Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كلام الدار قطني حيث قال: دخل عطاء البصرة مرتين فسماع أيوب وحماد بن سلمة
في الرحلة الأولى صحيح، انتهى. ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة وسمع
منه جرير وذويه، والله أعلم.
(عَنْ أَبِيهِ)، أي: السائب بن مالك أو ابن زيد أو ابن يزيد أبي يحيى، ويقال: أبو
كثير ويقال: أبو عطاء الثقفي الكوفي ثقة من كبار التابعين، روى عن علي وسعد
وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، وعنه ابنه عطاء وأبو إسحاق
السبيعي وأبو البختري. (فَأَوْجَزَ)، أي: اقتصر. (فِيهَا)، أي: مع إتمام أركانها
وسننها. (فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْم)، أي: ممن حضرها. (لَقَدْ خَفَّفْتَ) بالتشديد، قال
القاري: أي: الأركان بأنَ فعلت ما يطلق عليها الركن. (وَأَوْجَزْتَ)، أي:
اقتصرت بأن أتيت بأقل ما يؤدي به السنن، وقوله: (الصَّلَاةَ) تنازع فيه الفعلان.
قلت: قوله: (وَأَوْجَزْتَ)، كذا وقع في جميع نسخ ((المشكاة))، أي: بواو العطف،
والذي في النسائي: أو أوجزت، أي: بأو بدل الواو.
قال في ((اللمعات)): قوله: (وَأَوْجَزْتَ الصَّلاةَ) يشبه أن يكون بتخفيف الدعاء فيه
كما ينظر إليه سياق الحديث، ويحتمل أن يكون بإيجاز القراءة ويكون المعنى: وإن
أوجزت الصلاة بتخفيف القراءة فيها لكني دعوت بدعوات تجبر النقصان، كما
قيل: إن النوافل تكمل الفرائض، انتهى. ولأحمد والنسائي من طريق أبي مجلز
عن عطاء قال: صلى بنا عمار صلاة فأوجز فيها فأنكروا ذلك فقال: ألم أتم الركوع
والسجود؟ قالوا: بلي. قال الشوكاني: قوله: فأوجز فيها؛ لعله لم يصاحب هذا
الإيجاز تمام الصلاة على الصفة التي عهدوا عليها رسول اللّه وَّ وإلا لم يكن
للإنكار عليه وجه، فقد ثبت من حديث أنس في مسلم وغيره أنه قال: ما صليت
خلف أحد أوجز صلاة من رسول اللّه وَ ليل في تمام. وقوله: فأنكروا ذلك. فيه:
جواز الإنكار على من أخف الصلاة من دون استكمال، وقوله: ألم أتم الركوع
والسجود؟ قالوا: بلى. فيه: إشعار بأنه لم يتم غيرهما ولذلك أنكروا عليه.
(فَقَالَ: أَمَا) بالتخفيف. (عَلَيَّ) بالتشديد. (ذَلِكَ) وجه الطيبي هذه العبارة بثلاثة
وجوه: أحدها: أن الهمزة يحتمل أن تكون للإنكار كأنه قال: أتقول هذا وتنكر
عليَّ؟ وما عليَّ ضرر من ذلك، قال الشيخ الدهلوي: يعنى قوله: مَا عَلَيَّ ذَلِكَ،
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِع الدَّعَاءِ
٢٨١
جملة حالية والواو مقدرة ولا حاجة إلی تقدیرها، فقد يقع حالًا بدون الواو نحو
كلمته فوه إلى في، وكان تقديره الواو إشارة إلى كونها حالًا، وقوله: ضرر من
ذلك. بيان لحاصل المعنى.
وثانيها: أن یکون الهمزة لنداء القریب، والمنادی محذوف، أي: یا فلان ليس
عليَّ ضرر من ذلك.
وثالثها: أن يكون ((أما)) للتنبيه، ثم قال: عليَّ بيان ذلك فتدبر، انتهى. وفي
((المستدرك)): ما عليَّ في ذلك، أي: بدون الهمزة وبزيادة في قبل ذلك.
(لَقَدْ دَعَوْتُ)، كذا في جميع النسخ، وللنسائي: أما عليَّ ذلك فقد دعوت. قال
السندي: أي: أَمَا مع التخفيف والإيجاز فقد دعوت ... ألخ. وأما على تقدير
اعتراضكم بالتخفيف فأقول: قد دعوت ... ألخ. والظاهر أن أما هذه لمجرد
التأكيد وليس لها عديل في الكلام، كأما الواقع في أوائل الخطب في الكتب بعد
ذكر الحمد والصلاة من قولهم: أما بعد فكذا. (فِيهَا)، أي: في أواخرها أو
سجودها، قاله القاري. ومال النسائي إلى الأول، حيث أورد هذا الحديث في أثناء
أبواب الدعاء بعد التشهد والصلاة على النبي وَله .
(بِدَعَوَاتٍ)، قال السندي: جمع الدعوات باعتبار أن كل كلمة دعوة بفتح
الدال، أي: مرة من الدعاء فإن الدعوة للمرة كالجلسة. (سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ
وَّر)، قال القاري: أي: داخلها أو خارجها، وفي ((المسند)) وكذا في رواية
للنسائي: أما إني قد دعوت فيها بدعاء كان رسول اللَّه ◌َ لل يدعو به. قال الشوكاني:
يحتمل أنه كان يدعو به في الصلاة، ويكون فعل عمار قرينة تدل على ذلك،
ويحتمل أنه كان يدعو به من غير تقييد بحال الصلاة كما هو الظاهر من كلام.
(فَمَّا قَامَ)، أي: عمار. (تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم) إلى هنا قول السائب عبَّر عن نفسه
برجل من القوم، ولذا فسره عطاء بقوله: (هُوَ أَبِي)، أي: ذلك الرجل الذي تبع
عمارًا هو أَبِي أي: السائب. (غَيْرَ أَنَّهُ)، أي: أَبِي. (كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ)، أي: برجل
فقال: (تَبِعَهُ رَجُلٌ)، ولم يقل: تبعته، ثم قال السائب. (فَسَأَلَهُ)، أي: الرجل
عمارًا. (عَنِ الدُّعَاءِ)، أي: فأخبره. (ثُمَّ جَاءَ)، أي: الرجل. (فَأَخْبَرَ بِهِ)، أي:
بالدعاء .
٢٨٢
Beingce
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
ageas
(اللَّهُمَّ)، أي: وهو هذا. (بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ)، أي: المغيبات عن خلقك فضلًا عن
المشاهدات، والباء للاستعطاف والتذلل، أي: أنشدك بحق علمك ما خفي على
خلقك مما استأثرت به. (وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ)، أي: بقدرتك على خلق كل شيء
تتعلق به مشيئتك، أو على جميع المخلوقات بأن تفعل فيهم ما تقضي إرادتك،
وفيه: دليل على جواز التوسل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله. (أَحْيِنِي)،
أي: أمدني بالحياة. (مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ) ((مَا)) مصدرية ظرفية. (خَيْرًا لِي) بأن يغلب
خيري على شري.
(وَتَوَقَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي)، بأن تغلب سيئاتي على حسناتي، أو بأن تقع
الفتن ما ظهر منها وما بطن، قاله القاري وعبر بما في الحياة لاتصافه بالحياة حالاً
وبإذا الشرطية في الوفاء لانعدامها حال التمني إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة
بهذا الوصف فتوفني، قلت: قوله: ((أَحْيِنِي)) إلى قوله: ((خَيْرًا لِي)) ثابت في
((الصحيحين)) من حديث أنس بلفظ: ((اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي
إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًالِي))، وهو يدل على جواز الدعاء بهذا لكن عند نزول الضرر،
كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور وقد تقدم في (ج٢ ص٤٣٨).
(اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ) عطف على أنشدك المقدر، أي: وأطلب منك و((اللَّهُمَّ))
معترضة. وقال القاري: والظاهر أن ((اللَّهُمَّ)) عطف على الأول بحذف العاطف كما
في كثير من الدعوات الحديثية ومنه تكرار ﴿رَبََّا﴾ من غير عاطف في الآيات
القرآنية، ولا يضره الواو في قوله: (وَأَسْأَلُك) ؛ لأنها نظيرة الواو في قوله تعالى:
﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا﴾ .
(خَشْيَتَكَ)، أي: خوفك. (فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، أي: في السر والعلانية، أو
في الحالين من الخلوة والجلوة أو في الباطن والظاهر، والمراد: استيعابها في
جميع الأوقات، فإن الخشية رأس كل خير والشأن في الخشية في الغيب لمدحه
تعالى من يخافه بالغيب، وقال الشوكاني: أي: في مغيب الناس وحضورهم؛ لأن
الخشية بين الناس فقط ليست من الخشية لله، بل من خشية الناس. (وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ
الْحَقِّ)، أي: النطق بالحق.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٨٣
EXTSE
(فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ)، أي: في حالتي رضا الخلق مني وغضبهم عليَّ فيما
أقوله، فلا أداهن ولا أنافق، أو في حالتي رضاي وغضبي بحيث لا تلجئني شدة
الغضب إلى النطق بخلاف الحق ككثير من الناس إذا اشتد غضبه أخرجه من الحق
إلى الباطل، والمعنى: أسألك أن أكون مستمرًّا على النطق بالحق في جميع
أحوالي وأوقاتي. قال الشوكاني: جمع بين الحالتين؛ لأن الغضب ربما حال بين
الإنسان وبين الصدع بالحق، وكذلك الرضا ربما قاد في بعض الحالات إلى
المداهنة وكتم كلمة الحق. (الْقَصْدَ)، أي: الاقتصاد وهو التوسط بلا إفراط
وتفريط. (فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى) ؛ لأن المختار أن الكفاف أفضل من الفقر ومن الغنى
قاله في ((اللمعات)).
وقال المناوي: ((الْقَصْدَ))، أي: التوسط في الفقر والغنى هو الذي ليس معه
إسراف ولا تقتير، فإن الغنى يبسط اليد ويطغي النفس، والفقر يكاد أن يكون كفرًا،
فالتوسط هو المحبوب المطلوب. وقال الشوكاني: القصد في كتب اللغة بمعنى
استقامة الطريق والاعتدال، وبمعنى ضد التفريط وهو المناسب هنا؛ لأن بطر الغنى
ربما جر إلى الإفراط وعدم الصبر على الفقر ربما أوقع في التفريط، فالقصد فيهما
هو الطريقة القويمة. (لَا يَنْفَدُ) بفتح الفاء وبالدال المهملة، أي: لا يفنى ولا ينقضي
ولا ينقص، وذلك ليس إلا نعيم الآخرة، وأمَّا غيره فكل نعيم لا محالة زائل. (قُرَّةَ
عَيْنِ لَا تَنْقَطِعُ)، يحتمل أن يراد الذرية التي لا تنقطع بعده، بل تستمر ما بقيت
الدنيا. ولعله مأخوذ من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةَ
أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]، وقيل: أراد المداومة على الصلاة والمحافظة عليها لقوله:
((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))، أو المراد: ثواب الجنة الذي لا ينقطع فيكون
تأكيدًا لقوله: (نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ) فيكون بعد تخصيصًا بعد تعميم، وقيل: أراد قرة
عينه، أي: بدوام ذكر اللَّه وكمال محبته والأنس به.
(وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ) بالمد، وفي ((المستدرك)): ((الرِّضَى))، أي: بالقصر. قال
الجوهري: ((الرِّضَى)) مقصورًا مصدر محض والاسم الرضاء ممدودًا. (بَعْدَ
الْقَضَاءِ)، وفي رواية للنسائي: ((الرِّضَاءَ)) بالقضاء، أي: بما قدرته لي في الأزل
لأتلقاه بوجه منبسط وخاطر منشرح. وأعلم أن كل قضاء قضيته لي فلي فيه خير،
٢٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قيل في وجه الأول: كأنه طلب الرضاء بعد تحقق القضاء وتقرره. (بَرْدَ الْعَيْشِ)،
أي: طيبه وحسنه. (بَعْدَ الْمَوْتِ) برفع الروح إلى منازل السعداء ومقامات
المقربين، والعيش في هذه الدار لا يبرد لأحد، بل محشو بالغصص والكدر
والنكد ممحوق بالآلام الباطنة والأسقام الظاهرة.
(لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ)، قال الطيبي: قيد النظر باللذة؛ لأن النظر إلى اللَّه تعالى
إمّا نظر هيبة وجلال في عرصات القيامة، وإمّا نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن
بأن المراد هذا، وفيه: أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الدار الآخرة كما هو
مذهب أهل السنة والجماعة. (وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ)، أي: الاشتياق إلى ملاقاتك
في دار المجازاة. قال الشوكاني: إنما سأله وَلّ؛ لأنه من موجبات محبة الله تعالى
للقاء عبده لحديث: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ))، ومحبة الله تعالى من
أسباب المغفرة.
وقال ابن القيم: جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا وهو الشوق إلى
لقائه، وأطيب ما في الآخرة وهو النظر إليه، ولما كان كلامه موقوفًا على عدم ما
يضر في الدنيا ويفتن في الآخرة قال: (فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ)، أي: شدة، وقيل: أي:
الحالة التي تضر وهي نقيض السراء وهما بناءان للمؤنث ولا مذكر لهما. (مُضِرَّةٍ)
اسم فاعل من أضر والجار إما متعلق بقوله: (وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ)، أي: أسألك
شوقًّا لا يؤثر في سيري وسلوكي بحيث يمنعني عن ذلك، وأن يضرني مضرة، وإمَّا
متعلق بأحيني، الثاني أظهر معنى والأول أقرب لفظًا ويؤيد الثاني ما وقع عند أحمد
والنسائي أيضًا بلفظ: ((أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ))، وقال الطيبي: متعلق الظرف
مشكل ولعله متصل بالقرينة الأخيرة وهي ((الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ))، سأل شوقًّا إليه
بحيث يكون في ضراء غير مضرة، أي: شوقًّا لا يضر في سيري وسلوكي، وإن
ضرني مضرة ما، فإن الشوق قد يفضي إلى ذلك عند غلبة الحال وتهيج السكر وهو
المراد بفتنة مضلة، ويجوز أن يتصل بقوله: ((أَحْيِنِي ... )) إلى آخره حتى يتعلق
بالكل، أي: أحيني متلبسًا بنعمك المذكورة حال عدم كوني في ضراء مضرة وهي
البلية لا أصبر عليها .
٢٨٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
(وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ)، أي: موقعة في الحيرة والضلال ومفضية إلى الهلاك، وقد
وقع عند أحمد والنسائي في رواية: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَفِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ))، قال
الشوكاني: إنما قيد ضراء بمضرة؛ لأن الضراء ربما كانت نافعة آجلا أو عاجلاً فلا
يليق الاستعاذة منها، أي: مطلقًا، ووصف الفتنة بالمضلة؛ لأن من الفتن ما يكون
من أسباب الهداية، وهي بهذا الاعتبار مما لا يستعاذ منه. قال أهل اللغة: الفتنة
الامتحان والاختبار. (زَيِّنَا) بتشديد الياء المكسورة والنون. (بِزِينَةِ الإِيمَانِ)، أي:
بثباته وتوفيق الطاعة وحيلة الإحسان. قال المناوي: وهي زينة الباطن ولا معول إلا
عليها؛ لأن الزينة زينتان زينة البدن وزينة القلب وهي أعظمها قدرًا، وإذا حصلت
حصلت زينة البدن على أكمل وجه في العقبى، ولما كان كمال العبد في كونه عالمًا
بالحق متبعًا له معلمًا لغيره قال: (وَاجْعَلْنَا هُدَاةً) جمع هاد، أي: هادين إلى الدين.
(مُهْتَدِينَ)، أي: ثابتين على الهداية وطريق اليقين. قال الطيبي: وصف الهداة
بالمهتدين؛ لأن الهادي إذا لم يكن مهتديًا في نفسه لم يصلح أن يكون هاديًا لغيره؛
لأنه يوقع الناس في الضلال من حيث لا يشعر. قلت: ومن حيث لا يشعرون.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) في الصلاة من طريق حماد عن عطاء بن السائب عن أبيه.
وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٢٤) من هذا الطريق، وسماه حماد بن زيد،
وقال: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد (ج ٤: ص ٢٦٤) من
طريق أبي هاشم عن أبي مجلز، قال: صلى بنا عمار صلاة فأوجز فيها، والنسائي
أيضًا من طريق أبي مجلز عن قيس بن عباد قال: صلى عمار بن ياسر بالقوم صلاة
أخفها، وهذا يدل على أن طريق أحمد فيها انقطاع، والله أعلم، ورواه أبو يعلى
أيضًا، قال الهيثمي (ج١٠: ص١٧٧): ورجاله ثقات إلا أن عطاء بن السائب
اختلط. انتهى. قلت: ولا يضر ذلك فإن الحديث رواه الحاكم من طريق حماد بن
زيد وروايته عن عطاء قبل الاختلاط كما تقدم.
٢٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
٢٥٢٢ - [١٧] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ الْفَجْرِ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا)).
[رَوَاهُ أَحَدُ وَابْنُ مَاجَه وَالْبَيْهَقِيُّ فَيَ الْدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ]
الشرح
٢٥٢٢ - قوله: (كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ الْفَجْرِ)، أي: في دبر صلاة الفجر، ولفظ
أحمد (ج٦: ٣١٨): كان يقول في دبر الفجر إذا صلّى. وفي رواية له: كان يقول
إذا صلى الصبح حين سلم. وفي رواية: حين يسلم. وكذا وقع عند ابن ماجه
وللطبراني: كان يقول بعد صلاة الفجر. ووقع في بعض نسخ ((المشكاة)): في دبر
صلاة الفجر. ولم يرد بهذا اللفظ في الكتب التي أخرجه أصحابها ولا في ((جامع
الأصول)).
(عِلْمًا نَافِعًا)، أي: بالعمل به فيكون حجة لي لا عليَّ. وقال في ((الحرز)): أي:
شرعيًّا أعمل به. (وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا) بفتح الموحدة، أي: مقبولًا بأن يكون مقرونًا
بالإخلاص. (وَرِزْقًا طَيًِّا)، أي: حلالًا ملائمًا للقوة معينًا على الطاعة. في
((مختصر الطيبي)): فإنه أس لهما ولا يعتد بهما دونه. قال الشوكاني: إنما قيد العلم
بالنافع والرزق بالطيب والعمل بالمتقبل؛ لأن كل علم لا ينفع فليس من عمل
الآخرة، وربما كان ذرائع الشقاوة ولهذا كان ◌َّ يتعوذ من علم لا ينفع، وكل رزق
غير طيب موقع في ورطة العقاب، وكل عمل غير متقبل إتعاب للنفس. انتهى.
وقوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا ... ) إلخ. كذا وقع بتقديم العلم والعمل على
الرزق عند أحمد (ج٦: ص٢٩٤، ٣١٩) وهكذا عند ابن السني، ووقع عند أحمد
أيضًا (ج٦: ص ٣٠٥، ٣٢٢)، وابن ماجه بتقديم الرزق على العمل وتأخيره عن
العلم، وعند الطبراني في ((الصغير)) بتقديم الرزق على العلم والعمل وهذا الترتيب
هو الظاهر، وأمَّا ما وقع في الروايات الأخرى فلعله من تصرف الرواة،
والحديث: دليل صريح على مشروعية الدعاء بعد السلام من الصلاة المكتوبة.
(٢٥٢٢) أَحْمَد (٦/ ٢٩٤)، وابن مَاجَهْ (٩٢٥) في الدعاء، والبَيْهَقِي في الدعوات (٩٩) عنها.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٨٧
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٦: ص٢٩٤، ٣٠٥، ٣١٩، ٣٢٢). (وَابْنُ مَاجَهْ) في الصلاة.
(وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)، وأخرجه أيضًا ابن السني (ص٣٨) وابن أبي شيبة
كما في ((النيل)) (ج٢: ص٢٠٤) كلهم من رواية موسى بن أبي عائشة عن مولى لأم
سلمة عن أم سلمة. قال الشوكاني: رجاله ثقات لولا جهالة مولى أم سلمة.
ونقل السندي عن البوصيري أنه قال في ((الزوائد»: رجال إسناده ثقات خلا مولی
أم سلمة فإنه لم يعرف ولم أر أحدًا ممن صنف في المبهمات ذكره، ولا أدري ما
حاله، انتهى. ورواه الطبراني في ((معجمه الصغير)) (ص١٥٢) من طريق عامر بن
إبراهيم بن واقد الأصبهاني عن النعمان بن عبد السلام عن الثوري عن منصور عن
الشعبي عن أم سلمة، وهذا سند جيد. قال الهيثمي بعد ذكر الحديث (ج١٠ :
ص١١١): رواه الطبراني في ((الصغير)) ورجاله ثقات.
٢٥٢٣ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دُعَاءٌ حَفِظْتُهُ مَنَّ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِهِ
لَا أَدَعُهُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أُعَظِّمُ شُكْرَكَ، وَأُكْثِرُ ذِكْرَكَ، وَأَتَّبِعُ نُصْحَكَ، وَأَحْفَظُ
وَصِيَّتَكَ)).
[رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٥٢٣ - قوله: (دُعَاءٌ) مبتدأ. (حَفِظْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ مَّ) صفة للمبتدأ مسوغ
وخبره قوله: (لَا أَدَعُهُ)، أي: لا أتركه لنفاسته، ولأحمد (ج٢: ص٣١١) : دعوات
سمعتها من رسول اللَّه ◌َ لَّ لا أتركها ما عشت حيًّا سمعته يقول: ((اللَّهُمَّ ... )) إلخ.
(اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أُعَظِّمُ) بالتخفيف والتشديد ورفع الميم وهو مفعول ثان بتقدير: أن
أو بغيره، أي: معظمًا. (شُكْرَلَكَ)، أي: وفقني لإكثاره والدوام على استحضاره
لأكون قائمًا بما وجب عليَّ من شكر نعمائك التي لا تحصى. قال الطيبي:
((اجْعَلْنِي)) بمعنى صيرني، ولذلك أتى بالمفعول الثاني فعلًا؛ لأن صار من دواخل
المبتدأ والخبر.
(٢٥٢٣) التِّرْمِذِي (٣٦٧٦) فيه عنه.
٢٨٨
EX
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَأُكْثِرُ) مخففًا ومشددًا. (ذِكْرََ)، أي: لسانًا وجنانًا، وهو يحتمل أن يكون
تخصيصًا بعد تعميم، وقيل: إن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه. (وَأَتَّبِعُ) بتشديد
التاء وكسر الموحدة من الإتباع وبسكون الأولى وفتح الثانية. (نُصْحَكَ) بضم
النون، كذا وقع في جميع النسخ من ((المشكاة)) وهكذا في ((جامع الأصول)).
والذي في الترمذي و((المسند)): (نَصِيحَتَكَ))، أي: بامتثال ما يقربني إلى رضاك
ويبعدني عن غضبك. وقال شيخنا: النصيحة هي الخلوص وإرادة الخير للمنصوح
له، والإضافة يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول والأول أظهر. (وَأَحْفَظُ
وَصِيَّتَكَ) بملازمة فعل المأمورات وتجنب المنهيات، أو المذكورة في قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٣١]،
فإنها الأولين والآخرين وهي التقوى، أو بالتسليم لله العظيم في جميع الأمور
والرضا بالمقدور على ممر الدهور. وقال الطيبي: النصيحة هي إرادة الخير
للمنصوح له فيراد بها حقوق العباد وبالوصية متابعة الأمر والنهي من حقوق الله
تعالى، والله أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الدعوات من طريق الفرج بن فضالة عن أبي سعيد المقبري
عن أبي هريرة، وقال: حديث غريب، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص٣١١) من
رواية الفرج عن أبي سعيد المديني عن أبي هريرة، قال الشيخ أحمد شاكر في ((شرح
المسند)): إسناده ضعيف جدًّا، الفرج بن فضالة ضعيف منكر الحديث، وأبو سعيد
المديني ذكر الحافظ ابن كثير في ((جامع المسانيد والسنن)) أنه مولى عبد الله بن
عامر بن كريز وقد يكون هو وقد يكون غيره من اضطراب الفرج بن فضالة، فإن
الحديث سيأتي أي في ((المسند)» عن وكيع عن الفرج بن فضالة عن أبي سعيد
الحمصي، وكذلك ذكره الحافظ ابن كثير في ترجمة أبي سعيد الحمصي دون أن
يبين من هو، ورواية وكيع أيضًا في الترمذي وفيها: عن أبي سعيد المقبري.
وعندنا أن هذا كله تخليط من الفرج بن فضالة وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(ج ١٠ ص١٧٢)، وقال: رواه أحمد من طريق أبي يزيد المديني، وفي رواية: عن
أبي سعيد الحمصي ولم أعرفهما، وبقية رجالهما ثقات وهكذا قال الهيثمي.
فأمَّا أولًا: فإن الحديث ليس من الزوائد على الكتب الستة، وقد رواه الترمذي.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدَّعَاءِ
٢٨٩
وثانيًا: ليس في ((المسند)) - عن أبي يزيد المديني، بل هو كما ترى، حدثنا أبو
سعيد المديني، فإمّا أن يكون الهيثمي سها، وإمّا أن يكون خطأ في النسخة التي
کانت معه من «المسند)).
وثالثًا: ليس بقية رجالهما ثقات وفي الإسنادين الفرج بن فضالة وهو ضعيف.
انتھی .
٢٥٢٤ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عَمْرِو قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَله
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْصِّحَّةَ وَالْعِفَّةَ وَالْأَمَانَةَ وَحُسْنَ الْخُلُقِ وَالْرِّضَا
بِالْقَدَرِ)».
الشرح
٢٥٢٤ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بالواو. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصِّحَّةَ)،
أي: العافية من الأمراض والعاهات، وقال القاري: أي: صحة البدن من سيئ
الأسقام، أو صحة الأحوال والأقوال والأعمال. (وَالْعِفَّةَ) هي بمعنى العفاف
والعفاف: هو التنزه عما لا يباح والكف عنه، وقال المناوي: أي: عن المحرمات
والمكروهات وما يخل بكمال المروءة.
(وَالْأَمَانَةَ) ضد الخيانة. والمراد: حفظ ما ائتمنت عليه من حقوق اللَّه تعالى
وحقوق عباده. (وَحُسْنَ الْخُلُقِ) بضم اللام وسكونها، أي: مع الخلق بالصبر على
أذاهم، وكف الأذى عنهم والتلطف بهم. وقال القاري: أي: حسن المعاشرة مع
أهل الإسلام. (وَالرِّضَى بِالْقَدَرِ)، أي: بما قدرته عليَّ في الأزل، وهذا تعليم لأمته
وتمرين للنفس على الرضاء بالقضاء، وذلك لأمرين: الأول: أن يتفرغ العبد
للعبادة؛ لأنه إذا لم يرض بالقضاء؛ يكون مهمومًا مشغول القلب أبدًا بأنه لِمَ كان
كذا؟ ولماذا لا يكون كذا؟ فإذا اشتغل القلب بشيء من هذه الهموم كيف يتفرغ
للعبادة؛ إذ ليس له إلا قلب واحد، وقد امتلأ من الهموم وما كان وما يكون، فأي
(٢٥٢٤) البَيْهَقِي في الدعاء (٢٢٨).
٢٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
محل فيه لذكر العبادة وفكر الآخرة، ولقد صدق شقيق في قوله: حسرة الأمور
الماضية وتدبير الآتية؛ ذهبت ببركة الساعات.
الثاني: خطر ما في السخط من مقت اللَّه وغضبه مع أنه لا فائدة لذلك؛ إذ
القضاء نافذ ولا بد منه رضي العبد أم سخط. والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع
الزوائد)) (ج١٠ ص١٧٣)، وقال: رواه الطبراني في ((الكبير))، والبزار في
((مسنده))، وقال: ((أَسْأَلُكَ الْعِصْمَةَ)) بدل ((الصِّحَّةَ))، وفيه: عبد الرحمن بن زياد بن
أنعم وهو ضعيف الحديث، وقد وثق وبقية رجال أحد الإسنادين رجال الصحيح.
٢٥٢٥ - [٢٠] وَعَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ:
((اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ الْنِّفَاقِ، وَعَمَلِي مِنَ الْرِّيَاءِ، وَلِسَانِي مِنَ الْكَذِبِ، وَعَيْنَيَّ
مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ، وَمَا تُخْفِي الْصُّدُورُ)).
[رَوَاهُمَا الْبَنْهَقِيُّ فِي (الْدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ))]
الشرح
٢٥٢٥- قوله: (وَعَنْ أُمّ مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحدة، قال الحافظ في
((الإصابة)) (ج ٤ ص ٤٧٦) : أم معبد غير منسوبة، وقيل: إنها أنصارية روى حديثها
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن مولى لأم معبد عن أم معبد أن النبي ◌ّ كان يدعو
ويقول: (اللّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ ... ) إلخ. وأخرجه أبو نعيم وأفردها عن أم معبد
الخزاعية الكعبية عاتكة بنت خالد التي نزل عليها النبي ◌َّ لما هاجر إلى المدينة
وتبع أبا نعيم أبو موسى، وأمَّا ابن السكن، فذكر الحديث في ترجمة الخزاعية في
الأسماء في عاتكة، فقال: رُوي عن مولى لأم معبد عن أم معبد حديث في الدعاء
فذكره، ثم قال في الكنى: أم معبد الأنصارية وليست صاحبة الخيمتين، يعني:
الخزاعية، ثم ساق الحديث عن شيخ آخر بالسند والمتن بعينه، ثم قال: لم أجد لأم
معبد هذه حديثًا غير هذا. وفي إسناده نظر وهو كما قال، ثم قال: وقد روي عن ابن
الحارث عن أم معبد مولاة قرظة حديث في الظروف ولست أدرى هي هذه أو غيرها
فتناقض في ذلك مع جلالته في الحظ وإتقانه. انتهى.
(٢٥٢٥) البَيْهَقِي في الدعوات (٢٢٧).
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٩١
وقال ابن عبد البر: أم معبد الأنصارية روى عنها مولاها عن النبي وَّ حديثها في
الدعاء وهي غير التي قبلها، يعني: بها أم معبد زوجة كعب بن مالك الأنصاري
السلمي التي روت عن النبي في الخليطين، وروت: ((الْبَذَاذَةَ مِنَ الْإِيمَانِ))، وقال
الجزري في ((أسد الغابة)) (ج٥ ص ٦٢٠): أم معبد غير منسوبة؛ قاله أبو نعيم، وقال
أبو عمر: أنصارية، ثم روى الجزري هذا الحديث من طريق أبي نعيم ثم قال:
أخرجها أبو نعيم وأبو عمر وأبو موسى. انتهى. وتحصل من هذا كله أن أم معبد
راوية حديث الدعاء المذكور صحابية أخرى غير الخزاعية وغير زوجة كعب بن
مالك راوية حديث الخليطين وغير مولاة قرظة بن كعب راوية حديث الظروف.
(اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ)، أي: بتحصيل اليقين في الدين وتسوية السر
والعلانية بين المسلمين، قاله القاري. وقال العزيزي: أي: من إظهار خلاف ما في
الباطن وهذا وما بعده قاله تعليمًا لأمته كيف تدعو وإلا فهو معصوم من ذلك كله.
(وَعَمَلِي مِنَ الرِّيَاءِ)، بمثناة تحتية، أي: حب إطلاع الناس على عملي، وقيل:
أي: من الرياء والسمعة بتوفيق الإخلاص. (وَلِسَانِي مِنَ الْكَذِبِ)، أي: ونحوه من
الغيبة والنميمة. وقال القاري: الكذب بفتح الكاف وكسر الذال ويجوز بكسر
الكاف وسكون الذال وخص من معاصي اللسان؛ لأنه أعظمها وأقبحها عند الله
وعند الخلق. (وَعَيْنَيَّ) بالتثنية والإفراد قاله المناوي. (مِنَ الْخِيَانَةِ)، أي: بأن ينظر
بها إلى ما لا يجوز النظر إليه، أو يشير بها إلى ما يترتب الفساد عليه.
(فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ) مصدر بمعنى الخيانة، أي: الرمز بها أو النظرة إلى
المحرم بعد النظرة، أو مسارقة النظر إلى ما نهي عنه، أو هو من إضافة الصفة إلى
الموصوف، أي: الأعين الخائنة. (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، أي: القلوب الحالَّة في
الصدور من الوسوسة أو ما تضمر من أمانة أو خيانة.
(رَوَاهُمَا) أي: الحديثين السابقين.
(الْبَيْهَِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)») قد تقدم تخريج عبد الله بن عمرو، وأمَّا حديث
أم معبد فذكره السيوطي في ((الجامع الصغير)) وعزاه للحكيم الترمذي في ((النوادر))
(ص٢٠٢) والخطيب في ((التاريخ))، وقد تقدم أنه رواه أيضًا أبو نعيم وأبو موسى
وابن السكن وقال: في إسناده نظر.
٢٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ: وهو كما قال، فإنه من رواية فرج بن فضالة عن ابن أنعم وهما
ضعيفان. انتهى. وفيه أيضًا: مولى أم معبد وهو مجهول، وقال الحافظ العراقي في
((تخريج الإحياء)): سنده ضعيف.
٢٥٢٦ - [٢١] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ عَادَ رَجُلًا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ، فَصَارَ مِثْلَ الْفَّرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَّةِ: ((هَلْ كُنْتَ
تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ - أَوْ - تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟))، قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ
مُعَاقِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((سُبْحَانَ
اللَّهِ، لَا تُطِيقُهُ، وَلَا تَسْتَطِيعُهُ، أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي
الْآخِرَةِ حَسَنَّةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)). قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ بِهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٥٢٦ - قوله: (عَادَ) من العيادة. (رَجُلًا)، أي: مريضًا. (قَدْ خَفَتَ) بفتح
الفاء من باب نصر، أي: ضعف من خفت الصوت؛ إذا ضعف وسكن.
وفي الترمذي: ((قَدْ جُهِدَ)). وهو بصيغة المجهول.
قال في ((القاموس)): جهد المرض فلانًا؛ هزله. (مِثْلَ الْفَرْخ) بفتح الفاء وسكون
الراء: ولد الطير عند خروجه من البيضة، يعني: أضعفه المرضَ، حتى صار ضعيفًا
مثل الفرخ؛ لضعفه وكثرة نحافته، وفي ((الأدب المفرد)): دخل على رجل قد جهد
من المرض، فكأنه فرخ منتوف، أي: ولد الطائر الذي استؤصل ريشه، وفي ((شرح
السنة)): عاد رجلاً قد صار مثل الفرخ المنتوف. (هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللهَ بِشَيْءٍ - أَوْ -
تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟)، قيل: هو شك من الراوي.
وقال الطيبي: والظاهر أنه من كلامه وَّ، أي: هل كنت تدعو الله بشيء من
الأدعية التي يُسأل فيها مكروه؟ أو هل سألت الله البلاء الذي أنت فيه؟ وعلى هذا
(٢٥٢٦) مُسْلِم (٣٦٨٨) في الدعوات.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِع الدُّعَاءِ
٢٩٣
فالضمير المنصوب عائد إلى البلاء الذي دلَّ عليه الحال، وينبئ عنه: (خَفَتَ)،
فيكون قد عمَّ أولًا وخص ثانيًا، وفي الترمذي: ((أَمَا كُنْتَ تَدْعُو، أَمَا كُنْتَ تَسْأَلُ رَبَّكَ
الْعَافِيَةَ؟».
(قَالَ: نَعَمْ)، فيه: دلالة على أن ((أو)) للشك من الراوي لا للترديد منه وَّ، قاله
القاري. (مَا كُنْتَ مُعَاقِي بِهِ) (مَا) شرطية أو موصولة. (فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا)،
يعني: فاستجاب الله دعاءه وابتلاه بالمرض؛ حتى ضعف وصار مثل الفرخ كما
تقدم. (سُبْحَانَ اللهِ) تعجب من الداعي في هذا المطلب. (لَا تُطِيقُهُ)، أي: في
الدنيا. (وَلَا تَسْتَطِيعُهُ)، أي: في العقبى أو كرر للتأكيد، قاله القاري. قلت: كذا
في جميع النسخ من ((المشكاة))، أي: بواو العطف وهكذا وقع في ((مسند الإمام
أحمد)) وفي ((جامع الأصول)) و((جمع الفوائد))، والذي في مسلم والترمذي،
و((شرح السنة)): ((لَا تُطِيقُهُ - أَوْ - لَا تَسْتَطِيعُهُ))، أي: بـ(أو)) للشك من الراوي،
والظاهر أن ما في ((المشكاة)) سهو من الناسخ أو تبع المؤلف في ذلك صاحب
((جامع الأصول)).
(أَفَلَا قُلْتَ)، أي: بدل ما قلت. (اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) إلخ. معناه: أنه لو
قال ذلك لغفر الله له ذنوبه وعافاه من المرض. (قَالَ)، أي: أنس. (فَدَعَا اللهَ بِهِ)،
أي: دعا الرجل بهذا الدعاء الجامع. (فَشَفَاهُ اللهُ)، وفي مسلم: قال: فدعا الله له
فشفاه. قال النووي: في هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة.
وفيه: فضل الدعاء بـ(اللَّهُمَّ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب
النار)).
وفيه: جواز التعجب بقول: ((سبحان الله))، وقد سبقت نظائره.
فيه: استحباب عيادة المريض والدعاء له.
وفيه: كراهة تمني البلاء؛ لئلا يتضجر منه ويسخطه وربما شكا.
وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا: أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة
الجنة والمغفرة، وقيل: الحسنة نعم الدنيا والآخرة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ص)، والبخاري في
((الأدب المفرد)) (ج٢ ص١٩١)، والترمذي في الدعوات، والبغوي (ج٥
Fx
٢٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ص١٨١، ١٨٢) وانتهت روايتهما عند قوله: ((عَذَابَ النَّارِ)).
٢٥٢٧ - [٢٢] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لَا يَنْبَغِي
لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ))، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: ((يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فَ ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)).
لِمَا لَا يُطِيقُ)).
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٥٢٧ - قوله: (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنٍ)، أي: لا يجوز له. (أَنْ يُذِلَّ) بضم الياء
وكسر الذال المعجمة من الإذلال. (قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلَّ نَفْسَهُ؟)، وجه استبعادهم
أن الإنسان مجبول على حب إعزاز نفسه، قاله القاري. (قَالَ: يَتَعَرَّضُ)، أي:
يتصدى .
(مِنَ الْبَلَاءِ)، إمّا بالدعاء على نفسه به، أو بأن يأتي بأسبابه العادية، وهو بيان
مقدم لقوله: (لِمَا لَا يُطِيقُ).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) كلاهما في الفتن.
(وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)))، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٤٠٥). (وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) في سنده عندهم علي بن زيد بن جدعان وهو
ضعيف، وإنما حسن حديثه الترمذي؛ لأنه صدوق عنده.
(٢٥٢٧) التِّرْمِذِي (٢٢٥٤)، وابن مَاجَهْ (٤٠١٦) عن حذيفة وقال التِّرْ مِذِي: حسن غريب.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
*
بَابُ جَامِعِ الدَّعَاءِ
٢٩٥
٢٥٢٨ - [٢٣] وَعَنْ عُمَرَ رَضِفْتَهُ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلِ قَالَ:
(قُلْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتِي خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَتِي، وَاجْعَلْ عَلَانِيَتِي صَالِحَةً،
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ صَالِحِ مَا تُؤْتِي النَّاسَ مِنَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، غَيْرِ
الضَّالَّ، وَلَا الْمُضِلِّ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٥٢٨ - قوله: (عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ)، أي: دعاء. (قَالَ)، بيان لقوله:
((عَلَّمَنِي))، (اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيْرَتِي) هي والسر بمعنى: وهو ما يكتم.
(خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَتِي) بالتخفيف. (وَاجْعَلْ عَلَانِيَتِ صَالِحَةً) طلب أولًا سريرة خيرًا
من العلانية، ثم عقب بطلب علانية صالحة؛ لدفع توهم أن السريرة ربما تكون
خيرًا من علانية غير صالحة.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ صَالِحِ مَا تُؤْتِي النَّاسَ)، قيل: ((من)) زائدة كما هو مذهب
الأخفش، وقوله: (مِنَ الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ) لبيان ((مَا)) ويجوز أن تكون للتبعيض،
وقوله: (مِنَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ)،َ كذا في جميع النسخِ مِن ((المشكاة)) وهكذا في ((جامع
الأصول))، ووقعَ فِي الترمذي: (مِنَ الْمَالِ وَالِأَهْلِ)، أي: بتقديم المال على
الأهل. (غَيْرِ الضَّالَّ)، أي: بنفسه. (وَلَا الْمُضِلِّ)، أي: لغيره.
قال الطيبي: مجرور بدل من كل واحد من الأهل والمال والولد، ويجوز أن
يكون الضال بمعنى النسبة، أي: غير ذي ضلال. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات عن
محمد بن حميد عن علي بن أبي بكر عن الجراح بن الضحاك عن أبي شيبة عن
عبد الله بن عكيم عن عمر. وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
وليس إسناده بالقوي. انتهى.
قلت: محمد بن حميد بن حيان ضعيف، وأبو شيبة قال في ((التقريب)): أبو شيبة
عن عبد الله بن عكيم يحتمل أن يكون أحد هؤلاء وإلا فمجهول من السادسة.
والمراد بهؤلاء: المكنون بأبي شيبة المذكور قبله وفيهم ثقات وضعفاء ولا يدرى
من هذا منهم؛ ولذلك ضعف الترمذي هذا الحديث.
(٢٥٢٨) التِّرْ مِذِي (٣٥٨٦) في الدعوات عنه.
٢٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٠ - كِتَابُ الْمِنَاسِكِ
(كِتَابُ الْمَنَاسِكِ)، أي: مناسك الحج وهكذا عقد النسائي في ((سننه))
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))، وهو جمع المنسك بفتح السين وكسرها وقرئ
بهما في السبعة قوله تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج: ٣٤]، وهو مصدر ميمي
من نسك ينسك إذا تعبد، ثم سميت أفعال الحج كلها مناسك، قاله القاري. وقال
ابن جرير: أصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل
ويألفه لخير أو شر، يقال: إن لفلان منسكًا يعتاده، وإنما سميت مناسك الحج
بذلك؛ لتردد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحج والعمرة.
وقال العيني: المناسك جمع منسك بفتح السين وكسرها: وهو المتعبد ويقع
على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك، والمنسك
المذبح، وقد نسك ينسك نسكًا إذا ذبح والنسيكة الذبيحة وجمعها نسك، والنسك
أيضًا الطاعة والعبادة، وكل ما تقرب به إلى الله رحمك، والنسك ما أمرت به الشريعة
والورع وما نهت عنه، والناسك العابد وسئل ثعلب عن الناسك ما هو؟ فقال: هو
مأخوذ من النسكية وهي سبيكة الفضة المصفاة كأن الناسك صفى نفسه لله تعالى،
انتهى. والحج بفتح الحاء وكسرها لغتان قرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ
اُلْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] في السبع وأكثر السبعة على الفتح.
وفي ((أمالي الهجري)): أكثر العرب يكسرون الحاء فقط، ونقل الطبري أن الفتح
لغة أهل نجد والكسر لغيرهم. والحجة فيها لغتان أيضًا فتح الحاء وكسرها فمعناه
على الفتح: الفعلة من الحج، أي: المرة وعلى الكسر: الحالة والهيئة كالتلبية
والإجابة. وقال الجوهري: والحجة بالكسر: المرة الواحدة وهو من الشواذ؛ لأن
القياس بالفتح وهو مبني على اختياره أنه بالفتح الاسم. ومعنى الحج في اللغة:
القصد هكذا أطلقه أئمة اللغة، وقيده بعضهم بكثرة القصد إلى معظم، واستدل
بقول المخبل السعدي :
يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبَرْقَانِ الْزَعْفَرَا
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً
٢٩٧
كِتَابُ المُنَاسِكِ
Ba* : ******** ex *'es
يقول: يأتونه مرة بعد أخرى لسؤدده، وارجع لشرح البيت إلى ((هامش القرى
لقاصد أم القرى)) (ص٣٥). وقيل: هو إطالة الاختلاف إلى الشيء واختاره ابن
جرير، وقال الحافظ: أصل الحج في اللغة: القصد. وقال الخليل: كثرة القصد
إلى معظم، وفرق بعضهم بين فتح الحاء وكسرها، فنقل الطبري عن حسين الجعفي
أن الفتح الاسم والكسر المصدر وعن غيره عكسه. وقال النووي: الحج بالفتح:
هو المصدر وبالفتح والكسر جميعًا الاسم منه. وقال سيبوبه: المكسور مصدر
واسم للفعل، والمفتوح مصدر فقط.
وقال ابن السكيت: بفتح الحاء القصد وبالكسر القوم الحجاج، والحاج الذي
يحج، وربما يظهرون التضعيف في ضرورة الشعر، قال:
بِكُلِّ شَيْخِ عَامِرٍ أَوْ حَاجِجٍ
ویجمع على حجاج وحجیج وحجج بضم الحاء کبازل وبزل ونازل ونزل وعائذ
وعوذ، ومعناه في عرف الشرع: القصد إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم
في وقت مخصوص بأفعال مخصوصة، كالطواف والسعي والوقوف بعرفة وغيرها
بإحرام، وقيل: هو زيارة مكان مخصوص وهو البيت العتيق في زمان مخصوص،
وهو أشهر الحج لعمل مخصوص وهو الطواف والسعي والوقوف محرمًا، وهو
فرض بالكتاب والسنة والإجماع وجاحده كافر عند الكل بلا نزاع، وقال الحافظ:
وجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة.
وقال ابن قدامة: والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع، وأمَّا سبب
الحج، فهو البيت؛ لأنه يضاف إليه؛ ولذا لا يجب في العمرة إلا مرة واحدة؛ لعدم
تكرار السبب، قال الحافظ: أجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر. انتهى.
وفي ((شرح الإقناع)): وكالقضاء عند إفساد التطوع، وأما ما رواه عبد الرزاق وابن
أبي شيبة في ((مصنفيهما)) وأبو يعلى في ((مسنده)) وابن حبان في ((صحيحه))
والطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي في ((سننه)) من حديث أبي سعيد الخدري
مرفوعًا: ((يَقُولُ اللهُ تبارك وتعالى: إِنَّ عَبْدًا صَخَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ وَأَوْسَعْتُ لَّهُ فِي رِزْقِهِ
يَأْتِي عَلَيْهِ خَمْسُ سِنِينَ لَا يَفِدُ إِلَيَّ لِمَحْرُوٌ))، فهو محمول على الندب يدل على ذلك
حديث ابن عباس الآتي في الفصل الثاني: ((الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ؛ فَهُوَ تَطَوُّعٌ))،
واختلف هل هو على الفور أو التراخي:
٢٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فقال بالأول: مالك وأحمد وأبو يوسف والمزني من أصحاب الشافعي.
وقال بالثاني: الشافعي والثوري والأوزاعي ومحمد بن الحسن ونقله الماوردي
عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس، واختلفت الرواية فيه عن أبي حنيفة،
قال ابن قدامة: من وجب عليه الحج وأمكنه فعله؛ وجب عليه على الفور ولم يجز
له تأخيره، أي: فيأثم إن أخره بلا عذر وبهذا قال أبو حنيفة ومالك. وقال الشافعي:
يجب الحج وجوبًا موسعًا وله تأخيره؛ لأن النبي ◌َّ أمر أبا بكر على الحج وتخلف
بالمدينة لا محاربًا، ولا مشغولاً بشيء وتخلف أكثر الناس قادرين على الحج؛
ولأنه إذا أخره ثم فعله في السنة الأخرى لم يكن قاضيًا له؛ دل على أن وجوبه على
التراخي، ثم بسط ابن قدامة في الاستدلال على وجوبه على الفور، والجواب عما
استدل به القائلون بالتراخي .
وقال النووي في ((مناسكه)): إذا وجدت شرائط الوجوب وجب على التراخي،
فله تأخيره ما لم يخش العضب، فإن خشيه؛ حرم عليه التأخير على الأصح، وإذا
أخر فمات تبين أنه مات عاصيًا على الأصح لتفريطه، وقال الزبيدي في ((شرح
الإحياء)): اختلف فيه عند أصحابنا: فقال أبو يوسف: هو في أول أوقات الإمكان
فمن أخره عن العام الأول أثم، وهو أصح الروايتين عن أبي حنيفة كما في
((المحيط)) و((الخانية)) و(شرح المجمع))، وفي ((القنية)) أنه المختار. قال القدوري:
وهو قول مشائخنا وبالتراخي قال محمد. لكن جوازه مشروط بأن لا يفوته حتى لو
مات ولم يحج أثم عنده أيضًا، ووقت الحج عند الأصوليين يسمى مشكلًا
لوجهين؛ الوجه الأول: أنه يشبه المعيار، لأنه لا يصح في عام واحد إلا حج
واحد، ويشبه الظرف؛ لأن أفعاله لا تستغرق أوقاته. والوجه الثاني: أن أبا يوسف
لما قال بتعيين أشهر الحج من العام الأول، جعله کالمعيار ومحمد لما قال بعدمه؛
جعله كالظرف ولم يجزم كل منهما بما قال، فإن أبا يوسف لو جزم بكونه معيارًا
لقال من أخره عن العام الأول يكون قضاء لا أداء مع أنه لا يقول به، بل يقول: إنه
يكون أداء، ولقال: إن التطوع في العام الأول لا يجوز مع أنه لا يقول به، بل يقول:
إنه يجوز، وإن محمدًا لو جزم بكونه ظرفًا لقال: إن من أخره عن العام الأول لا
يأثم أصلًا لا في مدة حياته ولا في آخر عمره مع أنه لا يقول به، بل يقول: إن مات
ولم يحج أثم في آخر عمره، فحصل الإشكال، ثم إن القائل بالفور لا يجزم
٢٩٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بالمعيارية، والقائل بالتراخي لم يجزم بالظرفية، بل كل منهما يجوز الجهتين لكن
القائل بالفور يرجح جهة المعيارية ويوجب أداءه في العام الأول، حتى لو أخره عنه
بلا عذر أثم لتركه الواجب، لكن لو أداه في العام الثاني كان أداء لا قضاء،
والقائل: بالتراخي يرجح جهة الظرفية حتى لو أداه بعد العام الأول لا يأثم
بالتأخير، لكن لو أخره فمات ولم يحج أثم في آخر عمره.
وقال بعض أصحابنا المتأخرين: والمعتمد أن الخلاف في هذه المسألة ابتدائي
فأبو يوسف عمل بالاحتياط؛ لأن الموت في سنته غير نادر فيأثم، ومحمد حكم
بالتوسع لظاهر الحال في بقاء الإنسان. انتهى. قال الشوكاني في ((السيل الجرار))
(ج٢ ص١٥٩) : أمَّا الخلاف في كون الحج على الفور أو التراخي، فمرجعه ما
وقع في الأصول من الخلاف في صيغة الإيجاب، هل هي للفور أو للتراخي، وقد
دل على الفور عند الاستطاعة الأحاديث الواردة في الوعيد لمن وجد زادًا ولم يحج
وهي، وإن كان فيها مقال؛ فمجموع طرقها منتهض. واستدل القائلون بالتراخي
بما وقع منه ◌ُّه من تأخير حجه إلى سنة عشر مع كون فرض الحج نزل في سنة
خمس أو ست على خلاف في ذلك. انتهى.
قلت: استدل لأحمد ومالك ومن وافقهما بقوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾
[البقرة: ١٩٦] والأمر يقتضي الفور، وبقوله ◌َله: («تَعَجَّلُوا الْحَجَّ - يعني: الفريضة -
فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِى مَا يَعْرِضُ لَهُ))، وأخرجه أحمد، والبيهقي من حديث ابن
عباس، وبما سيأتي في الفصل الثاني من حديث ابن عباس: ((مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ
فَلْيُعَجِّلْ)) ومن حديث علي: ((فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا))، وفي الفصل
الثالث من حديث أبي أمامة: ((مَنْ لَمْ يَمْتَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ ... )) إلخ.
وبقوله ◌َّه: ((حُجُوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُّوا))، الحديث أخرجه الدار قطني من حديث أبي
هريرة، وارجع للجواب عن ذلك إلى ((القرى لقاصد أم القرى)) (ص ٣٧) وإلى
((الفتح الرباني)) (ج ١١ ص٢١) وكيف ما كان الأمر التسارع إلى أدائه مطلوب،
والأحوط هو التعجيل للمستطيع بقدر الإمكان؛ لأن الأجل غير معلوم وحينئذ
يشكل تأخير النبي ◌َّ في حجه إلى العاشرة مع فرضيته قبل ذلك سنة خمس أو ست
أو سبع أو ثمان على اختلاف في ذلك، والقائلون بالفور أشد احتياجًا إلى الاعتذار
عن ذلك، والتخلص من هذا الإشكال.