Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حاجة إلى جعل ((ما قلتُ)) بمعنى ما دعوت، ويمكن أنْ يَكُون هَذَا الذكر توطئة لتلك
الأدعية لما يستحب من الثناء على الله قبل الدعاء، انتهى.
وقال القاري: لا يبعدُ أن يقال: خير ما قلت من الذكر فيكون عطف مغاير،
والتقديرُ: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة بأي شيء كان، وخير ما قلت من الذكر فيه
وفي غيره أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، انتهى. قلتُ: لكن لا يلائمه رواية
الطََّرَاني بلفظ: ((أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ قَبْلِي عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)). وكذا
رواية أحمد. كان أكثرُ دعاءِ رسول اللَّه ◌َلَه يوم عرفة لا إله إلا الله. (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ
الْحَمْدُ) زاد في حديث أبي هريرة عند البيهقي: ((يُحْبِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات من طريق حماد بن حميد عن عمرو بن شعيب
وقال: هَذَا حديثٌ غريبٌ من هَذَا الوجه، وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي
حميد وليس هو بالقوي عند أهل الحديث، وأخرجه أحمد من هَذَا الطريق (ج٢ :
ص٢١٠) بلفظ: كان أكثر دعاء رسول اللَّه وَ له يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أورده الهيثمي
في ((مجمع الزوائد». وقال: رواه أحمد ورجاله موثقون، انتهى. ولا يخفى ما
فيه .
٢٦٢٣ - [٨] وَرَوَىْ مَالِكٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: ((لَا
شَرِيكَ لَهُ))
{صحيح}
الشرح
٢٦٢٣ - قوله: (وَرَوَىْ مَالِك) في آخر كتاب الصلاة وفي أواخر الحج عن
زياد بنِ أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعةً المخزومي. (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ
عُبَيْدِ اللَّهِ) أي: مرسلًا مَرْفُوعًا، وطلحة هَذَا هو طلحة بن عبيدالله، مصغرًا. ابنُ
كريز: بفتح الكاف وكسر الراء المهملة وسكون الياء وزاي معجمة، الخزاعي
(٢٦٢٣) مالك الأعظمي (٢٣٩/٧٢٢).

١٠١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَاب الوقوفِ بِعَرَفَة
المدني أبو المطرف ثقة من أوساط التابعين، ماتَ بالشام سنة ثمان عشرة ومائة.
قال العراقي: وهم من ظنه أحد العشرة، أي: لأنه تيمي واسم جده عثمان وهذا
خزاعي وجده كريز فحديثه مرسل. (إِلَى قَوْلِهِ: لَا شَرِيكَ لَهُ) وكذا أخرجه البيهقي
في كتاب ((الدعوات الكبير)) و((السنن الكبرى)) (ج٥: ص ١١٧) مرسلاً مبتورًا.
قال ابنُ عبد البر: لا خلافَ عن مالك في إرساله ولا أحفظ بهذا الإسناد مسندًا
من وجه يحتجُّ به وأحاديث الفضائل لا تحتاجُ إلى محتجِّ به، وقد جاءَ مُسندًا من
حديث علي وَابْن عمر، ثم أخرجَ حديث علي من طريق ابن أبي شيبة وجاء أيضًا عن
أبي هريرة، أخرجه البيهقي.
وقال الحافظُ في ((التلخيصٍ)) (ص٢١٥) بعد ذكر هَذَا الحديث: مالك في
((الموطأ)) من حديث طلحة بن عبيدالله بن كريز مرسلًا؛ لأنَّ طلحةَ تابعي، ورُوي
عن مالك موصولًا، ذكره البيهقي وضعفه، وكذا ابنُ عبد البر في ((التمهيدِ))، وله
طريق أخرى موصولة رواه أحمد والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده بلفظ: ((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمٍ عَرَفَةَ ... )) الحديث. وفي إسنادهِ حماد بن أبي
حميد وهو ضعيف، ورواه العقيلَيُّ في ((الضعفاءِ)) من حديث نافع عن ابن عمر
بلفظ: ((أَفْضَلُ دُعَائِي وَدُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: لَا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ .. )) الحديث.
وفي إسنادِهِ فرج بن فضالة وهو ضعيف جدًّا. قال البخاري: منكر الحديث. ورواه
الطَّبَرَاني في المناسكِ من حديث علي نحو هذا، وفي إسناده قيس بن الربيع،
وأخرجه البيهقي (ج٥: ص ١١٧) وإسحاق بن راهويه كما في ((المطالب العالية))
(ج١: ص ٢٤٥) عنه بزيادة: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ... )) إلخ. وفي إسناده
موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف وتفرَّد به عن أخيه عبد الله عن علي. قال
البيهقي: ولم يدرك عبد الله عليًّا، انتهى. وأحاديثُ الباب تدلُّ على مشروعية
الاستكثار من الدعاء المذكور يوم عرفة وأنه خير ما يقال في ذلك اليوم.
G تنبيه:
قال الزرقاني: وقعَ في ((تجريد الصحاح)) لرزين بن معاوية الأندلسي زيادة في
أول هَذَا الحديث وهي: أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضلُ من
سبعين حجة في غير يوم الجمعة وأفضل الدعاء ... إلخ.

١٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وتعقَبَهُ الحافظُ فقال: حديثٌ لا أعرف حاله؛ لأنَّهُ لم يذكر صحابيه ولا من
خرَّجَهُ بل أدرجَهُ في حديثِ ((الموطأ)) هَذَا وليست هذه الزيادة في شيء من
الموطآت، فإنْ كانَ له أصلٌ احتملَ أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة في
الكثرة، وعلى كلِّ حالٍ منهما ثبتت المزية، انتهى. وفي ((الهدي)) لابن القيم، ما
استفاضَ على ألسنةِ العوامِّ: أن وقفة الجمعة تعدلُ ثنتين وسبعين حجة فباطل لا
أصل له عن رسول اللّه وَ له ولا عن أحدٍ من الصَّحَابَة والتابعين، انتهى.
٢٦٢٤ - [٩] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيْزِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
قَالَ: ((مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًّا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ، وَلَا أَدْحَرُ، وَّلَا أَحْقَرُ، وَلا أَغْيَظُ
مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاَكَ إِلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الْرَحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ
الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا رُؤِيَ يَوَمَ بَدْرٍ)). فَقِيلَ: مَا رُؤِيَ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: ((فَإِنَّهُ
قَدْ رَأَى جِبْرِيلََ يَزَعُ الْمَلائِكَةَ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا وَفِي شَرْحِ الْسُنَّةَ بِلَفْظِ الْمَصَابِيْحِ] {ضعيف}
الشرح
٢٦٢٤ - قوله: (وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العينِ مصغرًا. (بْنِ كَرِيْزِ)
بفتح الكافِ مكبّرًا، الخزاعي التابعي المتقدم ذكره آنفًا، فالحديثُ مرسلَ. (أَنَّ
رَسُوَّلَ اللَّهِ قَالَ: مَا رُؤِيَ) بالبناءِ للمجهولِ. (يَوْمًا) أي: في يوم. (هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ)
الجملةُ صفةٌ يومًا أي: أذل وأحقر، مأخوذ من الصغار بفتح الصَّاد المهملة وهو
الهوان والذل، قاله القاري. وهكذا فسَّر الزرقاني وصاحب المحلى وغَيْرهم من
الشراح. وقال الباجي: يحتملُ وجهين: أنْ يريد الصغار والخزي والذل، ويحتمل
أن يريد به تضاؤله وصغر جسمه وأن ذلك يصيبه عند نزول الملائكة وإغضاب
نزولها له، انتهى.
(وَلَا أَدْحَرُ) بسكونِ الدَّال وفتح الحاء وبالراء مهملات، اسم تفضيل من الدحرِ
وهو الطردِ والإبعادِ، أي: أبعد عن الخير ومنه قوله تعالى: ﴿مِن كُلِّ جَانٍِ
(٢٦٢٤) مَالِك (٢٤٥) فِيهُ من مُرْسَلٍ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ کَرِیٍ .

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْوُقَوفِ بِعَرَفة
١٠٣
دُحُورًا﴾ [الصافات: ٨، ٩] وقوله تعالى: ﴿أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومَا مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] وقال الطَّبَري:
الدحرُ الدفع بعنف على سبيل الإهانة والإذلال، ومنه: ﴿فَتُلْقَى فِ جَهَنَّمَ مَلُومًا
مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] أي: مبعدًا من رحمة الله.
(وَلَا أَحْقَرُ) أي: أسوأ حالا، قاله القاري. وقال الزرقاني: أي أذل وأهون عند
نفسه؛ لأنَّهُ عند الناس حقير أبدًا. وقال الباجي: يحتمل الوجهين المتقدمين في
أصغر. (وَلَا أَغْيَظُ) أي: أشدُّ غيظًا محيطًا بكبده وهو أشد الحنق. (مِنْهُ) أي: من
الشيطان نفسه. (فِي يَوْم عَرَفَةَ) وفي ((المصابيح)): ((يَوْمَ عَرَفَةَ)) قال شارحه: نصب
ظرفًا لأصغر أو لأغيظ أي الشيطان في عرفة أبعد مرادًا منه في سائر الأيام وتكرار
المنفيات للمبالغة في المقام، قاله القاري.
(وَمَا ذَاَ) أي: وليس ما ذكر له. (إِلَّا لِمَا يَرَى) كذا في جميع النسخ من
((المشكاة)) موافقًا لما في ((المصابيح)). وكذا ذكرهِ الْمُنْذِرِي في ((الترغيب))
والطبري في ((القرى))، وفي ((الموطأ)): (إِلَّا لِمَا رَأَى)) أي: بصيغة الماضي
المعلوم، قال القاري: لما يرى أي لأجل ما يعلم، قيل: ويحتمل رؤية العين كما
يجِيء. (مِنْ تَنَزَّلِ الرَّحْمَةِ) أي: على الخاص والعام بحسب المراتب. (وَتَجَاوُزِ
اللَّهِ عَنْ الذَّنُوبِ الْعِظَام) قال القاري: فيه إيماء إلى غفران الكبائر، انتهى. قال
الزرقاني: قوله: ((إِلَّا لِّمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ)) أي: الملائكة النازلين بها على
الواقفين بعرفة وهو - لعنه الله - لا يحبُّ ذلك، وليس المراد أنه يرى الرحمة
نفسها، ولعله رأى الملائكة تبسط أجنحتها بالدعاء للحاج، ويحتملُ أنه سمع
الملائكة تقول: غفر لهؤلاء أو نحو ذلك فعلم أنهم نزلوا بالرحمة، ورؤيته الملائكة
للغيظ لا للإكرام، قاله أبو عبد الملك البوني.
وقال الباجي: يحتملُ أنه يرى الملائكة ينزلون على أهل عرفة وقد عرف
الشيطان أنهم لا ينزلون إلا عند الرحمة لمن ينزلون عليه، ولعلَّ الملائكة يذكرون
ذلك أما على وجه الذكر بينهم أو على وجه الإغاظة للشيطان، ويخلق اللَّه للشيطان
إدراكًا يدرك به نزولهم ويدرك به ذكرهم لذلك، ولعله يسمع منهم إخبارهم بأن اللَّه
تعالى قد تجاوز لأهل الموقف عن جميع ذنوبهم وعما يوصف بالعظم منها،
ويحتمل أن ينص على ذلك، ويحتمل أن يخبر به عنه بخبر يفهم المعنى وإن لم
ينص على نفس المعصية سترًا من الله تعالى على عباده المغفور لهم، انتهى.

١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
(إِلَّا ما رُؤِيَ) ببناء المجهول. (يَوْمَ بَدْرٍ) قال الطيبي: أي ما رُؤي الشيطان في يوم
أسوأ حالًا منه في ما عدا يوم بدر أول غزوة وقع فيها القتال وكانت في ثانية
الهجرة، وفي ((المصابيح)): ((إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَوْم بَدْرٍ)). (فَقِيلَ: ما رُؤي؟) كذا في
بعض النسخِ بصيغة المجهول، وفي بعضها: ((مَا رَأَى)) أي: ببناء المعلوم كما في
((الموطأ)) و(المصابيح))، أي قالت الصحابة: وما رأى الشيطان يوم بدر حتى صار
لأجله أسوأ حالاً؟. (قَالَ) أي: رسول اللَّه ◌َّ. (فَإِنَّهُ) أي: الشيطان، وفي
((الموطأ)): ((أَمَا إِنَّهُ)). (قَدْ رَأَى جِبْرِيلُ) فَلاَ أي يوم بدر. (يَزَعُ) بفتح الياء والزاي
المعجمة فعين مهملة، وأصله يوزع من الوزع، أي يصف. (الْمَلَائِكَةَ) للقتال
ويمنعهم أن يخرج بعضهم عن بعض في الصف. قال الجزري: وزعه يزعه وزعًا
فهو وازع إذا كفه ومنعه، ومنه حديث: ((إِنَّ إِبْلِيسَ رَأَى جِبْرِيلَ نََّا يَوْمَ بَدْرٍ يَزَعُ
الْمَلَائِكَةَ)) أي: يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب فكأنه يكفهم عن التفرق
والانتشار، انتهى. وقال الطيبي: يزعهم أي يكفهم فيحبس أولهم على آخرهم،
ومنه الوازع وهو الَّذِي يتقدم الصف فيصلحه ويقدم في الجيش ويؤخره، ومنه قوله
تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧، ٨٣] أي: يرتبهم ويسويهم ويكفهم عن الانتشار
ويصفهم للحرب، انتهى. وفيه فضل الحج وشهود عرفة، وفضل يوم بدر وسعة
فضل اللّه على المذنبين. (رَوَاهُ مَالِك) في أواخر الحج عن إبراهيم بن أبي عبلة -
من ثقات التابعين -، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز. (مُرْسَلًا) حديث طلحة هَذَا
ذكره الْمُنْذِرِي في ((الترغيب)) (ج٢: ص ٧٣) وقال: رواه مالك والْبَيْهَقِي من طريقه
وغَيْرهما وهو مرسل، وقال ابن عبد البر في ((التقصي)): وهو مرسل عند جماعة
رواة ((الموطأ)). وقال في ((التمهيد)): هكذا الحديث في ((الموطأ)) عند جماعة الرواة
عن مالك، ورواه أبو النصر إسماعيل بن إبراهيم العجلي عن مالك عن إبراهيم بن
أبي عبلة عن طلحة بن عبيدالله بن كريز عن أبيه، ولم يقل في هَذَا الحديث: عن
أبيه، غيره، وليس بشيء، انتهى.
قلتُ: عبيد الله بن كريز هَذَا لم يذكر في ((التهذيب)) ولا في ((الجرح والتعديل))،
وإنما ذكره ابن حبان في (ج٢) من ((الثقات))، وذكره أيضًا البخَارِي في ((التاريخ
الكبير)) (ق١/ج٣/ ص ٣٩٧) فقال: عبيد الله بن كريز الخزاعي سمع عبد الله بن
معقل، رواه عنه ابنه طلحة في البصریین، انتهى. وهذا كما ترى لم يذكر فيه جرحًا

كِتاب المنَاسِكِ
بَابُ الْوُقْوفِ بِعرفة
١٠٥
ولا تعديلًا. وقال الزرقاني: حديث طلحة هَذَا مرسل، وزعم ابن الحذاء أن
الحديث من الغرائب التي لم يوجد لها إسناد ولا نعلم أحدًا أسنده، من قصوره
الشديد، فقد وصله الحاكم في ((المستدرك)) عن أبي الدرداء، وقال القاري: رواه
الديلمي متصلاً والْبَيْهَقِي مرسلاً ومتصلًا. (وَفِي شَرْح السُّنَّةِ) للبغوي. (بِلَفْظِ
الْمَصَابِيحِ) المغاير لبعض ما هنا، وقد تقدَّم التنبيه على ذلك.
٢٦٢٥ - [١٠] وَعَنْ جَابِرِ رِ فْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا كَانَ
يَوْمُ عَرَفَةَ إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَّاءِ الدُّنْيَا، فَيُّبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ:
انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْئًا غُبْرًا ضَاجِّيْنَ مِنْ كُلِّ فَجِّ عَمِيْقٍ، أُشَهِدُكُمْ أَنِّي
قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيَقُوْلُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، فُلَانٌ كَانَ يُرَمَّقُ وَفُلَانٌ وَفُلَانَةٌ قَالَ:
يَقُولُ اللَّهُ رِىَ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ)). قَالَ رَسُولُ اللَّهِو ◌َالَ: ((فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ عَتِيقًا
من النَّارِ مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ)).
[َرَوَاهُ فِيَّ شَرْحِ الْسُنَّةَ]
الشرح
٢٦٢٥ - قوله: (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) قال القاري: لعلَّ وجهَ التخصيص زيادة
اطلاع أهلها لأهل الدنيا. (فَيُبَاِي بِهِمُ) أي: بالواقفين بعرفة. (الْمَلَائِكَةَ) أي:
ملائكة سماء الدنيا أو الملائكة المقربين أو جميع الملائكة، قاله القاري. (فَيَقُولُ:
انْظُرُوا) أي: نظر اعتبار. (إِلَى عِبَادِي) الإضافة للتشريف. (أَتُونِي) قال القاري:
أي جاءوا مكان أمري. (شُعْثًا) بضمِّ الشين المعجمة وسكون العين المهملة، جمع
أشعث وهو المتفرق الشعر. (غُبْرًا) جمع أغبر وهو الَّذِي التصق الغبار بأعضائه،
وهما حالان. (ضَاجِّينَ) بتشديد الجيم من ضجَّ إذا رفع صوته أي رافعين أصواتهم
بالتلبية .
قال القاري: وفي نسخة - يعني من ((المشكاة)) - بتخفيف الحاء المهملة، وفي
((المشارق)): أي أصابهم حر الشمس. وفي ((القاموس)): ضحى برز للشمس
وكسعى ورضى أصابته الشمس. وذكر الْمُنْذِرِي حَدِيث جَابِرِ هَذَا من رواية ابن
(٢٦٢٥) ابنُ خُزيمة (٢٨٤٠) فِيهِ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣٨٥٣).

١٠٦
eet
ease *** * cesa
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حبان بلفظ ضاحين، وقال: وهو بالضاد المعجمة والحاء المهملة، أي: بارزين
للشمس غير مستترين منها، يقال لكل من برز للشمس من غير شيء يظله ويكنه: إنه
لضاح.
(مِنْ كُلِّ فَجِّ عَمِيقٍ) متعلِّق بأتوا، أي: مِن كل طريق بعيد. (أُشْهِدُكُمْ) أي: أظهر
لكم. (فُلَانٌ كَانَ يُرَهَّقُ) بتشديد الهاء وفتحه ويخفف أي يتهم بالسوء وينسب إلى
غشيان المحارم، ولفظ البيهقي: (فَتَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ: إِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا مُرَهَّقًّا)) قال
المنذري: المرهقُ هو الَّذِي يغشي المحارم ويرتكبُ المفاسدِ. (وَفُلَانٌ وَفُلَانَةٌ)
أي: كذا وكذا يعني عاص وفاسق. وقال القاري: أي كذلك يفعلان المعاصي،
وإنما قالوا ذلك تعجبًا منهم بعظم الجريمة واستبعادًا لدخول صاحب مثل هذه
الكبيرة في عداد المغفورين. وقال التُّورِبَشْتِي: قول الملائكة هَذَا على سبيل
الاستعلام ليعلموا هل دخل ذلك المرهق في جملتهم أم لا، كأنهم قالوا: إن فيهم
فلانًا ومن شأنه كيت وكيت، فماذا صنعت به، أو يكون سؤالهم هَذَا من طريق
التعجب، وفيه من الأدب عدم التصريح بالمعائب وعلى هَذَا النحو من المعنى
يحمل قوله ◌َّه في غير هَذَا الحديث: ((إِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا الْخَطَّاء)). ولا يصحُّ حمله على
غير ذلك، فإنهم أعلمُ بالله من أن يسبق عنهم مثل هَذَا القول على سبيل الإعلام
والاعتراض.
(قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) أي: لهؤلاء أيضًا، وقد غفرت لهم جميعًا وهؤلاء منهم وهم قوم
لا يشقى جليسهم، قال الطيبي: فإنَّ الحجَّ يهدمُ ما كان قبله. (فَمَا مِنْ يَوْم) قال
الطيبي: جزاء شرط محذوف. (أَكْثَرَ) بالنصب خبر ما بمعنى ليس، وقيل: بَّالرفع
على اللغة التميمية. (عَتِيقًا) تمييز. (مِنَ النَّارِ) متعلق بعتيق. (مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ) متعلق
بأكثر.
(رَوَاهُ) أي: البغوي. (فِي شَرْح السُّنَّةِ) أي: بسنده وأخرجه أيضًا ابن حبان وَابْن
خزيمة فِي ((صَحِيحِهما)) والإسماعيلي في ((معجمه)) وأبو يعلى والبزار وَابْنِ منيع
وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وَابْن عساكر وقاسم بن أصبعٍ في (مسنده)) والْحَاكِم
والْبَيْهَقِي وَابْن أبي الدنيا بألفاظ متقاربة مختصرًا ومطولًا وأورده الهيثمي في
((مجمع الزوائد» (ج ٣: ص ٢٥٣) من رواية أبي يعلى والبزار بزيادة فضل عشر ذي

١٠٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الوقوفِ بعَزفة
الحجة في أوله، وقال: فيه محمد بن مروان العقيلي وثقه ابن معين وابن حبان،
وفيه بعض كلام، وبَقِيَّة رِجَالِه رِجَال الصَّحِيح، انتهى. وفي الباب عن أبي هريرة
وَابْن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص ذكر أحاديثهم الْمُنْذِرِي في
((الترغيب)) والطبري في ((القرى)) وعلي المتقي في ((الكنز)) والهيثمي في ((مجمع
الزوائد)).

١٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٦٢٦ - [١١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ
بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، فَكَانَ سَائَرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا
جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّه تَعَالَى نَبِيَّهُ نَّهِ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، فَيَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ
مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ رَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٢٦ - قوله: (كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا) أي: اتبعهم في دينهم ووافقهم
عليه واتخذ دينهم له دينًا. (يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ) أي: حين يقف الناس بعرفة. قال
سفيانُ بنُ عُيينة: وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير
حرمكم استخف الناس بحرمكم فكانوا لا يخرجون من الحرم. رواه الحميدي في
((مسنده)) (ج١: ص ٢٥٥). (وَكَانُوا) أي: قريش. (يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ) بضم الحاء
المهملة وسكون الميم بعدها سين مهملة جمع أحمس من الحماسة بمعنى الشدة.
روى إبراهيم الحربي في ((غريب الحديث)) عن مجاهد قال: الحمس قريش ومن
كان يأخذ مأخذها من القبائل كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وغزوان وبني
عامر وبني صعصعة وبني كنانة إلا بني بكر، والأحمس في كلام العرب الشديد،
وسموا بذلك لما شددوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلوا بحجٍّ أو عمرةٍ لا يأكلون
لحمًا ولا يضربون وبرًا ولا شعرًا، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت
عليهم، وروى إبراهيم أيضًا من طريق عبد العزيز بن عمران المدني قال: سموا
حمسًا بالكعبة؛ لأنَّها حمساء في لَوْنِها، حجرها أبيض يضربُ إلى السوادٍ، انتهى.
والأولُ أشهر وأكثر وأنه من التحمس وهو التشدُّد. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى:
تحمس تشدد، ومنه حمس الوغى إذا اشتدَّ. قال: كانت قريش إذا خَطب إليهم
(٢٦٢٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٥٢٠)، ومُسْلِم (١٢١٩) فيه.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابِ الْوُقوفِ بِعرفة
١٠٩
الغريبُ اشترطوا عليه أن ولدها على دِينهم فدخلَ في الحمس من غير قريش ثقيف
وليث بن بكر وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة يعني وغَيْرهم، وعرف بهذا المراد
بهذه القبائل من كانت له من أمهاته قرشية لا جميعَ القبائل المذكورة، كَذَا فِي
((الفَتْح)). وقيل: سموا حمسًا لشجاعتهم، والحماسة: الشجاعة، وفيه: إشارة إلى
أنهم كانوا يفتخرون بشجاعتهم وجلادتهم مميزين أنفسهم عن جماعتهم وأهل
جلدتهم .
(وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ) يعني: بقيتهم. (يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ) على العادة القديمة والطريقة
المستقيمة. (أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ) هي علم للموقف والتاء ليست للتأنيث قاله
الزمخشري. وقال الكرماني: التنوين عوض من النون في الزيدين يعني أن التنوين
للمقابلة لا للتمكن، أي: جيء به في مقابلة النون في جمع المذكر السالم، وقد
قيل: كل بقعة فيها تسمى عرفة فهي جمع حقيقة. (ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا) قال الطيبي:
الإفاضة الزحف والدفع في السير وأصلها الصب؛ من أفضت الماء إذا صببته
بكثرة، فاستعير للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه أو راحلته ثم ترك المفعول
رأسًا حتى صار كاللازم. (فَذَلِكَ قَوْلُهُ رَكَ: ثُمَّ أَفِيضُوا) أي: ادفعوا وارجعوا. (مِنْ
حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) أي: عامتهم وهو عرفة. قال الترمذي: معنى هَذَا الحديث أن
أهل مكة كانوا لا يخرجون من الحرم، وعرفات خارج من الحرم فأهل مكة كانوا
يقفون بالمزدلفة ويَقُولُون نحن قطين اللَّه يعنى سكان بَيْت الله، ومن سوى أهل
مكة كانوا يقفون بعرفات فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] والحمس هم أهل الحرم، انتهى.
قال السندي: قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ أي: أيها القريش ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
النَّاسُ﴾ أي: غيركم وهو عرفات والمقصود أي: ارجعوا من ذلك المكان، ولا
شك أن الرجوع من ذلك المكان يستلزم الوقوف فيه؛ لأنَّهُ مسبوق به فلزم من ذلك
الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس وهو عرفة.
قال الحافظ: دلَّ هَذَا الحديث على أنَّ المرادَ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾
الإِفِاضَة من عَرَفة، وظاهرُ سياق الآية أنَّها الإفاضة من مُزْدَلفة؛ لأنَّهَا ذكرت بلفظة
ثم بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وأجاب بعض المفسرين بأنَّ الأمر
بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر تنبيهًا

EDONE
١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على المكان الَّذِي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا ثم لتكن
إفاضتكم من حيث أفاض الناس لا من حيثُ كان الحمس يفيضون، أو التقدير:
فإذا أفضتِم من عرفات إلى المشعر الحرام فاذكروا الله عنده، ولتكن إفاضتكم من
المكان الَّذِي يفيض فيه الناس غير الحمس، ثم قال الحافظ: وأما الإتيان في الآية
بقوله: ((ثم))، فقيل: هي بمعنى الواوِ وهذا اختيارُ الطَّحاوي، وقيل: لقصد التأكيد
لا لمحضٍٍ الترتيبٍ، والمعنى: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللَّه عند المشعر
الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم
تفيضون.
قال الزمخشري: وموقع ((ثم)) ها هنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس ثم لا
تحسن إلى غير كريم، فتأتي ثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى
غيره فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بين لهم مكان الإفاضة
فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والأخرى
خطأ .
قال الخطابي: تضمن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
[البقرة: ١٩٩] الأمرُ بالوقوف بعرفة؛ لأنَّ الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله، وكذا
قال ابنُ بطال وزاد: وبين الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه، انتهى. وروى
البخَارِيُّ من حديث عروة عن عائشة قالت: إن هذه الآية نزلت في الحمس ﴿ثُمَّ
أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قالتْ: كانوا - أي: الحمس - يفيضون من
جمع فدفعوا إلى عرفات.
قال الحافظ: المعنى: أنهم أمروا أن يتوجهوا إلى عرفات ليقفوا بها ثم يفيضوا
منها. قال: وعرف برواية عائشة أن المخاطب بقوله تعالى: ﴿أَفِيضُواْ﴾
النَّبِي ◌ََّ، والمراد به من كان لا يقف بعرفة من قريش وغَيْرهم. وروى ابن أبي
حاتم وغيره عن الضحاك أنَّ الْمَرَاد بالناس هنا إبراهيم الخليل ظلَّلُ وعنه المراد به
الإمام وعن غيره آدم، وقرئ في الشواذ: الناسي، بكسر السين بوزن القاضي
والأول أصحُّ، نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي وغيره
من طريق يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفًا بعرفة فأتى ابن مربع ... الحديث، وقد
وجود

١١١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةٌ
تقدم. ولا يلزم من ذلك أنْ يَكُون هو المراد خاصة بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
النَّاسُ﴾ بل هو الأعم من ذلك والسبب فيه ما حكته عائشة خيرًا .
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخَارِي في الحج وفي تفسير سورة البقرة، ومُسْلِمٍ فِي
الحج، وأخرجه أيضًا فيه الترمذي وأبو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن ماجه. قال البوصيري
في ((الزوائد)»: الحديث موقوف ولكن حكمه الرفع؛ لأنَّهُ في شأن نزوله.
٢٦٢٧ - [١٢] وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَهِ دَعَا لِأُمَّتِهِ
عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ، فَأُجِيبَ: أَنِّي قَدْ غَفَرْتَّ لَهُمْ، مَا خَلَا الْمَظَالِمِ ، فَإِنَّي
آَخِذٌ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ. قَالَ: «أَيْ رَبِّ، إِنْ شِئْتَ أَعْطَّيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ،
وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ))، فَلَمْ يُحِبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ،
فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ - أَوْ قَالَ: تَبَسَّمَ -، فَقَالَ
لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا
الَّذِي أَضَّْحَكَكَ، أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ؟ قَالَ: ((إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ
أَنَّ اللَّهَ وَ قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى
رَأْسِهِ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ، وَالثُُّورِ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالْنُشُورِ نحُوهُ] {ضعيف}
الشرح
٢٦٢٧ - قوله: (وَعَنَ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ) بكسر الميم هو العباس بن مراداس
ابن أبي عامر أبو الهيثم، ويقال: أبو الفضل السلمي الشاعر الصحابي المشهور،
أسلمَ قبل فتحِ مكّة بيسيرٍ، وقيل: أسلم بعد يوم الأحزاب، وعداده في المؤلفة
قلوبهم وحسن إسلامه، وشهد فتح مكة وحنينًا، وكان ممن حرم الخمر في
الجاهلية ونزل ناحية البصرة. قال الحافظُ في ((تهذيب التهذيب)): روى عن
النَّبِي ◌َّهِ وعنه ابنه كنانة وعبد الرحمن بن أنس السلمي، روى له أبُو دَاوُد وَابْن
ماجه حديثًا واحدًا في فضل يوم عرفة، انتهى.
(٢٦٢٧) رَوَاهُ ابن مَاجَهْ (٣٠١٣) فيه، والبَيْهَقِي في ((البعث)).

١١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّهِدَعَا لِأُمَّتِهِ) قال القاري: الظاهر لأمته الحاجين معه مطلقًا. لا
مطلق الأمة فتأمل. وقال السندي: قوله: ((لِأُمَّتِهِ)) أي: لمن معه في حجِّه ذلك أو
لمن حج من أمته إلى يوم القيامة أو لأمته مطلقًا من حج أو لم يحج. (عَشِيَّةَ عَرَفَةَ)
أي: وقت الوقفة. (بِالْمَغْفِرَةِ) أي: التامة العامة. (فَأَجِيبَ أَنِّي) أي: بأني. قال
السندي: بفتح الهمزة أي أجابه الله بأني قد غفرت أو بكسرها أي أجابه قائلاً: إني
قد غفرت. (مَا خَلَا الْمَظَالِمَ) أي: ما عدا حقوق الناس جمع مظلمة بكسر اللام
وفتحها وهي ما تطلبه من عند الظالم مما أخذه منك بغير حقٍّ، وهي في الأصل
مصدر بمعنى الظلم، وقيل: جمع مظلم بكسر اللام والمظالم أعم من أن تكون
مالية وعرضية. (فَإِنِّي آخُذُ) بصيغة المتكلم أو الفاعل. (لِلْمَظْلُوم مِنْهُ) أي: من
الظالم إما بالعذاب وإما بأخذ الثواب إظهارًا للعدل. (أَعْطَيْتُ) أي: من عندك.
(الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ) أي: ما يرضيه منها أو بعض مراتبها العلية. وقال السندي:
ظاهره أنه سأل مغفرة مظالم المؤمنين بخلاف مظالم أهل الذمة إلا أن يقال: قوله:
((مِنَ الْجَنَّةِ)) أي: مثلًا أو تخفيف العذاب والله تعالى أعلم الصواب. (وَغَفَرْتَ
لِلظَّالِمِ) فضلًا. (فَلَمْ يُحِبْ) بصيغة المجهول والضمير لرسول اللّه وَلـ (عَشِيَتَهُ)
أي: فَي عشية عرفة، والتذكير باعتبار الزمان أو المكان، ويمكنُ أنْ يكونَ الضمير
راجعًا إليه ◌َله، فالإضافة لأدني ملابسة، قاله القاري.
(فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ) أي: ووقف بها. (أَعَادَ الدُّعَاءَ) أي: المذكور. (فَأُجِيبَ
إِلَى مَا سَأَلَ) أي: إلى ما طلبه على وجه العموم. قيل: ((إلى)) بمعني اللام ويمكن أنْ
يَكُون ضمن معنى الرجوع والوصول. قال القاري: وكان العباس سمع هذه الأمور
منه ◌َّ فرواها كأنه علمها. (قَالَ) أي: العباس. (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَ أَوْ قَالَ:
تَبَسَّمَ) أو للشك من الراوي عن العباس لقوله: قال. (مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا) أي:
من شأنها أن لا تضحك فيها، أو المراد في مثلها مما تبكي وتتضرع فيه، وإلا لم ير
رسول اللّهُ وَّله في هذه الساعة قبل؛ لأنَّهُ لم يحج إلا أول حجها، وإن قيل: إنه وَل
قد حجَّ قبل عهد الإسلام فأبو بكر وعمر لم يرياه، كذا في ((اللمعات)).
(أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّك) أي: أدام اللَّه لك السرور الَّذِي سبب ضحكك. (فَجَعَلَ
يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ) أي: يلقي التراب بكفيه على رأسه. (وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ) أي:
العذاب. (وَالثُّبُورِ) بضمِّ الثاء أي: الهلاك يعني يقول: واويلاه ويا ثبوراه. قال

١١٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْوُقَوفِ بِعَرَفَةٌ
الطيبي: كل من وقع في تهلكة دعا بالويل والثبور أي يا هلاكي وعذابي احضر فهذا
أوانك. وقال الطَّري: الويل الحزن والهلاك المشقة وكل من وقع في هلكة دعا
بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني ويا عذابي ويا هلاكي احضر فهذا وقتك، فكأنه
نادى الويل أن يحضره بما عرض له، والثبور هو الهلاك، وقد ثبر يثبر ثبورًا إذا
هلك. (فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ) أي: مما صدر من فضل ربي على رغمه.
قال القاري: وظاهر الحديث عموم المغفرة وشمولها حق الله وحق العباد إلا أنه
قابل للتقييد بمن كان معه ◌َّ في تلك السنة - يعني: أن المراد من الأمة هم
الواقفون معه وَل بعرفة أو بمن قبل حجه بأن لم يرفث ولم يفسق. ومن جملة
الفسق الإصرار على المعصية وعدم التوبة، ومن شرطها أداء حقوق اللَّه الفائتة
كالصلاة والزكاة وغَيْرهما وقضاء حقوق العباد المالية والبدنية والعرضية، اللهم
إلا أن يحمل على حقوق لم يكن عالمًا بها أو يكون عاجزًا عن أدائها. قال: ولا تغتر
بكون هَذَا الحديث مجملاً مع اعتقاد أن فضل الله واسع، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ولذا قال عليه الصلاة
والسلام: ((أَمْ رَبِّ إِنْ شِئْتَ))، فما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن ولا يسئل عما
يفعل وهم يسئلون.
ثم قال القاري بعد ذكر الكلام في هَذَا الحديث وما ورد في معناه من الروايات:
قال بعضُهم: إذا تأملت ذلك كله علمت أنه ليس في هذه الأحاديث ما يصلحُ
متمسكًا لمن زعم أن الحجَّ يكفر التبعات؛ لأن الحديث ضعيف، على أنه ليس نصًّا
في المدعى لاحتماله، ومن ثمة قال البيهقي: يحتمل أن تكون الإجابة إلى المغفرة
بعد أن يذيقهم شيئًا من العذاب دون ما يستحقه فيكون الخبر خاصًّا في وقت دون
وقت، يعني ففائدة الحج حينئذ التخفيف من عذاب التبعات في بعض الأوقات
دون النجاة بالكلية، ويحتمل أنْ يَكُون عامًّا ونص الكتاب يدل على أنه مفوض إلى
مشيئته تعالى .
وحاصل هَذَا الأخير أنه بفرض عمومه محمول على أن تحمله تعالى التبعات من
قبيل ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وهذا لا تكفير فيه وإنما يكون فاعله تحت المشيئة
فشتان ما بين الحكم بتكفير الذنب وتوقفه على المشيئة، ولذا قال البيهقي: فلا

١١٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
*
ينبغي لمسلم أن يغر نفسه بأن الحج يكفر التبعات فإن المعصية شؤم، وخلاف
الجبار في أوامره ونواهيه عظيم. قال: وهذا لا ينافي قول ابن المنذر فيمن قام ليلة
القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه: إن هَذَا عام يرجى أن يغفر له جميع
ذنوبه صغائرها وكبائرها، وإنما الكلام في الوعد الَّذِي لا يخلف، انتهى.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أي: بهذا اللفظ من طريق عبد القاهر بن السري السلمي عن
عبد الله بن كنانة - بكسر كاف وبنونين بينهما ألف وأولاهما خفيفة - ابن عباس بن
مرداس السلمي عن أبيه كنانة عن جده عباس. (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ
وَالْنُشُورِ نحْوهُ) أي: بمعناه، وكذا رواه في ((شعب الإيمان)) وفي ((السنن الكبرى))
(ج٥: ص١١٨) ورواه أيضًا عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) لأبيه (ج٤: ص
١٤) والطَّبَرَانِي في ((الكبير))، وأخرج أبُو دَاوُد في كتاب الأدب من ((سننه)) طرفًا منه
من الوجه الَّذِي رواه ابن ماجه، لكنهم قالوا: حدثني ابنٌ لكنانة بن العباس ولم
يسموه عن أبيه عن جده عباس، وعبد الله بن كنانة وأبوه كنانة بن عباس، قال
الحافظ في ((التقريب)) في كليهما: إنه مجهول. وذكر في ((تهذيب التهذيب)) في
ترجمتهما عن البخَارِي أنه قال: لم يصح حديثه. وقال في ترجمة كنانة بعد ذكر
كلام البخَارِي هذا: وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره أيضًا في كتاب
((الضعفاء)) قال: حديثه منكر جدًّا، لا أدرى التخليط منه أو من ابنه، ومن أيهما كان
فهو ساقط الاحتجاج به، انتهى. وقال البوصيري في ((الزوائد)): في إسناده عبد الله
ابن كنانة قال البخاري: لم يصح حديثه، انتهى، ولم أر من تكلم فيه بجرح ولا
توثيق، انتھی.
والحديث سكتَ عنه أَبُو دَاوُد بعد رواية طرف منه من الوجه المذكور، ونقل
الْمُنْذِرِي في ((مختصر السنن)) (٨ / ٩٧) كلام ابن حبان وزاد: لعظم ما أتى من
المناكير عن المشاهير. وقد ظهرَ بهذا كله أن حديث عباس هَذَا ضعيف لكن له
شواهد يبلغ بها إلى درجة الحسن.
قال في ((المواهب اللدنية)): بعد ذكر حديث عباس بن مرداس من رواية ابن
ماجه: ورواه أبُو دَاوُد من الوجه الَّذِي رواه ابن ماجه ولم يضعفه.
قال الزرقاني: أي سكت عليه فهو عنده صالح للحجة، وقد أخرجه الحافظ ضياء

١١٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْوُقوفِ بِعرفة
KEXTHE
الدين المقدسي في ((الأحاديث المختارة مما ليس في الصَّحِيحَيْن)) من طرق وقد
صنف الحافظ ابن حجر فيه كراسًا سماه «قوة الحجاج في عموم المغفرة
للحجاج)). قال في أوله: إنه سُئل عن حال هَذَا الحديث هل هو صحيح أو حسن أو
ضعيف أو منكر أو موضوع؟ قال: فأجبت بأنه جاء من طرق أشهرها حديث عباس
بن مرداس فإنه مخرج في ((مسند أحمد))، وأخرج أَبُو دَاوُد طرفًا منه وسكت عليه،
فهو عنده صالح. وعلى رأى ابن الصلاح ومن تبعه حسن، وعلى رأى الجمهور
كذلك، لكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه، ثم قال الحافظ أثناء كلامه:
حديث العباس بمفرده يدخل في حدِّ الحسن على رأى الترمذي، ولا سيما بالنظر
إلى مجموع هذه الطرق لطرق ذكرها، قال: وأورده ابنُ الجوزي في
((الموضوعات)) من حديث ابن مرداس، وقال: فيه كنانة منكر الحديث جدًّا لا
أدرى التخليط منه أو من ولده. وهذا لا ينتهض دليلاً على أنه موضوع فقد اختلف
قول ابن حبان في كنانة فذكره في ((الثقات)) وفي ((الضعفاء))، وذكر ابن مَنْدَهْ أنه
قيل: إن له رؤية منه وَالر، وأما ولده عبد الله بن كنانة ففيه كلام لابن حبان أيضًا
وكل ذلك لا يقتضي وضعه، بل غايته أنْ يَكُون ضعيفًا ويتعضد بكثرة طرقه، وأورد
حَدِيث ابنِ عُمَر في ((الموضوعات)) أيضًا. وقال: فيه عبد العزيز بن أبي رواد، تفرد
به نافع عن ابن عمر، قال ابنُ حبان: كان يحدث على التوهُّم والحسبان فبطل
الاحتجاج به وهو مردود فإنه لا يقضي أنه موضوع مع أنه لم ينفرد به، بل له متابع
عند ابن حبان في كتاب ((الضعفاء))، هَذَا كلام الحافظ ملخصًا وهو كلام متقنٍ إِمام
في الفن فلا عليك ممن أطلق عليه اسم الضعيف الَّذِي لا يحتجُّ به. وقال الطَّبَري
بعد روايته حديث ابن عمر: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز
عن وفائها مع العزم على أنه يوفي إذا قدر ما يمكن توفيته، وقد رواه أي حديث
العباس بن مرداس البيهقي في ((السنن الكبرى)) بنحو رواية ابن ماجه وكذا الطَّبَرَاني
في (الكبير)) وعبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) لأبيه وَابْن عدي وصحَّحَهُ
الضياءُ كما مرَّ. وقد قالوا: إنَّ تصحيحه أعلى من تصحيح الحاكم. وقال البيهقي
بعد أن أخرجه في كتاب ((البعث)): هَذَا الحديث له شواهد كثيرة، فأخرجه عبد
الرزاق والطَّرَاني من حديث عبادة بن الصامت وأبو يعلى وَابْن منيع من حديث
أنس وَابْن جرير وأبو نعيم وَابْن حِبَّان من حَدِيث ابنِ عُمَر والدار قطني وَابْن حِبَّان

١١٦
THERE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
من حديث أبي هريرة وَابْن مَنْدَهْ من حديث عبد الله بن زيد - ذكر رواياتهم الحافظ
في مؤلفه بنحو حديث عباس بن مرداس - وارجع إلى ((تنزيه الشريعة)) لابن عراق
(ج٢: ص ١٦٩، ١٧٠) و((القول المسدد)) (ص٣٧ - ٤٠) فإن صحَّ بشواهده ففيه
الحجة، وإن لم يصح فنحن في غنية عن تصحيحه فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ وظلم بعضهم بعضًا دون الشرك فيدخل في الآية، انتهى. وهو
حسن، وفِي الحَدِيث الصحيح: ((مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوِمٍ وَلَدَتْهُ
أُمُّهُ))، وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بالحقوق ولا تسقط الحقوق أنفسها،
فمن كان عليه صلاة أو صيام أو زكاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله أو شيء من
حقوق العباد لا تسقط عنه؛ لأنَّهَا حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها فنفس
التأخير يسقط بالحجِّ لا هي نفسها، فلو أخره، بعد الحج تجدد إثم آخر، فالحج
المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق؛ ولا يسقط حق الآدمي بالحج إجماعًا،
والله أعلم، كذا في ((شرح المواهب)). وقال ابن عابدين: قد يقال بسقوط نفس
الحق إذا مات قبل القدرة على أدائه سواء كان حق الله تعالى أو حق عباده وليس في
تركته ما يفي به؛ لأنَّهُ إذا سقطِ إثم التأخير ولم يتحقق منه إثم بعده فلا مانع من
سقوط نفس الحق، أما حق اللَّه تعالى فظاهر، وأما حق العبد فالله تعالى يرضي
خصمه عنه كما مرَّ في الحديث. ثم قال: اعلم أن تجويزهم تكفير الكبائر بالهجرة
والحج مناف لنقل عياض الإجماع على أنه لا يكفرها إلا التوبة، ولا سيما على
القول بتكفير المظالم أيضًا، بل القول بتكفير إثم المطل وتأخير الصلاة ينافيه؛ لأنَّهُ
كبيرة، وقد كفرها الحج بلا توبة، وكذا ينافيه عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَآءُ﴾ وهو اعتقاد أهل الحق أن من مات مصرًّا على الكبائر كلها سوى الكفر
فإنه قد يعفى بشفاعة أو بمحض الفضل. والحاصل كما في ((البحر)): أن المسألة
ظنية فلا يقطع بتكفير الحج للكبائر من حقوقه تعالى فضلًا عن حقوق العباد والله
تعالى أعلم، انتهى. وقال القاري بعد ذكر كلام البيهقي: ولا يخفى أن الأحاديث
الصحيحة الصريحة لا تكون إلا ظنية، فما بالك بالأحاديث الضعيفة؟ ولا شك أن
المسائل الاعتقادية لا تثبت إلا بالأدلة القطعية رواية ودراية، نعم يغلب على الظنِّ
رجاء عموم المغفرة لمن حج حجًّا مبرورًا، وأين من يجزم بذلك في نفسه أو غيره
وإن كان عالمًا أو صالحًا في علو مقامه هنالك، فمن المعلوم أن غير المعصوم
يجب أنْ يَكُون بين الخوف والرجاء، انتهى.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ
١١٧
٥ - بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالْمِزْدَلِفَةِ
(بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ) أَيُّ: الرجوع منها. (وَالْمُزْدَلِفَةِ) عطف على الدفع، أي
والنزول فيها، وفي بعض النسخ: إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ. ويجوز عطفه على عرفة أي وباب
الدفع من المزدلفة ويؤيده نسخة: وَمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنَی.
الفصل الأول
٢٦٢٨ - [١] عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ :
كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ
الْعَثَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٢٨ - قوله: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام
أبو المنذر القرشي الأسدي المدني أحد تابعي المدينة المشهورين المكثرين من
الحديث المعدودين في أكابر العُلَمَاء وجلة التابعين، ثقة ثبت حُجة إمام فقيه، رأي
ابنَ عمِرٍ ومسحَ رأسَهُ ودعا له، وسِهِلَ بنَ سعدٍ وجابرًا وأنسًا، وروى عن أبيه وعمه
عبد الله بن الزبير وأخويه عبد الله وعثمان وامرأته فاطمة بنت المنذر بن الزبير
وخلق، وروى عنه خلق كثير منهم شعبة ومالك بن أنس والسفيانان والحمادان،
ولد سنة إحدى وستين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وله
سبع وثمانون سنة. (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي أحد الفقهاء السبعة
وأحد علماء التابعين تقدم ترجمته .
(٢٦٢٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦٦٦)، ومُسْلِم (٢٨٣) فِي الحَجِّ، وأَبُو دَاوُد (١٩٢٣)، والنَّسَائِي (٥/
٢٥٨)، وابن مَاجَهْ (٣٠١٧).

١١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) ابن حارثة بن شراحيل الكلبي الصحابي المشهور، حِب
رسول اللّه ◌َليل ومولاه وَابْن حِبه زيد بن حارثة تقدم ترجمته، وخص بالسؤال لأنه
كان رديفه ◌َّله من عَرفة إلى المزدلفة، وزاد في رواية مالك والبخاري وأبي داود
وغَيْرِهم: وَأَنَا جَالِسٌ مَعَهُ. ولمسلم: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا شَاهِدٌ أوْ قَالَ: سَأَلْتُ أُسَامَةً
ابْنَ زَيْدٍ. ولم يتعرَّضْ أحدٌ من الشراح لتسمية السائل. (حِينَ دَفَعَ) أي: حين
انصرف من عَرفة إلى المزدلفة، سمي دفعًا لازدحامهم إذا انصرفوا فيدفع بعضهم
بعضًا.
(قَالَ) أي: أسامة. (كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ) بفتح المهملة والنون آخره قاف هو السير
الَّذِي بين الإبطاء والإسراع، قال في ((المشارقٍ)): هو سير سهل في سرعة، وقال
القزاز: العنق سير سريع، وقيل: المشي الَّذِي يتحرك به عنق لدابة، وفي
((الفائق)): العنق الخطو الفسيح، وانتصب على المصدر المؤكد من لفظ الفعل كَذَا
فِي ((الفَتْح))، وقال السيوطي: نصبه على المصدر النوعي كرجعت القهقري. وقال
القاري: انتصابه على المصدرية انتصاب القهقري أو الوصفية أي يسير السير
العنق .
(فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً) بفتح الفاء وسكون الجيم فواو مفتوحة: المكان المتسع بين
الشيئين، والجمع فجوات بفتحتين وفِجاء بكسر الفاء والمد، ورواه بعض الرواة
في ((الموطأ)) بلفظ: ((فُرْجَةً)) بضم الفاء وسكون الواو وهو بمعنى الفجوة. (نَصَّ)
بفتح النون وتشديد الصاد المهلة فعل ماض وفاعله النَّبِي وَّ أي أسرع، قال
أبو عبيد: النصُّ تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها، وأصل النص
منتهى الأشياء وغايتها ومبلغ أقصاها، ومنه نصصت الشيء رفعته. قال الشاعر:
وَنَصُّ الْحَدِيثِ إِلَى أَهْلِهِ فَإِنَّ الْوَثِيقَةَ فِي نَصِّهِ
أي: أرفعه إليهم وأنسبه، ثم استعمل في ضرب سريع من السير، وقال هشام بن
عروة راوي الحديث كما في رواية البخَارِي وغيره: النصُّ فوقَ العنق أي أرفع منه
في السرعة.
قال النووي: هما نوعان من إسراع السير وفي العنق نوع من الرفق. قال
الطَّبَري: وفي هَذَا دلالة على أن السكينة المأمور بها في الحديث بعده إنما هي من

١١٩
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ
أجل الرفق بالناس، فإن لم يكن زحام سار كيف شاء، وذكر العَيْنِي عن الطبري أنه
قال: الصواب في السير في الإفاضتين جميعًا ما صحت به الآثار إلا في وادي
محسر فإنه يوضع لصحَّة الحديث بذلك فلو أوضع أحد في مواضع العنق أو
العكس لم يلزمه شيء لإجماع الجميع على ذلك غير أنه يكون مخطئًا طريق
الصواب.
وقال ابن خزيمة: في هَذَا الحديث دليلٌ على أن الحديث الَّذِي رواه ابنُ عباس
عن أسامة - عند أبي داود وغيره - أنه قال: فلما رأيتُ ناقته رافعة يديها حتى أتى
جمعًا. محمول على حال الزحام دون غيره، ذكره الحافظ. وقال ابن عبد البر:
ليس في هَذَا الحديث أكثر من معرفة كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة
وهو مما يلزم أئمة الحاج فمن دونهم فعله لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأنَّ المغربَ
لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، أي: فيجمعُ بين المصلحتين من الوقار والسكينة
عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدمها لأجل الصلاة، فيه أنَّ السلفَ كانوا
يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله وَّ ر في جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به
في ذلك.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخَارِي في الحج وفي الجهاد وفي المغاري، ومُسْلِم فِي
الحج، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٥ : ص ٢٠٥، ٢١٠) ومالك وأبو دَاوُد والنَّسَائِي
وَابْن ماجه والحميدي (ج١ : ص ٢٤٨) والدارمي وأبو دَاوُد الطيالسي وَابْن خزيمة
في ((صحيحة)) وأبو عوانة وَابْن جرير والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١١٩).