Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ce
العبارات، ولم يسأل أحد منهم هل حج عن نفسه أو لا؟ وترك الاستفصال ينزل
منزلة العموم في الأقوال. قال الشنقيطي: الأظهر تقديم الحديث الخاص الذي فيه
قصة شبرمة؛ لأنه لا يتعارض عام وخاص، فلا يحج أحد عن أحد حتى يحج عن
نفسه حجة الإسلام. انتهى.
(رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) في ((الأمِّ) (ج٢: ص ١٠٥) من طريق ابن جريج، عن عطاء
قال: سمعَ النبيُّ ◌َّه رجلًا يقول: لبيك عن فلان، فقال له النبي وَّهُ: ((إِنْ كُنْتَ
حَجَجْتَ فَلَبّ عَنْ فُلَانٍ، وَإِلَّ فَاحْجُجْ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ احْجُجْ عَنْهُ)). وهذا كما ترى
مُرسل. ثم رواه الشافعي من طريق أيوب عن أبي قلابةَ، قال: سمع ابن عباس
رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال ابن عباس: ويحك وما شبرمة؟ قال: فذكر
قرابة له ... الحديث. وهذا موقوف. قيل: وأبو قلابة لم يسمع من ابن عباس
شيئًا .
(وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) واللفظ لأبي داود، روياه من طريق عبدة بن سليمان عن
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباسٍ مرفوعًا،
وكذا روى من هذا الطريق ابن الجارود (ص١٧٨) وإسناد هذا الحديث عند أبي
داود، وابن ماجه، وابن الجارود رجاله كلهم ثقات معروفون إلا عزرة الذي رواه
عنه قتادة، وقتادة روى عن ثلاثة كلهم اسمه عزرة، وعزرة المذكور في إسناد هذا
الحديث عند أبي داود وابن ماجه ذكراه غير منسوب، وكذا ذكره الدار قطني، وابن
حبان والبيهقي. وجزم البيهقي بأنه عزرة بن يحيى، وعزرة بن يحيى لم يذكره
البخاري في ((التاريخ))، ولا ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))، ولم يخصه
الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) بترجمة، ولم يذكره الذهبي في ((الميزان))، وقد
ذكره الحافظ في ((التقريب)) فقال: عزرة بن يحيى عن سعيد بن جبير في قصة
شبرمة، وعنه قتادة أيضًا، نسبه البيهقي. وبذلك جزم أبو علي النيسابوري وهو
مقبول. انتهى.
وروى البيهقي من طريق عبدة بن سليمان الكلابي عن سعيد بن أبي عروبة عن
قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي وَلّر، ثم قال: هذا إسناد
صحيح، وليس في هذا الباب أصح منه، وروي موقوفًا، رواه غندر عن سعيد بن

٤٨١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
أبي عروبة، كذلك وعبدة نفسه محتج به في ((الصحيحين))، وقد تابعه على رفعه
أبو يوسف القاضي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن بشر عن سعيد بن
أبي عروبة. ساق الدارقطني بإسناده رواياتهم. قال البيهقي: من رواه مرفوعًا
حافظ ثقة، فلا يضره خلاف من خالفه، يعني؛ لأن من رفعه حفظ ما لم يحفظ من
وقفه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. قال: وعزرة هذا هو: عزرة بن يحيى،
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا علي الحافظ يقول ذلك. وقد روى
قتادة أيضًا عن عزرة بن تميم وعن عزرة بن عبد الرحمن، ثم ساق البيهقي روايات
أخر عن ابن عباس تؤيد الحديث المذكور.
وذكره الحافظ في ((التلخيص)) وقال بعد ذكر كلام البيهقي في تصحيحه: وكذا
رجح عبد الحق وابن القطان رفعه. وأما الطحاوي فقال: الصحيح أنه موقوف.
وقال أحمد بن حنبل: رفعه خطأ. وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعُهُ، وقال
الدار قطني: المرسل أصح. قال الحافظ: هو كما قال لكنه يقوي المرفوع؛ لأنه من
غير رجاله، ثم قال: فيجتمع من هذا صحة الحديث. وقال ابن تيمية: إن أحمد
حكم في رواية ابنه صالح عنه أنه مرفوع. فيكون قد اطلع على ثقة مَنْ رَفَعَهُ. قال:
وقد رفعه جماعة على أنه وإن كان موقوفًا فليس لابن عباس فيه مخالف. انتهى.
وقال النووي في ((شرح المهذب)): وأما حديث ابن عباس في قصة شبرمة، فرواه
أبو داود والدار قطني والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة، ثم ذكر لفظ أبي داود ثم
قال: وإسناده على شرط مسلم. والظاهر: أن النووي يظن أن عزرة المذكور في
إسناده هو ابن عبد الرحمن، وذلك من رجال مسلم؛ خلافًا لما جزم به البيهقي، ثم
قال النووي: ورواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس، ثم ذكر بعض ما ذكرنا
سابقًا من تصحيح البيهقي للحديث، وأن رفعه أصح من وقفه.
قلت: ويظهر من كلام الحافظ في ((التلخيص)) أن عزرة المذكور في إسناد
حديث شبرمة هو ابن عبد الرحمن، فقد قال: وأعلَّ الحديثَ ابنُ الجوزي بعزرة
فقال: قال يحيى بن معين: عزرة لا شيء. ووهم في ذلك، إنما قال ذلك في عزرة
ابن قيس، وأما هذا، فهو ابن عبد الرحمن ويقال فيه: ابن يحيى. وثقه يحيى بن
معين، وعلي بن المديني وغيرهما، وروى له مسلم. انتهى.

BBcx:
٤٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وبذلك جزم صاحب ((الجوهر النقي)) حيث قال بعد ذكر كلام البيهقي في نسب
عزرة: قلت: عزرة الذي روى عن سعيد بن جبير، وروى عنه قتادة هو: عزرة بن
عبد الرحمن الخزاعي، كذا ذكر البخاري في ((تاريخه)) وابن أبي حاتم وابن حبان
وصاحب ((الكمال)) والمزي، وليس في كتاب أبي داود أحد يقال له: عزرة بن
يحيى، بل ولا في بقية الكتبِ الستة. وترجم المنذري في أطرافه لهذا الحديث
فقال: عزرة بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفي ((تقييد المهمل))
للغساني: وروى مسلم عن قتادة عن عزرة، وهو: عزرة بن عبد الرحمن الخزاعي
عن سعيد بن جبير في كتابٍ اللباس. انتهى.
وأما إعلال الحديث بأن قتادة لم يصرح بسماعه من عزرة، وهوٍ إمام في
التدليس، فقد أُجيب عنه: بأن الحديث قد صحَّحه ابنُ حبان، وهذا يدلّ على أن
هذا الحديث عنده مما سمعه قتادة من شيخه عزرة، وإن لم يذكر سماعه فيه فقد قال
في مقدمة ((صحيحه)) (ج١: ص١٢٣): فإذا صحَّ عندي خبر من رواية مدلس أنه
بين السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي
من طريق آخر. انتهى. على أن قتادة قد وافقه في رفع الحديث عمرو بن دينار عن
عطاء عن ابن عباس عند الدارقطني وغيره، وله شاهد من حديث عائشة عند
الدار قطني أيضًا وأبي يعلى، وفي سنده ابن أبي ليلى، وفيه كلام ومن حديث جابر
عند الدار قطني والطبراني، وفيه ثمامة بن عبيدة وهو ضعيف. فتحصل من هذا كله
أن الحديث حسن أو صحيح صالح للاحتجاج. والله تعالى أعلم.
٢٥٥٤ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ وَهِ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ
الْعَقِيقَ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٥٥٤ - قوله. (وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ) قال الطبري:
العقيق: موضع قريب من ذات عرق قبلها بمرحلة أو مرحلتين. وفي بلاد العرب
(٢٥٥٤) أَبُو دَاوُد (١٧٤٠)، وَالتِّرْمِذِي (٨٣٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ، وَفِيهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادَةٍ، تَفَرَّذَّ بِهِ،
وَفِيهِ ضَعْفٌ.

٤٨٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
REXTE
مواضع كثيرة تسمى العقيق. منها: وادي العقيق الذي بقرب المدينة الذي ورد فيه
الحديث عن ابن عمر ﴿ًّا قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ◌َلّهبوادي العقيق يقول: «أَتَّانِي
اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ)) فإن هذا
بينه وبين المدينة أربعة أميال تقريبًا، وكل موضع شقه ماء السيل فوسعه، فهو عقيق
والجمع أعقة وعقائق. انتهى. وقال الأزهري في ((تهذيب اللغة)): يقال لكل مسيل
ماء شقه السيل فأنهره ووسعه: عقيق، قال: وفي بلاد العرب أربعة أعقة وهي أودية
عادية. منها: عقيق يدفق ماؤه في غور تهامة وهو الذي ذكره الشافعي، فقال: لو
أهلوا من العقيق؛ كان أحب إليَّ، وهذا غير العقيق الذي هو وادٍ بقربِ المدينة على
عدة أميال، والذي جاء ذكره في حديث ابن عمر المتقدم. وقال القاري: العقيق:
موضع بحذاء ذات العرق مما وراءه. وقيل: داخل في حدٍّ ذات العرق، وأصله:
كل مسيل شقه السيل، فوسعه من العق وهو القطع والشق. والمراد بأهل المشرق
من منزله خارج الحرم من شرقي مكة إلى أقصى بلاد الشرق وهم العراقيون،
والمعنى: حدَّ رسول اللّهِوَله وعين الإحرام أهل المشرق العقيق.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) من طريق وكيع عن سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن
محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس وأخرجه أيضا أحمد (ج١ :
ص٣٤٤) بهذا الإسناد، وقد رواه أبو داود عن أحمد بالإسنادِ المذكور، ورواه
البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٥: ص٢٨) من طريق أبي داود. وقال الترمذي:
هذا حديث حسن، وتعقّبهُ المنذريُّ فقال: في إسناده يزيد بن أبي زيادٍ وهو
ضعيف، وذکر البيهقيُّ أنه تفرد به. انتھی.
وقال الزيلعي (ج٣: ص١٤) بعد نقل كلام البيهقي المذكور عن ((معرفة
السنن)): قال ابن القطان: هذا حديث أخاف أن يكون منقطعًا، فإن محمد بن علي
ابن عبد الله بن عباس إنما عهد أن يروي عن أبيه عن جدِّهِ ابن عباس، كما جاء في
((صحيح مسلم)) في صلاته عليه الصلاة والسلام من الليل، وقال مسلم في كتاب
(التمييزِ)): لا نعلمُ له سماعًا من جدِّهِ، ولا أنه لقيه، ولم يذكر البخاري، ولا ابن
أبي حاتم أنه يروي عن جده وذكر أنه يروي عن أبيه. انتهى.
وقال الشيخ أحمد شاكر في ((شرح المسند)) (ج٥ : ص٧٣): إسنادُهُ صحيحٌ، ثم

٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذكر تخريجه وقال بعد نقل كلام المنذري والبيهقي وابن القطان عن ((نصب
الراية)): أما يزيد بن أبي زياد فثقة عندنا كما بينا في (٦٦٢)، وأما محمد بن علي بن
عبد الله بن عباس فقد سبقت روايته عن أبيه عن جده (٢٠٠٢) وذكر في ((التهذيب))
أنَّه: روى عن جدِّه: يقال: مرسل. ولكن الظاهر عندي: أنه أدرك جده عبد الله بن
عباس وسمع منه، فإنه من طبقة تدرك ذلك؛ إذ إن من الرواة عنه هشام بن عروة
وهو قديم، أدرك ابن عباس صغيرًا؛ فإنه ولد سنة (٦١)، أي: كانت سنه عند وفاة
ابن عباس فوق السابعة يقينًا، فشيخه لو كان أقدم منه ببضع سنين لما بعد أن يسمع
من جده وهو من أهله، بل أكثر من هذا أن من الرواة عنه أيضًا، أعني عن محمد بن
علي، حبيب بن أبي ثابت، وهو أقدم من هشام بن عروة، وسمع من ابن عمر،
وابن عباس، فأن يكون شيخه سمع من ابن عباس أولى، وقد ترجمه البخاري في
((الكبير)) (١٨٣/١/١) فذكر أنه روى عن أبيه، وهذا لا ينفي أنه روى عن جده
أيضًا، ولعله لم يسمع من جده إلا قليلًا، فكانت أكثر روايته عن أبيه عن جده، وإن
لم يمتنع أن يروي عن جده أيضًا. انتهى.
٢٥٥٥ - [٢٧] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ
ذَاتَ عِرْقٍ .
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ ]
الشرح
٢٥٥٥ - قوله: (وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ) تقدم ضبطها وهي موضع من
شرقي مكّة بينهما مرحلتان يوازي قرن نجد وهي والعقيق متقاربان لكن العقيق قبيل
ذات عرق. قال ابن الملك: كأنه وَّر عيَّن لأهل المشرق ميقاتين: العقيق، وذات
عرق، فمن أحرم من العقيق قبل أن يصل إلى ذات عرق، فهو أفضل، ومن جاوزه
فأحرم من ذات عرق؛ جاز ولا شيء عليه. انتهى.
وقال الشافعي: ينبغي أن يحرم من العقيق احتياطًا وجمعًا بين الحديثين. قلت:
(٢٥٥٥) أَبُو دَاوُد (١٧٣٩)، وَالنَّسَائِي (١٢٥/٥) مِنْ حَدِيثٍ عَائِشَةَ فِيهِ. وَنَحْوُهُ لِلنِّسَائِيِّ عَنِ الحَارِثِ بْنِ
عَمْرٍو السَّهْمِيِّ فيه.

٤٨٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
قد تقدَّم في شرح حديث جابر في المواقيت السابق في الفصل الأول الجمع بين
حديثي ابن عباس، وعائشة بوجوه فتذكر. وقال الطبري: واستحبَّ الشافعي
الإحرام من العقيق لأهل العراق لما وقع من الالتباس في ذات عرق، فإنه قد قيل :
إن ذات عرق خربت وحول بناؤها إلى صوب مكة، فعلى الآتي من العراق أن
يتحراها ويطلب آثارها، وذكر الشافعي أن من علامتها المقابر القديمة.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجَهُ أيضًا أحمدُ والطحاوي والدار قطني
(ص٢٦٢)، والبيهقي (ج٥: ص٢٨) كلَّهم من طريقِ المعافَى بن عمران عن أفلح
ابن حميد عن القاسم عن عائشة. وزاد النسائي والدار قطني، والبيهقي بقية
المواقيت. ورواه ابن عدي في ((الكامل))، ثم أسند عن أحمد بن حنبل أنه كان ينكر
على أفلح بن حميد هذا الحديث يعني ذكره في هذا الحديثِ لذات عرق، وقال
الحافظ في ((التلخيص)) (ج١: ص ٢٠٥): تفرَّد به المعافى بن عمران عن أفلح عن
القاسم. والمعافى ثقة. انتهى.
قلت: أفلح بن حميد ثقة، وزيادة العدل مقبولة، ولا يضره انفراد المعافى
أيضًا؛ لأنه ثقة، وكم من حديث صحيح غريب انفرد به ثقة عن ثقة، كما هو معلوم
في الأصول وعلم الحديث. وقال الذهبي في ترجمة أفلح بن حميد المذكور: وثّقه
ابن معين، وأبو حاتمٍ. وقال ابن صاعد: كان أحمد ينكر على أفلح بن حميد
وقوله: (وَلِأَّهْلِ الْعِرَاقِّ ذَاتَ عِرْقٍ) وقال ابن عدي في ((الكامل)): وهو عندي صالح
وهذا الحديث ينفرد به المعافى بن عمران عن أفلح عن القاسم عن عائشة، قلت :
هو صحيح غريب. انتهى كلام الذهبي.
وتراه صرَّح بأن هذا الحديث صحيح غريب مع أن هذا الحديث في توقيت
النبي بَ ◌ّ ذات عرق لأهل العراق أصله عند مسلم من حديث جابر، إلا أنَّ راويه
شك في رفعه كما بينا، لكن له شواهد متعددة، كما سبق بيانها في شرح حديث
جابر المذكور في الفصل الأول.

٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
٢٥٥٦ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ:
((مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ غُفِرَ لَهُ
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الشرح
٢٥٥٦ - قوله: (مَنْ أَهَلَّ) وفي رواية لأحمد والدارقطني: ((مَنْ أَحْرَمَ)).
(بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ) ((أو)) للتنويع. (مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) قيل: إنما خص المسجد
الأقصى لفضله، وفي رواية ابن ماجه: ((مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ)) وكذا وقع في رواية
لأحمد والدار قطني. (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ)، أي: من الصغائر ويرجى
الكبائر. (أَوْ وَجَبَتْ)، أي: ثبتت. (لَهُ الْجَنَّةَ)، أي: ابتداء، و((أو)) للشك من
الراوي، ورواه الدار قطني بلفظ: ((غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَوَجَبَتْ لَهُ
الْجَنَّةُ)) من غير شك. وفيه: إشارة إلى أن موضع الإحرام متى كان أبعد؛ كان
الثواب أكثر. قال الطبري: قد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى فضيلة تقديم
الإحرام عن الميقات، ويحتمل أن تكون هذه الخصيصة ثبتت لبيت المقدس دون
غيره، ولو كان لأجل البعد عن مكة لكان غيره مما هو بعد أولى بالذكر. وقال
الخطابي: فيه جواز تقديم الإحرام على الميقات من المكان البعيد مع الترغيب
فيه، وقد فعله غير واحد من الصحابة، وكره ذلك جماعة، أنكر عمر بن الخطاب
على عمران بن الحصين إحرامه من البصرة، وكرهه الحسن البصري، وعطاء بن
أبي رباح، ومالك بن أنس، وقال أحمد بن حنبل: وجه العمل المواقيت، وكذلك
قال إسحاق. قلت: يشبهُ أنْ يكونَ عُمر إنما كره ذلك شفقًا أن يعرض للمحرم إذا
بعدت مسافته آفة تفسد إحرامه ورأى أن ذلك في قصير المسافة أسلم. انتهى.
قلت: الأظهرُ أن عمر رأى أن ذلك باب في تعدي هدي الرسول وَلَه ومخالفة عن
أمره فيجر إلى فتنةٍ، وقد ذكر أبو شامة في كتاب ((البدع والحوادث)) أنَّ مالكًا سُئل
(٢٥٥٦) أَبُو دَاوُد (١٧٤١) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِيهِ.

٤٨٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
عمن يحرم قبل الميقات فقال: يظنُّ أنه أهدى من رسول اللَّه وَل وقد تقدَّم بسط
الكلام في ذلك في شرح حديث جابر في المواقيت في الفصل الأول فتذكر.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ) واللفظُ لأبي داود ولفظ ابن ماجه في رواية: ((مَنْ أَهَلَّ
بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ غُفِرَ لَهُ)) وفي أخرى: ((مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛
كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذَّنُوبِ» والحديثُ أخرجَهُ أيضًا أحمد (ج٦: ص٢٩٩)
وابن حبان بلفظ: ((غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ)) فقط. ورواه البيهقي (ج٥: ص٣٠)
بلفظ أبي داود. قال المنذري: قد اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافًا كثيرًا.
وقال النووي: إسناده ليس بالقوي. وقال ابن القيم: هذا الحديث قال غير واحد
من الحفاظ: إسناده ليس بالقوي، وقال الساعاتي في ((شرح المسند)) (ج١١ :
ص١١٢) بعد نقل كلام النووي: إسنادُهُ عند الإمام أحمد لا بأس به. انتهى. وأراد
بذلك ما رواه أحمد من طريق ابن إسحاق حدثني سليمان بن سحيم مولى آل جبير
عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي عن أمِّه أمّ حكيم بنت أمية بن الأخنس السلمية
عن أم سلمة، ومن هذا الطريق أخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، والدار قطني
(ص٢٨٢)، ويحيى بن أبي سفيان، ذكره الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) فقال:
يحيى بن أبي سفيان بن الأخنس الأخنسي المدني روى عن جدته، وقيل: أمه،
وقيل: خالته أم حكيم حكيمة بنت أمية بن الأخنس عن أم سلمة في الإحرام من
بيت المقدس، وروى عنه عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس ومحمد بن إسحاق بن
يسار، وقيل: بينهما سليمان بن سحيم. قال ابن أبي حاتم عن أبيه: شيخ من شيوخ
المدينة، ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). انتهى. وقال في
((التقريب)) في ترجمته: مستور. وقال في ترجمة أم حكيم حكيمة: إنها مقبولة.

٤٨٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٥٥٧ - [٢٩] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ، فَلَا
يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُواَ النَّاسَ، فَأَنْزَلَ
ج
الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٥٥٧ - قوله: (يَحُجُّونَ فَلاَ يَتَزَوَّدُونَ) قال الطيبي: كان الظاهر أن يقال:
(ولا يتزودون) على الحالِ، فجيء بالفاء لإرادة يقصدون الحج. قلت: كذا في
جميع نسخ ((المشكاة)) بالفاءِ، ووقع في ((صحيح البخاري)) و((سُنن أبي داود))
وغيرهما: ((وَلَا يَتَزَوَّدُونَ))، أي: بالواو، وهكذا ذكره ابن كثير وغيره، فالظاهر أن
ما وقع في ((المشكاة)) من تصرُّفِ الناسخ، وزاد ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن
عباس يقُولُون: نَحُجُّ بيتَ اللهِ أَفَلا يطعَمُنَا؟
(فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ)، أي: أهل مكة أو أعم منهم، الزاد حيث فرغت
أزودتهم، أو سألوا في مكة كما سألوا في الطريق فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ﴾
أي: خذوا زادكم من الطعام واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم
﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: من السؤال. قال الشوكاني: هو من إخبار
بأن خير الزاد اتقاء المنهيات، فكأنه قال: اتقوا الله في إتيان ما أمركم به من
الخروج بالزاد، فإن خير الزاد التقوى، وقيل: المعنى: فإن خير الزاد: ما اتقى به
المسافر من الهلكة والحاجة إلى السؤال والتكفف. انتهى.
وقيل: معنى الآية: وتزودوا لمعادكم التقوى - أي: الأعمال الصالحة التي هي
كالزاد إلى سفر الآخرة - فإنه خير زاد، فمفعول تزودوا محذوف بقرينة خبر إن،
وهو التقوى بالمعنى الشرعي، وما يدل عليه سبب نزول الآية أرجح وأقوى، وعلى
(٢٥٥٧) البخاري (٢٥٢٣) فیه عنه.

٤٨٩
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هذا يكون الزاد بمعناه الحقيقي الحسي، والتقوى بالمعنى اللغوي، أي: الاتقاء
والكف عن السؤال وإبرام الناس. وقال ابن كثيرٍ: لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا
أرشدهم إلى زاد الآخرةِ، وهو استصحابُ التقوى إليها، كما قال: ﴿وَرِيِشَّا وَلِيَاسُ
النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ٢٦] لما ذكر اللباس الحسي؛ نَّه مُرشدًا إلى اللباس
المعنوي، وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع. انتهى.
قال المهلبُ: في هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيدُهُ
أنَّ اللهَ مدح مَن لم يسأل الناس إلحافًّا، فإن قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ أي:
تزودوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك، قال: وفيه أن التوكل لا
يكون مع السؤال، وإنما التوكل المحمود أن لا يستعين بأحد في شيء، وقيل: هو
قطع النظر عن الأسباب بعد تهيئة الأسباب، كما قال رَالَ: ((اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ)) انتهى.
وقال القسطلاني: ليس في الحديث ذم التوكل؛ لأنَّ ما فعلوه تآكل لا توكل؛ لأن
التوكل قطع النظر عن الأسباب مع تهيئتها لا ترك الأسباب بالكلية، فدفع الضرر
المتوقع أو الواقع لا ينافي التوكّل، بل هو واجب كالهرب من الجدار الهاوي،
وإساغة اللقمة بالماء.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الحجِّ، وأخرجه أيضًا أبو داود في الحج والنسائي في
السير، والتفسير من ((السنن الكبرى))، والبيهقي (ج٤: ص٣٣٢)، وابن حبان في
((صحيحه)) وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم وغيرهم.
٢٥٥٨ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ
جِهَادٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ)) .
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشرح
٢٥٥٨- قوله: (عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟) بحذف الاستفهام، وفي ((المسند)):
((أَعَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ»؟ أي: بذكر همزة الاستفهام. ورواه ابن خزيمة في (صحيحه))
(٢٥٥٨) ابن مَاجَهْ (٢٩٠١) فیه عنه؛ وفيه قصة.

٤٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
CNNIBE **
بلفظ: هل على النِّساءِ من جِهَادٍ. (عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ) بل فيه اجتهاد ومشقة
سفر وتحمل زاد ومفارقة أهل وبلاد كما في الجهاد. (الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) بدل من جهاد
أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز نصبهما بتقدير أعني: قال السندي: أي: فإنَّ الحجّ
والعمرةَ يشبهان الجهاد في السفر والخروج من البلاد والتعب، أما مقاتلة الأعداء،
فلا تقوى عليها المرأة. وقال الأمير اليماني: قوله: ((عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟)» هو إخبار
يراد به الاستفهام، وقوله: ((لَا قِتَالَ فِيهِ)) إيضاح للمراد، وبذكره خرج عن كونه
استعارة، والجواب من الأسلوب الحكيم. وقوله: ((الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ)) كأنها قالت ما
هو؟ فقال: ((الحج والعمرة))، أطلق عليهما لفظ الجهاد مجازًّا، شبههما بالجهاد
وأطلقه عليهما بجامع المشقة. والحديث فيه: دليل على أن الجهاد ليس بواجب
على النساء، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك. وفيه إشارة إلى وجوب
العمرة وقد تقدم البحث عن ذلك.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) الحديث ذكرَهُ الحافظُ في ((بلوغ المرام)) بلفظِ ((المشكاةٍ))
وقال: رواه أحمد، وابن ماجه واللفظ له - أي: لابن ماجه. ولفظ أحمد: قَالتْ:
يا رسولَ اللهِ أَعَلَى النساءِ جهادٌ؟ قَالَ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ هُوَ جِهَادُ النِّسَاءِ». وإسنادُهُ
صحيحٌ، وأصلُّهُ في الصحيح. قال الأمير اليماني: أي: في ((صحيح البخاري))،
وأراد بذلك ما أخرجه البخاري من حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين
أنها قالت: يا رسولَ الله: نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: ((لا، لكن
أفضل الجهاد، حج مبرور)). وأفاد تقييد إطلاق رواية أحمد وابن ماجه للحج، وأفاد
أن الحج والعمرة تقوم مقام الجهاد في حق النساء، وأفاد أيضًا بظاهره أن العمرة
واجبة إلا أنه ورد ما يخالفه، انتهى. والحديثُ أخرجَهُ أيضًا ابنُ خزيمة كما في
((الترغيبٍ)) للمنذريِّ.

٤٩١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
٢٥٥٩ - [٣١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ: «مَنْ لَمْ
يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ، فَمَاتَ وَلَمْ
يَحُجَّ؛ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا)). [رَوَاهُ الْدَارِمِيُّ] {ضعيف}
الشرح
٢٥٥٩ - قوله: (حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ)، أي: فَقْدُ زاد وراحلة، فإن الاستطاعة شرط
الوجوب بلا خلاف، قاله القاري. (أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ)، أي: ظالم، وفيه: إشارة إلى
أن منعه بطريقِ الجور والعنف، فلا عبرة بمنعه على سبيل المحبة واللطف، وأيضًا
من الموانع للوجوب إذا كان في الطريق سلطان جائر بالقتل وأخذ الأموال،
فالسلامةُ منهما من شروط الأداء على الأصح، نعم إذا كان الأمن غالبًا، فيجبُ
على الصحيح. قاله القاري. (أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ)، أي: مانع من السفر؛ لشدته،
فسلامة البدن من الأمراض والعلل شرط الوجوب فحسب. وقيل: شرط الأداء.
فعلى الأول لا يجب الحج ولا الإِحجاج، ولا الإيصاء به على الأعمى والمقعد
والمفلوج والزمن والمقطوع الرجلين والمريض والشيخ الكبير الذي لا يثبت على
الراحلة. (فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا) حيث ترك
العمل بالكتاب مع إيمانه به وتلاوته وعلمه بمواضع الخطاب.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) (ص٢٢٥) وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور في ((السنن)) وأحمد،
وأبو يعلى والبيهقي (ج٤: ص ٣٣٤) كلهم من طريق شريك عن ليث بن أبي سليم
عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة، وهذا إسناد ضعيف؛ ليث قال في
((التقريب)) عنه: صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك، وشريك سيئ الحفظ،
وقد خالفَهُ سفيان الثوري فأرسله، رواه أحمد في كتاب ((الإ یمان)) له عن وكيع عن
سفيان عن ليثِ عن ابنِ سابطٍ قال: قال رسول اللَّهِ وَ له: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَلَمْ
يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ ظَالِمٌ أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ)) فذكرَهُ مرسلًا، وكذا
ذكره ابن شيبة عن أبي الأحوص عن ليث مرسلًا، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى
(٢٥٥٩) الدَّارِمِي (١٧٨٥) عنه.

٤٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عن شريك مخالفة للإسناد الأول وراويها عن شريك عمار بن مطر ضعيف، ذكره
الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٠٢) وللحديث شاهدان ضعيفان من حديث علي،
وهو ثاني أحاديث الفصل الثاني، ومن حديث أبي هريرة، وقد تقدَّم تخريجه هناك
مع الكلام عليه، وله شاهد صحيح من قول عمر بن الخطاب رَضِ فَهُ، رواه سعيد بن
منصور والبيهقي وقد ذكرنا لفظه في شرح حديث علي، وقد ذكرنا أيضًا أن مجموع
تلك الروايات لا يقصر عن كون الحديث حسنًا لغيره، وهو محتج به عند
الجمهور.
٢٥٦٠ - [٣٢] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((الْحَاجُ
وَالْعُمَّارُ وَقْدُ اللَّهِ، إِنْ دَعَوْهُ؛ أَجَابَهُمْ، وَإِن اسْتَغْفَرُوهُ؛ غَفَرَ لَهُمْ)).
[ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٥٦٠ - قوله. (الْحَاجُ)، أي: الفريق الحاج، والمراد به الجنس. قال
الطيبي: الحاج واحد الحجاج، وهو من إطلاق المفرد على الجمع باعتبار المعنى
للجنس مجاز معروف. (وَالْعُمَّارُ) بضم العين وتشديد الميم جمع العامر بمعنى
المعتمر، قال الزمخشري: لم يجئ فيما أعلم ((عمر)) بمعنى ((اعتمر))، لكن عمر اللّه
إذا عبده، فيحتمل أن يكون العمار جمع عامر من عمر بمعنى اعتمر وإن لم نسمعه
ولعل غيرنا سمعه وأن يكون مما استعمل منه في بعض التصاريف دون بعض، كما
قيل: يذر ويدع. (وَفْدُ اللَّهِ) الإضافة للتشريف والمراد وفد حرمه، أي: كجماعة
قادمون عليه ونازلون لديه ومقربون إليه. قال الزمخشري: الوفد الذين يقصدون
الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك، أي: إنهم بسفرِهِم قاصدون التقرب
إلى الله تعالى.
(إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ، وَإِنْ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ) وهذا في حج مبرور وعمرة كذلك
كما لا يخفى. قال ابن حجر: وجه إفراد الحاج وجمع ما بعده الإشارة إلى تميز
(٢٥٦٠) ابن مَاجَهْ (٢٨٩٢) فيه عنه أبي هريرة.

٤٩٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الحج بأن المتلبس به وإن كان وحده يصلح لأن يكون قائمًا مقام الوفد الكثيرين
بخلاف العمرة، فإنها لتراخي مرتبتها عن الحج لا يكون المتلبس بها وحده قائمًا
مقام أولئك. انتهى. قلتُ: قوله: ((الحَاجُّ)) كذا في جميع نسخ ((المشكاة)) بلفظ
المفرد، وهكذا وقع عند البيهقي في ((السنن)) (ج٥: ص٢٦٢)، والذي في ((سُنن
ابن ماجه)): ((الْحَجَّاجُ))، أي: بلفظ الجمع وكذا ذكره المنذري في ((الترغيب))،
وهكذا وقع في حديث جابر عند البزاز، وحديث أنس عند البيهقي في ((الشعب))،
وحديث ابن عمر عند تمام الرازي.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) وكذا البيهقي، وفي إسنادهما صالح بن عبد الله بن صالح مولى
بني عامر، قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال الحافظ في ((التقريب)):
مجهول .
٢٥٦١ - [٣٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((وَفْدُ اللَّهِ
ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ والبَيْهَقِيُّ فَيَ شُعَبِ الْإِيمَانِ] (حسن}
الشرح
٢٥٦١ - قوله: (وَقْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ)، أي: ثلاثة أشخاص أو أجناس. (الْغَازِي)
في سبيل الله. (وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ) المتميزون عن سائر المسلمين بتحمل المشاق
البدنية والمالية ومفارقة الأهلين. قال السندي: في ((القاموسِ)): وفدٍ إليه وعليه
يفد وفدًا ورد. وفي ((الصحاح)): وفد فلان على الأمير أي ورد رسولًا فهو وافد
والجمع وفد مثل صاحب وصحب، فالمعنى السائرون إلى اللّه القادمون عليه من
المسافرين ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين لاختصاص السفر بهم
عادة، والحديث إما بعد انقطاع الهجرة أو قبلها لكن ترك ذكرها؛ لعدم دوامها،
والسفر للعلم لا يطول غالبًا فلم يذكر، والسفر على المساجد الثلاثة المذكورة في
حديث: ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ» ليس بمثابة السفر إلى الحج ونحوه
فترك، ويحتمل أن لا يراد بالعدد الحصر. والله تعالى أعلم.
(٢٥٦١) النَّسَائِي (٥/ ١١٣) فيه عن أبي هريرة.

٤٩٤
Euty
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) في فضل الحج. (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)))، وكذا في
((السنن الكبرى)) (ج٥: ص٢٦٢)، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان في
((صحيحيهما))، وقدم ابن حبان الحاج والمعتمر كما في ((موارد الظمآن)) (ص ٢٤٠)
وفي الباب عن ابن عمر أخرجه ابن ماجه وابن حبان في ((صحيحه))، وعن جابر
أخرجه البزار برجال ثقات. وقال البوصيري: رواه إسحاق، والبزار بسند فيه:
محمد بن أبي حميد وهو ضعيف. انتهى. وعن أنس أخرجه البيهقي بسندٍ ضعيفٍ.
٢٥٦٢ - [٣٤] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِ: ((إِذَا لَقِيتَ
الْحَاجَّ فَسَلَّمْ عَلَيْهِ وَصَافِحْهُ، وَمُرْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَإِنَّهُ
مَغْفُورٌ لَهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشرح
٢٥٦٢ - قوله: (إِذَا لَقِيتَ الْحَاجَّ)، أي: بعد تمام حجه، وكذا عند قدومه من
حجه، وفي معناه المعتمر. (فَسَلَّمْ عَلَيْهِ)، أي: مبادرة إليه. (وَصَافِخْهُ)، أي: ضع
يدك اليمنى في يده اليمنى؛ تواضعًا إليه. (وَمُرْهُ) أمر من أمر أي: اسأله التمس
مِنْهُ. (أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ) أي: يطلب لك المغفرة من اللهِ، وقيل: يقول: استغفر الله
لي ولك، وفيه مبالغة عظيمة في حقه حيث ترجى مغفرة غيره باستغفاره. (قَبْل أَنْ
يَدْخُلَ بَيْتَهُ)، أي: محل سكنه، فإنه إذا دخل قد يخلط ويلهو ويتلوث بموجبات
غفلته. (فَإِنَّه) أي: الحاج. (مَغْفُورٌ لَهُ) الصغائر والكبائر إلا التبعات إذا كان حجه
مبرورًا، كما فيَّده في عدةِ أخبارٍ، ومن دعا له مغفور له؛ غفر له، فإن دعاء المغفور
له مقبول. قال المناوي: فتلقي الحاج والسلام عليه ومصافحته وطلب الدعاء منه
مندوب. وظاهر الحديث أن طلب الاستغفار منه موقت بما قبل الدخول، فإن
دخل؛ فات. قال: لكن الحديث محمول على الأولوية، فالأولى طلب ذلك منه
قبل دخوله، فلعله يخلط ويلهو .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص٦٩، ١٢٨) بسند ضعيف، ورمز السيوطى في ((الجامع
(٢٥٦٢) أَحْمَد (٦٩/٢) عنه.

٤٩٥
كِتَابُ المُنَاسِكِ
الصغير)) لحسنه، وليس كما قال. ففي سنده محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني،
وهو ضعيف وقد اتهمه ابن عدي، وابن حبان، وممن جزم بضعفه الحافظ الهيثمي
حيث قال (ج٤: ص١٦) بعد ذكره: رواه أحمد، وفيه: محمد بن البيلماني. وهو:
ضعيف .
٢٥٦٣ - [٣٥] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَنْ خَرَجَ
حَاجًا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًّا، ثُمَّ مَاتَ فِي طَرِيْقِهِ؛ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))]
وَالْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ)).
الشرح
٢٥٦٣ - قوله. (مَنْ خَرَجَ حَاجًا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًّا)، أي: قاصدًا للغزو في
سبيل الله. (ثُمَّ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ)، أي: قبل العمل. (كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي
وَالْحَاجِّ والْمُعْتَمِرِ) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ
اٌلَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُءُ عَلَى اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٠] قيل: فمن قال: إن من وجب عليه الحج وأخره
ثم قصد بعد زمان فمات في الطريق، كان عاصيًا فقد خالف هذا النص. ذكره
الطيبي. قال القاري: وفيه بحث؛ إذ ليس نص في الحديث على مطلوبه، فإنه
مطلق فيحمل على ما إذا خرج حاجًّا في أول ما وجب عليه، وخرج أهل بلده للحج
أو على ما إذا تأخر لحدوث عارض من مرض أو حبس أو عدم أمن في الطريق، ثم
خرج فمات، فإنه يموت مطيعًا، وأما إذا تأخر من غير عذرٍ حتى فاته الحج، فإنه
يكون عاصيًا بلا خلاف عندنا على اختلافٍ في أن وجوب الحج على الفور أو
التراخي، والصحيح هو الأول، ومع هذا يمكن أن نقول له أجر الحاج في الجملة،
فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. انتهى.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))) ويؤيده ما روي عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا
بلفظ: ((مَنْ خَرَجَ حَاجًا فَمَاتَ؛ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْخَاجُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَرَجَ مُعْتَمِرًا
(٢٥٦٣) البَيْهَقِي (٤١٠٠) في الشُّعَب عن أبي هُريرة.

٤٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فَمَاتَ، كُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْمُعْتَمِرِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَرَجَ غَازِيًّا فَمَاتَ؛ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ
الْغَازِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج٣: ص ٢٠٨،
٢٠٩) وقال: رواه الطبراني في «الأوسطِ))، وفيه جميل بن أبي ميمونة، وقد ذكره
ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
انتھی .
وحديث أبي هريرة هذا ذكره المنذري في ((الترغيب)) (ج٢: ص ٦٠) وقال:
رواه أبو يعلى من رواية محمد بن إسحاق، وبقية رواته ثقات، ونسبه الحافظ أيضًا
في ((المطالب العالية)) (ج١: ص٣٢٦) لأبي يعلى وسكت عليه. وقال البوصيري:
رواه أبو يعلى بسندٍ ضعيفٍ؛ لتدليس محمد بن إسحاق.

٤٩٧
كِتّابُ الْمُنَاسِكِ
١ - بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
(بَاب الْإِحْرَام والتَّلْبِيَةِ) قال القاري: حقيقة الإحرام: الدخول في الحرمة
والمراد الدخولَ في حرمات مخصوصة أي: التزامها، والتزامها شرط الحج
شرعًا، غير أنه لا يتحقق ثبوته إلا بالنية والتلبية أو ما يقوم مقامها، فعطف التلبية
على الإحرام من باب عطف الخاص على العام، أو مبني على القواعد الشافعية من
أن الإحرام هو النية فقط، أو المراد بالتلبية غير المقرونة بالنية من بيان ألفاظها
وأحوالها وفضائلها. انتهى.
وقال في ((غنية الناسك)) (ص٣٢، ٣٣): الإحرام لغة: الدخول في حرمة لا
تنتهك من الذمة وغيرها، وشرعًا الدخول في حرمات مخصوصة أي: التزامها غير
أن التزامها لا يتحقق شرعًا إلا بالنية مع الذكر أو الخصوصية ((فتح)) - قال في
((النهر)): فهما شرطان في تحققه لا جزءان لماهيته كما توهمه في ((البحر))، حيث
عرفه بنية النسك من الحج أو العمرة مع الذكر أو الخصوصية. انتهى.
والمراد بالذكرِ: التلبية ونحوها، وبالخصوصيةِ: ما يقومُ مقامها من تقليد
البدنة مع السوق، فلو نوى ولم يلب أو لبى ولم ينو لا يصير محرمًا، وهل يصير
محرمًا بالنية والتلبية أو بأحدهما بشرط الآخر؟ المعتمد ما ذكره الحسامُ الشهيدُ أنه
بالنيةِ لكن عند التلبية، كما يصير شارعًا في الصلاةِ بالنية لكن بشرط التكبير لا
بالتكبير، وعن أبي يوسف أنه يصيرُ بالنيةِ وحدها، وهو أحد قولي الشافعي؛ قياسًا
على الصوم بجامع أنهما عبادة كف عن المحظوراتِ، وقياسه على الصلاة أولى؛
لأنَّ التزام أفعال لا مجرَّد كف، بل التزام الكف شرط، فكان بالصلاة أشبه، فلا بدَّ
من ذكر يفتتح به أو بما يقوم مقامه مما هو من خصوصياته ((فتح)). انتهى.
وقال ابنُ جاسر النجدي في ((مفيد الأنام)): الإحرام أول الأركان، وهو في
اللغة: الدخول في التحريم، يقال: أشتى؛ إذا دخل في الشتاء، وأربع؛ إذا دخل
في الربيع، وأنجد؛ إذا دخل نجدًا، وأتهم؛ إذا دخل تهامة، وأصبح وأمسى؛ إذا
دخل في الصباح والمساء، وفي الشرع: نية الدخول في النسك وإن لم يتجرد من

٤٩٨
*=
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
= "
ثيابه المحظورة على المحرم لا نيته ليحج أو يعتمر سمي الدخول في النسك
إحرامًا؛ لأن المحرم بإحرامه حرم على نفسه أشياء كانت مباحة له من النكاح
والطيب والصيد، وأشياء من اللباس ونحوها، ومنه في الصلاة («تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ)).
انتھی .
وقال ابن قاسم الحنبلي: الإحرام لغة: الدخول في التحريم؛ لأنَّهُ يحرمُ على
نفسِهِ بنيته ما كان مباحًا له قبل الإحرام من النكاح والطيب والتقليم والحلق وأشياء
من اللباسِ ونحو ذلك. وشرعًا: نية الدخول في النسك مع التلبية أو سوق الهدي،
لا نية أن يحجَّ أو يعتمر، فإن ذلك لا يسمى إحرامًا، وكذا التجرد وترك سائر
المحظورات؛ لكونه محرمًا بدونها.
وقال الشيخُ - يعني: ابن تيمية: لا يكونُ الرجل محرمًا بمجرد ما في قلبه من
قصد الحج ونيته، فإن القصد ما زالَ في القلبِ منذ خرج من بلده، بل لابد من قول
أو عمل يصير به محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين. انتهى .
وفي ((تحفة المحتاج بشرح المنهاج)) لابن حجر الهيتمى المكي: الإحرام يطلق على نية
الدخول في النسك، وبهذا الاعتبار - أي المعنى - يعد ركنًا، وعلى نفس الدخول
فيه بالنية لاقتضائه دخول الحرم، كأنجد؛ إذا دخل نجدًا، وتحريم الأنواع الآتية .
وهذا هو الذي يفسده الجماع وتبطله الردة، وهو - أي المعنى الثاني - المراد هنا.
قال الشرواني في ((حاشيته)): قوله: ((يطلق على نية الدخول ... )) إلخ. أي: يطلق
شرعًا على الفعل المصدري، فيراد به نية الدخول في النسك، إذ معنى ((أحرم به))
نوى الدخول في ذلك، ويطلق على الأثر الحاصل بالمصدر، فيراد به نفس
الدخول في النسك، أي: الحالة الحاصلة المترتبة على النية. قال: وقد يقال:
المراد به - أي: بالنسك - هنا حالة حرم عليه بها ما كان حلالاً. انتهى.
وقال ابن دقيق العيد: الإحرامُ: الدخول في أحد النسكين والتشاغل بأعمالهما،
وقد كان شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام يستشكل معرفة حقيقة الإحرام
جدًّا، ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قيل: إنه النية اعترض عليه بأن النية شرط في الحج
الذي الإحرام ركنه وشرط الشيء غيره، ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست بركنٍ،
والإحرامُ ركنٌ هذا أو قريب منه، وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية في

٤٩٩
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
الابتداء. انتهى.
وفي ((الشرح الكبير)) للدردير: وركن الحج والعمرة ثلاثة: الأول: الإحرام
وهو: نية أحد النسكين مع قول أو فعل متعلقين به كالتلبية والتجرد من المخيط،
والراجح أنه النية فقط. قال الدسوقي: قوله ((الراجح النية))، أي: نية الدخول في
حرمات الحج أو العمرة، وأما التلبية والتجرد فكل منهما واجب على حدته يجبر
بالدم، انتهى. وقال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)): ينعقد الحج بمجرد النية
عندنا وإن لم ينطق به. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا ينعقد إلا بالنية والتلبية أو
سوق الهدي. وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحاب الشافعي: لا ينعقدُ إلا بالنيةِ
والتلبية خاصة، انتهى. وفي ((الهداية)): ولا يصير شارعًا في الإحرام بمجرد النية ما
لم يأت بالتلبية خلافًا للشافعي؛ لأنه عقد على الأداء، فلابد من ذكر، كما في
تحريمِة الصلاة، ويصيرُ شارعًا بذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية فارسية كانت أو
عربية، هذا هو المشهور عن أصحابنا، والفرقُ بينه وبين الصلاة على قولهما أن
باب الحج أوسع من باب الصلاة حتى يقام غير الذكر مقام الذكر كتقليد البدنِ،
فكذا غير التلبية وغير العربية.
قال ابن الهمام: قوله ((خلافًا للشافعي)) في أحد قوليه، وروي عن أبي يوسف
كقوله قياسًا على الصوم، إلى آخر ما قال. وقال ابن رشدٍ: اتفقوا على أن الإحرام
لا يكون إلا بنية، واختلفوا هل تجزئ النية فيه من غير التلبية؟ فقال مالك،
والشافعي: تجزئ النية من غير التلبية. وقال أبو حنيفة: التلبية في الحج،
كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه يجزئ عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية كما في
افتتاح الصلاة عنده. انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣: ص٢٨١): يستحب للإنسان
النطق بما أحرم به ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشيء واقتصر على مجرد النية كفاه
في قول إمامنا ومالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرَّدِ النيةِ حتى
تضاف إليها التلبية أو سوق الهدي؛ لما روي من حديث خلاد بن السائب الآتي في
الفصل الثاني، ولأنها عبادة ذات تحريم وتحليل، فكان لها نطق واجب
كالصلاة ... ولنا أنها عبادة ليس في آخرها نطق واجب، فلم يكن في أولها
كالصيام. والحديث المراد به الاستحباب، فإن منطوقه رفع الصوت، ولا خلاف
في أنه غير واجب، فما هو من ضرورته أولى، ولو وجب النطق لم يلزم كونه