Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال القرطبي: روايتي في هذه اللفظة وتقييدي على من أعتمده من الأئمة المقتدين بضمِّ الياء وفتح النون وكسر الكاف مشددة وضم الباء بواحدة، أي: يعدلها إلى الناس، وروي ينكبها مخففة الباء والنون وضم الكاف ومعناه يقلبها، وهو قريب من الأول وروي ((ينكتها)) بفوقية وهي أبعدها. انتهى. وقال الجزري في ((النهاية)): في حديث حجة الوداع: ((وَيَنْكُبُهَا إِلَى النَّاسِ))، أي: يميلها إليهم، يريد بذلك أن يشهد الله عليهم، يقال: نكبت الإناء نكبًا ونكبته تنكيبًا؛ إذا أماله وكبه. (اللَّهُمَّ اشْهَدْ)، أي: على عبادك بأنهم قد أقروا بأني قد بلغت. والمعنى: اللَّهُمَّ اشهد أنت إذ كفى بك شهيدًا. قال الزرقاني في ((شرح المواهب)): فإن قيل ليس في هذه الخطبة ذكر شيء من المناسك فيرد ذلك على قول الفقهاء: يعلمهم الخطيب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى. أجيب: بأنه وَّليه اكتفى بفعله للمناسك عن بيانه بالقول؛ لأنه أوضح، واعتنى بما أهمه في الخطبة التي قالها. والخطباء بعد ليست أفعالهم قدوة ولا الناس يعتنون بمشاهدتها ونقلها، فاستحب لهم البيان بالقول، وفيه حجة للمالكية وغيرهم أن خطبة عرفة فردة؛ إذ ليس فيه أنه خطب خطبتين. وما روي في بعض الطرق أنه خطب خطبتين، فضعيف، كما قاله البيهقي وغيره. قلت: روى الشافعي بسنده عن جابر قال: راحَ النبيُّ وَلَه إلى الموقفِ بعرفةَ، فخَطَبَ الناس الخطبةَ الأولى، ثم أذن بلال، ثم أخذ النبي ◌َّ في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر. قال الشوكاني في ((النيل)) (ج ٤: ص ٢٨٧): حديثُ جابرٍ هذا أخرجه أيضًا البيهقي وقال: تفرَّد به إبراهيم بن أبي يحيى، وفي حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم ما يدلّ على أنه وَّ خطبَ ثم أذن بلال، ليس فيه ذكر أخذ النبي وَّ في الخطبة الثانية وهو أصحُّ، ويترجح بأمر معقول هو أن المؤذن قد أمر بالإنصات للخطبة، فكيف يؤذن ولا يستمع الخطبة . قال المحب الطبري: وذكر الملا في (سيرته)) أن النبي وَلّ لما فرغ من خطبته أذن بلال وسكت رسول اللَّه ◌َليه، فلما فرغ بلال من الأذان تكلم بكلماتٍ ثم أناخ راحلته وأقام بلال الصلاة، وهذا أولى مما ذكره الشافعي؛ إذ لا يفوت به سماع كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ** ٦٢١ الخطبة من المؤذن. انتهى كلام الشوكاني. وقال الطبري بعد ذكر رواية الملا من ((سيرته)) ما لفظه: وهذا وإن كان قريبًا مما ذهب إليه الشافعي إلا أنه ليس فيه أن الخطبة تكون مع الأذان، ثم إن تلك الكلمات لم يقل: إنها كانت خطبة. انتهى. (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ) لم يقع لفظ بلال في مسلم وإنما هو عند الدارمي وابن ماجه وابن الجارود والبيهقي، وزاد الدارمي: بنداءٍ واحدٍ. (ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ)، أي: جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وهذا الجمع كجمع المزدلفة جمع نسك عند الحنفية وبعض أصحاب الشافعي، وجمع سفر عند الشافعي وأكثر أصحابه، فمن كان حاضرًا أو مسافرًا دون مرحلتين كأهل مكة لم يجز له الجمع عند الشافعي كما لا يجوز له القصر. والحديثُ يدلُّ على أنَّ الجمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: أداؤهما بأذان واحد وإقامتين لحديث جابر هذا، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وأحمد في رواية ومالك في رواية، وبه قال ابن القاسم وابن الماجشون وابن المواز من المالكية. والقول الثاني: بإقامتين من غير أذان، وروي ذلك عن ابن عمر. قال ابن قدامة في شرح قول الخرقي: «وإن أذن فلا بأس»: کأنه ذهب إلى أنه مخير بين أن يؤذن للأولى أو لا يؤذن. وكذا قال أحمد؛ لأن كلَّ مروي عن رسول اللَّه وَّيّ، والأذان أولى، وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي. انتھی . والقول الثالث: بأذانين وإقامتين وهو الأشهر من مذهب مالك كما في الجلاب، وهو المذكور في ((المدونة))، وروي ذلك عن ابن مسعود. قال ابنُ قدامة: واتباع ما جاء في السنة أولى. واعلم: أنه اشترط الحنفية للجمع بين الظهر والعصر بعرفة الجماعة فيهما والإمام الأعظم أو نائبه، بخلاف الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فلم يشترطوا له الإمام ونائبه ولا الجماعة، وإليه ذهب الثوري والنخعي، ولا يشترط الإمام ولا الجماعة عند مالك والشافعي وأحمد وهو الراجح عندنا . (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا)، أي: من السنن والنوافل، وذلك للاستعجال ٦٢٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ KaE* بالوقوف. قال الطبري: قوله: ((ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ)) قال ابن المنذر: عرف جابر أن وقت الأذان في يوم عرفة عند فراغ الإمام من خطبته. وقال الشافعي: يخطب الخطبة الثانية مع استفتاح المؤذن بالأذان ويفرغ من فراغه، ويستدل بحديث رواه عن جابر فذكر الحديث الذي قدمناه. قال الطبري: وهذا يغاير حديث مسلم من وجهين: أحدهما: في وقت الأذان والثاني: في مكان الخطبة، فإن مسلمًا ذكر أن الخطبة كانت ببطن الوادي قبل إتيان الموقف، والشافعي ذكر أنها بعد إتيان عرفة وحديث مسلم أصح، ويترجح بوجه معقول، وهو أن المؤذنين قد أمروا بالإنصات كما أمر به سائر الناس، وكيف يؤذن من قد أمر بالإنصات؟ ثم لا يبقى للخطبة معنى؛ إذ يفوت المقصود منها أكثر الناس لاشتغال سمعهم بالأذان عن استماعها . قال البيهقي: وهذا التفصيل في ابتداء بلال بالأذان، وأخذ النبي ◌ّ في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان مما تفرد به ابن أبي يحيى، ثم ذكر الطبري رواية الملا من ((سيرته))، وقد ذكرناها مع كلامه عليها قبل ذلك، ثم قال الطبري: وقال مالك: إن شاء يؤذن والإمام يخطب، وإن شاء يؤذن بعد الفراغ من الخطبة. وقال مرة أخرى: إذا فرغ الإمام من الخطبة ابتدأ بالأذان ثم بالإقامة ثم بالصلاة. قال ابن حزم: وهذا القول الثاني عن مالك هو الصحيح الذي لا يجوز تعديه لصحته عن رسول اللَّه وَ له، وبه نأخذ اقتداء برسول اللَّه وَلَه، فلا خير في مخالفته. قال الطبري: وجمعه ◌َّلَه بالناس بعرفة دليل على جواز الجمع في السفر القصير؛ إذ لم ينقل عن أحد من أهل مكة التخلف عن الصلاة معه ◌َّة، فإن الجمع بعلة النسك، وفي المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه بعلة أصل السفر. الثاني: بعلة السفر الطويل. الثالث: بعلة النسك. وقال في موضع آخر: قد اختلف أصحابنا هل كان جمعه وَالّ بعلة مطلق السفر أو الطويل أو بعلة النسك؟ والظاهر أنه بعلة النسك حتى يجوز للآفاقي والمكي والمزدلفي والمعرفي، وعلى الأول لا يجوز للمعرفي، وعلى الثاني لا يجوز لغيرِ الآفاقي، ولا خلاف أنه سنة، حتى لو صلى كل صلاة وحدها في وقتها جاز. (ثُمَّ رَكِبَ)، أي: القصواء كما في رواية ابن الجارود أي: وسار. (حَتَّى أَتَّى الْمَوْقِفَ)، أي: أرض عرفات، أو اللام للعهد والمراد موقفه الخاص ويؤيده قوله: (فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ) بالجر. (إِلَى الصَّخَرَاتِ) بفتحتين. ٦٢٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ قال الطيبي: أي: منتهيًا إليها، وتعقبه الأبي فقال: إن كان الوقوف على الصخرات صحَّ هذا التقدير، والأظهر: أنه تجوز بالبطن عن الوجه، والتقدير: وجعل وجه ناقته، وهذا إن كانت الصخرات في قبلته؛ لأنه إنما وقف مستقبل القبلة. وقال القرطبي: يعني: أنه علا على الصخرات ناحية منها حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته. قال الولي العراقي: لا حاجة إلى هذا؛ لأن من وقف بحذاء صخرة على ناقة صار بطنها بحذائها أي: إلى جانبها، وليس يشترط في محاذاة بطن الناقة لها أن يكون عاليًا عليها. انتهى. وقال الطبري: ظاهر قوله: ((جَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إِلَى الصَّخَرَاتِ)» يدل على أنه كان واقفًا على الصخرات حتى يكون بطن الناقة إليها، ويؤيده ما رواه ابن إسحاق في (سيرته)) أنه وَاخر قال: ((هذا الموقف)). للجبل الذي كان واقفًا عليه. انتهى. قال النووي: الصخرات حجرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، فهذا هو الموقف المستحب. وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كلِّ جزءٍ من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول الله وَل عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان. وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، فمن حصل بعرفات في جزء من هذا الزمان؛ صحَّ وقوفه، ومن فاته ذلك فاته الحج. هذا مذهب الشافعي وجماهير العلماء، وقال مالك: لا يصحُّ الوقوف في النهار منفردًا بل لا بد من الليل وحده، فإن اقتصر على النهار لم يصح وقوفه. وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركن لا یصح الحج إلا به. (وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ) الحَبْل: بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة ثم لام هو المستطيل من الرمل، وقيل: هو التل الضخم منه والمشاة بضم الميم جمع ماشٍ، وأضيف الحبل إليه؛ لاجتماعهم هناك من الموقف، والمراد به صف المشاة ومجتمعهم في مشيهم تشبيها بحبل الرمل. وقيل: أراد طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. وقال النووي: روي حبل بالحاء المهملة وإسكان الباء، وروي جبل بالجيم وفتح الباء، قال القاضي عياض: الأول أشبه بالحديث، وحبل المشاة ٦٢٤ SEENEN ** مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أي: مجتمعهم، وحبل الرمل: ما طال منه وضخم. وأما بالجيم فمعناه طريقهم، وحيث تسلك الرجالة، وتعقبه الولي العراقي بأن ما ذكره من رواية هذه اللفظة بوجهين، وترتب هذين المعنيين على هذين الوجهين لم أره في كلام القاضي لا في ((الإكمال)) ولا في ((المشارق)) ولا في كلام غيره أيضًا. انتهى. وقال الطبري: حبل المشاة بالحاء المهملة مفتوحة والباء موحدة ساكنة ثم لام أي: صفهم ومجتمعهم في مشيهم، فكأنه عبر بحبل المشاة عن المشاة أنفسهم، وقد ضبطه بعضهم بالجيم وصححه شيخنا أبو عمرو بن الصلاح في ((منسکه))، قال: وبه شهدت المشاهدة، وذكره بعض من صنف في الأمكنة المتعلقة بالحجيج وهو الظاهر. انتهى. (وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) فيه أنه يستحب استقبال القبلة في الوقوف بعرفة. (فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًّا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ) قال القاري: أي: أكثرها أو كادت أن تغرب. (وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا)، أي: ذهابًا قليلاً. (حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ) قال القاري: أي: جميعه. انتهى. هكذا هو في جميع نسخ مسلم بلفظ: ((حتَّى)) بفوقية فتحتية، ولأبي داود والبيهقي: ((حِينَ)). بتحتية فنون، وقيل: إنه الصواب، وهو مفهوم الكلام، و((حتى)) وجه؛ قاله عياض. وقال النووي: ويحتمل أن الكلام على ظاهره ويكون قوله: ((حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ)) بيانًا لقوله: ((غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ))؛ لأن غروبها قد يطلق مجازًا على مغيب معظم القرص. فأزال ذلك الاحتمال بقوله حتى غاب القرص، انتهى. وقال القاري: قيل: صوابه حين غاب القرص، وفيه نظر؛ إذ لا يظهر معنى لقوله: ((ذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حِينَ غَابَ الْقُرْصُ))، وكأن القائل غفل عن قيد القلة وذهل عن الرواية التي تطابق الدراية. انتهى. وفيه: تنبيه على الاحتياط والمكث بعد الغروب حتى تذهب الصفرة لأجل الحائل من الجبال، وفي وقوفه بَّ على راحلته وإطالته الوقوف عليها دليل على إباحة ذلك مطلقًا خلافًا لمن كرهه، ويحتمل أن يكون ذلك مقصورًا على ما هو قربة دون غيره من المباح وعلى ما خف أمره دون الأحمال الثقال والمحامل الثقيلة بالركبان المتعددة؛ لما فيه من إتعاب الحيوان من غير ضرورة. (وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ)، أي: ابن زيد، وفي مسلم وغيره: ((أَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ)). وكذا كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ٦٢٥ هو في ((المصابيح))، وسقط لفظ: خلفَهُ. من جميع نسخ (المشكاة)). قال النووي: فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث. وقال الطبري: وإردافه ◌ّ أسامة رُخصة في ركوب اثنين على بعيرٍ واحدٍ، وأن ذلك لا ينقص من منصب الجلیل شيئًا، وبيان فضل أسامة بتخصيصه بذلك دون من حضره في ذلك الوقت، وكذلك فضل الفضل في إردافه في ثاني الحال، وفضل عليٍّ باستنابته في النحر وبإشراكه في هديهِ. (وَدَفَعَ)، أي: ابتدأ السير ودفع نفسه ونحاها أو دفع ناقته وحملها على السير، قاله الجزري. وقال السيوطي: أي: خرج من عرفات، وفي رواية: ((أَفَاضَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ)). وفي مسلمٍ: ودفع رسولُ اللهِ وٌَ وَقَدْ شَنَقَ - بفتح الشين المعجمة والنون المخففة فقاف أي: ضم وضيق - لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ يعني: ضمَّ رأسها إليه وبالغ في الضمِّ، يقالُ: شنق لها وأشنق حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ بفتح الميم وسكون الواو وكسر الراء هو الموضع الذي يثني الراكب رجلَهُ عليه قدام واسطة الرحل؛ إذا ملَّ من الركوبِ. وقال عياض: هو بفتح الراء وهو قطعة أدم محشوة تجعل في مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة يضعُ الراكب رجليه عليها متوركا ليستريحَ من وضعهما في الركاب، أراد أنه قد بالغ في جذب رأسها إليه ليكفها عن السير، ((ورَحْله)) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة. قال القسطلاني: وفي نسخةٍ لمسلمٍ: ((رِجْلِه)). بكسر الراء بعدها جيم. قال النووي: وفي هذا استحباب الرفق في السيرِ من الراكب بالمشاةٍ وبأصحاب الدواب الضعيفة وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى : - أي: يشير بها - «أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ)) بالنصبِ أي: الزموا السكينة وهي الرفق والطمأنينة وعدم الزحمة، فالنصب على الإغراء. قال النووي: فيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنة، فإذا وجد فرجة يسرع كما ثبت في الحديث الآخر: ((كُلَّمَا أَتَى حِبْلًا مِنْ الْحِبَالِ بالحاءِ المهملة المكسورة جمع حبل وقد تقدَّم معناه - أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا - أي: أرخى للقصواء الزمام إرخاءً قليلاً أو زمانًا قليلاً - حَتَّى تَصْعَدَ)) - بفتح التاء المثناة فوق من صعد، وروي بضمها من أصعد يقال: صعد في الجبل وأصعد في الأرض لا غير، أي: ذهب وسار، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ نُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]. (حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ) أصله مزتلفة فأبدل من التاء دال لقربِ المخرج، وهي موضع بين عرفة ومنى وكلها من الحرم، وهي المسماة بجَمْع، بفتح الجيم ٦٢٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وسكون الميم وعين مهملة، وسميت جمعًا؛ لأنَّ آدم وحواء عليهما السلام بعد ما أهبطا إلى الأرض كل واحد في موضع اجتمعا به. وقيل: لأنه يجمع فيها بين صلاتين المغرب والعشاء. وقيل: لأنَّ الناسَ يجتمعون فيها، وسميت بالمزدلفة لذلك أيضًا من الازدلاف وهو الاجتماع، وقيل: لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى أي: يتقربون إليه بالوقوف بها. وقيل: لأن آدم أزلف إلى حواء بها أي: دنا وقرب منها. والازدلاف: الاقتراب والتقرب والزلفة، والزلفى القربة. وقيل: لاقترابهم فيها من منى، يقال: له زلفى عند فلان، أي: قربى منه. وقال النووي: المزدلفة من التزلف والازدلاف وهو التقرب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي: مضوا إليها وتقرَّبُوا منها. وقيلَ: سُميت بذلك؛ لمجيء الناس إليها في زلف من الليل، أي: ساعات. قال: والمزدلفة كلها من الحرم، وحدها ما بين مأزمي عرفة ووادي محسر، وليس هذان الحدان منها. ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب والجبال الداخلة في الحد المذكور. قال الشاه ولي الله الدهلوي: إنما دفع وَّر من عرفات بعد الغروبِ؛ ردًّا لتحريف الجاهلية، فإنهم كانوا لا يدفعون إلا قبل الغروب ولأن قبل الغروب غير مضبوط وبعد الغروب أمر مضبوط، وإنما يؤمر في مثل ذلك اليوم بالأمر المضبوط. قال: والسرُّ في المبيتِ بمزدلفة أنَّه كانَ سُنة قديمة فيهم، ولعلّهُم اصطلحوا عليها لما رأوا من أنَّ للناسِ اجتماعًا لم يعهدْ مثله في غيرِ هذا الموطنِ، ومثل هذا مَظَنَّة أن يزاحمَ بعضهم ويحطّمَ بعضُهم بعضًا. وإنما براحهم بعد المغرب وكانوا طول النهار في تعب يأتون من كل فجِّ عميقٍ، فلو تجشموا أن يأتوا منى والحال هذه؛ لتعبوا. (فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ)، أي: جمع بينهما في وقت العشاء. قال المحب الطبري: وهذا الجمع سنة بإجماع من العلماء، وإنما اختلفوا فيما لو صلى كل صلاة في وقتها، فعند أكثر العلماء يجوز. وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن صلَّى المغرب دون مزدلفة؛ فعليه الإعادة، وجوزوا في الظهر والعصر أن يصلى كل صلاة في وقتها مع كراهية. انتهى. وقال الرافعي: لو انفرد بعضهم في الجمع بعرفة أو بمزدلفة أو صلى إحدى الصلاتين مع الإمام والأخرى وحده؛ جاز. ويجوزُ أن يصلى المغرب بعرفة أو في الطريق. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ويجب ٦٢٧ كِتَابُ المُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ الجمع بمزدلفة، انتهى. وقال النووي: في الحديث أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب إلى وقت العشاء، ويكون هذا التأخير بنية الجمع ثم يجمع بينهما في المزدلفة في وقت العشاء، وهذا مجمع عليه، لكن مذهب أبي حنيفة وطائفة أنه يجمع بسبب النسك، ويجوزُ لأهل مكّة والمزدلفة ومنى وغيرهم. والصحيح عند أصحابنا: أنه جمع بسبب السفر؛ فلا يجوزُ إلا لمسافرٍ سفرًا يبلغ به مسافة القصر، وللشافعي قول ضعيف أنه يجوزُ الجمع في كلِّ سفر وإن كان قصيرًا. وقال بعض أصحابنا: هذا الجمع بسبب النسك كما قال أبو حنيفة. قال أصحابنا: ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر أو صلى كلَّ واحدة في وقتها؛ جاز جميع ذلك، لكنه خلاف الأفضل، هذا مذهبنا وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث. وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترطُ أنْ يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها. وقال مالك: لا يجوزُ أن يصليهما قبل المزدلفة إلا من به أو بدابته عذر فله أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط كونه بعد مغيب الشفق. انتهى. قلت: مذهب الحنفية على ما ذكره أصحابهم أنه يعيدُ مغربًا أداه في الطريق أو عرفات ما لم يطلع الفجر، هذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يجزئه وقد أساءَ. واستدلّ لأبي يوسف بأنه أداها في وقتها، فلا تجبُ إعادتها كما بعد طلوع الفجر إلا أن التأخير من السنة، فيصير مسيئًا بتركه، واستدلَّ لهما بحديث أسامة: ((الصَّلَاةُ أَمَامَكَ)) معناه: وقت الصلاة، قالوا: وبه يفهم وجوب التأخير، وإنما وجبَ؛ ليمكنه الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، فكان عليه الإعادة ما لم يطلع الفجر؛ ليصير جامعًا بينهما، وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع، فتسقط الإعادة. انتهى. وقال الجمهور: معني قوله ((الصَّلاَةُ أَمَامَكَ))، أي: موضع صلاة المغرب والعشاء أمامك، وهو المزدلفة، وهو محمول عندهم على الأولوية. (بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنٍ) قال النوويُّ: فيه أنه يصلي صلاة المغرب والعشاء في وقت العشاء بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة إقامة، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وبه قال أحمد وأبو ثور وابن الماجشون المالكي والطحاوي الحنفي. وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولي ويؤذن ويقيم أيضًا للثانية، وهو محكي عن ابن عمر وابن مسعود، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: بأذان واحد وإقامة واحدة، ٦٢٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ge وللشافعي وأحمد قول أنه يصلي كل واحدة بإقامتها بلا أذان. وقال الثوري: يصليهما جميعًا بإقامة واحدة وهو يحكى أيضًا عن ابن عمر. انتهى. وقال الزبيدي في ((شرح الإحياء)) بعد ذكر حديث جابر الطويل عند مسلم: أن النبي ◌َّ صلَّى بالمزدلفة المغرب والعشاء بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، ما نصُّه: وهو قول أحمد وأصح قولي الشافعي وغيرهما من العلماء، وبه قال زفر من أصحابنا واختاره الطحاوي، ورجحه ابن الهمام، واستدلوا بحديث جابر هذا. وقال أبو حنيفة: بأذان واحد وإقامة واحدة لما أخرج أبو داود من حديث أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال: أقلبتُ مع ابنٍ عُمر من عرفات إلى المزدلفة، فأذَّن وأقامَ أو أمر إنسانًا فأذن وأقام، فصلَّى بنا المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا، فقالَ: الصلاة، فصلَّى بنا العشاءَ ركعتين، فقيل له في ذلك، فقال: صليتُ مع النبيِّ وَّ هكذا. وأخرجَ الطبرانيُّ عن أبي أيوب الأنصاري: أنَّ النبيَّ وََّ جمعَ بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذانٍ واحدٍ وإقامةٍ واحدةٍ، ثم ذكر الزبيدي ما رواه مسلم من حديث ابن عمر في الجمع بين الصلاتين بإقامة واحدة، وما رواه أبو الشيخ من حديث ابن عباس كذلك. قال ابن الهمام: فقد علمت ما في هذا من التعارض، فإن لم يرجع ما اتفق عليه ((الصحيحان)) على ما انفرد به مسلم وأبو داود حتى تساقطا؛ كان الرجوع إلى الأصل يوجب تعدُّد الإقامة بتعدد الصلاة، كما في قضاء الفوائت بل أولى؛ لأن الصلاة الثانية هنا وقتية، فإذا أقيم للأولى المتأخرة عن وقتها المعهود؛ كانت الحاضرة أولى أن يقام لها بعدها. وقال مالك: بأذانين وإقامتين، واحتجَّ بفعل ابن مسعود أخرجه أحمد والبخاري وابن أبي شيبة، ولفظ الأخير: فلمَّا أتي جمعًا أذَّن وأقامَ فصلَّى المغرب ثلاثًا، ثم تعشَّى ثُمَّ أَذَّن وأقامَ فصلّى العشاءَ ركعتين. ومنهم من قال: يجمع بينهما بإقامتين دون أذان، واحتجوا بما رواه البخاري عن ابن عمر أن رسول اللّه وَ سليل صلى المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على أثر كلِّ واحدة منهما، وأخرجه أبو داود وقال: ((ولم يناد في الأولى)). وفي رواية عنده أيضًا: ((ولمْ ينادِ في واحدةٍ منهما)). وحكى البغوي والمنذري: أنَّ هذا قول الشافعي وإسحاق بن راهويه، وحكى غيرهما أن أصح قولي الشافعي أنه يجمع بينهما بأذان وإقامتين. ومنهم من قال: بإقامة واحدة دون أذان، ودليلُهم ما رواه الشيخان والنسائي عن ابن عمر أنه صلى بجمع المغرب والعشاء بإقامةٍ واحدةٍ ٦٢٩ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاع كِتَابُ الْمُنَاسِكِ ثُمَّ انصرفَ، فقال: هكذا صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَّ في هذا المكان، وأخرجه أبو داود وزاد بعد قوله: ((بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ)) ثلاثًا واثنين. وبه قال سفيان الثوري وقال: أيهما فعلت؛ أجزأك. قال المحب الطبري بعد ذكر هذه الروايات ما لفظه: وهذه الأحاديث المختلفة في هذا الباب توهم التضاد والتهافت، وقد تعلق كل مَن قال بقول منها بظاهر ما تضمنه، ويمكن الجمع بين أكثرها فنقول قوله: ((بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ))، أي: لكل صلاة أو على صفة واحدة لكلٍّ منهما، ويتأيد برواية من صرح بإقامتين، ثم نقول: المراد بقول من قال: كل واحدة بإقامة، أي: ومع إحداهما أذان، تدلّ عليه رواية من صرح بأذان وإقامتين، وأما قول ابن عمر لما فرغ من المغرب: ((الصَّلاة)). قد يوهم الاكتفاء بذلك دون إقامةٍ، ويتأيَّد برواية من روى أنه صلاهما بإقامة واحدة، فنقول: يحتمل أنه قال: الصلاة؛ تنبيهًا لهم عليها، لئلا يشتغلوا عنها بأمر آخر، ثم أقام بعد ذلك أو أمر بالإقامة، وليس في الحديث أنه اقتصر على قوله: الصلاة، ولم يقم، ونقول: العمدة من هذه الأحاديث كلها حديث جابر دون سائر الأحاديث؛ لأن من روى أنه جمع بإقامة معه زيادة علم على من روى الجمع دون أذان ولا إقامة، وزيادة الثقة مقبولة، ومن روى بإقامتين فقد أثبت ما لم يثبته من روى بإقامة فقضي به عليه، ومن روى بأذان وإقامتين وهو حديث جابر وهو أتم الأحاديث، فقد أثبت ما لم يثبته من تقدم ذكره، فوجب الأخذ به والوقوف عنده، ولو صحَّ حديث مسند عن رسول اللَّه وَ لَه بمثل حديث ابن مسعود الذي أخذ به مالك من أذانين وإقامتين لوجب المصير إليه لما فيه من إثبات الزيادة، ولكن لا سبيل إلى التقدُّم بين يدي الله ورسوله ولا إلى الزيادة على ما صحَّ عنهَِّله. انتهى. وقال ابنُ حزم: وأشدُّ الاضطراب في ذلك عن ابن عمر، فإنه روي عنه من عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه أيضًا بإقامة واحدة، وروي عنه موقوفًا بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه مسندًا بأذان واحد وإقامة واحدة. انتهى. وقد ظهرَ مما ذكرنا من كلام الزبيدي وابن الهمام والطبري وابن حزم أن الروايات في هذا الباب مختلفة جدًّا، وقد تقدَّم وجهُ التطبيق والجمع بينها ورجحان ٦٣٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وحدة الأذان وتعدد الإقامة في الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة. (وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا)، أي: لم يصل بين المغرب والعشاء شيئًا من النوافل والسنن. والنافلة تسمى سبحة؛ لاشتمالها على التسبيح، ففيه الموالاة بين الصلاتين المجموعتين. وقد ورد الفصل بينهما بإناخة كل إنسان بعيره في حديث أسامة عند الشيخين، وهذا لا ينافي الموالاة. وأما سنة المغرب وراتبة العشاء، فلم يرد ذكرها في حديث؛ خلافًا لما هو المعتمد عند الحنفية. (ثُمَّ اضْطَجَعَ) أي: للنوم؛ تقوية للبدن ورحمة للأمة؛ لأن في نهاره عبادات كثيرة يحتاج إلى النشاط فيها. (حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ) قال في ((المواهب)) و((شرحه)) : وترك عليّلا قيام الليل تلك الليلة ونام حتى أصبح لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى ما بعد الغروب، واجتهاده فعاليَّلِ في الدعاء وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء؛ قصرًا لها وجمعًا لهما جمع تأخير، ورقد بقية ليلته، مع كونه منُالَّا كان يقوم الليل، حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة، لما تقدم في عرفة من التعب، وقد قال: ((إِنَّ لِجَسَدَِ عَلَيْكَ حَقًّا)). ولما هو بصددِهِ يوم النحر من كونه نحر بيده الشريفة ثلاثًا وستين بدنة، وباقي المائة نحره عليٍّ، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة ورجع إلى منی. انتهى. قال القاري: ثم المبيت عندنا سُنة وعليه بعض المحققين من الشافعيةِ، وقيل: واجب، وهو مذهب الشافعي، وقيل: ركن لا يصحُّ الحجّ إلا به كالوقوف بعرفة وعليه جماعة من الأجلة. وقال مالك: النزول واجب والمبيت سنة، وكذا الوقوف بعده، ثم المبيت بمعظم الليل، والصحيحُ أنه بحضور لحظة بالمزدلفة. انتهى. وقال النووي: بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات نسك، وهذا مجمع عليه، لكن اختلف العلماء هل هو واجب أم ركن أم سنة؟ والصحيح من قولي الشافعي: أنه واجب، لو تركّهُ أَثِم وصحَّ حجه ولزمه دمه. والثاني: أنه سُنة لا إثم في تركه ولا يجب فيه دم، ولكن يستحبُّ. وقال جماعة من أصحابنا: هو ركنٌ لا يصحُّ الحجّ إلا به كالوقوف بعرفات، قاله من أصحابنا ابن بنت الشافعي وأبو بكر محمد ابن إسحاق بن خزيمة، وقاله خمسة من أئمة التابعين وهم: علقمة والأسود ٦٣١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ والشعبي والنخعي والحسن البصري. والله أعلم. والسنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلي بها الصبح إلا الضعفة، فالسنة لهم الدفع قبل الفجر كما سيأتي في موضعهِ، وفي أقلِّ المجزئ من هذا المبيت ثلاثة أقوال عندنا. الصحيح: ساعة في النصف الثاني من الليل. والثاني: ساعة في النصف الثاني أو بعد الفجر قبل طلوع الشمس. والثالث: معظم الليل. (فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ)، أي: ظهر له. قال النووي: فيه أن السنة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع ويتأكد التبكير بها في هذا اليوم أكثر من تأكده في سائر السنة للاقتداء برسول اللَّه وَّه؛ ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة، فسِنَّ المبالغة بالتبكير للصبح؛ ليتسع الوقت للوظائف. (ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَّى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) زاد في رواية أبي داود وابن ماجه وابن الجارود والبيهقي: فَرَقِي عليهِ. والمَشْعَر بفتح الميم والعين كما في القرآن، وقيل: بكسر الميم، موضع خاص من المزدلفة، سمي بالمشعر؛ لأنه معلم للعبادة والحرام؛ لأنه من الحرم أو لحرمته. قال النووي: المَشعر بفتح الميم، هذا هو الصحيح وبه جاء القرآن، وتظاهرت به روايات الحديث، ويقال أيضًا: بكسر الميم، والمراد به هنا: قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة: وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام: جميع المزدلفة. انتهى. وقال المحب الطبري (ص ١٢٦): في قوله: ((حَتَّى أَتَّى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ)) حجة لمن قال: المشعر الحرام هو الجبل الصغير المعروف بالمزدلفة يقال له: قزح، والأفصح في المشعر فتح الميم، وأكثر كلام العرب بكسرها، ولا نعرف الكسر في القراءة إلا شاذًا. انتهى. وقد روى الشيخان من حديث جابر: أن النبي ◌َّ وقفَ بالمزدلفة، وقال: ((وَقَفْتُ هَا هُنَا وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ)). وروى أبو داود والترمذي وصححه من حديث عليٍّ أن النبي وقّ لما أصبح بجمع أتى قزح، فوقف عليه، وقال: ((هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف)). وروى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر: أنه رأى ناسًا يزدحمون على الجبل الذي يقف عليه الإمام، فقال: يا أيها الناس! لا تشُقُّوا على أنفسِكُم، ألا إن ما ها هنا مَشعر كله. وعنه قال: المشعر الحرام: المزدلفة كلها. أخرجه أبو ذرٍّ، ذكر هذه الأحاديث الطبري (ص ٦٣٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٣٧٩) ثم قال: حديث ابن عمر هذا مصرح بأن المشعر الحرام هو المزدلفة، وكذلك تضمنه كثير من كتب التفسير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَقَاتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ اُلْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وحديث عليٍّ وجابرٍ يدلّان على أنَّ قزح هو المشعر الحرام، وهو المعروف في كتب الفقه، فتعين أن يكون في أحدهما حقيقة، وفي الآخر مجازًا؛ دفعًا للاشتراك؛ إذ المجاز خير منه، فترجَّح احتماله عند التعارض، فيجوزُ أن يكون حقيقة في قزح، فيجوز إطلاقه على الكلُّ ؛ لتضمنه إياه، وهو أظهر الاحتمالين في الآية، فإن قوله تعالى: ﴿عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ يقتضي أن يكون الوقوف في غيره وتكون المزدلفة كلها عنده، لما كانت كالحريم له، ولو أريد بالمشعر الحرام المزدلفة لقال: في المشعر الحرام، ويجوزُ أن يكون حقيقة في المزدلفة كلها، وأطلق على قزح وحده تجوزًا؛ لاشتمالها عليه، وكلاهما وجهان من وجوه المجاز، أعني: إطلاق اسم الكلِّ على البعضِ، وبالعكس. وهذا القائل يقول: حروف المعاني يقوم بعضها مقام بعض، فقامت: ((عند)) مقام: ((في)). ومنه: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢]. أي: عليهم، وفي الحديث والأثر ما يصدق كل واحد من الاحتمالين، وقزح: موضع من المزدلفة، وهو موقف قريش في الجاهلية؛ إذ كانت لا تقف بعرفة. وقال الجوهري: قزح: اسم جبل بالمزدلفة. قال الطبري: وقد بني عليه بناء، فمن تمكن من الرقي عليه رقي، وإلا وقف عنده مستقبل القبلة، فيدعو ويكبر ويهلل ويوحد ويكثر من التلبية إلى الإسفار، ولا ينبغي أن يفعل ما تطابق عليه الناس اليوم من النزولِ بعد الوقوفٍ من درج في وسطه ضيقة يزدحم الناس على ذلك حتى يكادَ يهلك بعضُهُم بعضًا، وهو بدعة شنيعة، بل يكون نزوله من حيث رقيه من الدرج الظاهرة الواسعة. وقد ذكر ابن الصلاح في ((منسكه)): أن قزح جبل صغير آخر المزدلفة، ثم قال - أي: ابن الصلاح - بعد ذلك: وقد استبدل الناس بالوقوف على الموضع الذي ذكرناه الوقوف على بناء مستحدث في وسطٍ المزدلفة، ولا تتأدى به هذه السنة. هذا آخر كلامه. والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل كما تقدَّم ذكره، ولم أر ما ذكره لغيره. انتهى كلام الطبري. (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) يعني الكعبة. (فَدَعَاهُ) وفي لفظ: ((فَحَمِدَ اللَّهَ)). أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن الجارود والبيهقي. قال المحب الطبري: يستحبُّ للحاج أن يدعو ٦٣٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ بدعاء ابن عمر المتقدم في فصل ركعتي الطواف وبعد السعي، يريد بذلك ما رواه أبو ذر عن ابن عمر أنه كان إذا قدم حاجًّا؛ طاف بالبيت سبوعًا ثم صلى ركعتين يطيل فيهما الجلوس، فيكون جلوسه أطول من قيامه لمدحه ربه وطلبه حاجته، يقول مرارًا: ((اللَّهُمَّ اعصمني بدينك وطاعتك وطواعية رسولك، اللّهُمَّ جنبني حدودك، اللَّهُمَّ اجعلني ممن يحبك، ويحب ملائكتك، ويحب رسلك، ويحب عبادك الصالحين. اللَّهُمَّ حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين. اللَّهُمَّ يسِّرني لليسرى، وجنِّبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، اللَّهُمَّ اجعلني أوف بعهدك الذي عاهدت عليه، واجعلني من أئمة المتقين ومن ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين)). وكان يقول ذلك على الصفا والمروة وبعرفات وبجمع، وعلى الجمرتين وفي الطواف. قال الطبري: وفي رواية بعد قوله: ((واغفر لي خطيئتي يوم الدين)): ((اللَّهُمَّ إنك قلت: ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد؛ اللّهُمَّ إذ هديتني للإسلام،" فلا تنزعني منه ولا تنزعه مني حتى تتوفاني عليه وقد رضيت عني، اللَّهُمَّ لا تقدمني العذابٍ ولا تؤخرني لسيئ العيشِ)). أخرجه سعيد بن منصور، وأخرج مالك طرفًا منه، وأخرجه بكماله ابن المنذر. (وَكَبَّرَهُ)، أي: قال: الله أكبر. (وَهَلَّلَهُ)، أي: قال: لا إله إلا الله. (وَوَخَّدَهُ)، أي: قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلخ. فالنبيُّ وَلَ أحق مَن يعمل بقوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. (فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًّا) فِيه: أن الوقوف على قزح من مناسك الحجِّ، وهذا لا خلاف فيه. قال الشاه ولي اللَّه الدهلوي: وإنما شرع الوقوف بالمشعر الحرام؛ لأنه كان أهل الجاهلية يتفاخرون ويتراؤون فأبدل من ذلك إكثار ذكر اللَّه؛ ليكون كابحًا عن عادتهم، ويكون التنويه بالتوحيد في ذلك الموطن كالمنافسة، كأنه قيل : هل يكون ذكركم اللَّه أكثر أو ذكر أهل الجاهلية مفاخرهم أكثر؟ (حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا)، أي: أضاء الفجر إضاءة تامة، فالضمير في ((أسفر)) يعود إلى الفجر المذكور أولًا، وقوله: ((جِدًّ)). بكسر الجيم أي: إسفارًا بليغًا. قال المحب الطبري: هذا كمالُ السنةِ في المبيت بالمزدلفة، وعليه اعتمد من أوجب ذلك. وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن بها بعد طلوع الفجر؛ لزمه دم إلا لعذرٍ من ضعف أو غيره، فإن كان بها أجزأه Beex ٦٣٤ esee مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وإن لم يكن قبله، وهو ظاهر ما نقله البغوي عن مالك وأحمد، وفي وجوب المبيت عندنا قولان الأصح وجوبه، والمعتمد فيه أدنى جزء بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر، هذا هو المشهور، وللشافعي قول آخر: إلى طلوع الشمس. فمن كان بها فيه، فلا شيء عليه وإن لم يكن قبله؛ ومن دفع قبله فعليه دم على الأصحّ. انتهى. وقال ابن عابدين: الوقوف عند المشعر الحرام واجب عندنا لا سنة والبيتوتة بمزدلفة سنة مؤكدة إلى الفجر لا واجبة خلافًا للشافعي فيهما كما في ((اللباب)). (فَدَفَعَ)، أي: ذهب إلى منى. (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) هذا صريح في أنه ◌َ ذهب إلى منى قبل طلوع الشمس، وبه أخذ الجمهور. قال النووي: قال ابنُ مسعود وابن عمر وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا فيه يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدًّا كما في الحديث. وقال مالك: يدفع منه قبل الإسفار. قال الطبري: قال أهل العلم: وهذه سنة الإسلام أن يدفع من المزدلفة عند الإسفار قبل طلوع الشمس. قال طاوس: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، ويقولون: ((أشرق ثبير كيما نغير))، فأخَّر الله هذه وقدم هذه. قال الشافعي: يعني: قدم المزدلفة قبل أن تطلع الشمس وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس. (وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ)، أي: بدل أسامة. (حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ) بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين، اختلفوا في محسر، فقيل: هو واد بين مزدلفة ومنى. قال ابن القيم: ومحسر: برزخ بين منى ومزدلفة، لا من هذه ولا من هذه. وقيل: ما صب منه في المزدلفة، فهو منها، وما صب منه في منى فهو منها، وصوبه بعضهم. وقد جاء: ((وَمُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ)). فيكون على هذا قد أطلقَ بطن محسر، والمراد منه ما خرج من مزدلفة، وإطلاق اسم الكلِّ على البعض جائز مجازًا شائعًا. وقال الطحاوي: ليس وادي محسر من منى ولا من المزدلفة، فالاستثناء في قوله: ((إلا وَادِي مُحَسِّرٍ)). منقطع. قال الطبري: سمي بذلك؛ لأنه حسر فيه قيل: أصحاب الفيل، أي: أَعيي، وقيل: لأنه يحسر سالكيهم ويتعبهم، يقال: حسرت الناقة: أتعبتها، وأهل مكة يسمون هذا الوادي: وادي النار، يقال: أن رجلًا اصطاد فيه، فنزلت نار فأحرقته. ٦٣٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ (فَحَرََّكَ قَلِيلًا)، أي: حرك ناقته وأسرع السير قليلًا. قال النووي: هي سنة من سنن السير في ذلك الموضع. قال أصحابنا: يسرع الماشي ويحرك الراكب دابته في وادي محسر ويكون ذلك قدر رمية بحجر. انتهى. قال الشافعي في ((الأم)): وتحريكه وَّجله الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع. قال الطبري: وهكذا كل من خرج من مضيق في فضاء جرت العادة بتحريكه فيه، وقيل : يجوز أن يكون فعله؛ لأنه مأوى الشياطين. وقيل: لأنه كان موقفًا للنصارى، فاستحب الإسراع فيه. وقال الإِسنوي: وظهر لي معنى آخر في حكمة الإسراع وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحبَّ فيه الإسراع لما ثبت في الصحيح أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك. قال ابن القيم: وهذه كانت عادته وَّل في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه وكذلك فعل في سلوكه الحجر وديار ثمود، تقنع بثوبه وأسرع السير. انتهى. وقال الشاه ولى الله الدهلوي: إنما أوضع بالمحسر؛ لأنه محل هلاك أصحاب الفيل، فمن شأن من خافَ اللَّه وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن ويهرب من الغضبٍ، ولما كان استشعاره أمرًا خفيًّا؛ ضبط بفعل ظاهر مذكر له منبه للنفس عليه. انتهى. قال الزرقاني: وهذا الجوابُ أي: ما قاله الطبري وابن القيم والإسنوي في وجهِ التسمية بمحسر، وفي حكمة الإسراع فيه مبني على قول الأصح خلافه، وهو أنَّ أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم وإنما أهلكوا قرب أوله. وقال القاري: المرجح عند غير هؤلاء أنهم لم يدخلوه، وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة، فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من ورائهم. (ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى) وهي غير طريق ذهابه إلى عرفاتٍ، وذلك كان بطريق ضب، وهذا طريق المأزمين وهما جبلان. قال النووي: فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عَرفات سُنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات. وهذا معنى قول أصحابنا يذهب إلى عرفات في طريق ضبٍّ، ويرجع في طريق المأزمين ليخالف الطريق؛ تفاؤلًا بتغير الحالِ، كما فعل وَّ في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد في طريق ورجع في طريق آخر، وحول رداءه في الاستسقاء. (الَّتِي تَخْرُجُ) وفي رواية النسائي وأبي داود والدارمي وابن ماجه وابن الجارود ٦٣٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ والبيهقي: ((الَّتِي تُخْرِجُكَ)). (عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) قال النووي: الجمرة الكبرى: هي جمرة العقبة، وهي الجِمرة التي عند الشجرة. (حَتَّى أَتَّى) عطف على ((سلك)) أي حتى وصل. (الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ)، أي: جمرة العقبة، هذا يدلَّ على أنه كان إذ ذاك هناك شجرة. (فَرَمَاهَا)، أي: ضحى كما في رواية. اعلم: أنه ذكر الغزالي في ((الإحياء)) ما يدلَّ على أن رمي الجمار أمر تعبدي، والعقل والنفس معزولان فيه كغالب أعمال الحجاج، وهو الذي صرح به العارفون في كتبهم، وربما يفهم منه أنه غير معقول المعنى، وليس إلا التعبد والتشبه بإبراهيم الثلا فقط. قال الزبيدي متعقبًا على كلام الغزالي: وهو ليس على ظاهره، فإن رمى الجمار؛ اعتبارًا لأهله في سياقه غموض ودقة، ثم ذكره على سبيل الإجمال. من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى ((شرح الإحياء)). وقال الشاه ولى اللّه الدهلوي: والسر في رمى الجمار ما ورد في نفس الحديث من أنه إنما جعل لإقامة ذكر الله وي، وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكر وأكملها وأجمعها لوجوه التوقيت أن يوقت بزمان وبمكان ويقام معه ما يكون حافظًا لعدده، محققًا لوجوده على رؤوس الأشهاد حيث لا يخفى شيء، وذكر الله نوعان: نوع يقصد به الإعلان بانقياده لدين الله، والأصل فيه اختيار مجامع الناس دون الإكثار، ومنه الرمي؛ ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك. ونوع يقصد به انصباغ النفس بالتطلع للجبروت، وفيه الإكثار، وأيضًا ورد في الأخبار ما يقتضى أنه سنة سنها إبراهيم البَّلّ حين طرد الشيطان، ففي حكاية مثل هذا الفعل تنبيه. للنفس أي تنبيه انتهى. قال النووي: في حديث أن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله. وأما حكم الرمي، فالمشروع منه يوم النحر رمي جمرة العقبة لا غير بإجماع المسلمين وهو نسك بإجماعهم. ومذهبنا: أنه واجب ليس بركنٍ، فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي عصی ولزمه دم وصح حجه، وقال مالك: یفسد حجه. (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) فيه أن الرمي بسبع حصيات. قال النووي: ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهن واحدة لم يكفه الست. انتهى. وعند الحنفية إذا ترك أكثر السبع؛ لزمه دم كما لو لم يرم أصلًا، وأن ترك أقل منه كثلاث فما دونها فعليه لكلِّ حصاةٍ صدقة ولا يشترط الموالاة بين الرميات، بل يسن ويكره تركها. قال ٦٣٧ كِتَابُ المُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاع DABe النووي: ولا يجوز عند الشافعي والجمهور الرمي بالكحل والزرنيخ والذهب والفضة وغير ذلك مما يسمى حجرًا، وجوزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض أي: من جنسها كالحجر والمدر والطين والمغرة، وكل ما يجوز التيمم به . (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا) قال النووي: فيه أنه يسنُّ التكبير مع كل حصاة، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهن واحدة واحدة، فإن رمى السبعة رمية واحدة؛ حسب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع الدلالة لهذه المسألة قوله: (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) فهذا تصريح بأنه رمى كل حصاة وحدها مع قوله بَّ في الحديث الآتي بعد هذا في أحاديث الرمي: ((لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). انتھی . (مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين. قال في ((النهاية)): الخذف: هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها. والمراد بيان مقدار الحصى التي يرمى بها في الصغر والكبر، وفسروا حصى الخذف بقدر حبة الباقلاء. قال النووي: فيه أن قدر الحصيات بقدر حصى الخذف، وهو نحو حبة الباقلاء، وينبغي أن لا يكون أكبر ولا أصغر، فإن كان أكبر أو أصغر؛ أجزأه بشرط كونه حجرًا. وقال المحب الطبري: قال عطاء بن أبي رباحٍ: حصى الخذف مثل طرف الإصبع. وقال الشافعي: هو أصغرُ من الأنملة طولًا وعرضًا، ومنهم من قال: كقدر النواة، ومنهم من قال: بقدر الباقلاء. وفيه تنبيه على استحباب الرمي بذلك. انتهى. وقوله: ((مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ)) هكذا في جميع النسخ من ((المشكاة)) و((المصابيح))، وهكذا وقع عند بعض رواة مسلم وكذا رواه أبو داود والبيهقي، ووقع في أكثر نسخ مسلم: (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا حَصَى الْخَذْفِ)، أي: بغير لفظة ((مثل))، وكذا وقع عند ابن الجارود وكذا نقله المحب الطبري. قال الطيبي: ((حصى الخذف)) بدل من ((الحصيات)). وقال النووي: هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ. قال: وصوابه: ((مِثْل حَصَى الْخَذْفِ)). قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم، هذا كلام القاضي. قلت: والذي في النسخ من غير لفظة ((مثل)) هو الصواب بل لا يتجه غيره ولا يتم ٦٣٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الكلام إلا كذلك، ويكون قوله: ((حَصَى الْخَذْفِ)) متعلقًا بـ((حصيات))، أي: رماها بسبع حصيات: حصى الخذف يكبر مع كل حصاة، فحصى الخذف متصل بحصيات، واعترض بينهما: (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) وهذا هو الصواب والله أعلم. انتهى كلام النووي. قال القاري بعد نقل كلام النووي: وعندي أن اتصال حصى الخذف بقوله: ((مع كل حصاة)) أقرب لفظًا وأنسب معنى، ومع هذا الاعتراض ولا تخطئة على إحدى النسختين، فإن تعلقه بحصاة أو حصيات لا ينافي وجود ((مثل)) لفظًا أو تقديرًا، غايته أنه إذا كان موجودًا؛ فهو واضح معنى، وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ، وهو حذف أداة التشبيه أي: كحصى الخذف بل لا يظهر للتعلق غير هذا المعنى. فالروايتان صحيحتان، وما سيأتي في الحديث عن جابر رواه الترمذي بلفظ: ((وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ)). وروى مسلم عنه بلفظ: ((رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ)). يرجح وجود المثل ويؤيد تقديره. والله تعالى أعلم بالصّواب. (رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) قال القاري: بدل من قوله: ((فَرَمَاهَا)) أو استيناف مبين وهو الأظهر. قال النووي: فيه أنَّ السنةَ أن يقفَ للرمي في بطن الوادي بحيث يكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه ومكة عن يسارِهِ، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل: يقف مستقبل الكعبة وكيفما رمى؛ أجزأه. (ثُمَّ انْصَرَفَ)، أي: رجع عن جمرة العقبة. (إِلَى الْمَنْحَرِ) بفتح الميم، أي: موضع النحر، قال الزرقاني: موضع معروف بمنى وكلها منحر كما في الحديث. قال ابن التين: منحر النبي وقّ عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد، فللنحر فيه فضيلة على غيره؛ لقوله: ((هَذَا الْنَحَرُ، وَكُلُّ مِنَّى مَنْحَرٌ)). وقال عياض: فيه دليل على أن المنحر موضع معين من منى. وحيثُ يذبحُ منها أو من الحرم؛ أجزأه. (فَتَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ) قال القاري: الظاهر أن لفظ المشكاة جمع بين الروايتين، فإن الرواية الصحيحة: (ثَلَاثًا وَسِتّيْنَ بِيَدِهِ) بدون لفظة ((بدنة))، قال النووي: هكذا هو في النسخ ثلاثًا وستين بيده، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة سوى ابن ماهان، فإنه رواه ((بدنة)). قال: وكلاهما صواب، والأول أصوب. ٦٣٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ قلت: وكلاهما حري، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيدهِ. وقال المحب الطبري: قوله: ((ثَلَاثًا وَسِتِینَ بِیَدِهِ)) فيه دليل على استحبابٍ ذبح المرء نسیكته بيده، وعند ابن ماهان ((بدنة)) مكان ((بيده))، وكل صواب، و((بيده)) أصوب، لقوله: ((ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ)) ويجوزُ أن يقال: بدنة أصوب؛ لأن قوله: ((بِيَدِهِ)) لا يفيد أن المنحور بدن أو غيرها بخلاف قوله: ((بدنة))، وإسناد الفعل إليه يفيد أنه فعل بنفسه من حيثُ الظاهر، فلا حاجة إلى قوله: ((بيده))، وذكر بعض أهل المعاني أن نحر النبي وَلَّ ثلاثًا وستين بيده؛ إشارة إلى منتهى عمره، ويكون قد أهدى من كل عام بدنة. انتهى. وقال الشاه ولي الدين الدهلوي: إنما نحر بيده هذا العدد ليشكر ما أولاه الله في كل سنة من عمره ببدنة. (ثُمَّ أَعْطَى)، أي: بقية البدن. (عَلِيًّا فَتَحَرَ)، أي: عليّ. (مَا غَبَرَ) بفتح المعجمة والموحدة وبالراء، أي: ما بقي من المائة. (وَأَشْرَكَهُ)، أي: النبيِ نَِّ عليًّا. (فِي هَدْيِهِ)، أي: في نفس الهدي، ويحتمل أنه أشركه في نحره. قال النووي: ظاهره أنه شاركه في نفس الهدي. قال القاضي عياض: وعندي أنه لم يكن تشريكًا حقيقة، بل أعطاه قدرًا يذبحه. انتهى. وفيه: جواز الاستنابة في ذبح الهدي، وذلك جائز بالإجماع إذا كان النائب مسلمًا، وفيه: استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم النحر، ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق؛ قاله النووي. وقد روى أبو داود عن عليٍّ لما نحر رسول اللّه وَل بدنه، فنحر ثلاثين بيده، وأمرني؛ فنحرت سائرها، وفيه محمد بن إسحاق وقد عنعن، وبه أعله المنذري. وروى أبو داود أيضًا عن غرفة - بغين معجمة مفتوحة، وقيل: مهملة وهو وهم. وقال الخزرجي: بضم أوله وإسكان ثانيه. وقال الفتني في ((المغني)): بغين وراء وفاء مفتوحات - بن الحارث الكندي: شهدتُ رسول اللَّه ◌َله في حجة الوداع وأُتِيَ بالبدن فقال: ((ادْعُوا لِي أَبَا حَسَنٍ))، فَدُعِيَ لَهُ عَلِيٌّ، فَقَالَ: ((خُذْ بِأَسْفَلِ الْحَرْبَةِ))، وأخَذَ رسولُ اللهِ وََّ بِأَعْلَاها، ثُمَّ طَعَنَا بِهَا الْبُدْنَ، فَلَمَّا فَرَغَا رَكِبَ بَغْلَتَهُ وَأَرْدَفَ عَلِيًّا. وجمع الولي العراقي باحتمال أنه وَل انفرد بنحر ثلاثين بدنة، وهي التي ذكرت في حديث عليٍّ، واشترك هو وعليٍّ في نحر ثلاث وثلاثين بدنة، وهي المذكورة في حديث غرفة، وقول جابر: (نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّيْنَ) مراده كل ما له دخل في نحره إما منفردًا به أو مع مشاركة عليٍّ، وجمع الحافظ بين حديثي عليٍّ وجابرٍ