Indexed OCR Text

Pages 1-20

فِرَاءُ الْقَاد
شَرَّحُ
مِشِكَاةِ المِصَاحُ
لِلعَلَامَةِ المحدّث
أَبِ الْحَسِنْ عُبَيَدِ اللهِنْ الْعَلَامَةِ محمّد عَبْدِ السَّلَامِ الْبَارَكَفُورِيّ
رَحْمَهُمَا الأَعَالى
E
تَقْيِ نَفِيَ الشَّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللَّهِ بْ مُحَمَّدٌ عَبَّاسِ حَفِظَهُ الله
المدرس بالتَنجِلَآَمَ وَالأسْنَاء الْتَارِكِ بَاسِعَة أُمّ الُى - بمكّة الكَرَّتة
حققه وخرج أحاديثه
الشَّيْخُ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَنْ مُحَمَّدْ أَمِّيِّنْ
غَفَّ اللّه لَه وَكَوَالدَيْهِ
المُجَلَُّ الْحَادِي عَشَرِ
تَتَمَّةُ كِتَابِ المنَّاسِك
حَديث (٢٥٨٥-٢٧٣١)
غَدَارُ القَبِ النَّشَهِوَالتَّزمع

شَكَاء الْمَقَارَةِ
شَرَّحُ
مِشَكَاةِ المِصَاِع
المُجَلَّدُ الحَادِيِعَشَّرِ

ح
محمد سليمان أمين، ١٤٣٨ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المباركفوري، عبيد الله محمد
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛
محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ
١٤ مج
ردمك ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٨-٨٧٧٦-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج ١١)
١ - الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان
١٤٣٦/٧١٢٣
دیوي ٢٣٧،٢
رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣
ردمك: ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٨-٨٧٧٦-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج ١١)
جميع الحقوق محفوظة لُحقّقْ وللنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧م
حقوق الطبع محفوظة ٤ ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي
لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر.
صَفُ وَبَصِميح وَإِخِرَاجُ
مَارُ الْقَبْسِ للنشروالتّوزيع
الرياض - المملكة العربية السعودية
شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز
ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥
جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨
darulqabas@yahoo.com

قُرْعَةُ الْمُقَادُ
شِرُ
مِشِكَاةِ المِصَاح
لِلَعَلَامَةِ المُحدِّث
أَبِي الْحَسِنْ عُبَيَدِ اللهِبْن الْعَلَّمَةِ مُحَدَ عَبْدِ السَّلَامِ المُبَّارَكَفُورِيّ
رَعَهُمَا الله تَعَالى
تَقْيم فَضِيَة الشّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللّهِ بْنْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَةُ اللّه
المدرّس بالَجِالحَمِ وَالأَسْتَذ المُشَارِ يَجَامِعَة أُمّالُربى - بمكّة المكرَّة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيْخُ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَزْ مُحَمَّدْ أَمِّيْنْ
غَفَرَ اللّه لَ وَكَوَلَدَيْهِ
المُجَلَّدُ الحَادِي عَشَرِ
تَتِمَةُ كِتَابِ المنَاسِك
حَديث (٢٥٨٥-٢٧٣١)
تُدَارُ الْقَبْسِ لِلنشْرِوالتَوزِيعُ

و

٥
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
٣ - بَابُ دُخُولِ مَكَّةٌ وَالطَّوَاف
الفصل الأول
(بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ)، أي: آداب دخولها. (الطَّوَاف) عطف على المضاف.
٢٥٨٥ - [١] عَنْ نَافِعِ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ
بِذِي طُوىٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَغْتَسِّلَ، وَيُصَلِّي، فَيَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا، وَإِذَا نَفَرَ مِنْهَا
مَرَّ بِذِي طَوىٍّ، وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٨٥ - قوله: (عَنْ نَافِع)، أي: مولى ابن عمر. (كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكّةَ) بفتح
الدال أي لا يجيئها. (إِّ بَاتَ)، أي: نزل في الليل عند قدومه. (بِذِي طَوِّى)
بتثليث الطاء مع الصرف وعدمه، فمَن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة،
ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة. قال النووي: هو موضع معروف
بقُرب مكة يقال: بفتح الطاء وضمها وكسرها، والفتح أفصح وأشهر ويصرف ولا
يصرف. وقال الحافظ: ويعرفُ اليوم ببئر الزاهر، وهو مقصود منون وقد لا ينون.
وقال الطبري: ذو طوى بضم الطاء المهملة وفتح الواو المخففة والقصر موضع عند
باب مكة يسمى بذلك ببئر مطوية فيه، هكذا ضبطه بعضهم وضبطه الأصيلي بكسر
الطاء. وقال الأصمعي: هي بفتح الطاء. قال المنذري: وهو الصوابُ، فأما
الموضع الذي بالشام فيكسر طاؤه ويضم ويصرف ولا يصرف، وقد قرئ بهما،
(٢٥٨٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٥٧٣ و١٧٦٩)، ومُسْلِم (١٢٥٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الحَجِّ، وأَبُو دَاوُد
(١٨٦٥)، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٤٢٤٠).

٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
وأما التي بطريق الطائف فممدود.
(حَتَّى يُصْبِحَ) فكان ينزلُ بذي طوى ويبيت فيه للاستراحة وللاغتسال والنظافة.
(وَيَغْتَسِلُ)، أي: به. قال النووي: في الحديث الاغتسال لدخول مكة وأنه يكون
بذي طوى لمن كانت في طريقه - بأن يأتي من طريق المدينة - ويكون بقدر بعدها
لمن لم يكن في طريقه. قال الطبري: ولو قيل: يُسَنُّ له التعريج إليها والاغتسال بها
إقتداء وتبرُّكًا لم يبعد. قال الأذرعي: وبه جزم الزعفراني قال أصحابنا: وهذا
الغسل سُنة فإن عجز عنه تيمم. وقال الحافظ: قال ابن المنذر: الاغتسال عند
دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه عندهم فدية. وقال أكثرهم:
يجزئُ منه الوضوء. وفي ((الموطأ)): أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا
من احتلام، وظاهره أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون رأسه، وقال الشافعية:
إن عجز عَّن الغسل تيمم. وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة،
وإنما ذكروه للطواف، والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف، انتهى. وقال
ابن قدامة: يستحب الاغتسال لدخول مكة؛ لأن ابن عمر كان يغتسلُ ثُم يدخلُ مكة
نهارًا، ويُذكر أنَّ النبي ◌َّرَ كان يفعله، ولأن مكة مجمع أهل النسك فإذا قصدها
استحبَّ له الاغتسال كالخارج إلى الجمعة، والمرأة كالرجل وإن كانت حائضًا أو
نفساء؛ لأنَّ الغسل يراد للتنظيف وهذا يحصل مع الحيض فاستحبَّ لها ذلك، وهذا
مذهب الشافعي، انتهى.
قلت: وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا، فهذا الغسل عند الأئمة الثلاثة الشافعي
وأحمد وأبي حنيفة لدخول مكة كما هو مصرح في كُتُب فروعهم ومناسكهم، كما
هو ظاهر أثر ابن عمر أنه كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخول مكة، ولم
يحتج إلى غسل للطواف؛ لأنه ليسَ بين الدخول والطواف كبير فصل، فيجتمع في
غسله هذا أمران دخول مكة وطواف بيت الله، ويؤيد ذلك ما قاله العيني: أن
الغسل لدخول مكة ليس لكونه محرمًا، وإنما لحرمة مكة حتى يستحب لمن كان
حلالًا أيضًا، وقد اغتسل لها بَّ عام الفتح وكان حلالًا أفاد ذلك الإمام الشافعي في
((الأمِّ))، انتهى.
وأما عندَ المالكية فالغسل المذكور في الحديثِ وفي الأثر للطواف لا للدخول،
قال الباجي: أضاف الغسل، أي: في أثر ابن عمر إلى دخول مكة وإن كان مقصوده

٧
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخُولٍ مَكّةً وَالطَّوَاف
الطواف؛ لأنه يفعل عند دخول مكة ليتصل الدخول بالطوافٍ، والغسل في الحقيقة
للطواف دون الدخول، ولذلك لا تغتسل الحائض ولا النفساء لدخول مكة؛ لتعذُّر
الطواف عليهما، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير)) للدردير: وندب الغسل لدخول غير حائض ونفساء مكة
بطوى؛ لأن الغسل في الحقيقة للطواف فلا يؤمر به إلا من يصح منه الطواف،
وقوله: بِطُوى. حقه أن يقولَ: وبطوى؛ لأنه مندوب ثان، انتهى.
(فَيَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا) فيه استحبابُ دخول مكة نهارًا. قال النووي: وهذا هو
الصحيح الذي عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم أن دخولها نهارًا أفضل من
الليل. وقال بعض أصحابنا وجماعة من السلف: الليلُ والنهار في ذلك سواء ولا
فضيلة لأحدهما على الآخر، وقد ثبتَ أنَّ النبي ◌َّ دخلها محرمًا بعمرة الجعرانة
ليلًا، ومن قال بالأول حمله على بيان الجواز، انتهى.
وقال الحافظ: وأما الدخولُ ليلًا فلم يقع منه ◌َله إلا في عمرة الجعرانة، فإنه ◌َل
أحرم من الجعرانة، ودخل مكة ليلًا فقضى أمر العمرة، ثم رجع ليلًا فأصبح
بالجعرانة كبائت، كما رواه أصحاب السنن الثلاثة من حديث محرش الكعبي،
وترجم عليه النسائي: دُخُولُ مَّةَ لَيْلًا. وروى سعيدُ بنُ منصور عن إبراهيم النخعي
قال: كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهارًا ويخرجوا منها ليلًا، وأخرج عن عطاء:
إن شئتم فادخلوا مكة ليلًا، وإن شئتم فادخلوها نهارًا، إنكم لستم في ذلك
كالنبيِ وَله إنَّ رسول اللّه وَ لهل كان إمامًا فأحبّ أن يدخلها نهارًا ليراه الناس،
انتهى. قال الحافظ: وقضية هذا أن من كان إمامًا يقتدى به استحب له أن يدخلها
نهارًا .
(وَإِذَا نَفَرَ)، أي: خرج. (مِنْهَا)، أي: من مكة. (مَرَّ بِذِي طَوِّى وَبَاتَ بِهَا حَتَّى
يُصْبِحَ) انتظارًا لأصحابه واهتمامًا لجمع أسبابه. (وَيُذْكَرُ) عطف على (لَا يَقْدَمُ)،
أي: وكان ابن عمر يذكر. (كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ)، أي: كلَّ من المبيت بذي طوى
والاغتسال وصلاة الصبح به ودخول مكة نهارًا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ١٤، ١٦، ١٥٧) وأبو داود
والنسائي والبيهقي (ج ٥: ص ٧١، ٧٢).

٨
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٨٦ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ رِّنَا قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ وَ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ
دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٨٦ - قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلَّ)، أي: عام حجة الوداع لأنها كانت معه حينئذ.
(لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ)، أي: وصل إلى قربها. (دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا) وكذا دخل في فتح
مكة منها وأعلى مكة هو الجانب الشرقي. (وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا)، أي: لما أراد
الخروج منها، وفي حديث ابن عمر عند البخاري: ((إنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِ دَخَلَ مَكَّةً
مِنْ كَدَاءٍ مِنْ الثَِّيَّةِ الْعَلْيَاءِ الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَِّيَّةِ السُّقْلَى)) فالمراد بأعلاها:
ثنية كَداء. بفتح الكاف والمد والتنوين، أي: صرفه وعدمه نظرًا إلى أنه علم
المكان أو البقعة، وقال أبو عبيدٍ: لا تصرف، أي: للعلمية والتأنيث، وهي الثنية
العليا التي ينحدر منها إلى المقبرة المسماة عند العامة بالمعلاة، وتسمى بالحجون
عند الخاصة. وقال الحافظ: هذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل
مكة، وهي التي يقال لها: الحَجُون، بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة
المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سهل
في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع، ثم سهلت كلها في زمن
سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمان مائة. وكل عقبة في جبل أو
طريق عال تسمى ثنية. قال ابن جاسر: ثم سهلت في زمن الشريف الحسين بن علي
في حدود الثلاثين وثلاثمائة وألف، ثم سهلت في زمن الملك عبد العزيز بن
عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، ثم سهلت تسهيلًا كاملًا بعده، انتهى. والمراد
بأسفلها ثنية كدى كهدى وقرئ بضم الكاف والقصر والتنوين وتركه. قال الحافظ :
وهي عند باب شبيكة بقرب شعب الشافعين من ناحية قعيقعان، وكان ذلك بناء هذا
الباب عليها في القرن السابع، انتهى. قال ابن جاسر: لا وجود الآن لهذا الباب،
(٢٥٨٦) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٥٧٧)، ومُسْلِم (٢٢٤/ ١٢٥٨) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبُو دَاوُد (١٨٦٨)،
والتِّرْمِذِي (٨٥٣)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٤٢٤١).

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دُخُولٍ مَكَّةٌ وَالطَّوَاف
٩
وقد أزيل لاتساع البلد، قال: وهذه الثنية تعرف الآن بريع الرسام، وقد سهلت،
وهي الآن في الشارع العام الموصل إلى جرول.
تنبيه:
حكى الحميديُّ عن أبي العباس العذري أنَّ بمكة موضعًا ثالثًا يقال له: ((كُدي))
كسمي، أي: بالضم والتصغير يخرج منه إلى جهة اليمن. قال المحب الطبري:
حققه العذري عن أهل المعرفة بمكة، قال: وقد بُني عليها باب مكة الذي يدخل
منه أهل اليمن، واختلف في المعنى الذي لأجله خالف النبي ◌َّ بين طريقيه،
فقيل: فعله تفاؤلاً بتغيير الحال إلى أكمل منه كما فعل في العيد، وليشهد له
الطريقان أو ليتبرك به أهلهما، وقيل: ليرى السعة في ذلك. وقيل: لأن نداء أبينا
إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان من جهة العلو. وقيل: ليظهر شوكة المسلمين
في كلتا الطريقين. وقيل: ليغيظ المنافقين بظهور الدين وعز الإسلام.
وقال الحافظُ: قيل: الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلو عند الدخول؛ لما فيه
من تعظيم المكان وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل: لأنَّ إبراهيم لما دخل مكة
دخل منها، وقيل: لأنه يَّل خرج منها مختفيًا في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهرًا
عاليًا، وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلًا للبيت، ويحتمل أن يكون
ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح فاستمرَّ على ذلك. والسبب في ذلك قول أبي
سفيان بن حرب للعباسٍ: لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء، فقلت: ما هذا؟
قال: شيء طلع بقلبي، وإن الله لا يطلع الخيل هناك أبدًا. قال العباس: فذكرت أبا
سفيان بذلك لما دخل. وللبيهقي من حديث ابن عمر قال: قال النبي وَئيّة لأبي بكر:
((كَيْفَ قَالَ حَسَّانُ؟)) فأنشده:
عَدَمْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مَطْلَعُهَا كَدَاءِ
فتبسم وقال: ((ادْخِلُوهَا مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانُ))، انتهى.
والحديثُ: يدلُّ على استحبابٍ دخول مكة من أعلاها أي: الثنية العليا
والخروج من أسفلها، وبه قال جمهور العلماء، وهل يُسن الدخول من الثنية العليا
لكل داخل سواء كانت تلقاء طريقه أم لم تكن في طريقه؟ فذهبَ أبو بكر الصيدلاني
وجماعة من الشافعية، واعتمده الرافعي إلى أنه إنما يستحب الدخول منها لمن

١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كانت في طريقهِ، وأما من لم تكن في طريقه فقالوا: لا يستحبُّ له العدول إليها،
وذهب النووي إلى أن الدخول منها نسك مستحب لكلِّ أحدٍ، وصوبه وصححه،
وهو ما مشى عليه في ((المجموع)) و((زوائد الروضة))، واعتمده المتأخرون منهم.
قال النووي في ((شرح المهذب)): واعلمْ أن المذهب الصحيح المختار الذي
عليه المحققون من أصحابنا، أن الدخول من الثنية العليا مستحب لكلِّ محرم داخل
مكة، سواء كانت في صوب طريقه أم لم تكن، ويعتدل إليها من لم تكن في طريقه.
وقال الصيدلاني والقاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والبغوي والمتولي:
إنما يستحبُّ الدخول منها لمن كانت في طريقه، وأما من لم تكن في طريقه فقالوا:
لا يستحب له العدول إليها، قالوا: وإنما دخل النبي ◌َّ اتفاقًا لكونها كانت في
طريقه، هذا كلام الصيدلاني وموافقيه، واختاره إمام الحرمين ونقله الرافعي عن
جمهور الأصحاب، وقال الشيخ أبو محمد الجويني: ليست العليا على طريق
المدينة بل عدل إليها النبي وَّ متعمدًا لها، قال: فيستحبُّ الدخول منها لكلِّ أحدٍ.
قال: ووافق إمام الحرمين الجمهور في الحكم، ووافق أبا محمد في أن موضع
الثنية كما ذكره. وهذا الذي قاله أبو محمد من كون الثنية ليست على نهج الطريق
بل عدل إليها هو الصواب الذي يقضي به الحس والعيان، فالصحيحُ: استحباب
الدخول من الثنية العليا لكلِّ محرم قصد مكة سواء كانت في طريقه أم لا، وهو
ظاهر نص الشافعي في ((المختصر)) ومقتضى إطلاقه فإنه قال: ويدخل المحرم من
ثنية كداء، ونقله صاحب البيان عن عامة الأصحاب، انتهى.
وقال ابن جاسر: لم أر من تعرض لهذا البحث من أصحابنا الحنابلة، وظاهر
كلامهم يقتضي سنية ذلك لإطلاقهم سنية الدخول من أعلاها من ثنية كداء، ولكن
ينبغي تقييد هذا الإطلاق بما إذا كانت ثنية كداء إزاء طريقه، أما إذا لم تكن في
طريقه فلا يستحبُّ له العدول إليها كما قاله أبو بكر الصيدلاني واعتمده الرافعي
وقال في ((المدونة)): أحب للحاج أن يدخل مكة لمن أتى من طريق المدينة.
انتھی .
(متفق عليه) وأخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي.

١١
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دخولٍ مَكّْةٌ وَالطَّوَاف
٢٥٨٧ - [٣] وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قال: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ وَ فَأَخْبَرَتْنِي
عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَِّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ
تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرِ فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ
تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثَّمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٨٧ - قوله: (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قال: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ وَّهِ فَأَخْبَرَتْنِي
عَائِشَةُ ... ) إلخ. للحديث سبب ذكرَهُ مسلمٌ في (صحيحه)) فقد روى بسنده عن
محمد بن عبد الرحمن - هو أبو الأسود النوفلي المدني المعروف بيتيم عروة -:
أن رجلاً من أهل العراقِ قال له: سَلْ لي عُروة بن الزبير عن رجلٍ يهل بالحجِّ، فإذا
طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل، فقل له: إن رجلاً يقول ذلك.
قال: فسألته فقالَ: لا يحل من أهلَّ بالحجِّ إلا بالحجِّ، قلتُ: فإنَّ رجلًا كان يقولُ
ذلك. قال: بئسما قال. فتصداني الرجل، فسألني فحدثته، فقال: فقل له: فإن
رجلًا كان يخبر أن رسول لله وَل قد فعل ذلك وما شأن أسماء والزبير قد فعلا ذلك؟
قال: فجئته فذكرت له ذلك، فقال: من هذا؟ فقلت: لا أدري - أي لا أعرف اسمه
- قال: فما باله لا يأتيني بنفسه يسألني، أظنه عراقيًا - يعني: وهم يتعنتون في
المسائل - قلتُ: لا أدري. قال: فإنه قد كذب، قد حجَّ رسولُ اللَّه ◌َله فأخبرتني
عائشة أن أول شيء بدأ به رسول اللّه وَ ل حين قدم مكة أنه توضأ ... فذكر
الحديث .
قال الحافظ: قوله: فإن رجلاً كانَ يخبر. عني به ابن عباس، فإنه كان يذهب
إلى أن من لم يسق الهدي وأهل بالحج إذا طاف يحل من حجه، وأن من أراد أن
يستمر على حجه لا يقرب البيت حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر
النبي ◌ّ لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرة. قال الحافظ: هذا
مذهب لابن عباس خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل منهم إسحاق ابن
(٢٥٨٧) البُخَارِي (١٦٤١) فِيهِ مُطَوَّلًا عَنْ عَائِشَةَ

١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
راهويه، وجواب الجمهور عن مأخذه: أن النبي وَلل أمر أصحابه أن يفسخوا حجهم
فيجعلوه عمرة، ثم اختلفوا فذهب الأكثر إلى أن ذلك كان خاصًّا بهم، وذهب
طائفة إلى أن ذلك جائز لمن بعدهم، واتفقوا كلهم أن من أهل بالحج مفردًا لا
يضره الطواف بالبيت، وبذلك احتج عروة في حديث الباب أن النبي وَّ بدأ
بالطواف ولم يحل من حجه ولا صار عمرة، وكذا أبو بكر وعمر.
(أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ) قال القاري: أي: جدد الوضوء لما
تقدَّم أنه كان يغتسلُ، فلا دلالة فيه على كون الطهارة شرطًا لصحة الطواف؛ لأن
مشروعيتها مجمع عليها، وإنما الخلاف في صحة الطواف بدونها، فعندنا أنها
واجبة، والجمهورُ على أنها شرط، انتهى. وترجم البخاريُّ لهذا الحديث باب
الطواف على وضوءٍ. قال الحافظُ: أورد فيه حديث عائشة: أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ
النَّبِيُّ وََّ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ ... الحديث. وليس فيه دلالة على الاشتراط
إلا إذا انضم إليه قوله وَّر: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) وباشتراطِ الوضوء للطواف، قال
الجمهور وخالف فيه بعض الكوفيين، ومن الحجة عليهم قوله وَليّ لعائشة لما
حاضت: ((غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي)). وقال في شرح حديث عائشة
هذا: هو ظاهرٌ في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل؛ لأن النهي
في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معنى
الحائض الجنب والمحدث وهو قول الجمهور. وذهب جمع من الكوفيين إلى
عدم الاشتراطِ. قال ابن أبي شيبة: حدثنا غندر حدثنا شعبة: سألت الحكم وحمادًا
ومنصورًا وسليمان عن الرجلِ يطوفُ بالبيت على غيره طهارةٍ، فلم يروا به بأسًا،
ورُوي عن عطاء: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها،
ففي هذا تعقب على النووي حيث قال في ((شرح المهذب)): انفرد أبو حنيفة بأن
الطهارة ليست بشرط في الطواف، واختلف أصحابه في وجوبها وجبرانه بالدم إن
فعله، انتهى.
قال الحافظُ: ولم ينفردوا بذلك كما ترى، فلعلَّه أراد انفرادهم عن الأئمة
الثلاثة، لكن عند أحمد رواية أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم، وعند
المالكية قول يوافق هذا، انتهى.

١٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ دْخُولٍ مَكَّةً وَالطَّواف
قلت: والذي جزم به الدردير والدسوقي من المالكية هو اشتراط الطهارة حيث
قال الدردير: للطواف مطلقًا ركنًا أو واجبًا أو مندوبًا شروط أولها كونه أشواطًا
سبعًا، وثانيها كونه متلبسًا بالطهارتين أي طهارة الحدث والخبث، انتهى.
وقال الباجي في شرح قول ابن عمر: المرأةُ الحائضُ تهل بحجها أو عمرتها إذا
أرادت، ولكن لا تطوف بالبيت؛ لأن الطواف بالبيت ينافيه ولذلك يفسده الحيض
والنفاس ويمنع صحته وتمامه؛ لأن من شرطه الطهارة، انتهى. وقال ابنُ قدامة:
ويكون طاهرًا في ثياب طاهرة يعني في الطواف؛ لأن الطهارة من الحدث والنجاسة
والستارة شرائط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد وهو قول مالك والشافعي،
وعن أحمد أن الطهارة ليست بشرط فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان
بمكة، فإن خرج إلى بلده جبره بدم، وكذلك يخرج في الطهارة من النجس
والستارة، وعنه فيمن طاف للزيارة وهو ناس للطهارة لا شيء عليه، انتهى. وبسط
الكلام في ذلك الولي العراقي في ((طرح الثريب)) (ج٥: ص ١٢٠، ١٢١) وكذا
الساعاتي في شرح المسند (ج١٢: ص ١٤).
وقال النووي في ((شرح مسلم)) تحت حديث عائشة الذي أشار إليه الحافظ: فيه
دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض، وهذا مجمع عليه، لكن اختلفوا في
علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة للطواف، فقال مالك والشافعي
وأحمد: هي شرط، وقال أبو حنيفة: ليست بشرط، وبه قال داود، فمن شرط
الطهارة قال: العلة في بطلان الطواف عدم الطهارة، ومن لم يشترطها قال: العلة
فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد، انتهى.
قال الولي العراقي بعد ذكره: فيه نظر فإنَّ أبا حنيفة يصحح الطواف كما هو
معروف عنه، وكما حكاه هو عنه في شرح المهذب، ولا يلزم من ارتكاب المحرم
في اللبث في المسجد بطلان الطواف، انتهى. وقال ابن الهمام في ((شرح
الهداية»: والحاصلُ أن حرمة الطواف من وجهين دخولها المسجد وترك واجب
الطواف، فإن الطهارة واجبة في الطواف فلا يحل لها أن تطوف حتى تطهر فإن
طافت كانت عاصية مستحقة لعقاب الله تعالى ولزمها الإعادة.
(ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ)، أي: طواف القدوم، قاله الطيبي. وقال القاري: أي: طواف
1

١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العمرة لكونه قارنًا أو متمتعًا ولا يخفى ما فيه. وقال في ((اللبابٍ)): ثم إن كان
المحرم مفردًا بالحجِّ وقع طوافه هذا للقدوم، وإن كان مفردًا بالعمرة أو متمتعًا أو
قارنًا وقع عن طواف العمرة نواه له أو لغيره، وعلى القارن أن يطوف طوافًا آخر
للقدوم، انتهى. قال القاري: أي: استحبابًا بعد فراغه عن سعي العمرة، انتهى.
وأول وقته حين دخوله مكة وآخره قبل وقوفه بعرفة، فإذا وقف فقد فات وقته ویسن
هذا الطواف للآفاقي؛ لأنه القادم ويسمى أيضًا طواف التحية؛ لأنه بمنزلة تحية
المسجد شرع تعظيمًا للبيت ويسمى طواف اللقاء وطواف أول عهد بالبيت وطواف
الورود. والحديثُ يدلُّ على مشروعية طواف القدوم ولا اختلاف فيه. قال
الحافظُ: في هذا الحديث استحباب الابتداء بالطواف للقادم؛ لأنه تحية المسجد
الحرام. واستثنى بعضُ الشافعيةِ ومن وافقه المرأة الجميلة أو الشريفة التي لا تبرز
فيستحبُّ لها تأخير الطواف إلى الليل إنْ دخلت نهارًا، وكذا من خاف فوت مكتوبة
أو جماعة مكتوبة أو مؤكدة أو فائتة، فإن ذلك كله يقدم على الطوافٍ، وذهبَ
الجمهورُ إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه، وعن مالك وأبي ثورٍ من
الشافعية عليه دم، وهل يتداركه من تعمد تأخيره بغير عذرٍ؟ وجهان كتحية
المسجد .
وقال النووي: جميع العلماء يقولون إن طواف القدوم سنة ليس بواجب إلا بعض
أصحابنا ومن وافقه فيقولون واجب يجبر تركه بالدم، والمشهور أنه سنة ليس
بواجب ولا دم في تركه، انتهى. وقال الشوكاني: قد اختلفَ في وجوبٍ طواف
القدوم، فذهب مالك وأبو ثور وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه فرض أي: واجب
لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩) ولفعله ◌َّه وقوله: ((خُذُوا عَنِّي
مَنَاسِكَكُمْ)) فذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى أنه سنة، قالوا:
لأنه ليس فيه إلا فعله وَ ل﴿ وهو لا يدلّ على الوجوبِ. وأما الاستدلال على الوجوب
بالآية فقال شارح ((البحر)): إنها لا تدلّ على طواف القدوم؛ لأنها في طواف
الزيارة، أي: الإفاضة إجماعًا، قال الشوكاني: والحق الوجوب؛ لأن فعله وَ له
مبين لمجمل واجب هو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ أُلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]
وقوله وَله: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). وقوله: ((حُوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَحْجُّ)). وهذا
الدليل يستلزم وجوب كل فعل فعله النبي ◌َّ في حجه إلا ما خصَّه دليل، فمن

١٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
***<<<< > <<<<<<< > ***<<<< > <<<<<***
بَابُ دخول مَكّة والطواف
ادعى عدم وجوب شيء من أفعاله في الحج فعليه الدليل على ذلك، وهذه كلية
فعليك بملاحظتها في جميع الأبحاث التي ستمر بك.
(ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) بالتأنيث. (عُمْرَةٌ) بالرفع وكان تامة، أي: لم يوجد بعد الطواف
عمرة، وقد ينصب، أي: لم يكن الطواف عمرة، كذا في (اللمعات)). وقال
الحافظ: معنى قوله ((ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً))، أي: لم تكن الفعلة عمرة هذا إن كان
بالنصب على أنه خبر كان، ويحتمل أن تكون كان تامة والمعنى: ثم لم تحصل
عمرة، وهي على هذا بالرفع، وقد وقع في رواية مسلم بدل عمرة: غيره. بغين
معجمة وياء ساكنة وآخره هاء، قال عياض: وهو تصحيف، وقال النووي: لها وجه
أي: لم يكن غير الحج، وكذا وجهه القرطبي، انتهى. وقال التوربشتي: قوله: ((ثُمَّ
لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً))، أي: لم يحل عن إحرامه ذلك ولم يجعلها عمرة، والمراد من قوله
(ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ)، أي: لم يكن هناك تحلل بالطواف من الإحرام بل أقام على
إحرامه حتی نحر هدیه.
(ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ)، أي: بعده ◌َِّ. (فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ) بالرفع. (ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ
مثلُ ذَلِك) قال القَاري: بالنصبِ أي: فَعَلَا مثل ذلك، وفي نسخة بالرفع أي:
فعلهما مثل ذلك، وقوله: (ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ مثلُ ذَلِك) كذا في جميع النسخ،
وهكذا في ((المصابيح))، ولفظ ((الصحيحين)): (ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ
فَرَأَيْتُهُ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عُمْرَة)). وفي مسلمٍ: (لَمْ يَكُنْ
غَيْرُهُ)). قال الداودي: ما ذكر من حج عثمان هو من كلام عروة وما قبله من كلام
عائشة. وقال أبو عبد الملك: منتهى حديث عائشة عند قوله: ((ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً))
ومن قوله: (ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ... )) إلخ. من كلام عروة، انتهى.
قال الحافظ: فعلى هذا يكون بعض هذا منقطعًا؛ لأنَّ عُروة لم يدرك أبا بكرٍ ولا
عُمر، نعم أدرك عثمان، وعلى قول الداودي يكون الجميع متصلاً وهو الأظهر،
انتھی .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قد عرفت مما قدمنا أنَّ مسلمًا رواه مطولًا والبخاري مختصرًا دون
قصة الرجل، أي: حذف صورة السؤال وجوابه، واقتصرَ على المرفوع منه كما في
((المشكاة))، والحديث أخرجه البيهقي مطولاً من طريق مسلمٍ.

١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٨٨ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رِ﴿يَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ إِذَا طَافَ
فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٨٨ - قوله: (إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعمرَة) كذا عند البخاري بحرف ((أو))
وعند مسلم: فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. أي: بالواو، والظاهر أن أو للتنويع. (أَوَّلَ مَا
يَقْدَمُ) ظرف. (سَعَى) جواب الشرط. قال القاري: ولا يبعد أن يكون ظرف
((طاف)). قلت: ويقويه رواية مسلم بلفظ: كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا
يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ. والمراد بالسعي: الرمل، كما في الروايات
الأخرى. (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ)، أي: أشواط ونصبه على أنه مفعول فيه. (ثُمَّ سَجَدَ
سَجْدَتَيْنٍ)، أي: صلى ركعتين للطواف. (ثُمَّ يَطُوفُ)، أي: يسعى، والتعبير
بالمضارع فيه وفي ((يَقْدُمُ)) لحكاية الحال الماضية، وفي رواية لابن عمر عند
الشيخين: كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا. وفيها وفي
رواية الباب: دليل على أن الرمل إنما يشرع في طواف القدوم؛ لأنه الطواف
الأول، وهو الذي عليه الجمهور.
قال أصحاب الشافعي: ولا يستحبُّ الرمل إلا في طواف واحد في حج أو
عمرة، أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل. قال النووي: بلا خلاف. ولا
يشرع أيضًا في كل طوافات الحج بل إنما يشرع في واحد منها، وفيه قولان
مشهوران للشافعي أصحهما طواف يعقبه سعي ويتصور ذلك في طواف القدوم وفي
طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع. والقول الثاني: أنه لا يشرع إلا في
طواف القدوم، وسواء أراد السعي بعده أم لا، ويشرع في طواف العمرة إذ ليس فيها
إلا طواف واحد، وفيها أيضًا دليل على أن السنة أن يرمل في الثلاثة الأول من أول
(٢٥٨٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦١٦)، ومُسْلِم (٢٣١/ ١٢٦١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وأَبُو دَاوُد (١٨٩١)،
والنَّسَائِي (٢٢٩/٥).

١٧
بَابُ دُخُولِ مَكَّةٌ وَالطَّوَاف
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
طواف يطوفه القادم إلى مكة سواء كان عمرة أو طواف قدوم في حج ويمشي على
عادته في الأشواط الأربعة الباقية ولا يرمل فيها، وإن ترك الرمل في الأشواط
الأول لم يقضه في الأشواط الأخيرة على الصواب، ولا يلزم بتركه دمٌ على الأظهر
لعدم الدليل خلافًا لمن أوجب فيه الدم.
قال الحافظ في ((الفتح)): لا يشرعُ تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاث لم يقضه
في الأربع؛ لأن هيئتها السكينة فلا تغير، ويختص بالرجال فلا رمل على النساء
ويختص بطواف يعقبه سعي على المشهور، ولا فرق في استحبابه بين ماش
وراكب، ولا دم بتركه عند الجمهور، واختلف في ذلك المالكية:
قال الشوكاني: وقد رُوي عن مالك أنَّ عليه دمًّا، ولا دليل على ذلك. ثم قال:
يؤيده أنهم اقتصروا عند مُرَآة المشركين على الإسراع إذا مروا من جهة الركنين
الشاميين؛ لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية - يعني: ناحية الحجر - فإذا
مروا بين الركنين اليمانيين مشوا على هيئتهم كما هو مبين في حديث ابن عباس -
عند الشيخين - ولما رملوا في حجة الوداع أسرعوا في جميع كل طوفة فكانت سنة
مستقلة .
وقال الطبري: قد ثبت أن الشارع سعى ولا مشرك يومئذ بمكة - يعني: في حجة
الوداع - فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركًا لعمل بل لهيئة
مخصوصة فكان كرفع الصوت بالتلبية فمن لبى خافضًا صوته لم يكن تاركًا للتلبية
بل لصفتها ولا شيء عليه، انتهى.
قال النووي: ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة وأمكنه إذا تباعد عنها، فالأولى
أن يتباعد ويرمل؛ لأن فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها والقرب من الكعبة هيئة
في موضع العبادة لا في نفسِها، فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى.
G تنبيه:
إن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها، والغالب
اطراد العلة وانعكاسها بحيث يدور معها المعلل بها وجودًا وعدمًا. فالجواب: أن
بقاء حكم الرمل مع زوال علته لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به
المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم وقواهم بعد القلة والضعف كما قال الله

١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِىِ الْأَرْضِ تَّخَافُونَ أَنْ يَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ
وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ الآية [الأنفال: ٢٦]. وقال تعالى عن نبيِّهِ شعيب: ﴿وَاذْكُرُوَاْ إِذْ
كُتُمْ قَلِيلًا فَكَذَّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] وصيغة الأمر في قوله: ﴿ وَأَذْكُرُوَا﴾ في
الآيتين تدلَّ على تحثُم ذكر النعمة بذلك، وإذًّا فلا مانع من كون الحكمة في بقاء
حكم الرمل هي تذكر نعمة اللَّه بالقوة بعد الضعف والكثرة بعد القلة، وقد أشارَ
إلى هذا الحافظ في ((الفتح)) كما سيأتي. ومما يؤيده أن رسول اللَّه ◌َلِّ رمل في
حجة الوداع بعد زوال العلّة المذكورة فلم يمكن بعد ذلك تركه لزوالها.
قال الحافظ: إنَّ عُمر كان هم بترك الرمل في الطواف؛ لأنه عرف سببه وقد
انقضى، فَهَمَّ أن يتركه لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك الاحتمال أن تكون له حكمة ما
اطلع عليها فرأى أن الاتباع أولى من طريق المعنى. وأيضًا إن فاعل ذلك إذا فعله
تذكر السبب الباعث على ذلك فيتذكر نعمة اللَّه على إعزاز الإسلام وأهله، انتهى.
وقال الشاه ولي اللَّه الدهلوي: إن مشروعية الرمل والاضطباع في الطواف
لمعانٍ، منها ما ذكره ابن عباس من إخافة قلوب المشركين وإظهار صولة
المسلمين، وكان أهل مكة يقولون: وهنتهم حمى يثرب، فهو فعل من أفعال
الجهاد، وهذا السبب قد انقضى ومضى، ومنها تصوير الرغبة في طاعة الله وأنه لم
يزده السفر الشاسع والتعب العظيم إلا شوقًا ورغبة كما قال الشاعر:
إِذَا اشْتَكَتْ مِنْ كَلَالِ السَّيْرِ وَاعَدْهَا رُوحُ الْوِصَالِ فَتَحْتَى عِنْدَ مِيعَادٍ.
وكان عُمر رَوافته أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما، ثم تفطن
إجمالًا أن لهما سببًا آخر غير منقض فلم يتركهما، انتهى.
وفي الحديث: دليل لما أجمع عليه العلماء من مشروعية صلاة ركعتين بعد
الطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان؟ والصحيحُ عند الحنفية أنهما
واجبتان، والأصحُّ عند الشافعية أنهما سُنةٍ. واستدلَّ للوجوبِ بصيغة الأمر في
قوله تعالى: ﴿وَأَخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥] على قراءة ابن كثير وأبي
عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. قيل: والنبي وسلّ لما طاف قرأ هذه الآية الكريمة
وصلى ركعتين خلف المقام ممتثلاً بذلك الأمر، وقد قال ◌َلِّ: ((خُذُوا عَنِّي
مَنَاسِكَكُمْ)) والأمر في قوله: ﴿وَأَّخِذُواْ﴾ على القراءة المذكورة يقتضي الوجوب.

١٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابَ دخُولٍ مَكَّةً وَالطَّوَاف
وأجيب عن ذلك الاستدلال: بأن الأمر في الآية إنما هو باتخاذه المصلى لا
بالصلاة، وقد قال الحسن البصري وغيره: أن قوله ﴿مُصَلَّ﴾ أي: قبلة، ولا يخفى
ما في هذا الجوابٍ من التعسُّفِ، واستدلَّ لعدم الوجوب: بحديث ضمام بن ثعلبة
لما قال النبيُّ نَّه بعد أن أخبره بالصلوات الخمس: هل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا، إلا
أن تطوَّع))، ففي هذا الحديث التصريح بأنه لا يجب شيء من الصلاة غير الخمس
المكتوبة. وقد يجابُ عن هذا الاستدلال بأن الأمر بصلاة ركعتي الطواف وارد بعد
قوله وَّه: ((لا، إلا أن تطوع))، قال النووي: وفي قوله: ((ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ)) دليل على وجوب الترتيب بين الطواف والسعي، وأنه يشترط تقدم
الطواف على السعي، فلو قدم السعي لم يصح السعي، وهذا مذهبنا ومذهب
الجمهور، وفيه خلاف ضعيف لبعض السلف.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي.
٢٥٨٩ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللّهِ وَلّهِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الحَجْرِ
ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ، إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٥٨٩ - قوله: (رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ل٤) الرَّمَل بفتح الراء والميم في الاسم
والفعل الماضي: سرعة المشي مع تقاربٍ في الخطوٍ، والخبب هو الإسراعُ في
المشي مع هزِّ المنكبين دُون وثب، هكذا فسره أكثر المفسرين. وقال بعضهم:
الخببُ هو وثب في المشي مع هزِّ المنكبين، والهرولةُ ما بين المشي والعدوٍ،
والسعي يقعُ على الجميع، فلهذا يقالُ: سعي خفيف وسعي شديد، فيحمل السعي
المذكور في الحديث المتقدم على الرملِ والخبب جمعًا بينهما، هكذا ذكره
الطبري، وقال الشنقيطي: الرمل مصدر رمَل بفتح الميم يرمُل بضمها رمَلًا بفتح
الميمٍ ورملانًا إذا أسرع في مشيته وهز منكبيه، وهو في ذلك لا ينزو، أي: لا يثب
(٢٥٨٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦١٧)، ومُسْلِم (١٢٦١) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مُفَرَّقًا.