، قال الطيبي: قوله: ((فِي السُّنَّةِ)) في
محلِّ النصبِ على الحال من فاعل يجمعون أي: متوغلين في السنة، متمسكين
بها، قاله تعريضًا بالحجاج، وقيل: في السنة أي لأجل السنة واتباعها.
(فَقُلْتُ لِسَالِم) قائله ابن شهاب. (أفَعَلَ ذَلِك) الهمزة فيه للاستفهام. (هَلْ
يَتَّبِعُونَ) كذا فيَّ جميع نسخ ((المشكاه)) بمثناة تحتية ثم فوقية، وفي ((صحيح
البخَارِي)) ((تَتَّبِعُونَ)) أي: بمثناة فوقية في أوله. قال الحافظ: بتشديد المثناة من فوق
وكسر الموحدة بعدها مهملة كذا للأكثر من الاتباع، وللكشميهني ((تَبْتَغُونَ))
بسكون الموحدة وفتح المثناة بعدها غين معجمة من الابتغاء وهو الطلب. (ذَلِكَ)
كذا في جميع نسخ ((المشكاة))، وفي ((صحيح البخاري)): ((فِي ذَلِكَ))، أي: بزيادة
((فِي))، قال العَيْنِي والحافظُ: وفي رواية الحموي بحذف كلمة: فِي، وهي مقدرة
ويروى ((بِذَلِكَ))، أي: بالموحدة بدل: ((في))، أي: في ذلك الفعل. وقال
الكرماني: أي: في ذلك الجمع أو في التهجير. (إِلَّا سُنَّتَهُ) قال الطيبي: قوله: ((هَلْ
يَتَِّعُونَ ذَلِك؟)) أي: في ذلك الجمع إلا سنته أو لا يتبعون التهجير في الجمع لشيء
إلا لسنته، فنصب ((سُنَّةً)) على نزع الخافض.
وفِي الحَدِيث: فتوى التلميذ بحضرة أستاذه ومعلمه عند السلطان وغيره، وفيه
تعليم الفاجر السنن لمنفعة الناس، وفيه أن التوجه إلى المَسْجِد الَّذِي بعرفة حين
تزول الشمس وتعجيل الرواح للإمام للجمع بين الظهر والعصر بعرفة في أول وقت
الظهر سنة .
١٥٥
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفةٌ وَالُزْدَلِفَةِ
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في باب الجمع بين الصلاتين بعرفة معلقًا مجزومًا حيث قال:
وقال الليث: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم أن الحجاج بن يوسف
... إلخ. قال الحافظ: وصله الإسماعيلي من طريق يحيى بن بكير وأبي صالح
جميعًا عن الليث. انتهى. وأخرجه البيهقي (ج٥: ص ١١٤) من طريق
الإسماعيلي .
SPCHE
١٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٦ - بَاب رَفِي الْجِمَارِ
(بَابُ رَمْي الْجِمَارِ) هكذا بوَّب مالك في ((الموطأ)) والبخاري في ((صَحِيحِه)) وأبو
دَاوُد في ((سنَنْه)). قال الحافظ: أي: وقت رميها أو حكم الرمي. قال القسطلاني:
واحد الجمار: جمرة وهي في الأصل النار المتقدة والحصاة، وواحدة جمرات
المناسك، وهي المرادة ها هنا، وهي ثلاث: الجمرة الأولى والوسطى والعقبة
يرمين بالجمار، قاله في ((القاموس)). وقال الشهاب القرافي من المالكية: الجمار
اسم للحصى لا للمكان، والجمرة اسم للحصاة، وإنما سمي الموضع جمرة باسم
ما جاوره وهو اجتماع الحصى فيه، وقال الحافظ: الجمرة اسم لمجتمع الحصى،
سميت بذلك لاجتماع الناس بها. يقال: تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل: إن
العرب تسمي الحصى الصغار جمارًا، فسميت تسمية الشيء باسم لازمه. وقيل:
لأن آدم أو إبراهيم لما عرض له إبليس فحصبه، جمر بين يديه أي: أسرع فسميت
بذلك. انتهى.
وقال ابنُ نجيم: الجمار هي الصغار من الحجارة جمع جمرة، وبها سموا
المواضع التي ترمى جمارًا وجمرات لما بينهما من الملابسةِ، وقيل لتجمع ما
هنالك من الحصى، من تجمر القوم إذا اجتمعوا. انتهى. وقال في ((اللمعات)):
الجمارُ الأحجار الصغار، ومنه سمي جمار الحج للحصى التي ترمى بها، وأما
موضع الجمار بمنى فيسمى جمرة؛ لأنَّهَا ترمى بالجمار أو لأنه موضع مجتمع
حصى ترمى، والجمر يجيء بمعنى الجمع كثيرًا أو من أجمر بمعنى أسرع. انتهى.
هذا؛ وقد بسط الكلام في ذلك الشنقيطي في ((أضواء البيان)) (ج٥: ص ٢٩٨)
فراجعه. قال النووي في ((مناسكه)): قال الشافعي: الجمرة: مجتمع الحصى لا ما
سال من الحصى، فمن أصاب مجتمع الحصى بالرمي أجزأه، ومن أصاب سائل
الحصى الَّذِي ليس بمجتمعه؛ لم يجزه، والمرادُ مجتمع الحصى في موضعه
المعروف الَّذِي كان في زمنه ◌َّ فلو حول ورمى الناس في غيره واجتمع الحصى
لم يجزه، وقال البجيرمي: لو أزيل العلم الَّذِي هو البناء في وسط الجمرة، فإنه
١٥٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابِ رَمْي الْجِمَارِ
يكفي الرمي إلى محله بلا شك؛ لأن العلم لم يكن موجودًا في زمن النَّبِي وَّ، وقد
رمى هو وأصحابه إلى الجمرة، إلى آخر ما قال. وفي ((الغنية)): قال في ((النخبة)):
محل الرمي هو الموضع الّذِي عليه الشاخص وما حوله لا الشاخص، ومثله في
((البحر)).
قلت: اختلفوا في مصداق الجمرة، فقال الشافعية: الجمرة: مجتمع الحصى
لا ما سال من الحصى ولا الشاخص ولا موضع الشاخص، لكن هَذَا مخالف لما
تقدم عن البجيرمي، ويؤيده ما في ((روضة المحتاجين)) إذ قال: الثالث من الشرائط
قصد المرمى، فلو رمى في الهواء فوقع في المرمى لم يعتد به، والمرمى هو
مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى، فلو قصد الشاخص أو حائط جمرة العقبة
لم يكف، وإن وقع في المرمى كما يفعله كثير من الناس.
قال المحبُّ الطبري: وهو الأظهرُ عندي، ويحتملُ أنه يجزئه؛ لأنَّهُ حصل فيه
بفعله مع قصد الرمي الواجب. والثاني أقرب كما قاله الزركشي وهو المعتمد، ولا
يقال يلزم عليه أنه لو رمى إلى غير المرمى، فوقع في المرمى يجزئ، وقد صرحوا
بخلافه؛ لأنا نقولُ فرق ظاهر بين الرمي إلى غير المرمى وبين الرمي إلى الشاخص
الَّذِي في وسط المرمى سيما والشاخص المذكور حادث لم يكن في زمنه وَّل. ولذا
لو أزيل كفى الرمي إلى محله بلا شك. انتهى.
وقال المالكية: الجمرةُ: اسم للبناء وما تحته من موضع الحصباء على
المعتمدِ، وقيل: إن الجمرة اسم للمكان الَّذِي يجتمع فيه الحصى. وقال الحنفية:
ليس الشاخص محل الرمي لكن مع ذلك لما يكفي الوقوع قريب الجمرة، فلو وقع
على أحد جوانب الشاخص أي أطراف الميل أجزأه للقرب، ولو وقع على قبة
الشاخص ولم ينزل عنها لا يجزئه للبعد، وأما عند الحنابلة، فقال ابنُ جاسر في
((نور الظلام)): المرمى: هو مجتمع الحصى لا نفس الشاخص. قال الشيخُ سليمان
ابن علي في ((منسكه)): المرمى الَّذِي تترتب عليه الأحكام بقولهم: يعتبر حصول
كل حصاة في المرمى، هو الأرض المحيطة بالميل المبني، فلو طرح الحصاة في
رأس البناء لم يعتد بها؛ لأنَّهَا لم تحصل في المرمى. انتهى ملخصًا.
قال الشيخُ ابنُ جاسر: إذا طرح الحصاة في رأس البناء كما يفعله كثير من
١٥٨
HONG
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحجاج، فتدحرجت في المرمى المحوط بالبناء في الجمرات الثلاث، فإنها
تجزئه، أما إذا بقيت على رأس البناء، فإنها لا تجزئه فيما يظهر لي. والله أعلم.
وقال ابنُ قدامة: ولا يجزئه الرمي إلا أن يقع الحصى في المرمى، فإن وقع دونه لم
يجزئه في قولهم جميعًا؛ لأنَّهُ مأمور بالرمي ولم يرم، وهذا قول أصحاب الرأي،
إلى آخر ما قال.
اعلم: أن الكلامَ في رمي الجمار على ما قال صاحب ((العناية)) وغيره في أكثر
من اثني عشر موضعًا؛ أحدها: الوقتُ وهو يوم النحر وثلاثة أيام بعده. والثاني:
موضع الرمي وهو بطن الوادي. والثالث: في محلِّ المرمى إليه وهو ثلاث
جمرات. والرابع: في كمية الحصيات وهي سبعة عند كل جمرة. والخامس: في
مقدار الحصاة، وهو أنْ يَكُون مثل حصى الخذف. والسادس: في كيفية الرمي بأن
يكون مثل الخاذف ويأخذ الحصى بطرف سبابته وإبهامه. والسابع: في صفة
الرامي بأن يكون راكبًا أو ماشيًا. والثامن: في موضع وقوع الحصيات. والتاسع:
في الموضع الَّذِي يأخذ منه الحجر. والعاشر: فيما يرمى به وهو أنْ يَكُون من
جنس الأرض، عند الحنفية. والحادي عشر: أن يرمي في اليوم الأول جمرة العقبة
لا غير، وفي بقية الأيام يرمى الجمار كلها. والثاني عشر: حكم الرمي. والثالث
عشر: حكم التكبير عند الرمي. والرابع عشر: تفريق الحصيات، والخامس عشر:
الوقوف بعد الرمي للدعاء وغير ذلك.
وأكثر هذه المسائل خلافية، سيأتي بيان بعضها في شرح أحاديث هَذَا الباب وفي
باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق، أما حكم الرمي، فجمهورُ العُلَمَاء على
أن رمي جمرة العقبة يوم النحر، وكذا رمي الجمار الثلاث في أيام التشريق الثلاثة
واجب يجبر بدم، وخالف عبد الملك بن الماجشون من أَصْحَاب مَالِك الجمهور
فقال: إن رمي جمرة العقبة يوم النحر ركن لا حج لمن تركه كغيرها من الأركان.
واحتج الجمهور بالقياس على الرمي في أيام التشريق. واحتج ابن الماجشون
بأن الشَِّيِ وَّ رماها وقال: ((لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))، ولا يخف ما في هَذَا
الاستدلال.
وقال الحافظُ: قد اختلفَ فيه، أي: في حكم الرمي، فالجمهورُ على أنه واجب
١٥٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابِ رَمْي الْجَمَارِ
يجبر تركه بدم، وعند المالكية سنة مؤكدة فيجبر، وعندهم رواية أن رمي جمرة
العقبة ركن يبطل الحج بتركه، ومقابله قول بعضهم أنها إنما تشرع؛ حفظًا للتكبير،
فإن تركه وكبر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها. انتهى.
وقال ابنُ قدامة (ج٣: ص ٤٩١): من ترك الرمي من غير عذر فعليه دم، قال
أحمد: أعجب إلي إذا ترك الأيام كلها؛ كان عليه دم، وفي ترك جمرة واحدة دم
أيضًا، نص عليه أحمد، وبهذا قال عطاء والشافعي وأصحاب الرأي، وحكي عن
مالك أن عليه في جمرة أو الجمرات كلها بدنة. وقال الحسن: من نسي جمرة
واحدة يتصدق على مسكين. ولنا قول ابن عباس: من ترك شيئًا من مناسكه، فعليه
دم. وإن ترك أقل من جمرة، فالظاهر عن أحمد أنه لا شيء في حصاة ولا في
حصاتين، وعنه: أنه يجبُ الرمي بسبع، فإن ترك شيئًا من ذلك تصدق بشيء أي
شيء كان، وعنه: أن في كلِّ حصاةٍ دمًّا، وهو مذهب مالك والليث، وعنه في
الثلاثة دم، وهو مذهب الشافعي، وفيما دون ذلك في كل حصاة مد. وعنه:
درهم، وعنه: نصف درهم. انتهى، وسيأتي مزيد الكلام على هَذَا في شرح حديث
عبد الله بن مسعود من هَذَا الباب.