Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦٠ #ee مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع، انتهى. (وَقِنَا) أي: احفظنا واكفنا، وأصله: إوقنا، حذفت الواو كما حذفت في: يقي؛ لأنَّهَا بين ياء وكسرة مثل يعد، هَذَا قول البصريين. (عَذَابَ النَّارِ) أي: شدائد جهنم من حرِّها وزَمْهَرِيرِها وَسَمُومها وغير ذلك، وقيل: المرادُ بعذاب النار المرأة السليطة، والظاهر: أنَّ المرادَ جميع أنواع العِقَاب وأصْنَاف العِتَاب. والحَدِيث يَدُلَّ عَلَى مشروعية الدعاء بالآية المذكورة في الطواف بين الركنين اليمانيين. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٣: ص ٤١١) وَابْن حِبَّان والْحَاكِم (ج١: ص ٤٥٥) وَابْن الجارود والْبَيْهَقِي، ونَسَبِه الْمُنْذِرِي لِلنَّسَائِي أيضًا. والحَدِيث سَكَتَ عَنْه أبُو دَاوُد والمُنْذِري، وقال الحاكم: صحيح عَلَى شَرْط مُسْلِم وأقرَّهُ الذهبيُّ. ٢٦٠٦ - [٢٢] وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي بِنْتُ أَبِي تُجْرَاةَ، قَالَتْ: دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دَارَ آلٍ أَبِي حُسَيْنٍ، نَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِهِ، وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةِ، فَأَيْتُهُ يَسْعَىَّ، وَإِنَّ مِثْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْي، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ)). [رَوَاهُ فِي شَرْحِ الْسُنَّةِ، وَرَوَى أَحْمَدُ مَعَ اخْتِلَافِ] الشرح ٢٦٠٦ - قوله: (وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) الحجبي، وهي صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، اختلفَ في رُؤيتها النبيَّ ◌َّ فقال الحافظ في ((التقريب)): لها رؤية وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفِي البُخَارِي التصريح بسماعها من النَّبِي وَّة، وأنكر الدار قطني إدراكها. وقال في (تهذيبه)): لها رؤية، وقال الدارقطني: لا تصحُّ لها رُؤية، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين. (٢٦٠٦) أَحْمَد (٦/ ٤٢١) مِنْ حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ، وَاللَّفْظُ الَّذِي فِي ((المَصَابِيحِ))؛ سَاقَهُ المُصَنِّفُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) (١٩٢١). ٦١ بَابُ دخُولٍ مَڪَّةٌ وَالطَّوَاف Es كِتَابُ الْمُنَاسِكِ قلتُ: ذكرَ المزيُّ في ((الأطراف)) أنَّ البخاريَّ قال فِي ((صَحِيحِه)): قال أبان بن صالح: عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة، سمعتُ النبيَّ وََّ، ففي هَذَا رَدٌّ على ابن حبان، وقد أوضحت حال هَذَا الحديثُ فيما كتبته عن ((الأطراف))، انتهى كَلَام الحَافِظ . (أَخْبَرَتْنِي بِنْتُ أَبِي تُجْرَاةَ) براء ثم ألف غير مهموزة ثم هاء، ضبطه الحافظ في الفتح بكسر المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هاء، وجاء عند البيهقي والدار قطني بلفظ: ((تجرأه)) براء ثم ألف مهموزة، ووقع عندَ أحمد (ج٦: ص ٤٢١، ٤٢٢) (تجزئه) بزاي ثم همزة ثم هاء، وهكذا وقع في ((نصب الراية)) و((الأم))، والظاهر: أنه تصحيف من الناسخ وصوابه تجراه، أي براء مهملة ثم ألف غير مهموزة ثم هاء. وبنو تجراه قومٌ من كندة قدموا مكة. وابنة أبي تجراة هذه هي حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار، قال الحافظُ في ((تعجيل المنفعة)): حبيبة بنت أبي تجراه العبدرية ويقال: حبيبه بتحتانيتين وزن الأول، ويقال بالتصغير، لها صُحبة، روى عنها عطاء، وصفية بنت شيبة في إسناد حديثها اضطراب، وقال في (تهذيب التهذيب)): اسمُ هذه المرأة الصحابية حبيبة بنت أبي تجراه وقيل: تملك، وهي أم ولد شيبة، وقال في ((الإصابة)): حبيبة بنت أبي تجراه العبدرية ثم الشيبية. قال: وقال أبو عُمر: قيل: اسمها حبيبة بفتح أوله، وقيل بالتصغير، وقال غيره: تجراة ضبطها الدار قطني بفتح المثناة من فوق، ثم قال أبو عُمر: اختلفَ في صحابيتها بِهَذَا الحَدِيث على صفية بنت شيبة، وقد ذكرت لك في ((التمهيد)) . قال الحافظ: وقد تقدم من وجه آخر عن صفية عن برة، وقيل: عن تملك، وقيل: عن أم ولد لشيبة، وقيل: عن صفية بلا واسطة، وقد استوعب أبو نعيم بيان طرقه، ومنها من طريق جبرة بنت محمد بن سباع عن حبيبة بنت أبي تجراة كذلك. وأخرجه النسائي من طريق بديل بن ميسرة عن مغيرة بن حكيم عن صفية بنت شيبة عن امرأة، وفي رواية ابن ماجه والْبَيْهَقِي عنٍ أم ولد لشيبة وقد تقدم سند حديث تملك في المثناة، انتهى. (نَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِوَ لَ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي: لنتشرف برؤيته ولنستفيد من علمه وبركته. (فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى) أي: يسرع. (وَإِنَّ) بكسر الهمزة والواو للحال. (مِثْزَرَهُ) بكسر الميم وسكون الهمز ويبدل، أي: BACK ٦٢ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ إزاره. (لَيَدُورُ) أي: حول رجليه. (مِنْ شِدَّةِ السَّعْي) قال المظهر: يعني مئزره يدورُ حول رجليه ويلتف برجله من شدة عدوه، وفي رواية لأحمد: ((حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْي يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ)) والحديثُ يدلُّ على أنه تَّ كان ماشيًا في الطواف بين الصفا والمروة، وجاء ذلك صريحًا في حديث حسن. ولا ينافيه ما ورد أنه عليه الصلاة والسلام سعي راكبًا في حجة الوداع؛ لإ مكان الجمع بأن مشيه كان في سعي عمرة من عمره، قاله القاري. وقال المحب الطبري بعد ذكر الأحاديث التي تدلَّ على أنه ◌َّسعى راكبًا: في هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على ركوبه وَّي في السعي، والأحاديث المتقدمة في الفصل قبله وحديث جابر الطويل يدل على مشيه، فيحتمل أنْ يَكُون وَّل مشى في طوافه على ما دل عليه بعض الأحاديث، ثم خرج إلى السعي ماشيًا فسعى بعضه ماشيًا ورأته بنت أبي تجراه إذ ذاك، ثم لما كثر عليه ركب ناقته، ويؤيد ذلك قول ابن عباس: وكان ◌َّ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشي والسعي أفضل. فإنَّ سياقه دالٌّ على أنَّ الركوبَ كانَ في أثناءِ السعي حين كثر الناس عليه فيه. وذهب ابن حزم إلى أنه وَّ كان راكبًا في جميع طوافه بين الصفا والمروة عملًا بحديث جابر: أنَّ النبيَّ وََّ طافَ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم وليسألوه، فإن الناس غشوه. أخرجه مسلم . قال الطَّبَري: وظاهرُ حديث ابن عباس يردُّ هَذَا التأويل، وحديث بنت أبي تجراه يصرحُ برده، والمختار فيه ما تقدم ذكره جمعًا بين الأحاديث كلها، وأما ركوبه في الطواف بالبيت فكان في طواف الإفاضة، انتهى مختصرًا. (اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ) قال الطيبي: أي فرض. فدلَّ على أنَّ السعي فرض ومن لم يسع بطل حجه عند الشافعي ومالك وأحمد، انتهى. قال القاري: وقال أبو حنيفة: السعي واجب؛ لأنَّ الحديثَ ظني وكذا المشي فيه مع القدرة وبترك الواجب يجب دم، انتهى. وقد تقدَّم ذكر اختلاف الأئمة في حكم السعي في شرح حَدِيث ابنٍ عُمَر رقم (٢٥٨٩) في الفصل الأول من هَذَا الباب، والحديث قد استدلَّ به من ذهب إلى أن ٦٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ جرام بَابُ دخُولٍ مَكَّةً وَالطَّوَاف السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة ركن من أركانهما لا يصح واحد منهما بدونه ولا يجبر بدم، وهم الجمهور مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد في رواية، وهو حديث صحيح كما قال صاحبُ التنقيح وأقرَّه ابن الهمام، أو حسن كما قال النووي. واستدل لهم أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] قالوا: تصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر اللَّه يدلَّ على أن السعي بينهما أمر حتم لا بد منه؛ لأنَّ شعائر الله عظيمة لا يجوز التهاون بها، وقد أشار البخاري فِي ((صَحِيحِه)) إلى ذلك حيث قال: باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله. قال الحافظُ: أي: وجوب السعي بينهما مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله، قاله ابن المنير في ((الحاشية))، واستدلَّ لهم أيضًا بأن النَّبِي ◌َّ طاف في حجه وعمرته بين الصفا والمروة سبعًا. وقد دلَّ على أن ذلك لا بد منه دليلان، الأول: هو ما تقرر في الأصول من أن فعل النَّبِي وَّ إذا كان لبيان نص مجمل من كتاب اللَّه يكون ذلك الفعل لازمًا وسعيه بين الصفا والمروة فعل بين به المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَبِ اللّهِ﴾ والدليل على أن فعله بيانًا للآية هو قوله وَّ: ((نَبْدَأُ بِمَا بدأ اللَّهُ بِهِ)) يعني الصفا؛ لأن اللَّه بدأ بها في قَوْلِه ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية. وفي رواية عند النسائي: ((ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)) بصيغة الأمر. الدليل الثاني: أنه نَّ قال: (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَّكُمْ)) وفي رواية: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) وقد طاف بين الصفا والمروة سبعًا فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك من مناسكنا، ولو تركناه لكنا مخالفين أمره بأخذه عنه، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ﴾ [النور: ٦٣] فاجتماعُ هذه الأمور الثلاثة يدلّ على اللزوم وهي كونه سعى بين الصفا والمروة سبعًا، وأن ذلك بيان منه لآية من كتاب الله، وأنه قال: (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) وكون ذلك السعي بيانًا لآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآٍِ اللَّهِ﴾ الآية، أمر لا شك فيه، ويدلَّ عليه أمران أحدهما: سبب نزول الآية؛ لأنَّهُ ثبتَ في ((الصَّحِيحَيْن)) أنها نزلتْ في سؤالهم عن السعي بين الصفا والمروة، وإذا كانت نازلة جوابًا عن سؤالهم عن حكم السعي بين الصفا والمروة فسعي النَّبِيِ وَله بعد نزولها بيان لها. والأمر الثاني: هو ما تقدم من قوله مَ له: ((نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)» يعني الصفا. ٦٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ومن أدلة الجمهورِ على أنَّ السعي فرض لا بد منه: ما رواه الشيخان عن عروة عن عائشة في سبب نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وفيه: قالت عائشة: وقد سنَّ رسولُ الله وَاجَه الطوافَ بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما ... الحديث. وهذا صريح في أن النبيَّ وَّسنَّ الطواف بين الصفا والمروة، أي: فرضه بالسنة. وقد أجابت عائشة عما يقال: أنَّ رفع الجناح في قَوْلِهِ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ينافي كونه فرضًا؛ لأنَّ ذلك في قوم تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة، وظنوا أن ذلك لا يجوز لهم، فنزلت الأية مبينة أن ما ظنوه من الحرج في ذلك منفي. وقد تقرَّر في الأصول أنَّ النصَّ الواردَ في جواب سؤال لا مفهوم مخالفة له. وقال الحافظ في ((الفتح)): قول عائشة ◌َّا: سنَّ رسولُ اللَّه وَّهِ الطوافَ بين الصفا والمروة. أي: فرضه بالسنة، وليس مرادها نفي فرضيته، ويؤيده قولها: لم يتم الله حج أحدكم ولا عمرته ما لم يطف بينهما، انتهى. وأما ما جاء في بعض قراءات الصحابة: ((فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)) كما ذكره الطبري وَابْن المنذر وغيرهما عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس څّ فقد أجیب عنه من وجهين : الأول: أن هذه القراءة لم تثبت قرآنًا لإجماع الصَّحَابَة على عدم كتبها في المصاحف العثمانية، وما ذكره الصحابي على أنه قرآن ولم يثبت كونه قرآنًا ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يستدل به على شيء، وهو مذهب مالك والشافعي، ووجهه أنه لما لم يذكره إلا لكونه قرآنًا فبطل كونه قرآنًا بطل من أصله، فلا يحتج به على شيء. وقال بعض أهل العلم: إذا بطلَ كونه قرآنًا لم يمنع ذلك من الاحتجاج به كأخبار الآحاد التي ليست بقرآن، فعلى القول الأول فلا إشكال، وعلى الثاني فيجاب عنه بأن القراءة المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة، وما خالف المتواتر المجمع عليه إن لم يمكن الجمع بينهما فهو باطل، والنفي والإثبات لا يمكن الجمع بينهما لأنهما نقيضان. الوجه الثاني: هو ما ذكره الحافظُ في ((الفتح)) عن الطبري والطحاوي من أن قراءة ((أن لا يطوف بهما)) محمولة على القراءة المشهورة ولا زائدة، انتهى. ولا ٦٥ كِتَابُ المُنَاسِكِ بَابُ دْخُولٍ مَڪَّةٌ وَالطَّواف يخلو من تكلُّف كما ترى. ومن أدلة الجمهور على لزوم السعي ما جاء في بعض روايات حديث أبي موسى في إهلاله عند الشيخين وفيه: ((طُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) فهذا أمر صريح منه وَّ بذلك، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب ما لم يقم دليل صارف عن ذلك، وقد دلَّ على اقتضائها الوجوب الشرع واللغة كما بين في موضعه. ومن أدلتهم على أن السعي بين الصفا والمروة لا بد منه ما قدمنا ما رَواهُ التّر مذيُّ عن ابن عُمر، أنه مَ لّ قال: ((مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَانٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا)). قال المجدُ في ((المنتقى)) بعدَ ذكرِهِ: وفيه دليلٌ على وجوب السعي ووقوف التحلَّل عليه، ومن أدلتهم على ذلك ما جاء في بعض الروايات الثابتة في الصحيح مِن أنَّه ◌ِ لّه قال لعائشة ◌َّهَا: ((يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ عَنْ حَجَّكِ وَعُمْرَتِك))، وهذا اللفظ في ((صحيح مسلمٍ)). قالوا: ويفهم من قوله هَذَا أنها لو لم تطف بينهما لم يحصل لها إجزاء عن حجها وعمرتها. هَذَا تلخيص ما ذكره الشنقيطي في هذه المسألة في ((أضواء البيان)). تنبيه: قال القاري: اعلم أنَّ سياق الحديث يفيدُ أنَّ المرادَ بالسعي المكتوب الجري الكائن في بطن الوادي لكنه غير مراد بلا خلاف نعلمه، فيحمل على أنَّ الْمَرَاد بالسعي الطواف بينهما، واتفق أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم عند الشروع في الجري الشديد المسنون لما وصل إلى محله شرعًا أعني: بطن الوادي، ولا يسن جري شديد في غير هَذَا المحل بخلاف الرمل في الطواف، إنما هو مشي فيه شدة وتصلب، انتهى. (رَوَاهُ) أي: البغوي. (فِي شَرْح السُّنَّةِ) أي: بإسناده. (وَرَوَى) وفي بعض النسخ: رَوَاهُ (أَحْمَدُ مَعَ اخْتِلافٍ) في لفظه (ج٦: ص ٤٢١، ٤٢٢) وأخرجه أيضًا الشافعي وإسحاق بن راهويه والْحَاكِم في ((المستدرك)) في الفضائل وسكت عنه، ومن طريق أحمد الطَّبَرَاني في ((معجمه)) ومن طريق الشافعي رواه الدار قطني ثم البيهقي في (سننيهما)) وَابْن أبي شيبة في ((مصنفه)) والطحاوي وغَيْرهم. قال الحافظ في ((الإصابة)): حبيبة بنت أبي تجراه العبدرية ثم الشيبية روى ٦٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ حديثها الشافعي عن عبد الله بن المؤمل، وَابْن سعد عن معاذ بن هانئ، ومحمد بن سنجر عن أبي نعيم، وَابْن أبي خيثمة عن شريح بن النعمان كلهم عن ابن المؤمل عن عمر بن عبد الرحمن بن محصن، عن عطاء بن أبي رباح حدثتني صفية بنت شيبة عن امرأة يقال لها حبيبة بنت أبي تجراه، قالت: دخلنا دار أبي حسين في نسوة من قريش ... فذكر الحديث ثم قال: وأخرجه الطحاوي من طريق معاذ، وقد وقع: ((لنا بعلو)) في ((المعرفة)) لابن مَنْدَهْ من طريقه. وقد تقدم أنه اختلف في المرأة التي روت عنها صفية بنت شيبة، فقيل: عن صفية عن برة، وقيل: عن تملك، وقيل : عن أم ولد شيبة، وقيل: عن صفية عن امرأة، وقيل: عن صفية عن نسوة من بني عبد الدار، وقيل: عن صفية بلا واسطة. أما حديث صفية عن برة فرواه الواقدي في كتاب ((المغازي)) وَابْن مَنْدَهْ كما في ((الإصابة)). ومن طريق الواقدي روى البيهقي (ج٦: ص ٩٨)، وأما حديث تملك فأخرجه البيهقي في ((سننه)) والطِّبَرَاني في ((معجمه)) وفيه المثنى بن الصباح، وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه جماعة. وأما حديث صفية عن أم ولد لشيبة فأخرجه ابن ماجه والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٩٨)، وأما حديث صفية عن امرأة فأخرجه أحمد (ج٦: ص ٤٣٧) والنسائي، قال الشوكاني: لعل المرأة المبهمة في حديث صفية هي حبيبة بنت أبي تجراه، وأما حديث صفية عن نسوة فأخرجه الدار قطني (ص٢٧٠) ومن طريقه البيهقي (ج٥: ص ٩٧). وأما حديث صفية بلا واسطة فأخرجه الطَّبَرَاني في ((معجمه الكبير))، وفيه أيضًا المثنى بن الصباح، وحديث صفية بنت أبي تجراه قد أعله ابن عدي في ((الكامل)) بعبد الله بن المؤمل، وأسند تضعيفه عن أحمد والنَّسَائِي ووافقهم. وقال الحافظ في ((الفتح): وفي إسناد هَذَا الحديث عبد الله بن المؤمل وفيه ضعف. ومن ثم قال ابنُ المُنْذِر: إن ثبت فهو حجة في الوجوب. قال الحافظ: له طريق أخرى في ((صحيح ابن خزيمة)) مختصرة، وعند الطَّبَرَاني عَنِ ابْن عَبَّاسٍ كالأولى، وإذا انضمت إلى الأولى قويت، انتهى. قلتُ: حديث ابن عباس في سنده المفضل بن صدقة، وهو متروك، قاله الهيثمي (ج ٣: ص ٢٤١) وأما اختلاف الروايات في المرأة التي روت عنها صفية المذكورة ٦٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ دخُولِ مَكّْةً وَالطَّوَاف هَذَا الحديث فلا يضر لتصريحها في رواية الدار قطني والْبَيْهَقِي بأنها روت ذلك عن نسوة أدركن النَّبِي وَّةَ، وإذن فلا مانع من أن تسمي واحدة منهن في رواية وتسمي غيرها منهن في رواية أخرى كما لا يخفى. قال الحافظ: اختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة فقد وقع عند الدار قطني عنها أخبرتني نسوة من بني عبد الدار فلا يضره الاختلاف. انتهى. قلت: وطريق الدارقطني قد حسَّنها النووي في ((شرح المهذب)) حيث قال: احتجَّ أصحابنا بحديث صفية بنت شيبة عن نسوة من بني عبد الدار أنهن سمعن من رسولِ اللهِ وَ له، وقد استقبل الناس في المسعى وقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْعَوْا فَإِنَّ السَّعْيَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ)). رواه الدار قطني والْبَيْهَقِي بإسناد حسن، انتهى. وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٣: ص ٥٦) بعد ذكر رواية الدار قطني المذكورة: قال صاحب ((التنقيح)): إسناده صحيح، وقال ابن الهمام في ((فتح القدير)) (ج٢: ص ٧٥١) مجيبًا عن إعلال ابن القطان حديث بنت أبي تجراه بابن المؤمل: وهذا لا يضر بمتن الحديث؛ إذ بعد تجويد المتقنين له لا يضره تخليط بعض الرواة، وقد ثبتَ من طرق عديدة منها طريق الدارقطني عن ابن المبارك أخبرني معروف بن مشكان أخبرني منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية قالت: أخبرني نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن رسول اللّه وَالر ... فذكر الحديث ثم قال: قال صاحب ((التنقيح)): إسناده صحيح، ومعروف بن مشكان صدوق، لا نعلم من تكلم فيه، ومنصور هَذَا ثقة مخرج له في ((الصَّحِيحَيْن))، انتهى. وقد علم مما ذكرنا أن بعض طرق هَذَا الحديث لا تقل عن درجة القبول، وهو نص في محل النزاع مع أنه معتضد بما ذكرناه من الأدلة الأخرى. ٦٨ * * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٦٠٧ - [٢٣] وَعَنْ قُدَامَةَ بْنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمَّارٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّه يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرِ، لَّ ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ. [رَوَاهُ فِي شَرْحِ الْسُنَّةَ] الشرح ٢٦٠٧ - قوله: (وَعَنْ قُدَامَةَ) بضم القاف وتخفيف الدال المهملة. (بْنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمَّارٍ) بفتح المهملة وتشديد الميم ابن معاوية العامري الكلابي يكنى أبا عبد الله، صحابي قليل الحديث، يقال: أسلم قديمًا وسكن مكة ولم يهاجر، ولقي النبيَّ ◌َّر في حجة الوداع وأقام بركية في البدو من بلاد نجدٍ وسكنها، روى عنه أيمن بن نابل وحميد بن كلاب. (لَا ضَرْبَ وَلَا طَرْدَ) بالفتح والرفع منونًا فيهما أي: لا دفعٍ. (وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ) أي: تنح تنح، وهو اسم فعل بمعنى: تنح عن الطريق، قال الطّبَري: قوله: ((إِلَيْكَ إِلَيْك)) نحو قول القائل: الطريق الطريق، وقال الطيبي: أي: ما كانوا يضربون الناس ولا يطردونهم ولا يقولون: تنحوا عن الطريق كما هو عادة الملوك والجبابرة، والمقصود: التعريض بالذين كانوا يعملون ذلك، انتهى. (رَوَاهُ) أي: البغويِ. (فِي شَرْح الْسُنَّةَ) بإسنادِهِ وأخرجَهُ البيهقي (ج٥: ص ١٠١) من طريق عبيد الله بن موسىَ وجعفر بن عون عن أيمن بن نابل عن قُدامة بن عبد الله بن عمار، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ◌َ له يسعى بين الصفا والمروة على بعير ... إلخ. ثم قال البيهقي: كذا قالا - أي: عبيد الله وجعفر - ورواه جماعة، منهم: روح بن عبادة وأبو نعيم وأبو عاصم، وموسى بن طارق ووكيع وأبو أحمد الزبيري، وقران بن تمام الأسدي ومعتمر ومروان بن معاوية والمؤمل وسعيد بن سالم القداح، عن أيمن فقالوا في الحديث: ((يرمي الجمرة يوم النحر)) - أي: ((بدل يسعى بين الصفا والمروة)) - ويحتملُ أنْ يكون صحيحين، انتهى. (٢٦٠٧) التِّرْمِذِي (٩٠٣)، وَالنَّسَائِي (٢٧٠/٥)، وَابن مَاجَهْ (٣٠٣٥) فِيهِ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّنَ مِنْ حَدِيثٍ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَلَكِنْ فِيهِ: يَرْمِي الجِمَارَ، وَأَخْرَجَهُ البَيْهَقِي بِاللَّفْظَيْنِ. ٦٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ دخولِ مَكْة وَالطَّواف قلتُ: حديث قدامة بلفظ: ((يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة ليس ضرب ولا طرد ... )) إلخ. أخرجه أحمد (ج٦: ص ٤١٢) والشافعي والترمذي والنَّسَائِي وَابْن ماجه والدارمي وَابْن حِبَّان والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٣٠) وسيأتي في بابٍ رمي الجمار، وقال ابنُ عبد البر في ترجمةٍ قدامة في ((الاستيعابٍ)): روى عنه أيمن بن نابل وحميد بن كلاب، فأما حديث أيمن عنه فإنه قال: رأيتُ رسولَ اللَّهُ وَّل يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وأما حديثُ حميد بن كلاب فإنه قال عنه: أنه رأى رسول اللّه وَ له يوم عرفة وعليه حلة حبرة. لا أحفظ له غير هذين الحديثين، انتهى. ٢٦٠٨ - [٢٤] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ طَافَ بِالْبَيْتِ، مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْدَارِمِيُّ] الشرح ٢٦٠٨ - قوله: (وَعَنْ يَعْلَى) كيرضى. (بْنِ أُمَيَّةَ) بمضمومة ثم ميم مخففة مفتوحة وتحتية مشددة، ابن أبي عبيدة صحابي مشهور، تقدم ترجمته. (طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا) بكسرِ الباء. (بِيُرْدٍ) أي: يماني، ففي رواية لأحمد: بيرد له حضرمي. (أَخْضَرَ) أي: فيه خطوط خضر، والاضطباع هو: إعراء منكبه الأيمن وجمع الرداء على الأيسر، سُمي بذلك لما فيه من إبداء الضبع وهو العضد، ويسمى التأبط؛ لأنَّهُ يجعلُ وسط الرداء تحت الإبط ويبدي ضبعه الأيمن. قال النووي: هو افتعالُ مِن الضبع بإسكان الباء الموحدة وهو العضد، وهو أنْ يدخل إزاره تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على منكبه الأيسر ويكون منكبه الأيمن مكشوفًا، وقال الطيبي: الضبعُ بسكونِ الباء وسط العضد ويطلقُ على الإبط أيضًا، أي: لمجاورته له، والاضطباع أنْ يأخذَ الإزار أو البرد فيجعلُ وسطه تحتَ الإبط الأيمن ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتيٍّ صدره وظهره، سمي بذلك لإبداء (٢٦٠٨) التِّرْ مِذِي (٨٥٩)، وَأَبُو دَاوُد (١٨٨٣)، وَابن مَاجَهْ (٢٩٥٤) فِيهِ مِنْ رِوَايَةٍ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِهِ. ٧٠ ** see مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الضبعين، قيل: إنما فعل ذلك إظهارًا للتشجع كالرمل في الطواف، انتهى. وهذه الهيئة هي المذكورة في حديثٍ ابن عباس الآتي، وأوَّل ما اضطبعوا في عُمرة القضاء ليستعينوا بذلك على الرمل؛ ليرى المشركون قوتهم ثم صار سنة، ويضطبع في الأشواط السبع، فإذا قضى طوافه سوى ثيابه، ولم يضطبع في ركعتي الطواف. قال الشوكاني: والحكمةُ في فعله أنه يعين على إسراع المشي، وقد ذهب إلى استحبابه الجمهور سوى مالك، قاله ابن المنذر. قال أصحاب الشافعي: وإنما يستحب الاضطباع في طواف يسن فيه الرمل، انتهى. وقال القاري: الاضطباع والرمل سنتان في كل طواف بعده سعي، والاضطباع سنة في جميع الأشواط بخلاف الرمل، ولا يستحب الاضطباع في غير الطواف وما يفعله العوام من الاضطباع من ابْتِدَاء الإحرام حجًّا أو عمرة لا أصل له بل يكره حال الصلاة، انتهى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: هو حديث حسن صحيح. (وَأَبُو دَاوُدَ) واللفظ له، وقد سكت عنه، ونقل الْمُنْذِرِي كلام الترمذي وأقره. (وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٤: ص ٢٢٢، ٢٢٣) ورواه الشافعي بلفظ: أنَّ النبيَّ وَِّ طاف مضطبعًا بالبيت وبين الصفا والمروة. ٢٦٠٩ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلاثَّاً، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَائِقِهِمُ الْيُسْرَى. [رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ] الشرح ٢٦٠٩ - قوله: (اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ) تقدم ضبطه. (فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرات من الأشواط السبعة. (وَجَعَلُوا) أي: حينَ أرادوا الشروع في الطوافِ. (أَرْدِيَتَهُمْ) جمع رداء. (تَحْتَ آبَاطِهِمْ) بالألف ممدودة جمع إبط. قال (٢٦٠٩) أَبُو دَاوُد (١٨٨٣) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَهُ. كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ دخُولٍ مَكَّةً وَالطَّوَاف ٧١ ابنُ رسلان: المرادُ أن يجعلوها تحت عواتقهم اليمنى. (ثُمَّ قَذَفُوهَا) أي: ألقوها وطرحوا طرفيها. (عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى) جمع العاتق وهو المنكب، أي: استمروا عليه إلى أنْ فرغوا من الطوافِ. والحديثُ يدلُّ على مشروعيَّة الرملِ والاضطباعِ في الطوافٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ٣٠٦، ٣٧١) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٧٩) وأخرجه الطَّبَرَاني نحوه، والحَدِيث سَكَتَ عَنْهِ أَبُو دَاوُد والمُنْذِري والحافظ في ((التلخيص))، وقال الشوكاني: رجاله رِجَال الصَّحِيح. ٧٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الفصل الثالث ٢٦١٠ - [٢٦] عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَا تَرَكْنَا اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الْرُكْنَيْنِ الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ فِي شِدَّةٍ وَلَاَ رَخَاءٍ، مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَسْتَلِمُهُمَا. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٦١٠ - قوله: (الْيَمَانِيَ) بتخفيف الياء وتشديدها مجرورًا. (وَالْحَجَرَ) أي: الأسود. (فِي شِدَّةِ) أي: زحام. (وَلَا رَخَاءٍ) أي: خَلَاء. قال الحافظُ: الظاهرُ أنَّ ابن عمر لم ير الزحام عذرًا في ترك الاستلام. وقد روى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال: رأيتُ ابنَ عمر يزاحم على الركن حتى يدمى. ومن طريق أخرى أنه قيل له في ذلك، فقال: هوت الأفئدة إليه فأريد أنْ يَكُون فؤادي معهم. وروى الفاكهي من طرق عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كراهة المزاحمة، قال: لا يؤذي ولا يؤذى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ص ٣) والدارمي والْبَيْهَقِي (ج٥ : ص ٧٦). ٢٦١١ - [٢٧] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: قَالَ نَافِعٌ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَفْعَلُهُ. الشرح ٢٦١١ - قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) واللفظ لمسلم. (يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدِهِ) لعلَّ هَذَا في وقت الزحام حيث لا يقدرُ على تقبيل الحجر. (مُنْذُ رَأَيْتُ (٢٦١٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٦٠٦)، ومُسْلِم (١٢٦٨) في الحج. (٢٦١١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أيضًا فيه. كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ دْخُولِ مَكّْةً وَالطَّوَاف ٧٣ رَسُولَ اللّهِ مِ ﴿ يَفْعَلُهُ) . قال القاري: أي: الاستلامُ المطلق أو المخصوص، إذ ثبت الاستلام والتقبيل عنه عليه الصلاة والسلام كما في ((الصَّحِيحَيْن))، انتهى. وقيل: الظاهرُ أن الضمير للاستلام مطلقًا، ويجوزُ أنْ يَكُون للاستلام على الوجه المخصوص المذكور وهو أنه استلم الحجر بيده ثم قبل يده، والأول هو الوجه فافهم، انتهى. قلتُ: الظاهرُ بل الأظهر عندي هو الثاني، وهذه الرواية أخرجها أيضًا أحمد (ج٢: ص ١٠٨) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٧٥). ٢٦١٢ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَِّ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ))، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، يَقْرَأُ بٍ ﴿وَلُورِ ﴾ وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٦١٢- قوله: (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أم المؤمنينِ والدة زينب بنت أبي سلمة الراوية عنها هَذَا الحديث. (شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَ) أي: أوان الخروج من مكة إلى المدينة. (أَنِّي أَشْتَكِي) أي: أتوجع، وهو مفعول ((شكوت))، والشكوى والشكاية إخبار عن مكروه أصابه، وهو المراد بقولها شكوت، ويجيء بمعنى المرض وهو المراد بقولها: ((أَنِّي أَشْتَكِي)) فيكون المعنى: شكوت إليه بَّل أني مريضةٌ. ومقصودها: أنَّها لا تستطيع الطواف ماشية لضعفها من تلك الشكوى التي کانت بها . (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ) إنما أمرها أن تطوف من وراء الناس ليكون أستر لها ولا تقطع صفوفهم ولا يتأذون بدابتها، ولأن سنة النساء التباعد عن الرجال في (٢٦١٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦١٩)، ومُسْلِم (١٢٧٦) فيه. ٧٤ * EX مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الطواف، وقال الباجي: طوافُ النساءِ وراءُ الرجال لهذا الحديث ولم يكنٍ لأجل البعير، فقد طاف رسولُ اللهِ نَّه على بعيره يستلمُ الركن بمحجن، وهذا يدلَّ على اتصاله بالبيت، لكن من طاف غيره من الرجال على بعيرٍ فيستحبُّ له إن خاف أن يؤذي أحدًا أن يبعد قليلًا، وإن لم يكن حول البيت زحام، وأمن أن يؤذي أحدًا فليقرب كما فعل النَّبِي وَّر. وأما المرأة فإن من سنتها أن تطوف وراء الرجال. انتهى. وفِي الحَدِيث: جواز الطواف للراكب إذا كان لعذر ويلتحق بالراكب المحمول وقد تقدم الكلام في ذلك. (وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ) أي: على بعيرك كما في رواية هشام عند البخاري عن عروة عن أمِّ سلمة أنَّ رسولَ اللَّه وَّله قال وهو بمكة وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول اللّه وَله: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ لِلصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلَّونَ)). ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت، انتهى. وقد علم من هذه الرواية أن القصة لطواف الوداع، ويدل عليه أيضًا رواية النسائي عنها قالت: يا رسولَ الله، والله ما طوفت طواف الخروج، فقال النبيُّ وَّ: ((إِذَا أَقِيمَتِ الصَّلَاةُ لِلصُّبْحِ فَطُوفِي)). قال القاري: فيه دلالةٌ على أن الطواف راكبًا ليس من خصوصياته عليه الصلاة والسلام. (فَطُفْتُ) أي: راكبةٌ من وراء الناس. (وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهَ يُصَلَّي) أي: بالناس صلاة الصبح كما تدلّ عليه رواية البخاري المذكورة. (إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ) أي: متصلًا إلى جدار الكعبة، وفيه: تنبيه على أن أصحابه وَل كانوا متحلقين حولها، وفيه: دلالة على أن صلاته وَ له بأصحابه بالجماعة كانت بفناء الكعبة وأن طوافها كان وراء المصلين، وفيه: أن من طاف راكبًا يتوخى خلوة المطاف لئلا يهوش على الطائفين . واستدل بالحديث المالكية على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وهو المشهور عن أحمد خلافًا لما ذهب إليه الحنفية والشافعية، قال ابنُ بطال: في هَذَا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المَسْجِد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب. وتعقب: بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة - أي: في غيرها - ولا على عدم الجواز مع عدم الحاجة فيها. ٧٥ بَابُ دُخُولِ مَكَّةٌ وَالطَّوَاف كِتَابُ الْمُنَاسِكِ قال الحافظ: بل ذلك دائر على التلويث وعدمه فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته بَ ل كانت منوقة، أي: مدربة معلمة فيؤمن منها ما يحذر من التلويث، وهي سائرة، فيحتملُ أنْ يَكُون بعير أمِّ سلمة كان كذلك، والله أعلم. وقال النووي: هَذَا الحديثُ لا دلالة فيه - أي: على طهارةِ بولٍ ما يُؤْكَل لَحْمه وروثه كما هو مذهب مالك وأحمد - لأنَّهُ ليس من ضرورة أنه يبولُ أو يروث في حال الطواف، وإنما هو محتمل، وعلى تقدير حصوله ينظف المَسْجِد منه كما أنه وَّ أقر إدخال الصبيان الأطفال المَسْجِد مع أنه لا يؤمن بولهم بل قد وجد ذلك، ولأنَّه لو كان ذلك محققًّا لنزه المَسْجِد منه، سواء كان نجسًا أو طاهرًا؛ لأنَّهُ مستقذر، انتهى. وقال الشوكاني: ويرد ذلك - أي: استدلال أَصْحَاب مَالِك وأحمد بِهَذَا الحَدِيث على طهارة بول مأكول اللحم وروثه - بوجوهٍ: أما أولًا: فلأنه لم يكُن إذْ ذَاك قد حوط المَسْجِد كما تقدَّم. وأما ثانيًا: فلأنَّه ليسَ من لازم الطواف على البعيرِ أنْ يبولَ. وأما ثالثًا: فلأنَّهُ يطهّرُ منْهُ المَسْجِد كما أنه ◌َّ أقر إدخال الصبيان الأطفال المَسْجِد مع أنه لا يؤمن بولهم. وأما رابعًا: فلأنه يحتمل أن تكون راحلته عصمت من التلویث حينئذ کرامة له، انتهى. (يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ) أي: بهذه السورة في ركعة واحدة كما هو عادته عليه الصلاة والسلامَ. والحديثُ قد يستنبط منه أن الجماعة في الفريضة ليست فرضًا على الأعيان، إلا أن يقال إن أم سلمة كانت شاكية فهي معذورة، أو الوجُوب يختصُّ بالرِّجَال، كَذَا فِي ((الفَتْح)). اعلم: أنه اتفق الجمهور على كراهة ابْتِدَاء الطواف ومنعه عند إقامة المكتوبة، وأما قطع الطواف للمكتوبة أو لصلاة الجنازة أو لغيرهما من الأعذارِ فاخْتَلَف العُلَمَاءِ فِيهِ. قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٣٩٥): إذا تلبس بالطواف أو بالسعي ثم أقيمت المكتوبة فإنه يصلي مع الجماعة في قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عمر وسالم وعطاء والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي ذلك عنهم في السعي. وقال مالك: يمضي في طوافه ولا يقطعه، إلا أنْ يخافَ أن يضر بوقت الصلاة؛ لأنَّ ٧٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الطوافَ صلاة فلا يقطعه لصلاة أخرى. ولنا قول النَّبِي وَلِّ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّ الْمَكْتُوبَةَ)) والطواف صلاة فيدخل تحت عموم الخبر، وإذا ثبت ذلك في الطواف بالبيت مع تأكده ففي السعي بين الصفا والمروة أولى مع أنه قول ابن عمر ومن سميناه من أهل العلم، ولم نعرف لهم في عصرهم مخالفًا. وإذا صلى بنى على طوافه وسعيه في قول من سمينا من أهل العلم. قال ابنُ المُنْذِر: ولا نعلم أحدًا خالف في ذلك إلا الحسن، فإنه قال: يستأنف. وكذلك الحكم في الجنازة إذا حضرت يصلى عليها ثم يبني على طوافه؛ لأنَّهَا تفوت بالتشاغل عنها، قال أحمد: ويكون ابتداؤه من الحجر، يعني: أنه يَبْتَدئ الشَّوط الَّذِي قطعه من الحجرِ حينَ يشرع في البناءِ، انتهى. قلتُ: ومَا ذكر عن مالِكِ من المضي في الطَّوَافِ وعَدم قطعِهِ هو مُخَالِف لما في كُتُبٍ فُرُوع المالكيَّة، فإنَّهُم نصُوا بوجوبِ القطع للمكتوبةِ، وكذا حَكَى عامةٌ شُرَّاح البخاري عن مالك قطعه للمكتوبة موافقًّا للجمهور. وقال النووي في ((مناسكِهِ)): وإذا أقيمتِ الجماعةُ للمكتوبة وهو في الطواف أو عرضت حاجة ماسة قطع الطواف لذلك فإذا فرغ يبني، والاستئناف أفضل، ويُكره قطعه بلا سبب حتى يكره قطع الطواف المفروض لصلاة جنازة أو صلاة نافلة، انتهى. قال ابنُ حجر فِي ((شَرْحِه)): وحيثُ قطعه فالأولى أن يقطعه عن وترٍ، وأن يكون من عند الحجر الأسود، انتهى. وقال ابنُ عابدين: إذا حضرت الجنازة أو المكتوبة في أثناءِ الشوط هل يتمه أو لا؟ لم أر من صرح به عندنا، وينبغي عدم الإتمام إذا خافَ فوت الركعة مع الإمام. وإذا عاد البناء هل يبني من محل انصرافه أو يبتدئ الشوط من الحجر؟ والظاهرُ الأول قياسًا على من سبقه الحدث في الصلاة، وهو ظاهر قول ((الفتح)): بنى على ما كان طافه، انتهى. وعد صاحب ((اللباب)) الطواف عند إقامةِ المكتوبةِ في المكروهات. قال القاري: فإنَّ ابْتِدَاء الطواف حينئذٍ مكروه بلا شبهة، وأما إذا كان يمكنه إتمام الواجبِ عَلَيْه وإلحاقه بالصلاة وإدراك الجماعة، فالظاهر أنه هو الأولى من قطعه، انتھی . وقال الدردير: ابتدأ طوافه لبطلانه واجبًا كانَ أو تطوعًا انقطعَ لجنازةٍ ولو قلّ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ دخول مَكّة وَالطَّوَاف 13 ٧٧ الفصل؛ لأنَّها فعلَ آخر غير ما هو فيه فلا يجوزُ القَطْع لهَا اتفاقًا ما لم تتعيَّن، فإنْ تَعَيَّنَتْ وجبَ القطعُ إِنْ خَشى تغيرَهَا وإلا فلا يقطعُ، وإذا قلنا بالقطع، فالظاهر: أنه يبني كالفريضةِ كذا قَالوا، وقطعه وجوبًا ولو ركنًا للفريضة، أي: لإقامتها للراتب، ودَخَل مَعَه إنْ لم يكن صلَّاها أو صلَّاها مُنْفَردًا، والمرادُ بالراتبِ إمام مقام إبراهيم على الراجح وأما غيره فلا يقطع له؛ لأنَّهُ كجماعة غير الراتبِ، وندب له كمال الشوطِ إن أقيمت عليه أثناءه ليبني من أول الشوطِ، فإنْ لم يكمله ابتدأ من موضع خرج، وندب أن يبتدئ ذلك الشوط، كما قاله ابنُ حبيب، انتهى. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاري في صفةِ الصلاةِ، وفي الحجِّ وفي التفسيرِ، ومُسْلِم فِي الحِّ، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٦: ص ٣١٩) ومَالِك وأبو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن ماجه وَابْن الجارود (ص١٦١) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٦٨، ١٠١). ٢٦١٣ - [٢٩] وَعَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، قال: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يُقَبِّلُ مَا قَبَّلْتُكَ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٦١٣ - قوله: (وَعَنْ عَابِسٍ) بموحدة فمكسورة ثم مهملة. (بْنِ رَبِيعَةَ) النخعي الكوفي، ثقة مخضرم من كبار التابعين. قال الحافظُ: روى عن عمر وعلي وحذيفة وعائشة، وعنه أولاده عبد الرحمن وإبراهيم وأسماء وأبو إسحاق السبيعي وإبراهيم بن جرير النخعي. قال الآجري عن أبي داود: جاهلي سمع من عمر. وقال النسائي: ثقة، وقال ابنُ سعدٍ: هو مِن مذحج، وكان ثقة، وله أحاديث يسيرة، انتهى. وليس هو عابس بن ربيعة الغطيفي الصحابي الَّذِي شهدَ فتح مصر، قال الحافظُ في ((التقريبٍ)) في ترجمةِ عابس بن ربيعة الغطيفي: وَهِمَ من خلطَهُ بِالَّذِي قبلَهُ، أي: بعابس بن ربيعة النخعي. وقال في (تهذيب التهذيب)): فرقَ ابن ماكولا بين الغطيفي والنخعي وهو الصواب. (٢٦١٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٥٩٧)، ومُسْلِم (١٢٧٠) عنه فيه. ٧٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (يُقَبِّلُ الْحَجَرَ) أي: الأسود. (وَيَقُولُ) مخاطبًا له ليسمع الناس. (إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ) قال القاري: وفي نسخة: (لا تنفع). (وَلَا تَضُرُّ) أي: بذاته، وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب. فمعناه: أنه لا قدرة له على نفع ولا ضر، وأنَّه حجر مخلوق كباقي المخلوقاتِ الَّتِي لا تضرُّ ولا تنفعُ. (وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يُقَبِّلُ) كذا وقع في أكثر النسخ، وفي نسخة ((المرقاة)): ((يقبلك)) والَّذِي في ((صحيح مسلمٍ)) عن عابس بن ربيعةً: قالَ: رأيتُ عمر يقبّلُ الحجرَ ويقولُ: إني لأقبلكَ وأعلَّمَ أنَّك حجر، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ اللّهِ وَلَ يقبَّلُكَ لم أقبلك. وفي البخاري: أنه جاءَ إلى الحجرِ الأسود فقبَّلَهُ فقال: إنِّي لأعلمُ أنَّك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبيَّ وَلَّهَ يقبلك ما قبلتك. قال الطيبي: إنما قالَ ذلك؛ لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإِسْلَام الَّذِين قد ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها ورجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها، فخافَ أن يراه بعضهم يقبله فيفتتن به فبين أنه لا ينفع ولا يضر وإن كان امتثال ما شرع فيه باعتبار الجزاء والثواب وليسمع في الموسم فيشتهرُ في البلدان المختلفة. وفيه: الحثُّ على الاقتداء برسولِ اللَّه وَ له في تقبيله، وتنبيه على أنه لو لا الاقتداء لما فعله، وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: إنما قالَ ذَلِك؛ لأنَّ الناسَ كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر أن يظن الجهال بأن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعلُهُ فأرادَ عُمر أنْ يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم اللّه وَك والوقوف عند أمر نبيه ◌َ له وأن ذلك من شعائر الحج التي أمرَ اللهُ بَتَعْظِيمها، وأنَّ استلامه مخالف لفعلِ الجاهليةِ في عبادتهم الأصنام؛ لأنَّهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر على مخالفة هَذَا الاعتقاد، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا من يملك الضرر والنفع وهو الله جل جلاله. وقال المحبُّ الطبري: إنَّ قول عمر: إنَّك حجر لا تضر ولا تنفع. طلب منه للآثارِ وبحث عنها وعن معانيها، ولما رأى أنَّ الحجر يستلم ولا يعلم له سبب يظهر للحسِّ ولا من جهة العقل ترك فيه الرأي والقياس وصار إلى محض الاتباع كما صنع في الرمل. وقال الخطابي: في قولِ عُمر من العلم أن متابعة السنن واجبة، وإن لم يوقف لها على علل معلومة وأسباب معقولة، وأنَّ أعيانها حجة على من ٧٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ دَخُولِ مَكَّةٌ وَالطَّوَاف بلغتِهِ، وإنْ لم يفقه معانيها إلَّا أنَّ معلومًا في الجملةِ أنَّ تقبيلَ الحجرِ إنَّما هو إكرام له وإعظام لَحِقَّه، وقد فضَّلَ اللهُ بعضَ الأحجارِ عَلى بعضٍ كما فضَّل بعضَ البقاعِ والبلدانِ على بعضٍ، وكما فضَّل بعض الليالي والأيام والشهور على بعض، وباب هَذَا كله التسليم، وهو أمر سائغ في العقول جائز فيها غير ممتنعٍ ولا مستنكرٍ . قال الحافظُ في ((الفتح)): في قول عمر هَذَا التسليم للشارع في أمورِ الدينِ وحُسن الاتباع فيما لم يكشف عن مَعَانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النَّبِي ◌َّه فيما يفعلُهُ، ولو لم يعلم الحكمة فيه. وفيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصة ترجعُ إلى ذاتهِ. وفيه بيانُ السننِ بالقول والفعل، وأنَّ الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذَلِك، وفيهِ كراهة تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله . ما فائدة: رَوَى الخطيبُ وابنُ عساكر عن جابرٍ مَرْفُوعًا: ((الْحَجَرُ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ)). وروى الديلمي في ((مسند الفردوس)) عن أنسٍ مَرْفُوعًا: ((الْحَجَرُ يَمِينُ اللهِ فَمَنْ مَسَحَهُ فَقَدْ بَايَعَ اللهَ)) وروى الطََّرَاني في ((الأَوْسطِ)) عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرو بنِ العاصِ مَرْفُوعًا: ((الْحَجَرُ يَمِينُ اللهِ يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ)) ذكره الْهَيْئَمِي في ((مَجْمَعِ الزوائدِ)) وَقَال: وفيه عبد الله بن المؤمل وثَّقْه ابنُ حبان وقال: يخطئُ وفيه كلام،َ وبَقِيَّة رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. قال الخطابي: ومعنى أَنَّهُ ((يَمِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ)) أنَّ مَن صافحه في الأرض كان له عند اللّه عهد، فكان كالعهد تعقده الملوك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به، وكما يصفق على أيدي الملوك للبيعة، وكذلك تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه به، يعني: فخاطبهم بما يعهدونه. وقال المحبُّ الطََّري: معناهُ أن كلَّ ملك إذا قدم عليه الوافد قبل يمينه، ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لهما تقبيله نزل منزلة يمين الملك ويده، ولله المثل الأعلى وكذلك من صافحه كان له عند اللَّه عهد كما أن الملوك تعطي العهد بالمصافحة، والله أعلم . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ١٦، ٢١، ٢٦، ٣٤، ٤٦،