Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كانوا يرون الاعتمار في أشهر الحج من أفجر الفجور، ففعله ولو مرات في ذي
القعدة، وهو من أشهر الحج؛ ليكون أبلغ في بيان جوازه، وأبلغ في إبطال ما
كانت الجاهلية عليه .
(إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ) بفتح الحاء وكسرها، والمراد: أي: انتهاء، وإلا فهي
بالنظر إلى الابتداء كانت في ذي القعدة واستشكل ابن التين هذا الاستثناء، فقال:
هو كلام زائد والصواب حذفه؛ لأنه عد التي مع حجته، فكيف يستثنيها أولًا؟
وأجاب عياض: بأن الرواية صواب، وكأنه قال: في ذي القعدة منها ثلاث
والرابعة عمرته في حجته، أو المعنى: كلها في ذي القعدة إلا التي اعتمر في
حجته؛ لأن التي في حجته كانت في ذي الحجة. (عُمْرَةً) بالنصب على البدلية
وبالرفع على أنه مبتدأ موصوف بقوله: (مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ) بحاء مضمومة فمهملة
مفتوحة فتحتية ساكنة، فموحدة مكسورة فتحتية ثانية مخففة، وقيل: مشددة،
أحد حدود الحرم على تسعة أميال من مكة. والخبر قوله: (فِي ذِي الْقَعْدَةِ)
والحديبية، قيل: اسم لبئر في طريق جدة، سميت بشجرة حدباء هناك. قال
الفاسي: يقال: إنها المعروفة الآن ببئر شمس. وقيل: شميس بالتصغير. وقال أبو
علي البغدادي: في كتاب ((النوادر)) الحديبية: مخففة الياء، موضع بين الحل
والحرم. وقال أبو عمر ابن عبد البر: الحديبية آخر الحل وأول الحرم. وقيل:
بعضها في الحل وبعضها في الحرم. وقيل: أكثرها في الحرم. وقال البخاري:
الحديبية خارج من الحرم، انتهى. ووقع في رواية لمسلم: ((أو زمن الحديبية))،
وهو شك من الراوي، والمعنى واحد. وفي رواية للبخاري: عمرة الحديبية في
ذي القعدة حيث صده المشركون، وكان توجهه ◌ّ من المدينة يوم الاثنين مستهل
ذي القعدة سنة ست، فخرج قاصدًا إلى العمرة وأحرم في ذي الحليفة، ولما بلغ
الحديبية صّدَّهُ قريش عن الوصول إلى البيت، ووقعت بينهم المصالحة على أن
يدخل مكة في العام المقبل، وتحلل هو وأصحابه من العمرة بالنحر، ثم الحلق
ورجع إلى المدينة، وعدوها من العُمَرِ مع عدم الطواف والسعي؛ لترتب أحكامها
من نحر الهدي والحلق، أي: الخروج من الإحرام، وقيل: باعتبار النية المترتب
عليه المثوبة .
وقال الكرماني: عمرة المحصر عن الطواف محسوبة بعمرة وإن لم تتم
٤٢١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
مناسكها، وعمرة الحديبية هي: العمرة الأولى من الأربع والثانية. ((عُمْرَةً))
بالنصب والرفع كما مر. (مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ)، وهي: عمرة القضاء أو
القضية سنة سبع.
(وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعْرَانَةِ) بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء وبكسر
العين وتشديد الراء لغتان، والأول ذهب إليه الأصمعي وصوبه الخطابي. قال ابن
المديني: أهل المدينة يثقلون وأهل العراق يخففون، وبالتخفيف قيدها المتقنون.
وقال الخطابي في ((تصحيف المحدثين)): إن هذا مما ثقلوه وهو مخفف وهي
موضع قريب من مكة معروف، بينها وبين الطائف وهي إلى مكة أقرب. قال
القاري: وهو على ستة أميال أو تسعة أميال وهو الأصح، وسمي هذا الموضع باسم
امرأة كانت تلقب بالجعرانة، وهي ريطة بنت سعد بن زيد بن عبد مناف، وقيل :
كانت من قريش، وهي المشار إليها في قوله تعالى: ﴿كَأَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدٍ
قُوَّةٍ أَنكَثًا﴾ [النحل: ٩٢] كانت تغزل من أول النهار إلى نصفه ثم تنقضه، فضربت بها
العرب مثلًا في الحمق ونقض ما أحكم من العقود وأبرم من العهود.
(حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ) بعد فتح مكة، وحنين بالتصغير: واد بينه وبين مكة
ثلاثة أميال. (فِي ذِي الْقَعْدَةِ)، وهي العمرة الثالثة، وكانت في سنة ثمان بعد فتح
مكة غزوة هوازن وغزوة الطائف. ويوم حنين هو: غزوة هوازن، لما قدم
رسول اللَّه ◌َل من الطائف، نزل الجعرانة، فقسم بها غنائم هوازن، ثم اعتمر
منها، فدخل مكة بهذه العمرة ليلًا، فقضى عمرته ثم خرج منها تحت ليلته إلى
الجعرانة فبات بها، فلما أصبح وزالت الشمس خرج منها في بطن سِرٍف حتى
جامع الطريق طريق المدينة بِسَرِف، ومن ثم خفيت هذه العمرة على كثير من
الناس. (وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ)، أي: مقرونة مع حجته وهي : الرابعة التي قرنها بحجة
الوداع سنة عشر، وهي أيضًا باعتبار إحرامها كانت في ذي القعدة، وفي الباب عن
ابن عباس عند أحمد (ج١: ص٢٤٦، ٢٧٦)، والترمذي وأبي داود وابن ماجه،
وسكت عنه أبو داود، والمنذري. ورجاله كلهم ثقات. وعن عائشة عند أحمد،
وأبي داود، والنسائي: أن رسول اللَّه وَل قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها بحجة
الوداع، وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري، وعن ابن عمر أنه سئل: كم اعتمر
النبيِ وَّ؟ قال: أربع. الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما.
٤٢٢
CCHONESE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهذه الأحاديث: تدل على أنه ◌َِّ اعتمر أربع عمرٍ:
الأولى: عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة.
والثانية: عمرة القضاء في السنة السابعة.
والثالثة: عمرة الجعرانة في السنة الثامنة بعد فتح مكة.
والرابعة: كانت مع حجته سنة عشرة، وكلها كانت في ذي القعدة إلا الرابعة،
فكانت في ذي الحجة، هذا هو الصحيح الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة.
وذهب إليه المحققون من المحدثين والفقهاء. وقد ورد ما يخالف ذلك في العدد
كحديث البراء التالي، وحديث ابن عمر أنه سئل: كم اعتمر رسول اللَّه وَ لَه؟ فقال:
مرتين. أخرجه أحمد (ج٢: ص ٧٠)، وأبو داود، والنسائي، وحديث عروة عن
عائشة، أن رسول اللَّه وَليل اعتمر عمرتين عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال.
أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده أن النبي ◌َّ اعتمر ثلاث عمر كل ذلك في ذي القعدة. أخرجه أحمد (ج٢:
ص ١٨٠)، وفيه: الحجاج بن أرطاة، وفيه كلام وقد وثق، وحديث عائشة عند
أحمد بإسناد صحيح: ((ما اعتمر رسول اللَّه ◌َ له إلا في ذي القعدة، ولقد اعتمر
ثلاث عُمَر))، وحديث عروة عن عائشة: ((أنه وَ ليل اعتمر ثلاث عمر، عمرتين في ذي
القعدة، وعمرة في شوال)). أخرجه سعيد بن منصور في ((سننه))، والبيهقي (ج٤:
ص٣٤٦)، وقوى الحافظ إسناده وحديث أبي هريرة قال: ((اعتمر رسول اللّه وَال
ثلاث عمر كلها في ذي القعدة))، أخرجه البيهقي (ج٤: ص٣٤٥)، وحديث جابر
بمثل حديث أبي هريرة عند البزار، والطبراني في ((الأوسط)). قال الهيثمي:
ورجاله رجال الصحيح. وحديث عمر بن الخطاب قال: اعتمر رسول اللَّهِ وَ له ثلاثًا
قبل حجه في ذي القعدة. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)).
قال الهيثمي: ورجاله ثقات، إلا أن سعيد بن المسيب اختلف في سماعه من
عمر. والجمع بين حديث أنس ومن وافقه، وبين أحاديث هؤلاء الصحابة أن من
قال: مرتين لم يعد العمرة التي كانت مع حجته؛ لأنها كانت مقرونة بحجه،
وكانت في ذي الحجة كما تقدم، وكأنه لم يعد أيضًا العمرة الأولى وهي عمرة
الحديبية؛ لكونها لم تتم، وإن كانت وقعت في ذي القعدة، أو عدها، ولم يعد
٤٢٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
*conneax:
عمرة الجعرانة؛ لخفائها عليه، لكونها ليلًا، ومن قال: ثلاثًا، لم يحسب العمرة
التي قرنها بحجته؛ لأن حديثه مقيد بكون ذلك في القعدة، والتي في حجته كانت
في ذي الحجة.
وقال ابن حزم: صدقت عائشة، وصدق ابن عمر، فإن رسول اللّه بَّه لم يعتمر
منذ هاجر إلى المدينة عمرة كاملة إلا اثنتين، كما قال ابن عمر، وهما عمرة القضاء
وعمرة الجعرانة عام حنين وَعَدَّتْ عائشة إلى هاتين العمرتين عمرة الحديبية التي
صُدَّ عنها بَّر، فأحل بالحديبية ونحر الهدي. والعمرة التي قرن مع حجة الوداع لم
يكمل أفعالها، فتألف قولاهما، وعلى ذلك يحمل قول أنس: أربع عمر، ولا
خلاف أنه وَّ اعتمر ثلاث عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة
الجعرانة.
والصحيح: أن الثلاث كانت في القعدة. واختلفوا هل اعتمر الرابعة؟ فمن
قال: إنه كان قارنًا أو متمتعًا في حجته عَدَّها أربعًا، ومن قال: إنه كان مفردًا عَدَّها
ثلاثًا. ويجوز على هذا نسبة الرابعة إليه؛ لأنه أمر الناس بها وعملت بحضرته.
وأمّا ما ورد مخالفًا لذلك في الزمن، كحديث ابن عمر عند الشيخين: أنه وَّل
اعتمر أربعًا: إحداهن في رجب، فيحمل على النسيان، كما صرحت بذلك
عائشة، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن نسي، وكذلك قال غير واحد من
المحدثين المحققين. وأمَّا ما وقع في رواية عائشة عند أبي داود، وسعيد بن
منصور، والبيهقي أنه بَّر اعتمر عمرة في شوال، فيجمع بينه وبين ما ورد في
الأحاديث الصحيحة أن الثلاثة كانت في ذي القعدة، بأن يكون ذلك وقع في آخر
شوال وأول ذي القعدة، ويؤيده ما وقع في رواية عائشة نفسها عند أحمد، وابن
ماجه بإسناد صحيح: أنه ما اعتمر رسول اللّه وَل إلا في ذي القعدة، وأمَّا ما رواه
الدار قطني عن عائشة قالت: خرجت مع رسول اللّه وَّل في عمرة رمضان فأفطر
وصمت، وقَصَرَ وأتممت ... الحديث. وقد قدمنا الكلام عليه في قصر الصلاة
(ج٢: ص٢٦٥). فقال ابن القيم: هذا الحديث غلط، فإن رسول اللّه وَ ثير لم يعتمر
في رمضان قط وَعُمَرُهُ مضبوطة العدد والزمان، ويرحم الله أم المؤمنين، ما اعتمر
رسول اللّهِوَ لّفي رمضان قط، وقد قالت عائشة رضيّا: لم يعتمر رسول اللَّه وَله إلا
في ذي القعدة. رواه ابن ماجه وغيره. ولا خلاف أن عُمَرَهُ لم تزد على أربع، فلو
٤٢٤
SeREk
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كان قد اعتمر في رجب؛ لكانت خمسًا، ولو كان قد اعتمر في رمضان؛ لكانت ستّا
إلا أن يقال: بعضهن في رجب، وبعضهن في رمضان، وبعضهن في ذي القعدة،
وهذا لم يقع. وإنما الواقع اعتماره وَّر في ذي القعدة، كما قال أنس، وابن
ت . انتهى.
رضَّـ
عباس، وعائشة
وقال القسطلاني: قد حكم الحفاظ بغلط هذا الحديث، يعني: حديث عائشة
عند الدار قطني؛ إذ لا خلاف أن عمره لم تزد على أربع. وقد عينها أنس وعدها،
وليس فيها ذكر شيء منها في غير ذي القعدة سوى التي مع حجته، ولو كانت له
عمرة في رجب، وأخرى في رمضان لكانت ستًّا، ولو كانت أخرى في شوال، كما
هو في سنن أبي داود عن عائشة، أنه عليه الصلاة والسلام اعتمر في شوال، كانت
سبعًا. والحق في ذلك: أن ما أمكن فيه الجمع؛ وجب ارتكابه؛ دفعًا للمعارضة،
وما لم يمكن فيه؛ حكم بمقتضى الأصح والأثبت.
وهذا أيضًا يمكن الجمع: بإرادة عمرة الجعرانة، فإنه عليه الصلاة والسلام
خرج إلى حنين في شوال، والإحرام بها في ذي القعدة، فكان مجازًا للقرب، وهذا
إن صح وحفظ، وإلا فالمعول عليه الثابت. والله أعلم.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الحج، وفي المغازي، ومسلم في الحج
واللفظ للبخاري في المغازي، وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود والترمذي،
والدارمي، والبيهقي (ج٤: ص٣٤٥).
٢٥٤٣ - [١٥] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ فِى
ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٥٤٣ - قوله: (اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ) لا
ينافي ما تقدم من حديث أنس وغيره كما سبق. قال القسطلاني: هذا لا يدل على
(٢٥٤٣) البُخَارِي (١٧٨١) فِيهِ عَنِ الْبَرَاءِ.
٤٢٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
نفي غيره؛ لأن مفهوم العدد لا اعتبار له.
وقيل: إن البراء لم يعد الحديبية؛ لأنها لم تتم، والتي مع حجته، لكونها دخلت
في أفعال الحج، وكلهن - أي: الأربعة - في ذي القعدة في أربعة أعوام على ما هو
الحق، كما ثبت عن عائشة وابن عباس ﴿ه: لم يعتمر رسول اللّه وَّ إلا في ذي
القعدة، ولا ينافيه كون عمرته التي مع حجته في ذي الحجة؛ لأن مبدأها كان في
ذي القعدة؛ لأنهم خرجوا لخمس بقين من ذي القعدة، كما في الصحيح، وكان
إحرامه بها في وادي العقيق قبل أن يدخل ذو الحجة، وفعلها كان في ذي الحجة،
فصح طريقا الإثبات والنفي.
(رَوَاه الْبُخَارِيُّ) من طريق يوسف بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن البراء،
وروى أحمد (ج٤: ص٢٩٧) من طريق زكريا عن أبي إسحاق عن البراء قال:
اعتمر رسول اللّه وَّل قبل أن يحج، واعتمر قبل أن يحج، فقالت عائشة: لقد علم
أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج فيها. وليس في رواية البراء هذه ما يدل نصًّا
على عدد عمره، ولا ما يدل على وقت عمرته من أي شهر. وروى أيضًا أحمد
(ج٤: ص٢٩٨)، والترمذي من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء: أن
النبي وَلِّ اعتمر في ذي القعدة.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وليس فيه ما يدل على عدد عمره في
ذي القعدة، هل اعتمر فيه مرة أو مرتين أو ثلاثًا، لكن الظاهر: أن المراد بيان عمرة
الحديبية وعمرة القضاء، كما وقع في رواية أحمد أيضًا (ج٤: ص٢٩٨) من طريق
حجين عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء. والله أعلم.
٤٢٦
ee
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الفصل الثاني
٢٥٤٤ - [١٦] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ)». فَقَ الْأَفْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَام
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لَوْ قُلْتُهَا: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَّبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَاً
وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا، وَالْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ؛ فَتَطَوُّعٌ)). [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢٥٤٤ - قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) خطاب عام يخرج منه غير المكلف. (كَتَبَ
عَلَيْكُمُ الْحَجَّ)، أي: فرض بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. (فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ) بن عقال بن محمد بن سفيان بن
مجاشع التميمي المجاشعي الدارمي وفد علَّى النبي ◌ِّ، وشهد فتح مكة وحنيئًا
والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه. قال ابن إسحاق: قدم
الأقرع بن حابس على رسول اللّه ◌َ له مع عطارد بن حاجب بن زرارة، والزبرقان بن
بدر، وقيس بن عاصم وغيرهم من أشرافٍ تميم بعد فتح مكة، وقد كان الأقرع
وعيينة بن حصن الفزاري شهدا مع رسول اللّه ◌َ ل فتح مكة وحنينًا والطائف، فلما
قدم وفد تميم كانا معه، فلما قدم وفد بني تميم المدينة ودخلوا المسجد نادوا
النبي وَلّ من وراء حجرته: أن اخرج علينا يا محمد، فآذى ذلك من صياحهم
النبي وَ لَّ فخرج إليهم فقالوا: يا محمد، جئناك نفاخرك، ونزل فيهم القرآن: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾﴾ [الحجرات: ٤] والأقرع بن
حابس هو القائل لرسول اللّه وَّليه: إن مَدْحي زين، وإن ذمي شين، فقال رسول الله
وَلَّه : (ذَلِكُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ)) .
قال ابن دريد: اسم الأقرع: فراس، ولقب الأقرع، لقرع كان به في رأسه،
والقرع انحصاص الشعر، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، وشهد مع خالد بن
(٢٥٤٤) أَبُو دَاوُد (١٧٢١)، وَالنَّسَائِي (١١١/٥) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٤٢٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الوليد حرب أهل العراق وكان على مقدمته. واستعمله عبد الله بن عامر على جيش
سَيَّرَهُ إلى خراسان، فأصيب هو والجيش بالجوزجان، وذلك في زمن عثمان.
(أَفِي كُلِّ عَام؟)، أي: أكتب في كل عام قياسًا على الصوم، والزكاة، فإن
الأول: عبادة بدَّئية. والثاني: طاعة مالية والحج مركب منهما. (لَوْ قُلْتُهَا)، أي:
في جواب كلمة الأقرع. (نَعَمْ)، أي: بالوحي أو الاجتهاد، قاله القاري. وقال ابن
حجر: قوله: (لَوْ قُلْتُهَا: نَعَمْ)، إنه بدل من الضمير الراجع لما علم مما قبله، وهو
حجة كل عام.
قلت: الحديث رواه أحمد ثمان مرات، وليس في موضع منها: (لَوْ قُلْتُهَا: نَعَمْ)
فلفظه في الموضع الأول والثاني (ج١: ص٢٥٥، ٢٩٠، ٢٩١): (لَوْ قُلْتُهَا
لَوَجَبَتْ))، أي: بدون لفظة ((نعم)). وهكذا ذكره البغوي في ((المصابيح))، والمجد
في ((المنتقى))، وكذا وقع في رواية الدارمي والبيهقي، وفي الموضع السابع (ج١ :
ص٣٧١)، والثامن (ج١: ص٣٧٢): ((لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ))، أي: بدون ضمير
المؤنث، وهكذا في رواية النسائي والحاكم والدار قطني، وفي الموضع الثالث
(ج١: ص٢٩٢)، والخامس (ج١: ص٣٢٣)، والسادس (ج١: ص٣٢٥): ((لَوْ
قُلْتُ: كُلَّ عَامٍ، لَكَانَ))، وفي الموضع الرابع (ج١: ص٣٠١): ((لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، كُلَّ
عَامٍ، لَكَانَ كُلٍّ عَام))، فالظاهر أن ما وقع في نسخ ((المشكاة)) (لَوْ قُلْتُهَا: نَعَمْ)، أي:
بالجمع بين ضميرَّ المؤنث وقوله: ((نعم)) خطأ من الناسخ، والعلم عند الله تعالى.
(لَوَجَبَتْ)، أي: الحجة في كل عام. (وَلَوْ وَجَبَتْ)، أي: بالفرض والتقدير
ابتداء، أو بناء على الجواب. (لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا)، أي: لكمال المشقة فيها. (وَلَمْ
تَسْتَطِيعُوا)، قال القاري: أي: ولم تطيقوا لها ولم تقدروا عليها، فهو إما عطف
تفسير والخطاب إجمالي للأمة أو للحاضرين والباقون على التبعية، ويؤيده أنه في
رواية: ((وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا))، أي: كلكم من حيث المجموع، وإما عطف
تغاير وعدم الاستطاعة مختص بمن يكون بعيدًا عن الحرم، وهذه الاستطاعة أريد
بها القدرة على الفعل، والاستطاعة في الآية إنما هي الزاد والراحلة، فلا تنافي
بينهما. انتهى. قلت: وقع في رواية أحمد (ج١: ص٢٩١): ((لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ
تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا))، أي: بواو العطف وكذا عند البيهقي.
٤٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي أخرى لأحمد (ج١: ص ٢٥٥): ((لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا - أَوْ - لَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ
تَعْمَلُوا بِهَا))، أي: بحرف ((أَوْ))، وهكذا عند الحاكم (ج٢: ص٢٩٣). (وَالْحَجُّ)،
وفي بعض النسخ الحج أي: بدون الواو وهكذا وقع عند أحمد (ج١: ص٢٩١)،
والدارمي، والحاكم، والبيهقي، وكذا ذكره المجد في ((المنتقى)) والبغوي في
((المصابيح)) والزيلعي وابن كثير. (مَرَّةٌ) مبتدأ وخبر، أي: وجوب الحج مرة
واحدة. (فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ)، كذا في جميع النسخ، وهكذا في ((المصابيح))،
و((السنن)) للبيهقي، و((المستدرك)) للحاكم (ج٢: ص٢٩٣)، وفي المسند: ((فَهُوَ
تَطَوٌُّ))، وهكذا عند أبي داود، أي: من زاد على مرة فحجته، أو فزيادته تطوع.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) في مسنده ثمان مرات مطولًا ومختصرًا. (وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ)
وأخرجه أيضًا أبو داود وابن ماجه والدار قطني (ص ٢٥٥، ٢٨٠)، والحاكم (ج١ :
ص ٤٤١، ٤٧٠، وج٢: ص٢٩٣)، وابن الجارود (ص١٤٧)، والبيهقي (ج٤
ص٣٢٦)، والطيالسي (ص٣٤٨) وهو حديث صحيح. قال الحاكم: صحيح على
شرط الشيخين، وأقره الذهبي.
٢٥٤٥ - [١٧] وَعَنْ عَلِيِّ رَضِالثَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((مِنْ مَلَكَ
زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلَّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ
نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارََ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧])).
وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ تَجْهُولٌ، وَالْحَارِثُ يُضَغَّفُ فِي الْحَدِيثِ]
الشرح
٢٥٤٥ - قوله: (مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً)، أي: ولو بالإجارة، والزاد: ما
يتخذ من الطعام للسفر والجمع أزودة وأزواد، والراحلة: من الإبل: ما كان منها
صالحًا لأن يرحل؛ للذكر والأنثى، والتاء للمبالغة، أي: لا للتأنيث، وقيل: للنقل
من الوصفية إلى الاسمية، والجمع: رواحل، وفي معنى الراحلة: ما حدث من
(٢٥٤٥) التِّرْمِذِي (٨١٢) فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَوَهُ وَضَعَّفَهُ.
٤٢٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
المراكب البرية والبحرية والهوائية الجوية. (تُبلَّغُهُ) بتشديد اللام وتخفيفها، أي :
توصله. (إِلَى بَيْتِ اللهِ) ترك ذكر نفقة العود للظهور. (وَلَمْ يَحُجَّ) بفتح الجيم
المشددة ويجوز ضمها وكسرها.
(فَلَا عَلَيْهِ)، أي: فلا بأس ولا مبالاة، ولا تفاوت عليه. (أَنْ يَمُوتَ)، أي: في
أن يموت أو بين أن يموت. (يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا) في الكفر إن اعتقد عدم الوجوب،
وفي العصيان إن اعتقد الوجوب، وقيل: هذا من باب التغليظ الشديد والمبالغة في
الوعيد لمن اعتقد وجوبه وتساهل في الأداء وهو قادر عليه، والأظهر أن وجه
تخصيص الطائفتين بالذكر كونهما من أهل الكتاب غير عاملين به، فشبه بهما من
ترك الحج حيث لم يعمل بكتاب الله تعالى ونبذه وراء ظهره، قاله القاري. وقال
الطيبي: قوله: ((فَلَا عَلَيْهِ))، إلخ. أي: لا يتفاوت عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًا،
والمعنى: أن وفاته في هذه الحالة ووفاته على اليهودية والنصرانية، سواء فيما فعله
من كفران نعمة الله تعالى وترك ما أمر به والانهماك في معصيته، وهو من باب
المبالغة والتشديد والإيذان لعظمة شأن الحج، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ
اُللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فإنه وضع فيه ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ موضع ومن ((لَمْ يَحُجَّ)»
تعظيمًا للحج وتغليظًا على تاركه. انتهى. وقال الشيخ ولي الله الدهلوي في ((حجة
الله)): ترك ركن من أركان الإسلام يشبه الخروج عن الملة، وإنما شبه تارك الحج
باليهودي والنصراني، وتارك الصلاة بالمشرك؛ لأن اليهود والنصارى يصلون ولا
يحجون، ومشرکو العرب یحجون ولا يصلون. انتهى.
وقال المحب الطبري: الإجماع منعقد على أن هذا ليس على ظاهره، وأن من
مات من المسلمين ولم يحج وكان قادرًا عليه لا يكون تركه الحج مخرجًا له عن
الإسلام، وهو محمول على المستحل لذلك، فيكفر به، أو أن فعله أشبه فعل
اليهودي والنصراني. (وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ)، أي: ما ذكر من شرط الزاد والراحلة
والوعيد على ترك هذه العبادة؛ لأن الله (تَبَارََكَ) تكاثر خيره وبره. (وَتَعَالَى) عظمته
وغناه .
(يَقُولُ)، أي: في كتابه. (﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾)، أي: واجب عليهم. (﴿حِجُ
اُلْبَيْتِ﴾) بفتح الحاء وكسرها لغتان وقراءتان سبعيتان في مصدر حج بمعنى قصد.
٤٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
(﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ﴾) منهم. (﴿إِلَيْهِ﴾)، أي: إلى حج البيت الحرام؛ لأنه المحدث عنه
وإن كان يحتمل رجوع الضمير للبيت لكن الأول أولى، والناس عام مخصوص
بالمستطيع قد خصص ببدل البعض وهو قوله: ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ﴾؛ لأنه من
المخصصات عند الأصوليين، فالحج فرض على المكلف المستطيع إليه سبيلاً،
وهو الذي يقدر على الوصول إليه بأيِّ مركوب يناسبه وزاد يتزوده؛ ولهذا أتى بهذا
اللفظ الذي يمكن تطبيقه على جميع المركوبات الحادثة، والتي ستحدث وهذا من
آيات القرآن حيث كانت أحكامه صالحة لكل زمان وكل حال، ولا يمكن الصلاح
التام بدونها .
(﴿سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧])، أي: طريقًا وفسر ◌َل استطاعة الطريق بالزاد والراحلة.
رواه عنه غير واحد من الصحابة وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث ابن عمر. قال
الشوكاني: اللام في قوله: ((للَّهِ)) هي التي يقال لها: لام الإيجاب والإلزام، ثم زاد
هذا المعنى تأكيدًا حرف ((عَلَى))، فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند
العرب، كما إذا قال القائل: لفلان عَلَيَّ كذا. فذكر الله سبحانه الحج بأبلغ ما يدل
على الوجوب؛ تأكيدًا لحقه وتعظيمًا لحرمته، وهذا الخطاب شامل لجميع الناس،
لا يخرج منه إلا من خصصه الدليل كالصبي والعبد. وقوله: ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ﴾ في
محل جر على أنه بدل بعض من الناس، وبه قال أكثر النحويين. انتهى. والحديث
مع الآية صريح في تشديد الوعيد على من ملك زادًا وراحلة ولم يحج، وقد استدل
بظاهره من ذهب إلى وجوب الحج على الفور، وقال: لو كان على التراخي لما
کان للتوعد معنى.
وأجاب عنه من ذهب إلى أن الحج على التراخي: بأنه لا حجة فيه إمَّا على تأويل
أنه محمول على المستحل لذلك، فيكفر به فظاهر، وإمَّا على تأويل أن فعله أشبه
فعل اليهوديِّ والنصرانيِّ فغايته أن يدل على تأثيمه، ونحن نقول بذلك وهو أصح
قولي الشافعي، والتأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة. وسيأتي الكلام عليه في
شرح حديث ابن عباس الآتي.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي
في ((الشعب)) كلهم من طريق هلال أبي هاشم الخراساني، عن أبي إسحاق
الهمداني، عن الحارث عن علي. (وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الراوي
٤٣١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
للحديث عن أبي إسحاق. (مَجْهُولٌ)، وسئل إبراهيم الحربي عنه فقال: مَنْ هلال؟
وقال ابن عدي: يعرف بهذا الحديث، وليس الحديث بمحفوظ. وقال العقيلي: لا
يتابع عليه، وذكر الذهبي حديث علي هذا في ترجمة هلال بن عبد الله المذكور،
وقال: قال البخاري: منكر الحديث. وقال الترمذي: مجهول، وقال العقيلي: لا
يتابع على حديثه، وقال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمته: متروك، وقد روي عن
علي موقوفًا ولم يرو مرفوعًا من طريق أحسن من هذا، وقال المنذري: طريق أبي
أمامة على ما فيها أصلح من هذه.
(وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ) الحارث هذا هو ابن عبد الله الأعور الهمداني
الحوتي الكوفي، وقد تقدم ترجمته في (ج٣: ص٦٧). اعلم: أنه ورد في ترهيب
من قدر على الحج فلم يحج أحاديث: منها: حديث علي وقد عرفت حاله، ومنها:
حديث أبي أمامة وهو ثالث أحاديث الفصل الثالث، وقد أخرجه الدارمي، وسعيد
ابن منصور في ((السنن)) وأحمد وأبو يعلى والبيهقي من طرق عن شريك عن ليث بن
أبي سليم عن ابن سابط عن أبي أمامة بلفظ: ((مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ مَرَضٌ أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ،
أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، فَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا)) لفظ البيهقي. ولفظ
أحمد: ((مَنْ كَانَ ذَا يَسَارٍ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ ... )) الحديث. وليث ضعيف وشريك سيئ
الحفظ وقد خالفه سفيان الثوري فأرسله، رواه أحمد في كتاب ((الإيمان)) له، عن
وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط، قال: قال رسول اللَّه وَّلَ: ((مَنْ مَاتَ وَلَمْ
يَحُجَّ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَرَضٌ حَابِسٌ، أَوْ سُلْطَانٌ ظَالِمٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ)) فذكره
مرسلًا، وكذا ذكره ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن ليث مرسلًا، أورده أبو يعلي
من طريق أخرى عن شريك مخالفة للإسناد الأول، وراويها عن شريك عمار بن
مطرف ضعيف.
وقال الذهبي في ((الميزان)) بعد أن ذكر طريق أبي يعلى هذه في ترجمة عمار بن
مطر الرهاوي المذكور الراوي عن شريك: هذا منكر عن شريك. ومنها: حديث
أبي هريرة رفعه: ((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ وَجَعْ حَابِسٍٍ، أَوْ حَاجَةٍ
ظَاهِرَةٍ، أَوْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، فَلْيَمُتْ أَيّ الْمَيْتَتَيْنِ شَاءَ: إِمَّا يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا)) رواه ابن
عدي من حديث عبد الرحمن القطامي، عن أبي المهزم وهما متروكان عن أبي
هريرة .
٤٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٠٣) بعد ذكر هذه الروايات: وللحديث طريق
صحيحة إلا أنها موقوفة رواها سعيد بن منصور والبيهقي (ج ٤: ص ٣٣٤) عن عمر
ابن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى أهل الأمصار، فينظروا كل من
كان له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.
لفظ سعيد، ولفظ البيهقي: أن عمر قال: لِيَمُتْ يهوديًّا أو نصرانيًّا، يقولها ثلاث
مرات، رجل مات ولم يحجَّ وجد لذلك سعة، وخليت سبيله. قال الحافظ: وإذا
انضم هذا الموقف إلى مرسل بن سابط عُلِمَ أنَّ لهذا الحديث أصلًا، ومحله على
من استحل الترك وتبين بذلك خطأ من ادَّعى - يريد به ابن الجوزي، فإنه ذكره في
الموضوعات - أنه موضوع. انتهى.
وقال البيهقي بعد رواية حديث أبي أمامة: وهذا وإن كان إسناده غير قوي، فله
شاهد من قول عمر بن الخطاب رَوثَهُ، وقال الشوكاني في ((النيل)) بعد أن ساق طرق
هذه الأحاديث: وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، وبذلك تتبين مجازفة ابن
الجوزي في عَدِّهِ لهذه الأحاديث من الموضوعات، فإن مجموع تلك الطرق لا
يقصر عن كون الحديث حسنًا لغيره وهو محتج به عند الجمهور ولا يقدح في ذلك
قول العقيلي والدار قطني: لا يصح في الباب شيء؛ لأن نفي الصحة لا يستلزم نفي
الحسن. انتهى. وقد استدل بهذه الأحاديث على وجوب الحج على الفور؛ لأنها
تصرح أنه لا يمنعه من الإثم إلا مانع يمنعه من المبادرة إلى الحج كالمرض، أو
الحاجة الظاهرة، أو السلطان الجائر، فلو كان تراخيه لغير العذر المذكور؛ لكان
قد مات وهوٍ آثم بالتأخير، فدلَّ على أن وجوب الحج على الفور، وأنه لا يجوز
التأخير فيه إلا لعذٍ .
٤٣٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
٢٥٤٦ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا صَرُورَةَ
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
فِي الإِسْلام)).
الشرح
٢٥٤٦ - قوله: (لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَام)، الصرورة: بفتح الصاد وضم الراء
المهملتين وإسكان الواو وفتح الراء على وزن الضرورة من الصر بفتح الصاد وهو
الحبس والمنع. قال اللحياني: رجل صرورة لا يقال إلا بالهاء. وقال ابن الجني:
رجل صرورة، امرأة صرورة ليست الهاء التأنيث الموصوف بما هي فيه، وإنما
لحقت لإعلام السامع أن هذا الموصوف بما هي فيه قد بلغ الغاية والنهاية، فجعل
تأنيث الصفة أمارة لما أريد من تأنيث الغاية والمبالغة. انتهى. قال في ((المصباح
المنير)»: الصرورة بالفتح: الذي لم يحج، وهذه الكلمة من النوادر التي وصف بها
المذكر والمؤنث مثل: ملوكة وفروقة، ويقال أيضًا: صروريّ على النسبة
وصارورة ورجل صرورة لم يأت النساء. سمي الأول بذلك؛ لصره على نفقته؛ لأنه
لم يخرجها في الحج، وسمي الثاني بذلك؛ لصَرِّوٍ على ماء ظهره وإمساكه. انتهى.
قلت: قد فسر الصرورة في الحديث بثلاثة معان:
الأول: أنه الذي لم يحج قط وهو نفي معناه النهي، أي: لا يترك الحج في
الإسلام من استطاعه، فمن ترك الحج مع الاستطاعة، فقد منع عن نفسه الخير.
وقال القاري: أي: من لم يحج بعد أن يكون عليه لا يكون في الإسلام. قال الطيبي:
فدل ظاهره على أن من يستطيع الحج ولم يحج ليس بمسلم كامل. وقال القاضي:
ظاهر الكلام يدل على أن تارك الحج ليس بمسلم، والمراد منه: أنه لا ينبغي أن
يكون في الإسلام أحد يستطيع الحج ولا يحج، فعبر عنه بهذه العبارة للتشديد
والتغليظ. انتهى. وقيل: معناه: لا يطلق على من لم يحج صرورة في الإسلام،
كان يطلق عليه في الجاهلية، يدل عليه ما روى البيهقي (ج٥: ص١٦٥)،
والطبراني في ((الكبير)) عن ابن مسعود، قال: لا يقولن أحدكم. إني صرورة، فإن
(٢٥٤٦) أَبُو دَاوُد (١٧٢٩)، وَالحَاكِمُ (١ / ٤٤٨) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
٤٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المسلم ليس بصرورة، وما روى الدارقطني (ص٢٨٦)، والبيهقي (ج٥:
ص١٦٤، ١٦٥) عن ابن عباس: أن النبي وَّ نهى أن يقال للمسلم: صرورة.
الثاني: أنه الذي قد انقطع عن النكاح وتبتل على مثل رهبانية النصارى، فنهي
عن ذلك. قال الزرقاني: ويسمى من لم يتزوج صرورة أيضًا؛ لأنه صر الماء في
ظهره وتبتل على مذهب الرهبانية. انتهى. وقال القاري: وقيل: المراد بالصرورة
التبتل وترك النكاح، أي: ليس في الإسلام، بل هو في الرهبانية، وأصل الكلمة
من الصر وهو الحبس.
الثالث: أن المراد من قَتَلَ فِي الحرم قُتِل، ولا يقبل قوله: إني صرورة ما
حججت ولا عرفت حرمة الحرم، كان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثًا، فلجأ
إلى الكعبة لم يهج، فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم، قيل: هو صرورة فلا تهجه،
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص٢٧٨): الصرورة تفسر تفسيرين: أحدهما:
أن الصرورة هو الرجل الذي قد انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبانية
النصارى، ومنه قول النابغة :
لَوْ أَنَّهَا عَرَضَتْ لِأَشْمَطِ رَاهِبٍ عَبَدَ الْإِلَهَ صَرُورَةٍ مُتَلَبِّدٍ
والوجه الآخر أن الصرورة هو: الرجل الذي لم يحج، فمعناه على هذا أن سنة
الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج فلا يحج، حتى لا يكون صرورة في
الإسلام. انتهى.
قال ابن الأثير (ج١: ص٢٨١): حديث: ((لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ))، قال أبو
عبيد: هو في الحديث التبتل وترك النكاح، أي: ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا
أتزوج؛ لأنه ليس من أخلاق المؤمنين وهو فعل النصارى. والصرورة أيضًا: الذي
لم يحج قط، وأصله من الصر الحبس والمنع. وقيل: أراد من قتل في الحرم قتل،
إلى آخر ما ذكرنا في بيان المعنى الثالث، والظاهر: أن أبا داود، والحاكم والبيهقي
رجحوا أن الصرورة في الحديث هو الذي لم يحج، فأخرجوا الحديث في أبواب
الحج.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٣١٢)، والحاكم (ج١ :
ص٤٤٨)، والبيهقي (ج٥: ص١٦٤) كلهم من طريق ابن جريج عن عمر بن عطاء
عن عكر مة عن ابن عباس، وقد سكت عنه أبو داود.
٤٣٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الشيخ
أحمد محمد شاكر في تعليقه على هذا الحديث في ((شرح المسند)» (ج٤:
ص٣٠٣): إسناده صحيح، عمر بن عطاء راوي الحديث عن عكرمة - هو عمر بن
عطاء بن أبي الخوار بضم الخاء وتخفيف الواو وآخره راء ثقة، وثقه ابن معين وأبو
زرعة وغيرهما، وأَعَلَّ بعضهم هذا الحدیث وضعفه، بأن عمر بن عطاء فيه هو عمر
ابن عطاء بن ورَّاز بفتح الواو وتشديد الراء وآخره زاي وهو ضعيف؛ لقول الإمام
أحمد: كل شيء روى ابن جريج عن عمر بن عطاء عن عكرمة، فهو ابن وَرَّاز،
وكل شيء روى ابن جريج عن عمر بن عطاء عن ابن عباس، فهو ابن أبي الخوار،
كان كبيرًا، قيل له: أيروي ابن أبي الخوار عن عكرمة؟ قال: لا. وكذا جاء نحو
هذا عن ابن معين. قال: عمر بن عطاء الذي يروي عنه ابن جريج يحدث عن
عكرمة ليس هو بشيء، وهو ابن وراز، وهم يضعفونه، كل شيء عن عكرمة، فهو
ابن وراز وعمر بن عطاء بن أبي الخوار ثقة. وأما ابن حبان، فقد جمعهما رجلًا
واحدًا فوهم. ذكره في ((الثقات)) باسم: عمر بن عطاء بن وراز بن أبي الخوار، وأمَّا
أن ابن أبي الخوار كبير يروي عن ابن عباس، فلا يمنع أن يروي عن عكرمة الذي
من طبقته، وقد بين أبو داود أن هذا الرواي هو ابن أبي الخوار، فروى الحديث من
طريق أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان، عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء،
يعني: ابن أبي الخوار عن عكرمة، وأخطأ المنذري خطأ شديدًا فقال: في إسناده
عمر بن عطاء وهو ابن أبي الخوار، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة. وقد تبع في
هذا الخطأ أبا دواد، فقد قال الآجري: سألت أبا دواد عن عمر بن عطاء الذي روى
عنه ابن جرير. فقال: هذا عمر بن عطاء بن أبي الخوار بلغني عن يحيى أنه ضعفه .
قال الحافظ: كذا قال، والمحفوظ عن يحيى أنه وثقه وضعف الذي بعده.
يعني: ابن ورَّاز. انظر ترجمتيهما في ((التهذيب)): (ج٧: ص٤٨٣، ٤٨٤)،
والحديث رواه الحاكم أيضًا، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه
الذهبي. وفي الباب عن ابن أخي جبير بن مطعم، قال: قال رسول اللَّه وَلَ: ((لَا
صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَام))، ذكره الحافظ في ((المطالب العالية)) (ج١: ص٣١٢) وعزاه
لأبي بكر، وأحمد بن منيع .
٤٣٦
* *
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٤٧ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ،
فَلْيُعَجِّلْ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالْدَّارِمِيُّ
الشرح
٢٥٤٧ - قوله: (مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ)، أي: قدر على أدائه؛ لأن الإرادة مبدأ
الفعل، والفعل مسبوق بالقدرة، فأطلق أحد سببي الفعل على الآخر، والعلاقة
الملابسة؛ لأن معنى قوله: (فَلْيُعَجِّلْ) فليغتنم الفرصة، إذا وجد الاستطاعة من
القوة والزاد والراحلة، والمراد: قبل عروض مانع، وقوله: ((فَلْيُعَجِّلْ)) بتشديد
الجيم: من التعجيل كذا في جميع النسخ، وكذا وقع في ((المصابيح))، والذي في
((السنن)) لأبي داود والدارمي: ((فَلْيَتَعَجَّلْ))، أي: من التعجل، وهكذا ذكره ابن
كثير في ((التفسير))، والسيوطي في ((الجامع الصغير)) و((المجد في المنتقى))،
والجزري في ((جامع الأصول)) (ج٣: ص٣٨٣)، وكذا وقع عند أحمد (ج١ :
ص٢٢٥)، والحاكم (ج١: ص٤٤٨)، والبيهقي (ج٤: ص٣٣٩، ٣٤٠)، وفي
بعض نسخ الدارمي: (فَلْيَسْتَعْجِلْ))، أي: من الاستعجال. قال الطيبي: التفعيل
الاستفعال غير عزيز، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار
انتھی .
وزاد في رواية أحمد (ج١: ص٢١٤: ٣٢٣)، وابن ماجه والطحاوي والبيهقي
(ج٤: ص ٣٤٠): ((فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ))، أي:
التي تمنعه عن أداء النسك، ومعنى ((يَمْرَضُ الْمَرِيضُ)): أي: من قدر له المرض
يمرض فيمنعه ذلك عن الحج، قال الحفني: أي: قد يطرأ المرض على الصحيح
الذي يؤول أمره إلى كونه مريضًا، ففيه مجاز الأول، وقال الزمخشري: هذا من
قبيل المجاز باعتبار الأول؛ إذ المريض لا يمرض بل الصحيح، فسمي المشارف
للمرض والضلال: مريضًا وضالة، كما سمي المشارف للموت: ميتًا، ومنه:
﴿وَلَا يَلِدُوْاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، أي: صائرًا إلى الفجور والكفر، انتهى.
(٢٥٤٧) أَبُو دَاوُد (١٧٣٢)، وَالحَاكِمُ (١/ ٤٤٨) فِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ مِهْرَانٌ أَبُو صَفْوَانَ مَجْهُولٌ.
٤٣٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
RENCE
والقصد: الحث على الاهتمام بتعجيل الحج قبل العوارض والموانع، وفيه: دليل
على أن الحج واجب على الفور، وقد اختلف العلماء هل الحج واجب على الفور
أم على التراخي؟ فممن قال: إنه واجب على الفور الإمام أحمد، وأبو يوسف،
وجمهور أصحاب أبي حنيفة، والمزني من أصحاب الشافعي.
قال النووي: ولا نَصَّ في ذلك لأبي حنيفة، وكان الكرخي يقول: هو مذهب
أبي حنيفة. وقال صاحب ((تبيين الحقائق)) في الفقه الحنفي: إن القول بأنه على
الفور قول أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ما يدل عليه، فإن ابن شجاع روى عنه أن
الرجل إذا وجد ما يحج به وقد قصد التزوج قال: يحج ولا يتزوج؛ لأن الحج
فريضة أوجبها اللَّه على عبده، وهذا يدل على أنه على الفور. انتهى. وقال القاري:
الأصح عندنا أن الحج واجب على الفور، وهو قول أبي يوسف وعن أبي حنيفة ما
يدل علیه، فذکر رواية ابن شجاع عنه.
وأمَّا مذهب مالك فعنه في المسألة قولان مشهوران كلاهما شهره بعض علماء
المالكية؛ أحدهما: على الفور. والثاني: أنه على التراخي. ومحل الخلاف
المذكور ما لم يحس الفوات بسبب من أسباب الفوات، فإن خشيه؛ وجب عندهم
فورًا اتفاقًا. وممن قال: إن وجوبه على التراخي، الشافعي وأصحابه. قال النووي:
وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس
وجابر وعطاء وطاوس.
قال القاري: وقال محمد: وهو رواية عن أبي حنيفة، وقول الشافعي: إنه على
التراخي إلا أن يظن فواته لو أخره؛ لأن الحج وقته العمر؛ نظرًا إلى ظاهر الحال في
بقاء الإنسان، فكان كالصلاة في وقتها يجوز تأخيره إلى آخر العمر، كما يجوز
تأخيرها إلى آخر وقتها، إلا أن جواز تأخيره مشروط عند محمد بأن لا يفوت،
يعني: لو مات ولم يحج أثم.
ولأبي يوسف: إن الحج في وقت معين من السنة والموت فيها ليس بنادر فيضيق
عليه للاحتياط لا لانقطاع التوسع بالكلية، فلو حج في العام الثاني كان مؤديًا
باتفاقهما، ولو مات قبل العام الثاني كان آثمًا باتفاقهما، وثمرة الخلاف بينهما إن
ما تظهر في حق تفسيق المؤخر، ورد شهادته عند من يقول بالفور وعدم ذلك عند
٤٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من يقول بالتراخي كذا حققه الشمني. انتهى. واحتجَّ من قال: إنه على التراخي
بأدلة، منها: أنهم قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، وقيل: سنة تسع ولا
خلاف أن آية ﴿وَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُهْرَةَ لِلّهِ﴾ الآية، نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما
وقع من الحديبية من إحصار المشركين رسول اللَّه وَسله وأصحابه وهم محرمون
بعمرة، وذلك في ذي القعدة سنة سِتُّ، وإذا كان الحج فرض عام ست، وكان
النبي ◌َّ لم يحج إلا عام عشر، فذلك دليل على أنه على التراخي؛ إذ لو كان على
الفور لما أخره عن أول وقت للحج بعد نزول الآية.
قالوا: ولاسيَّما إنه عام ثمان من الهجرة فتح مكة في رمضان واعتمر عمرة
الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان، ثم رجع إلى المدينة ولم يحج. قالوا:
واستخلف عَتَّاب بن أسيد، فأقام الناس الحج سنة ثمان بأمر رسول اللّه وَل، وكان
رسول الله وعليه مقيمًا بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصحابه ولم يحجوا. قالوا: ثم
غزا غزوة تبوك في عام تسع وانصرف عنها قبل الحج، فبعث أبا بكر رضيوقتَةُ، فأقام
الناس الحج سنة تسع ورسول الله وال﴾له هو وأزواجه وعامة أصحابه قادرون على
الحج، غير مشتغلين بقتال ولا غيره ولم يحجوا، ثم حج ◌َّو هو وأزواجه وأصحابه
كلهم سنة عشر حجة الوداع، قالوا: فتأخيره الحج المذكور إلى سنة عشر دليل
على أن الحج ليس وجوبه على الفور، بل على التراخي.
قال المحب الطبري: وما يتكلف من عذر في حقه وَ له، وإن كان خلاف الأصل
والظاهر، فهو معدوم في حقهم، ولو وجب عليهم على الفور لبيَّنه لهم وَّهِ؛ لأن
تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، والعذر بصد المشركين قد زال بالفتح سنة
ثمان، وما قيل من أن التأخير كان لأن لا يرى منكرًا من حج المشركين وطواف
العراة، فلذلك دليل على الجواز؛ إذ لو لم يجز التأخير لما كان هذا عذرًا في
إسقاط واجب تعين، ثم ينتقض بمن تخلف من الصحابة وليسوا بأفضل ممن بعثه.
ومنها: ما جاء في حديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة السعدي، أخرجه مسلم
في أول كتاب الإيمان، وروى البخاري أصله، وفيه: زعم رسولك أن علينا حج
البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال: ((صدق)). وقدوم ضمام بن ثعلبة على النبي وَل
كان سنة خمس من الهجرة، قاله محمد بن حبيب وآخرون. وقد صرح في هذا
٤٣٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الحديث بوجوب الحج، فتأخيره وَّ الحج إلى عام عشر دليل على أنه على
التراخي لا على الفور.
ومنها: أنه إن أخر الحج من سنة إلى أخرى أو إلى سنين، ثم فعله فإنه يسمى
مؤديًا لحج لا قاضيًا له بإجماع المسلمين، قالوا: ولو حرم التأخير لكان قضاءً لا
أداءً. ومنها: ما هو مقرر في أصول الشافعية، وهو أن المختار عندهم أن الأمر
المجرد عن القرائن لا يقتضي الفور، وإنما المقصود منه الامتثال المجرد،
فوجوب الفور يحتاج إلى دليل خاص زائد على مطلق الأمر، ومنها: أنهم قاسوا
الحجٍ على الصلاة الفائتة، قالوا: فهي على التراخي، ويقاس الحج عليها بجامع
أن كلّ منهما واجب ليس له وقت معين.
ومنها: أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونها على التراخي بجامع أن كليهما
واجب ليس له وقت معين، قالوا: ولكن ثبتت آثار أن قضاء رمضان غاية زمنه مدة
السنة، واحتج من ذهب إلى أنه على الفور بأدلة أيضًا. منها: آيات من كتاب الله
تعالى يفهم منها ذلك وهي على قسمين: قسم منها: فيه الدلالة على وجوب
المبادرة إلى امتثال أوامره جل وعلا، والثناء على من فعل ذلك، كقوله تعالى:
﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
٣٣
[آل عمران: ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ
وَاُلْأَرْضِ﴾ الآية [الحديد: ٢١]، فقوله: ﴿وَسَارِعُواْ﴾ و﴿سَابِقُواْ﴾، فيه: الأمر بالمسارعة
والمسابقة إلى مغفرته وجنته جل وعلا، وذلك بالمبادرة والمسابقة إلى امتثال
أوامره، ولا شك أن المسارعة والمسابقة كلتاهما على الفور لا التراخي. وكقوله:
﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ الآية [البقرة: ١٤٨، المائدة: ٤٨]. ويدخل فيه الاستباق إلى الامتثال،
وصيغ الأمر في قوله: ﴿وَسَارِعُواْ﴾ وقوله: ﴿سَابِقُواْ﴾ وقوله: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ﴾ تدل
على الوجوب؛ لأن الصحيح المقرر في الأصول أن صيغة ((افعل)) إذا تجردت عن
القرائن؛ اقتضت الوجوب، وذلك يدل على أن قوله: ﴿سَابِقُواْ﴾ وقوله:
﴿وَسَارِعُواْ﴾ يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورًا.
ومن الآيات التي فيها الثناء على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم، قوله تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ﴾ الآية [الأنبياء: ٩٠]. وقوله تعالى: ﴿أُوْلَِّكَ
يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِ وَهُمْ لَا سَبِقُونَ
[المؤمنون: ٦١] .