Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
انتهاء وقت مشروعيتها وهو عند رمي جمرة العقبة، والأول أوضح.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) في ((الأمِ)) (ج٢: ص١٣٤) بإسناد ضعيف؛ لأن فيه صالح بن
محمد بن أبي زائدة وهو ضعيف. قاله الحافظ، وقال الولي العراقي: صالح هذا
ضعفه الجمهور، وقال أحمد: لا أرى به بأسًا. وفيه أيضًا إبراهيم بن أبي يحيى
الراوي عنه، ولكنه قد تابعه عليه عبد الله بن عبد الله الأموي، أخرجه البيهقي
(ج ٥: ص٤٦)، والدار قطني (ص٢٦٣)، وروى الشافعي والدار قطني، والبيهقي
عن القاسم بن محمد يقولُ: كان يستحبُّ للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على
النبي ێل .
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٨١
الفصل الثالث
٢٥٧٧ - [١٤] عَنْ جَابِرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَمَّا أَرَادَ الْحَجَّ أَذَّنَ فِي
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
النَّاسِ، فَاجْتَمَعُوا، فَلَمَّا أَتَى الْبَيَّدَاءَ أَحْرَمَ.
الشرح
٢٥٧٧ - قوله: (أَذَّنَ فِي النَّاسِ) لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجِ﴾ الآية
[الحج: ٢٧] أي: نادى بينهم بأني أريد الحج، قاله ابن الملك. قال القاري: والأظهر
أنه أمر مناديًا بأنه ◌َّه يريد الحج كما سيأتي في حديث جابر الطويل. (فَاجْتَمَعُوا)،
أي: خلق كثير في المدينة. (فَلَمَّا أَتَى الْبَيْدَاءَ) هي: الشرف أي: المكان العالي
الذي قدام ذي الحليفة بقربها إلى جهة مكة سميت بيداء؛ لأنها لا بناء بها ولا أثر،
وكلّ مفازة لا شيء فيها؛ سمي بيداء، وهي ها هنا اسم موضع مخصوص بذي
الحليفة، كما ذكرنا. (أَحْرَمَ)، أي: كرر إحرامه أو أظهره، قال القاري: وهو أظهرُ
لما ثبت أنه أحرم ابتداء في مسجد ذي الحليفة بعد ركعتي الإحرام. انتهى. وقد
تقدم بيان اختلاف الروايات في موضع إحرامه وقّه ووجه الجمع بينها.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) هذا وهمٌّ من المصنفِ، فإن حديث جابر هذا ليس في صحيح
البخاري لا بلفظه ولا بمعناه، بل هو مما انفرد الترمذي بروايته هكذا؛ ولذلك
اقتصر الساعاتي في ((الفتح الرباني)) على نسبته إلى الترمذي، والظاهر أن المصنف
تبع في ذلك الجزري حيث قال بعد ذكر هذه الرواية في ((جامع الأصول)) (ج٣ :
ص٤٣٦): أخرجه البخاري والترمذي، وكذلك نسبه إليهما محمد بن محمد بن
سليمان الفاسي في ((جمع الفوائد)) (ج١: ص٤٦١) والحديث أخرجه مسلم
مطولًا، كما سيأتي.
(٢٥٧٧) البُخَارِي عنه فيه .
٥٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٧٨ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ
لَا شَرِيكَ لَكَ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ بَلَّ: ((وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ». إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ
تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ.
[صحيح، رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشرح
٢٥٧٨ - قوله: (وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ) قال القاضي : رُوي بإسكان الدال وكسرها مع
التنوين فيهما، ومعناه: كفاكم هذا الكلام، فاقتصروا عليه ولا تزيدوا، فلا تقولوا
ما بعده من الاستثناء، وفيه: بيان أن من رأى منكرًا ولم يقدر على تغييره باليد، فإنه
يغيره بالقول؛ لأن ((قد قد)) إنكار. (إِلَّا شَرِيكًا) كذا في جميع النسخ من
((المشكاة)). وهو متعلق بمقول المشركين، وقوله: فيقول رسول اللَّه وَ له: ((قَدْ قَدْ))
جملة معترضة للتنبيه على أن رسول الله وي ليه يقول لهم ذلك بين الاستثناء وما قبله
قبل أن يتكلموا بالاستثناء. وفي ((صحيح مسلم): فيقولون: ((إلا شريكًا)). وهكذا
في ((جامع الأصول)) (ج٣: ص٤٤٤).
(هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) ((ما)) نافية، وقيل: موصولة عطف على مفعول
(تملكه))، والمعنى على الأول: أنت تملكه وهو لا يملك. وعلى الثاني: أنت
تملك إياه وما في ملكه. قال الطيبي: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك
لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. فإذا انتهى كلامهم إلى ((لَا شَرِيكَ لَكَ)).
قال رسول اللّه وَله: ((قَدْ قَدْ)). أي: اقتصروا عليه ولا تتجاوزوا عنه إلى ما بعده،
وقوله: ((إِلَّا شَرِيكًا)) الظاهر فيه الرفع على البداية من المحل كما في كلمة
التوحيد، فاختير في الكلمة السفلى اللغة السافلة، كما اختير في الكلمة العليا
العالية. (يَقُولُونَ)، أي: المشركون، وهو مقول ابن عباس. (هَذَا)، أي: هذا
القول وهو قولهم: إلا شريكًا مع ما قبله وما بعده.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الحديث من أفراد مسلم، لم يخرجه البخاري ولا أحد من
أصحاب السنن، نعم أخرجه البيهقي (ج٥: ص٤٥) وزاد في آخره: فيقولون:
(٢٥٧٨) مُسْلِم (١١٨٥) عنه فيه.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
xeS GOX=X33
٥٨٣
((غفرانك غفرانك)). قال: فأنزل اللَّه رَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا
﴾ [الأنفال: ٣٣] فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان:
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
نبي اللّهِوَ له، والاستغفار، قال: فذهب نبي اللَّهُلَّهَ، وبقي الاستغفار ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا
يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءَهُ: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا
اٌلْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] قال: فهذا عذاب الآخرة، وذلك عذاب الدنيا. قال البيهقي بعد
روايته: أخرجه مسلم في ((الصحيح)) من حديث النضر بن محمد عن عكرمة بن
عمار مختصرًا دون قولهم: ((غفرانك ... )) إلى آخره. انتهى.
وفي الباب عن أنس بن مالك، قال: كان الناس بعد إسماعيل على الإسلام،
فكان الشيطان يحدث الناس بالشيء يريد أن يردّهم عن الإسلام حتى أدخل عليهم
في التلبية: لبيك اللَّهُمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هَو لك، تملكه وما
ملك. قال: فما زال حتى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك، أخرجه البزار. قال
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٣: ص٢٢٣): رجاله رجال الصحيح.
٥٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢ - بَابُ قِصَّةٍ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
(بَابُ قِصَّةِ حِجَّة الْوَدَاع) وبوب أبو داود لحديث جابر بـ: ((باب صفة حجة
النبيِ وَ لّه))، والنووي في (شرح مسلم)) بـ: ((باب حجة النبي وَّ)). قال القاري:
الوداع بفتح الواو مصدر ودع توديعًا، كسلم سلامًا وكلم كلامًا. وقيل: بكسر
الواو فيكون مصدرًا لموادعة وهو لوداعه الناس في تلك الحجة، وهي بفتح الحاء
وكسرها. قال الشمني: لم يسمع في حاء ذي الحجة إلا الكسر، قال صاحب
((الصحاح)): الحجة: المرة الواحدة، وهو من الشواذ؛ لأن القياس بالفتح.
انتهى. وعلى القياس روى سيبويه: قالوا: حجة واحدة، يعني: بالفتح، يريدون
عمل سنة واحدة.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٨٥
الفصل الأول
٢٥٧٩ - [١] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لِ مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ
تِسْعَ سِنِينَ، لَمْ يَحُجّ، ثُمَّ أَذِّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِّ حَاجٌ،
فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ
بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ◌َِّ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟
قَالَ: ((اغْتَِّلِي وَاسْتَشْفِرِي بِثَّوْبٍ وَأَخْرِمِي)) فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ فِي
الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ؛ أَهَلَّ
بِالتَّوْحِيدِ: (لَبَيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ
لَّكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)). قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ
الْعُمْرَةَ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَطَافَ سَبْعًا، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى
أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَام إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾
[البقرة: ١٢٥]، فَصَلّى رَكْعَتَيْنَ فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَرَأَ
فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ وَ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، ثُّ رَجَعَ إِلَى
الرُّكْنِ فَاسْتَلَّمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مَنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا؛ قَرَأَ:
(﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَّعَابِرِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ))، فَبَدَأَ
بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ،
وَقَالَ: ((لَا إِلَّهَ إِلَّ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلُْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهَ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ
الأَحْزَابَ وَحْدَهُ))، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مَثَلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ وَمَشَى
إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدْنَا
مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ، كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ
آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ نَادَى وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَالنَّاسُ تَحْتَهُ.
(٢٥٧٩) أَخْرَجَهَا مُسْلِم (١٢١٨) بِطُولِهَا، وَأَخْرَجَهَا مُخْتَصَرًا هُنَا، وَكَذَا أَبُو دَاوُد (١٩٠٧)، وَالنَّسَائِي
(٢٣٠/٥)، وَابن مَاجَهْ (٣٠٧٤) فِيهِ .
٥٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فَقَالَ: (لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا
عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدٌَّ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) . فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ
مَالِكِ بْنِ جُعْشُمْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ
ونَ﴿ أَصَابِعَهُ وَاحِّدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: ((دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ - مَرَّتَيْنِ -
لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَد)). وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِيُدْنِ النَّبِيِّ بَيِّ فَقَالَ: مَاذَا قُلْتَ حِينَ
فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلَّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: ((فَإِنَّ
مَعِيَ الْهَدْيِ، فَلَا تَحِلَّ)). قَالَ: فَكَّانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٍّ مِنَ
الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ الشَِّيُّ نَّهِ مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلَّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا
النَّبِيُّ وَّةِ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدٌّْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنَّى، فَأَهَلَّوا
بِالْحَجِّ وَرَكِبَ الْنَبِيُّ نَّهِ فَصَلَّى بِهَا الظَّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ
وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرِ تُضْرَبُ لَهُ
بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَةِ، وَلَا تَشُكْ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاِقٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ
الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللّهِ شَةِ، حَتَّىَ
أَتَى عَرَّفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ،
أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: ((إِنَّ
دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ بَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي
بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَا كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ
الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَم أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ،
وَكَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعُ، وَأَوَّلُ رِبًّا
أَضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسٍ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي
النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ
عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ، فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا
غَيْرٍ مُبَرِّح، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ
تَضِلّوا بَّعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ
قَائِلُونَ؟)) قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتُ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاع
CK=
٥٨٧
فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السََّّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: ((اللَّهُمَّ
اشْهَد، اللَّهُمَّ اشْهَدْ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظَّهْرَ، ثُمَّ
أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ،
فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ،
وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًّا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا،
حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ، وَدَفَعَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا
الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ
حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ
الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامِ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ
وَوَخَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِقًّا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ
الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسِ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسٍِّ، فَحَرََّ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكِ الطَّرِيقَ
الْوُسْطَى الَّتِي تَخَّرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبَّرَى، حَتَّى أَنَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ
الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْل حَصَى
الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَتَحَرَ ثَلَاثًا وَسِقِينَ
بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَتَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَذْبِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ
بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ
رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ بِ، فَأَفَاضَّ إِلَىَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظَّهْرَ، فَأَتَى عَلَى بَنِي
عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، يَسْقُونَ عَلَىِ زَمْزَمَ، فَقَالَ: ((انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ
يَغْلِيَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ)) فَنَاوَلُوهُ دَلْوًّا، فَشَرِبَ مِنْهُ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٥٧٩ - قوله. (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ێ ... ) إلخ، حديث جابر
هذا أصل كبير وأجمع حديث في الباب، قال النووي: هو أي جابر أحسن الصحابة
سياقة لرواية حديث حجة الوداع، فإنه ذكرها من حين خروج النبي ◌ُّ من المدينةِ
إلى آخرها، فهو أضبط لها من غيرِهِ، وقال: وهو حديث عظيم مشتمل على جمل
٥٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من الفوائدٍ، ومهمات من مهمات القواعد، وهو من أفرادٍ مسلم لم يروه البخاري
في ((صحيحهِ))، ورواه أبو داود كرواية مسلم. قال عياض: وقد تكلم الناس على ما
فيه من الفقه وأكثروا. وصنَّف فيه أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرج فيه من
الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه. انتهى.
ونوه به الحافظ الذهبي في ترجمة جابر، فقال: وله منسك صغير في الحجِّ،
أخرجه مسلمٌ، وعقد له الحافظُ ابنُ كثيرٍ في ((البداية والنهاية)) فصلًا خاصًّا قال فيهِ:
وهو وحده منسك مستقل. ثم ساقه (ج ٥: ص ١٤٦ - ١٤٩) وقال الأبي: حديث
جابر هذا عظيم القدرِ، قد اشتمل على قواعد كثيرة من الدينٍ بينها وَِّ عندَ خروجه
من الدنيا وانتقاله إلى ما أعدَّ اللهُ سبحانه له من الكرامةِ، ولم يبق ◌َُّلّ بعد حجته
هذه إلا قليلًا بعد أن أشرقت الأرض بنوره وعلت كلمة الإيمان .
(مَكُثَ) بضم الكاف وفتحها أي: لبث. (بِالْمَدِينَةِ) كذا في جميع النسخ مطابقًا
للمصابيح وليس هو عند مسلم بل هو للنسائي والشافعي وابن الجارود وأحمد فهو
من الزيادات على رواية مسلمٍ. (تِسْعِ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ) بعد الهجرة أي: لكنه اعتمر .
قال الألباني: اتفق العلماء علَّى أن الَنَبي ◌َّ لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى
حجة واحدة وهي حجة الوداع هذه، وعلى أنها كانت سنة عشر، واختلفوا في وقت
ابتداء فرضه على أقوال، أقربها إلى الصواب أنه سنة تسع أو عشر، وهو قول غير
واحد من السلف، واستدل له ابن القيم في ((زاد المعاد)) بأدلة قوية، فليراجعها من
شاء، وعلى هذا، فقد بادر رسول اللَّه وَ لَهإلى الحج فورًا من غير تأخيرٍ، بخلاف
الأقوال الأخرى فيلزم منها أنه تأخر بأداء الفريضة، ولذا اضطر القائلون بها إلى
الاعتذار عنه وَ له ولا حاجة بنا نحنُ إلى ذلك. انتهى. وقد سبق الكلام في ذلك
مفصّلًا.
(ثُمَّ أَذِّنَ) بضم الهمزة وكسر الذال المشددة مبني للمجهول، أي: نادى مناد
بإذنه، ويجوز بناؤه للمعلوم، أي: أمر بأن ينادى بينهم، وقال السندي: قوله ((ثُمَّ
أُذِّنَ)) من التأذين والإيذان، أي: نادى وأَعْلَمَ، والمراد أمر بالنداء فنادى المنادي،
ويحتمل على بعد أن يقرأ على بناء المفعول. انتهى. وعلى كلا الاحتمالين فالمراد
إعلام الناس بحجه ◌ّة وإشاعته بينهم؛ ليتأهبوا للحج معه، ويتعلموا المناسك
والأحكام، ويشاهدوا أفعاله وأقواله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب، وتشيع
دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد، وفيه أنه يستحبُّ للإمام إيذان الناس
٥٨٩
بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بالأمور المهمة؛ ليتأهبوا لها لا سيما في هذه الفريضة الكثيرة الأحكام المفروضة
ابتداء. (فِي الْعَاشِرَةِ)، أي: السنة العاشرة من الهجرة. (أَنَّ)، أي: بأنَّ.
(رَسُولَ اللَّهِنَ ◌ّهِ حَاجٌ)، أي: خارج إلى الحجِّ ومريد له وقاصده. قال القاري: وفي
النسخِ، أي: من ((المشكاة)) (إِنَّ) بالكسر فيكون من جملة المقول. انتهى. وزاد
في رواية أحمد والنسائي وابن الجارود ((هَذَا العَام)) .
(فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ) قال القاري: تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾
أي: مشاة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: راكبين على كلِّ بعيرٍ ضعيف ﴿يَأْنِينَ مِن
كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧، ٢٨]، أي: ليحضروا
منافع دينية ودنيوية وأخروية. انتهى. وتقدّم الكلام في عدد الذين كانوا معه وَّ
في حجة الوداعٍ، وفي رواية مسلمٍ بعدَ هذا: ((كلّهم يلتمسُ أن يأتمَّ برسولِ اللهِ وَّ
ويعملَ مثل عمله)). وفي رواية للنسائي: ((فلمْ يبقَ أحد يقدر أن يأتي راكبًا أو راجلًا
إلا قدم، فتدارك الناس؛ ليخرجوا معه)).
(فَخَرَجْنَا مَعَهُ)، أي: لخمس بقين من ذي القعدة كما رواه النسائي وابن الجارود
والبيهقي، أي: بين الظهر والعصر. وروى الترمذي وابن ماجه عن أنس والطبراني
عن ابن عباس أن حجه عليه الصلاة والسلام كان على رحل رث يساوي أربعة
دراهم. (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا) كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا في
((المصابيح)) وفي ((صحيح مسلم)): (حَتَّى أَتَّيْنَا)، أي: بسقوط لفظة: ((إذا))، وكذا
وقع عند أبي داود وغيره.
(فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ) بمهملتين مصغرًا الخثعمية، صحابية فاضلة،
كانت أولًا تحت جعفر بن أبي طالب، ثم تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر، ثم علي
ابن أبي طالب وولدت لهم، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها،
هاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر. قال الحافظ: كان عمر يسألها عن تعبير
الرؤيا، ماتت بعد علي. (مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصديق وهو من أصغر الصحابة،
ولّاه عليُّ بنُ أبي طالب مصر وكان ربيبه، قتله أصحاب معاوية بمصر سنة ثمان
وثلاثين. وقال الحافظ: له رؤية، وكان عليٍّ يثني عليه ويفضله؛ لأنه كانت له عبادة
واجتهاد، وكان على رجالة عليٍّ يوم صفين، قتل سنة ثمان وثلاثين. (فَأَرْسَلَتْ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ) الظاهر أنها أرسلت زوجها الصديق، ويدل له ما رواه مالك في
=DONE
٥٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((موطئه)) عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس: أنها ولدت
محمد بن أبي بكر، فذكر ذلك أبو بكر لرسول اللّه وَله. ويدلُّ عليه أيضًا ما رواه
النسائي من حديث أبي بكر، فأتى أبو بكر النبي ◌َّ فأخبره فأمره أن يأمرها أن
تغتسل. (كَيْفَ أَصْنَعُ؟)، أي: في باب الإحرام. وقال الباجي في ((شرح رواية
الموطأ»: يحتملُ أن أبا بكر سألَ أنَّ النفاس الذي يمنعُ صحة الصلاة والصوم يمنع
صحة الحج، فبين وّليل أنه لا ينافي الحج؛ ويحتمل أنه سأل عن اغتسالها للإحرام
إن علم أن إحرامها بالحج يصح، فخاف أن النفاس يمنع الاغتسال الذي يوجب
حكم الطهر.
(قَالَ: اغْتَسِلِي) فيه غسل النفساء للإحرام وإن لم تطهر، وفي حكمها الحائض
فهو للنظافة لا للطهارة. قال القاري: ولذا لا ينوبه التيمم ويظهر من كلام الخطابي
أنَّ العلَّة عنده التشبه بالطاهرات حيث قال في ((معالم السننِ)): في الحديث
استحباب التشبه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال والاقتداء بأفعالهم طمعًا في
درك مراتبهم ورجاء لمشاركتهم في نيل المثوبةٍ، ومعلوم أن اغتسال الحائض
والنفساء قبل أوان الطهر لا يطهرهما ولا يخرجهما عن حكم الحدث، وإنما هو
لفضيلة المكان والوقت. قال الولي العراقي: هذا يدلّ على أنَّ العلة عنده في
اغتسالهما التشبه بأهل الكمال وهن الطاهرات. والظاهر: أنه إنما هو لشمول
المعنى الذي شرع الغسل لأجله وهو التنظيف وقطع الرائحة الكريهة؛ لدفع أذاها
عن الناس عند اجتماعهم، وبذلك علَّلَه الرافعي ولا يرد عليه التيمم عند العجز؛
لأنَّ التنظيف هو أصل مشروعيته للإحرام، فلا ينافيه قيام التراب مقامه؛ لأنه يقوم
مقام الغسل الواجب، فأولى المسنون وبعد استمرار الحكم قد لا توجد علته في
بعض المحال. انتهى.
قلت: وهذا عند مَن قال بمشروعية التيمم وإجزائه عند العجز. وأما الذي لم
يقل به، فلا إيراد عليه. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك في شرح حديث زيد بن ثابت في
الفصل الثاني من بابِ الإحرام والتلبية. قال الخطابي: وفي أمره ◌َّ الحائض
والنفساء بالاغتسال دليل على أن الطاهر أولى بذلك. وقال الزرقاني: وفيه
الاغتسال للإحرام مطلقًا؛ لأن النفساء إذا أمرت به مع أنها غير قابلة للطهارة،
کالحائض فغيرهما أولى.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
٥٩١
(وَاسْتَثْفِرِي) بالثاء المثلثة بعد الفوقية أمر من الاستثفار وهو أن تحتشي المرأة
قطنًا وتشد في وسطها شيئًا، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محلّ الدم وتشد
طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وَسَطِها، والمقصودُ أنَ تجعل
هناك ما يمنع من سيلان الدم؛ تنزيهًا أن تظهر النجاسة عليها؛ إذ لا تقدر على أكثر
من ذلك. قال النووي: فيه أمر الحائض والنفساء والمستحاضة بالاستثفار، وهو أن
تشدَّ في وسطها شيئًا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من
قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثفَر الدابة بفتح الفاءِ .
(وَأَحْرِمِي)، أي: بالنيةِ والتلبية؛ قاله القاري. وفيه صحة إحرام النفساء ومثلها
الحائض، وأولى منهما الجنب؛ لأنهما شار كتاه في شمول اسم الحدث وزادتا عليه
بسیلان الدم وهو مجمع عليه .
(فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ)، أي: ركعتين للظهر، وقيل: سنة الإحرام. (فِي
الْمَسْجِدِ)، أي: في مسجدٍ ذي الحليفة. قال ابنُ العجمي في ((منسكه)): ينبغي إن
كان الميقات مسجد أن يصلي ركعتي الإحرام فيه ولو صلاهما في غير المسجد،
فلا بأس، ولو أحرم بغير صلاة جاز، ولا يصلي في الأوقات المكروهة، وتجزئ
المكتوبة عنهما كتحية المسجد. وقيل: صلى الظهر. وقد قال ابن القيم: ولم ينقل
أنه عليه الصلاة والسلام صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، كذا في
((المرقاةٍ)). وقد تقدَّم الكلام في ذلك في شرح حديث ابن عمر في الفصل الثاني من
باب الإحرام والتلبية.
(ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ) بفتح القاف وبالمدِّ، اسم ناقته وَّه ولها أسماء أخرى مثل
العضباء والجدعاء، وقيل: هي أسماء لنوق له وَج ◌ّل، فقال القاضي: قال ابنُ قتيبة:
كانت للنبي وَلّ نوق: القصواء والجدعاء والعضباء. قال أبو عبيد: العضباء اسم
الناقة النبي ◌َّه ولم تسم بذلك لشيء أصابها. قال القاضي: قد ذكر هنا أنه ركب
القصواء، وفي آخر هذا الحديث: ((خطب عَلَى الْقَصْوَاءِ)). وفي غير مسلم:
((خطَبَ عَلى ناقتِهِ الجَدْعاء)). وفي حديث آخر: ((عَلَى نَاقَةٍ خَرْمَاءَ)). وفي آخر:
((الْعَضْبَاء)). وفي حديث آخر: ((كانَتْ له ناقةٌ لا تُسْبق)). وفي آخر: ((تُسمى
مخضرمَة)). وهذا كله يدلَّ على أنها ناقة واحدة خلاف ما قاله ابنُ قتيبة، وأن هذا
كان اسمها أو وصفها لهذا الذي بها خلاف ما قال أبو عبيد. لكن يأتي في كتاب
٥٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
E*
النذر أن القصواء غير العضباء، كما سنبينه هناك. قال الحربي: العضب والجدع
والخرم والقصو والخضرمة في الآذان. قال ابن الأعرابي: القصواء: التي قطع
طرف أذنها، والجدع أكثر منه. وقال الأصمعي: والقصو مثله. قال: وكل قطع في
الأذان جدع، فإن جاوز الربع، فهي عضباء، والمخضرم مقطوع الأذنين، فإن
اصطلمتا فهي صلماء. وقال أبو عبيد: القصواء: المقطوعة الأذن عرضًا،
والمخضرمة: المستأصلة، والمقطوعة النصف فما فوفه. وقال الخليل:
المخضرمة مقطوعة الواحدة والعضباء مشقوقة الأذن، قال الحربي: فالحديث
يدل على أن العضباء اسم لها، وإن كانت عضباء الأذن، فقد جعل اسمها، هذا آخر
كلام القاضي. وقال محمد بن إبراهيم التيمي التابعي: إن العضباء والقصواء
والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول اللّه ◌َائِه .
(حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ؛ أَهَلَّ) وفي ((صحيح مسلم)): ((حَتَّى إِذَا
اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ
يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِّ ◌َلَ بَيْنَ
أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ -
يعني: رفع صوته)). واللفظُ المذكورُ في الكتابِ هو لابن الجارود. (بِالتَّوْحِيدِ)
يعني: قوله: ((لبيك لا شريك لك)). وفيه إشارة إلى مخالفة ما كانت الجاهلية
تزيده بعد قوله: (لَا شَرِيكَ لَكَ) فقد كانوا يقولونَ: إلا شريكًا هو لك تملكه وما
ملك. كما تقدَّم. (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ... ) إلخ. وفي رواية مسلم بعد ذكر التلبية:
وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لّهِ تَّلْبِيَتَهُ. وفي رواية أحمد وابن الجارود: ((وَلَبَّى النَّاسُ وَالنَّاسُ
يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ))، وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ ◌َهِ يَسْمَعُ، فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا)).
(قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ)، أي: لسنا ننوي شيئًا من النيات إلا نية الحج.
قال السندي: قوله (لَا تَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ)، أي: أول الأمر ووقت الخروج من البيوت
وإلا فقد أحرم بعض بالعمرة أو هو خبر عما كان عليه حال غالبهم، أو المراد: أن
المقصد الأصلي من الخروج كان الحج وإن نوى بعض العمرة. انتهى. (لَسْنَا
نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ) هو تأكيد للحصر السابق قبل. قال القاضي: أي: لا نرى العمرة في
أشهر الحج؛ استصحابًا لما كان من معتقدات أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يرون
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاع
٥٩٣
العمرة محظورة في أشهر الحج ويعتمرون بعد مضيها. وقيل: معناه: ما قصدناها
ولم تكن في ذكرنا. وقد تقدَّم شيء من الكلام في هذا في شرح حديث عائشة الذي
فيه ذكر انقسام الناس بين مفرد ومتمتع وقارن. (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ)، أي:
وصلناه بعد ما نزل بذي طوى وبات بها واغتسل فيها ودخل مكة من الثنية العليا
صبيحة الأحد رابع ذي الحجة وقصد المسجد من شق بابِ السلام ولم يصل تحية
المسجد؛ لأن تحية البيت المقصود منه هو الطواف، فمن ثم استمرَّ بَّ على مروره
في ذلك المقام حتى (اسْتَلَمَ الرُّكْنَ)، أي: الركن الأسود وإليه ينصرف الركن عند
الإطلاق، وفي رواية أحمد وابن الجارود: ((الْحَجَرِ الأَسْوَدِ)). والاستلام: افتعال
من السلام بمعنى التحية، وأهل اليمن يسمون الركن بالمحيا؛ لأن الناس يحيونه
بالسلام، وقيل: من السِّلام بكسر السين، وهي الحجارة واحدتها سلِمة بكسر
اللام، يقال: استلم الحجر إذا لثمه وتناوله، والمعنى: وضع یدیه علیه وقبله،
واستلَمَ النبيُّ وَّةِ الركن اليماني أيضًا في هذا الطواف، كما في حديث ابن عمر ولم
يقبله، وإنما قبل الحجر الأسود، وذلك في كل طوفة.
قلت: والسنة في الحجر الأسود تقبيله إن تيسّر ذلك، فإن شقَّ التقبيل استلمه
بيده وقبلها، وإلا استلمه بنحو عصا وقبلها وإلا أشار إليه، ولا يقبل ما يشير به ولا
يشرع شيء من هذا في الأركان الأخرى إلا الركن اليماني، فإنه يحسن استلامه أي
لمسه فقط، وفي ((المواهب)) وشرحه للزرقاني: واعلم أن للبيت أربعة أركان،
الأول له فضيلتان، كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، أي:
أساس بنائه، وللثاني وهو الركن اليماني الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما،
فلذلك يقبل الأول كما في (الصحيحين)) عن ابن عُمر: أنه وََّ قبَّل الحجرَ الأسودَ.
وفي البخاري عن ابن عمر: رأيتُ رسولَ اللهِ وَ لهيستلمُهُ ويقبلُهُ. ويستلمُ الثاني
فقط لما في الصحيح عن ابن عمر: أنَّه ◌َ كَانَ لا يستلمُ إلا الحجرَ والركنَ
اليماني. ولا يقبل الآخران ولا يستلمان اتباعًا للفعل النبوي؛ لأنهما ليسا على
قواعد إبراهيم، هذا على قول الجمهور. واستحب بعضهم تقبيل اليماني أيضًا،
وأجاب الشافعي عن قول من قال كمعاوية: وقد قبل الأربعة: ليس شيء من البيت
مهجورًا. فردّ عليه ابنُ عباس فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، بأنا
لم ندع استلامهما؛ هجرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولكنا نتبع السنة
٥٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فعلًا أو تركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لها لكان ترك استلام ما بين الأركان
هجرًا لها، ولا قائل به. وروى الشافعي عن ابن عمر قال: استقبلَ رسولُ اللهِ وَّه
الحجرَ الأسودَ فاستلمه - أي: مسح بيده عليه - ثم وضع شفتيه عليه طويلًا يقبله .
ومفاده: استحباب الجمع بينهما. انتهى.
ويسن عند التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة؛ لحديث ابن عباس الآتي في
باب الطواف: قال: طافَ النبيُّ وَ لَه بالبيتِ على بعيرهِ، كلَّما أتى الركنَ أشارَ إليه
بشيءٍ كانَ عندَهُ وكَبَّر. رواه البخاري. قال الألباني: وأما التسمية، فلم أرها في
حديث مرفوع، وإنما صحَّ عن ابن عمر أنه كان إذا استلم الحجر قال: بسم الله
والله أكبر. أخرجه البيهقي (ج ٥: ٧٩) وغيره بسندٍ صحيح كما قال النووي
والعسقلاني. ووَهِم ابنُ القيم، فذكره من رواية الطبراني مرَّفوعًا، وإنما رواه
موقوفًا كالبيهقي كما ذكر الحافظ في ((التلخيص)). انتهى.
(فَطَافَ سَبْعًا) كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا وقع في
((المصابيح))، وفي رواية مختصرة عند النسائي والترمذي وليس هو عند مسلم.
(فَرَمَلَ)، أي: مشى بسرعة مع تقارب الخطى وهزَّ كتفيه، وفي رواية لمسلم: ((ثُمَّ
مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ)). (ثلاثًا)، أي: ثلاث مرات من الأشواط السبعة، زاد في
رواية لأحمد: ((حَتَّى عَادَ إِلَيْهِ)). (وَمَشَى)، أي: على السكون والهينة. (أَرْبَعًا)،
أي: في أربع مرات وكان مضطبعًا في جميعها، والاضطباع: أن يجعل وسط الرداء
تحت منكبه الأيمن ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر ويكون منكبه الأيمن منكشفًا
والأيسر مستورًا. قال النووي: في الحديث أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف
بعرفات يسنُّ له طواف القدوم وهو مجمع عليه، وفيه أنَّ الطوافَ سبعة أشواط.
وفيه أن السنة الرمل في الثلاث الأول ويمشي على عادته في الأربع الأخيرةِ.
(ثُمَّ تَقَدَّمَ) قال القاري: وفي نسخة صحيحة من نُسَخ مسلم: نفذ. بالنون والفاء
والذال المعجمة، أي: توجّه، قلت: وكذا وقع في رواية لابن الجارود. (إِلَى مَقَام
إِبْرَاهِيمَ) بفتح الميم، أي: موضع قيامه، وهو الحجر الذي قام عليه عند بناءَ
البيت، وفيه أثر قدميه، موضوع قبالة البيت. (فَقَرَأَ: ﴿وَأَّخِذُواْ﴾) بكسر الخاء على
الأمر وبفتحها على الخبر. (﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ﴾)، أي: بعض حواليه.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
٥٩٥
(﴿مُصَلّ﴾) بالتنوين أي: موضع صلاة الطواف. (فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ) كذا في
جميع النسخ الحاضرةِ عندنا، وهكذا وقعَ في ((المصابيح))، وفي ((السنن)) للنسائي
والترمذي، وليس هو عند مسلمٍ، ووقع عند أحمد وابن الجارود: حَتَّى إِذَا فَرَغَ -
أي: من الطواف عَمَدَ إِلَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ. (فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ
وَبَيْنَ الْبَيْتِ)، أي: صلى خلفهَ بيانًا للأفضل وإن جاز في أي موضع شاء.
(وَفِي رِوَايَةٍ) وفي (المصابيح)): ويُرْوَى. وفي ((صحيح مسلم): فَكَانَ أَبِي -
أي: محمد بن علي بن الحسين - يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنْ النَّبِّوَ -: (كَانَ
يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ... )) إلخ. (أَنَّهُ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ)، أي: بعد الفاتحة. (﴿قُلْ هُوَ
اُللَّهُ أَحَدُ﴾)، أي: إلى آخرها في إحداهما. (و﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾)، أي:
بتمامها في الأخرى. والواو لمطلق الجمع فلا إشكال. قال الطيبي: كذا في
((صحيح مسلم)) و(شرح السنة)) في إحدى الروايتين، وكان من الظاهر تقديم سورة
الكافرون كما في رواية ((المصابيح)). وقال النووي: معناه قرأ في الركعة الأولى
بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ وفي الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾
وقد ذكر البيهقيُّ (ج ٥: ص ٩١) بإسناد صحيح على شرطٍ مسلمٍ عن جعفر بن
محمد عن أبيه عن جابرٍ: أنَّ النبيَّ ◌َطافَ بالبيتِّ فرَمَل مِنْ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ ثَلَاثًا ثُمّ
صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ قَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾. كذا في
((المرقاة)). قلت: وفي رواية للنسائي: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ. فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَ﴿قُلْ
يَّأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾. وفي رواية للترمذي: قَرَأْ فِي رَكْعَتَّيٍ
الطَّوَافِ بِسُورَتَي الْإِخْلَاصِ: ﴿قُلْ يَكَتُهَا الْكَفِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ .
وفي الحديث: دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من
طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان؟
وسيأتي ذكر الخلاف في باب الطواف إن شاء الله.
(ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ) قال النووي: فيه دلالة لما قاله الشافعي وغيره من
العلماء أنه يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام
أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على
أن هذا الاستلام ليس بواجب وإنما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم. انتهى. وعند
٥٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحنفية العود إلى الحجر إنما يستحب لمن أراد السعي بعده وإلا فلا، كما في
((البحر)) وغيره. (ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ)، أي: باب الصفا. (إِلَى الصَّفَا)، أي: إلى
جانبه، قال في ((الهداية)): إن خروجه عليه الصلاة والسلام من باب الصفا؛ لأنه
كان أقرب الأبواب إلى الصفا لا أنه سنة. والصفا والمروة علما جبلين بمكة ومن
مشاعرها. (فَلَمَّا دَنَا)، أي: قرب. (قْرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ﴾ [البقرة:
١٥٨])، أي: من أعلام مناسكه. قال القاري: جمع شعيرة: وهي العلامة التي
جعلت للطاعات المأمور بها في الحج عندها، كالوقوف والرمي والطواف
والسعي. (أَبْدَأُ) بصيغة المتكلم أي: وقال: ((أبدأ)). (بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ) يعني: ابتدأ
بالصفا؛ لأن اللَّه بدأ بذكره في كلامه، فالترتيب الذكري له اعتبار في الأمر
الشرعي: إما وجوبًا، أو استحبابًا، وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية. قال
السندي: هذا يفيد أن بداءة الله تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملًا، والظاهر: أنه
يقتضي ندب البداءة عملًا لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر.
(فَبَدَأَ)، أي: في سعيه. (فَرَقِي) بكسرٍ القاف أي: صعد. (عَلَيْهِ)، أي: على
جبل الصفا. (حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ)، أي: إلى أنْ رآه. (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) وضعَ الظاهر
موضع الضمير؛ تنصيصًا على أن البيت قبلة، وتنبيهًا على أنَّ المقصودَ بالذات هو
التوجه إلى القبلة لا خصوص رؤية البيتٍ، قاله القاري. وقال في ((اللمعات)):
وكان إذ ذاك يرى من الصفا، والآن حجبها بناء الحرم. (وَقَالَ: لَا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ) قال
الطيبي: إنه قول آخر غير التوحيد والتكبير، ويحتملُ أن يكون كالتفسير له والبيان،
والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به لكن معناه مستفاد من هذا القول، أي: لأن معنى
التكبير: التعظيم. قال القاري: والأظهر أنه قول آخر. (وَحْدَهُ) حال مؤكدة أي:
منفردًا بالألوهية أو متوحدًا بالذات. (لَا شَرِيكَ لَهُ) في الألوهية، فيكون تأكيدًا، أو
في الصفات، فيكون تأسيسًا وهو الأولى. (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) زاد في رواية أبي
داود والنسائي والدارمي وابنُ ماجه والبيهقي والشافعي: ((يُحْيِي وَيُمِيتُ)). (أَنْجَزَ
وَعْدَهُ)، أي: وفَى بما وعدَهُ بإظهاره رَّ للدينِ. (وَنَصَرَ عَبْدَهُ)، أي: عبده الخاص
نصرًا عزيزًا، وعند أحمد ((صَدَقَ عَبْدَهُ)) بدل: ((نصر)). ومعنى تصديق الله تعالى
لعبده، تأييده بالمعجزاتِ والله تعالى أعلم. (وَهَزَمَ) وفي رواية: ((وَغَلَبَ)).
(الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)، أي: هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم. قال
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِضَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
٥٩٧
تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَا﴾ [الأحزاب: ٩] والمراد: بالأحزاب الذين
تحزَّبُوا على رسول اللّه وَ له يوم الخندق، وكان ذلك في شوال سنة أربع من
الهجرة، وقيل: سنة خمس ويمكن أن يكون المراد بالأحزابِ أنواع الكفار الذين
تحذَّبُوا لحربٍ رسول اللّه ◌َلَه وغُلبوا بالهزيمة والفرار.
(ثُمَّ) لمجرَّدٍ الترتيب دون التراخي. (دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ)، أي: بين مرات هذا الذكر
بما شاء. (قَالَ مِثْلَ هَذَا)، أي: الذكر. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال الطيبي: كلمة ((ثُمَّ))
تقتضي التراخي وأن يكون الدعاء بعد الذكر، و(بَيْن)) تقتضي التعدُّد والتوسط بين
الذكرٍ بأن يدعو بعد قوله: ((عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) الدعاء، فتمحل من قالَ: لما فرغُ
من قوله: ((وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ) دعا بما شاء ثم قال مرةً أخرى هذا الذكر ثم دعا،
حتى فعل ذلك ثلاثًا، فهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير بأن يذكر قوله: (ثُمَّ
دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ). بعد قوله (قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وتكون ((ثُمَّ) للتراخي في
الإخبار لا تأخر زمان الدعاء عن الذكر، ويلزم أن يكون الدعاء مرتين. انتهى.
وقال السندي: يقولُ الذكر ثلاث مرات ويدعو بعد كلِّ مرةٍ. قال النووي: قوله
(أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ... ) إلخ. في هذا أنواع من المناسك: منها: أن السعي يُشترط
فيه أن يبدأ من الصفا، وبه قال الشافعي ومالك والجمهور. وقد ثبتَ في رواية
النسائي هذا الحديث بإسنادٍ صحيح أنَّ النبيَّ ◌َ ل ◌َ قال: ((ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ)).
هكذا بصيغة الجمع. ومنها: أنه ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا
الرقي خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب، فلو تركه؛
صحَّ سعيه لكن فاتته الفضيلة. قال أصحابنا: يستحب أن يرقى على الصفا والمروة
حتى يرى البيت إن أمكنه. ومنها: أنه يسنُّ أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة
ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات،
هذا هو المشهور عند أصحابنا. وقال جماعة من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثًا
والدعاء مرتين فقط والصواب الأول. انتهى.
(ثُمَّ نَزَلَ وَمَشَى إِلَى الْمَرْوَةِ) كذا في جميع النسخ، وهكذا في ((المصابيح))، وفي
مسلم: (ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ)). وفي رواية النسائي: «ثُمَّ نَزّلَ مَاشِيًّا، أي: إلى
المروة)). (حَتَّى انْصَبَّتْ) بتشديد الباء. (قَدَمَاهُ)، أي: انحدرتا بالسهولة، ومنه:
٥٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((إِذَا مَشَى كأنَّه يَنْحَطَّ فِي صَبَبٍ)). أي: موضع منحدر، وهو مجاز من قولهم:
صيبت الماء فانصب. أي: سكبته فانسكب. (فِي بَطْنِ الْوَادِي)، أي: المسعى،
وفي رواية للنسائي: ((فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ)). يعني: انحدرتا بالسهولة حتى وصلتا إلى
بطن الوادي، والمراد به المنخفض منه. (ثُمَّ سَعَى) وفي رواية لأحمد: ((رَمَل))
يعني: أسرع في المشي مع تقارب الخطى في بطن الوادي. (حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا)
بكسر العين، أي: ارتفعت قدماه عن بطن الوادي وخرجتا منه إلى طرفه الأعلى.
قال الطيبي: معناه ارتفعتا عن بطن الوادي إلى المكان العالي؛ لأنه في مقابلة
((انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ))، أي: دخلتا في الحدور. (مَشَى)، أي: سار على السكون، يعني:
إذا بلغ المرتفع من الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه.
قال النووي: فيه استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد ثم يمشي
باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من
المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو
مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعي
وموافقيه. وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما:
كما ذكر. والثانية: تجب عليه إعادته. انتهى.
وقال في ((اللبابٍ)): ويستحبُّ أن يكون السعي بين الميلين فوق الرمل دون
العدو، وهو في كلِّ شوطٍ، أي: بخلاف الرمل في الطواف، فإنَّه مختصٌّ بالثلاثةِ
الأول خلافًا لمن جعله مثله، فلو تركه أو هرول في جميع السعي، فقد أساءَ ولا
شيء عليه، وإن عجز عنه؛ صبر حتى يجد فرجة، وإلا تشبه بالساعي في حر كته،
وإن كان على دابة حركها من غير أن يؤذي أحدًا. انتهى.
(حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ) زاد في رواية أحمد: فَرَقى عليها حتَّى نظرَ إلى البيتِ. (فَفَعَلَ
عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ)، أي: مثل فعله. (عَلَى الصَّفَا) من الرقي واستقبال القبلة
والذكر والدعاء. قال النووي: فيه أنه يسنُّ عليها من الذكر والدعاء والرقي مثل ما
يسن على الصفا. وهذا مُتَّفَق عَلَيْه. (حَتَّى إِذَا كَانَ) تامة أي وجد . (آخِرُ طَوَافٍ)،
أي: سعى. (عَلَى الْمَرْوَةِ) متعلق بـ((كان)). وفي رواية لأحمد وابن الجارود: فلما
كانَ السابعُ عندَ المروةِ. قال النووي: قوله: حتَّى إذَا كانَ آخرُ طوافٍ عَلى المروةِ.
٥٩٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ
فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب
مرة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة وهكذا فيكون ابتداء
السبع من الصفا وآخرها بالمروة. وقال ابن بنت الشافعي وأبو بكر الصيرفي من
أصحابنا: يحسبُ الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرةً واحدة فيقع آخر
السبع في الصفا، وهذا الحديث الصحيح يرد عليهما. وكذلك عمل المسلمين
على تعاقب الأزمان، والله أعلم. انتهى.
(نَادَى وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ تَحْتَهُ) كذا في جميع النسخ الحاضرةِ عندنا،
وهكذا في ((المصابيح))، وليست هذه الجملة في ((صحيح مسلم)). (فَقَالَ) وفي
بعض النسخ: (قَالَ)، أي: بدون الفاء. قال الطيبي: هو جواب ((إذا))، قال القاري:
وفي نسخة صحيحة أي: من ((المشكاة)) (فقالَ) بزيادة الفاء، وأما ما في بعض
النسخ: ((نَادَى وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ تَحْتَهُ فَقَالَ)) فلا أصلَ له، وزاد في رواية
لأحمد وابن الجارود بعد قوله ((قَالَ)): يا أيها الناس. (لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ)، أي: لو
علمت في قبل. (مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ)، أي: ما علمته في دبرٍ منه، والمعنى: لو
ظهرَ لي هذا الرأي الذي رأيتُه الآن لأمرتكم به في أول أمري وابتداء خروجي و(لَمْ
أَسُقِ الْهَدْيَ) بضم السين، يعني لما جعلت عليَّ هديًا وأشعرته وقلدته وسقته بين
يدي، فإنه إذا ساقَ الهدي لا يحل حتى ينحرَ، ولا ينحر إلا يوم النحر، فلا يصحُّ له
فسخ الحج بعمرة بخلاف من لم يسق؛ إذ يجوز له فسخ الحج، وهذا صريح في
أنه وَّ لم يكن متمتعًا. قال الخطابي: إنما قال هذا استطابة لنفوس أصحابه؛ لئلا
يجدوا في أنفسهم أنه أمرهم بخلاف ما يفعله في نفسه. وقد يستدل بهذا الحديث
من يجعل التمتع أفضل. (وَجَعَلْتُهَا)، أي: الحجة. (عُمْرَةً) يعني: كنت متمتعًا من
أول الأمر من غير سوق الهدي. وقال القاري: أي: جعلت إحرامي بالحجِّ
مصروفًا إلى العمرةِ كما أمرتكم به موافقة. قال ابنُ القيم في شرح قوله ◌َِّلَوْ أَنِّي
اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ ... )) إلخ: يعني: أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلّم
فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة ولم يسق الهدي؛ لأن الذي استدبره هو الذي
فعله ومضى فصار خلفه والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعد، بل هو أمامه،
فمقتضاه أنه لو كان كذلك لأحرم بالعمرة دون هدي. وقال الزرقاني في ((شرحه)) :
أي: لو عَنَّ لي هذا الرأي الذي رأيته آخرًا وأمرتكم به في أول أمري لما سقت