Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٤٧٤ - [٣٦] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّوَ كَانَ إِذَا جَلَسَ
مَجْلِسًا أَوْ صَلَّى تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ فَسَأَلْتُّهُ عَنِ الْكَلِمَاتِ فَقَالَ: (إِنْ تُكُلَّمَ بِخَيْرِ،
كَانَ طَابِعًا عَلَيْهِنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ تَّكُلِّمَ بِشَرِّ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ: سُبْحَانَك
اللَّهُمَّ وَبِحَمْدَِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٤٧٤ - قوله: (كَانَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِسًا أَوْ صَلَّى)، أي: صلاة. (تَكَلَّمَ
بِكَلِمَاتٍ)، أي: عند انصرافه منها أو عند قيامه عنه. (فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَلِمَاتِ)، أي:
عن فائدتها. (إِنْ تُكُلُّمَ بِخَيْرٍ) بصيغة المجهول، فنائبه الجار وفي نسخة على بناء
المعلوم، أي: إن تكلم متكلم بخير، أي: طاعة قبل تلك الكلمات المسئول عنها
ثم ذكر تلك الكلمات عقبه. (كَانَ)، أي: الذكر الآتي وهو تلك الكلمات، وقيل:
أي: تلك الكلمات، وتذكير الضمير باعتبار الكلام.
(طَابِعًا)، بفتح الموحدة، وتكسر، أي: خاتمًا. (عَلَيْهِنَّ)، أي: على كلمات
الخير، وقال السندي: أي: على تلك الكلمات التي هي خير؛ إذ الغالب أن الخير
يكون كلمات متعددة، فلذلك جمع الضمير، وفيه: ترغيب إلى تكثير الخير وتقليل
الشر، حيث اختير في جانبه الإفراد، وإشارة إلى أن جميع الخيرات تثبت بهذا
الذكر، إذا كان هذا الذكر عقبها ولا تختص هذه الفائدة بالخير المتصل بهذا الذكر
فقط. والمراد: أنه يكون مثبتًا لذلك الخير، رافعًا إلى درجة القبول، آمنًا له عن
حضیض الرد، انتھی.
(وَإِنْ تُكُلُّمَ) بالوجهين. (بِشَرِّ)، أي: بإثم. (كَانَ كَفَّارَةً لَهُ)، أي: لما تكلم به
(٢٤٧٤) النَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٢٣٣) في اليومِ والليلةِ، عنها .
١٦١
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِى الأَوْقَاتِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
من الشر، أي: مغفرة للذنبِ الحاصل، فيستحب للإنسان ختم المجلس به، أَيَّ
مجلس كان. (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ... ) إلخ، تفسير لقوله: (بِكَلِمَاتٍ)، أي: تكلم
بكلمات: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ... ) إلخ. فسألته عن فائدتها، وفي الكلام تقدیم وتأخير
وضمير كان في الموضعين راجع إلى قوله: (سُبْحَانَك) في المعنى كما لا يخفى.
وقال الطيبي: قوله: (عَنِ الْكَلِمَاتِ) التعريف للعهد والمعهود قوله: (كَلِمَات)،
وهو يحتمل وجهين: إمّا أن لا يضمر شيء، فيكون الكلمات الجملتين الشرطيتين
واسم كان فيهما مبهم تفسيره قوله: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ))، وإما أن يقدر فما فائدة
الكلمات؟ فعلى هذا الكلمات هي قوله: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)) والمضمر في كان راجع
إليه ففي الكلام تقديم وتأخير، وهذا الوجه أحسن بحسب المعنى، وإن كان اللفظ
يساعد الأول، كذا في المرقاة.
وقال في ((اللمعات)): لا شك أن الكلمات هي: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ... )) إلخ.
فالسؤال يكون عنها والجواب بها، لكنه وَله بين قبلها فضيلتها بقوله: (إِنْ تُكُلَّمَ)
بصيغة المجهول الماضي، أي: وقع التكلم، أو بفتحات، أي: تكلم متكلم أو
رجِل (بِخَيْرٍ) في المجلس، والضمير في (كَانَ) راجع إلى قوله: ((سُبْحَانَكَ
اللَّهُمَّ ... )) إلَخ. لكونه فاعلًا أو مسندًا إلى ظاهره، فهو اسم (كَانَ) و (طَابِعًا) بفتح
الباء بمعنى الخاتم خبر مقدم والضمير في (عَلَيْهِنَّ) راجع إلى الكلمات المفهومة
من تكلم رعاية للمعنى؛ وفي قوله: (كَانَ كَفَّارَةً لَهُ) إلى الشر لرعاية اللفظ فافهم.
هذا ما سنح لي في توجيه الكلام، انتهى.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) في الصلاة وإسناده صحيح أو حسن، وذكره المنذري في باب
الترغيب في ((كلمات يكفرن لغط المجلس)) بلفظ ((المشكاة)) وصدره بلفظة: ((عَنْ))
فلا أقل من أن يكون عنده حسنًا أو قريبًا من الحسن. وقال: رواه ابن أبي الدنيا
والنسائي واللفظ لهما والحاكم والبيهقي وفي الباب عن جبير بن مطعم، ورافع بن
خديج، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي برزة الأسلمي ذكرها المنذري في
الباب المذكور، والحاكم (ج١ : ص٥٣٦، ٥٣٧).
١٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٧٥ - [٣٧] وَعَنْ قَتَادَةَ: بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ كَانَ إِذَا رَأَى
الْهِلَالَ قَالَ: ((هِلَالُ خَيْرِ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرِ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرِ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ
بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّابٍ ثُمَّ يَقُولُ: الْحَمْدَّ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَّهْرِ كَذَا، وَجَاءَ
بِشَهْرِ كذا).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
الشرح
٢٤٧٥ - قوله: (وَعَنْ قَتَادَةَ)، هو قتادة بن دعامة السدوسي التابعي الجليل.
(بَلَغَهُ)، في ((سنن أبي داود)): أنه بلغه. والحديث مرسل. (هِلَالُ خَيْرِ وَرُشْدٍ)
بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا، أو هو هلال خير؛ تفاؤلًا فَيكون ما
بعده التفاتًّا أو خبر معناه دعاء، وقيل: الظاهر أنه منصوب بمقدر، أي: اللَّهُمَّ اجعله
لنا أو أهله علينا هلال خير، أي: بركة، ورشد بضم الراء وسكون الشين ويجوز
فتحهما، أي: هداية إلى القيام بعبادة الله تعالى فإنه ميقات الحج والصوم
وغيرهما. قال اللّه تعالى: ﴿يَسَْلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٩].
(هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرِ وَرُشْدٍ)، قال القاري: كرره ثلاثًا؛ لأنه خبر بمعنى
الدعاء ويصحَ بقاؤه على الخبرِّية؛ تفاؤلًا بأن يكون الشهر عليه كذلك. (آمَنْتُ
بِالَّذِي خَلَقَكَ)، فيه: رد على من عبدِ القمر. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظرف لـ(قَالَ)، وقيل:
أي: يكرر ذلك ثلاثًا. (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا)، أي: بجمادى الآخر
مثلًا، أي: بالخير والسلامة. (وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا)، أي: برجب مثلًا، أي: أبقى
وفسح في العمر، وكلاهما نعمة، أو المراد: ثناؤه تعالى على هذه القدرة الكاملة
وإيجاد الحالة العجيبة.
قال الطيبي: إمَّا أن يراد بالحمد الثناء على قدرته بأن مثل هذا الإذهاب
العجيب، وهذا المجيء الغريب لا يقدر عليه إلا الله، أو يراد به الشكر على ما
أولى العباد بسبب الانتقال من النعم الدينية والدنيوية ما لا يحصى وينصر هذا
التأويل قوله: (هِلَالُ خَيْرٍ).
(٢٤٧٥) أَبُو دَاوُد (٥٠٩٢) في الأدب عنه.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
se
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الأَوْقَاتِ
١٦٣
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في ((الأدب)) ورجاله ثقات لكنه مرسل، ورواه أيضًا البغوي في
(شرح السنة)) (ج٥: ص١٢٩) عن قتادة قال: كان النبي ◌َّ إذا رأى الهلال كبر
ثلاثًا وهلل ثلاثًا، ثم قال: ((هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ))، ثلاثًا، ثم قال: ((آمَنْتُ ... )) إلخ. قال
البغوي: هذا حديث منقطع. قال في ((مرقاة الصعود)): وصله ابن السني والطبراني
في الدعاء من طريق محمد بن عبيد الله الفزاري عن قتادة عن أنس وزاد الطبراني
بعد قوله: ((خَلَقَكَ: فَعَدَلَكَ وَجَعَلَكَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ))، انتهى.
قلت: روى ابن السني (ص ٢٠٧) حديث أنس من طريق عمر بن أبي سلمة عن
زهير بن محمد عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن حرملة، عنه، أن النِبِي وَ لو كان
إذا نظر إلى الهلال قال: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هِلَالَ يُمْنٍ وَرُشْدٍ، وَآمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ
فَعَدَلَكَ فَتَبَارََكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ))، وروي أيضًا مِّن طريق الجريري عن أبي نضرة
عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ◌ََّ كان إذا رأى الهلال قال: ((هِلَالُ خَيْرِ وَرُشْدٍ))
ثلاث مرات، ((آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ)) ثلاث مرات، ثم يقول: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَاءَ
بِالشَّهْرِ وَذَهَبَ بِالشَّهْرِ)).
٢٤٧٦ - [٣٨] وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: «مَنْ كَثُرَ
هَمُّهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدَُكَ، وَابْنُ عَبْدَِ، وَابْنُ أَمَتِكَ، وَفِى قَبْضَتِكَ،
نَاصِيَتِي بِيَدَِ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُلَ، أَسْأَلُكَ بِكُلُّ اسْمَ هُوَ
لَكَ، سَمَّيَّتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ
اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فَي مَكْنُوْنِ الْغَيْبِ عِنْدَكْ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَجَلَاءَ
هَمِّي، وَغَمِّي، مَا قَالَهَا عَبْدٌ قَطَّ إِلَّا أَذْهَبُ اللهُ غَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ فَرَجًا)).
[رَوَاهُ رَزِينٌ]
الشرح
٢٤٧٦ - قوله: (مَنْ كَثُرَ) بضم الثاء المثلثة. (هَمُّهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ)، وفي رواية
أحمد (ج١ : ص١٩٣): ((مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ)، (إِنِّي
عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِك) بفتح الهمزة والميم المخففة، أي: ابن جاريتك
(٢٤٧٦) أَحْمَد (٣٩١/١) عنه.
١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
** **** weNESE
وهو اعتراف بالعبودية. (وَفِي قَبْضَتِكَ) بفتح القاف المرة من القبض، أي: في
تصرفك وتحت قضائك وقدرك ولا حركة لي ولا سكون إلا بأقدارك وهو إقرار
بالربوبية، ولم يقع هذا اللفظ فيما رأيت إلا لابن السني. (نَاصِيَتِي بِيَدِلَكَ)، أي: لا
حول ولا قوة إلا بك، كناية عن كمال قدرته، وإشارة إلى إحاطته على وقف إرادته
ج
وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿مَّا مِن دَآبَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌُ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦].
(مَاضٍ)، أي: ثابت ونافذ. (فِيَّ) بتشديد الياء، أي: في حقي. (حُكْمُكَ)، قال
القاري في ((شرح الحصن)): إيماء إلى أنه لا مانع لفعله ولا راد لحكمه، أو المعنى
سابق في شأن حكمك الأزلي، ولا تبديل ولا تحويل لأمرك. وقال في المرقاة:
((حُكْمُكَ))، أي: الأمري أو الكوني، كإهلاك وإحياء ومنع وعطاء. (عَدْلٌ فِيَّ
قَضَاؤَُ)، أي: ما قدرته عليَّ؛ لأنك تصرفت في ملكك على وفق حكمتك.
(أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْم هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ)، أي: ذاتك وهو مجمل وما بعده
تفصيل له على سبيَّل التنويع الخاص، أعني: قوله: (أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ)، أي: في
جنس الكتب المنزلة. (أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ)، أي: من خلاصتهم وهم الأنبياء
والرسل، وهذا ساقط من بعض نسخ ((المشكاة))، وليس أيضًا في ((جامع الأصول))
والصحيح وجوده، ويشهد له رواية أحمد، وابن حبان، والحاكم وابن السني: ((أَوِ
اسْتَأثرْتَ بِهِ»، أي: اخترته وتفردت به.
(فِي مَكْنُونِ الْغَيْبِ)، أي: مستوره، وفي رواية أحمد، وابن حبان، والحاكم،
وابن السني: ((فِي عِلْمِ الْغَيْبِ))، ((عِنْدََ))، أي: فلم تلهمه أحدًا ولم تنزله في
كتاب. قال الجزري: الاستئثار بالشيء: التخصص به والانفراد، أي: انفردت
بعلمه عندك لا يعلمه إلا أنت، وفيه: دليل على أن لله ◌ُخال أسماء غير التسعة
والتسعين الاسم المتقدم ذكرها، وفيه: التوسل بأسماء الله تعالى التي سمَّى بها
نفسه ما علم العباد منها وما لم يعلموا، ومنها: ما استأثر به في علم الغيب عنده فلم
يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله
وأقربها تحصيلًا للمطلوب.
(أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ) مفعول ((أَسْأَلُكَ))، (رَبِيعَ قَلْبِي) شبه القرآن بزمان الربيع في
ظهور آثار رحمه الله وحياة القلب وارتياحه به. قال الشوكاني: أي: أسألك أن
١٦٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الأَوْقَاتِ
meas y
تجعل القرآن كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، أي:
يجعل قلبه مرتاحًا إلى القرآن، مائلًا إليه راغبًا في تلاوته وتدبره، وقيل: أي:
منتزهه ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأشجاره وثماره المشبه بها أنواع العلوم
والمعارف، وأصناف الحكم والأحكام واللطائف.
قال الطيبي: هذا هو المطلوب والسابق وسائل إليه، فأظهر أولًا: غاية ذلته
وصغاره ونهاية عجزه وافتقاره، وثانيًا: بين عظمة شأنه وجلالة اسمه سبحانه بحيث
لم يبق فيه بقية، وألطف في المطلوب حيث جعل المطلوب وسيلة إلى إزالة الهم
المطلوب أولًا، وجعل القرآن ربيع القلب وهو عبارة عن الفرح؛ لأن الإنسان
يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان ويميل إليه في كل مكان، وأقول كما أن الربيع
سبب ظهور آثار رحمة الله تعالى وإحياء الأرض بعد موتها؛ كذلك القرآن سبب
ظهور تأثير لطف الله من الإيمان والمعارف، وزوال ظلمات الكفر والجهل
والهم، كذا في ((المرقاة)). وزاد في رواية أحمد: (نُورَ صَدْرِي))، وكذا في حديث
أبي موسى الأشعري عند الطبراني، وابن السني، أي: يشرق في قلبي نوره، فأميز
به الحق من غيره. ووقع في رواية ابن حبان، وابن السني من حديث ابن مسعود:
((نُورَ بَصَرِي))، قال الشوكاني: سأله أن يجعل القرآن منور البصيرة، والنور مادة
الحياة وبه يتم معاش العباد.
وقال القاري في شرح الحصن: قوله: ((وَنُورَ بَصَرِي))، أي: إذا تلوته عينًا، كما
أنه ربيع قلبي إذا تلوته غيبًا. (وَجِلَاءَ هَمِّ وَغَمِّي) بكسر الجيم، أي: إزالتهما
وكشفهما من جلوت السيف جلاء بالكسر، أي: صقلته، وفي رواية أحمد، وابن
حبان، والحاكم، وابن السني: ((وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي)) سأله أن يجعل القرآن
شفاء همه وغمه؛ ليكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء ويعيد البدن إلى صحته
واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية .
(مَا قَالَهَا)، أي: الكلمات المذكورة. (عَبْدٌ قَطَّ إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ غَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ بِهِ
فَرَجًا) بفتحتين وبالجيم وهو كشف الغم، وفي بعض النسخ ((فرحًا)) بالحاء
المهملة، وهكذا في جامع الأصول، وفي رواية الأربعة المذكورين: ((إِلَّا أَذْهَبَ
اللهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًّا)»، قالوا: يا رسول الله، ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء
الكلمات قال: ((أَجَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ)»، وفي الحديث: الحث على
١٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تعلم هذا الدعاء والعمل به وقت الحزن والهم والغم، وأن من فعل ذلك أذهب الله
عنه ما يجد وأبدله مكان الهم والغم فرحًا، هذا وقد بسط ابن القيم في شرح هذا
الحديث وبيان ما يدل عليه الدعاء المذكور فيه من الفوائد والقواعد في ((شفاء
العليل)) (ص٢٧٤ - ٢٧٨) فليرجع إليه من شاء.
(رَوَاهُ رَزِينٌ) ذكره رزين في ((تجريده) ولا يوجد في أصوله، وذكره الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج ١٠: ص١٣٦)، وقال: رواه أحمد (ج١: ص٣٩١، ٤٥٢)
وأبو يعلى، والبزار، والطبراني. ورجال أحمد وأبي يعلي رجال الصحيح غير أبي
سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان، انتهى. قلت: وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١ :
ص٥٠٩)، وابن السني (ص١١٠)، وابن حبان كما في ((موارد الظمآن))
(ص٥٨٩)، وابن أبي شيبة، كما في ((الحصن)) رواه كلهم غير ابن السني من رواية
أبي سلمة الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه،
عن عبد الله، ورواه ابن السني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن
عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط
مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه؛ فإنه مختلف في سماعه
من أبيه. وتعقبه الذهبي فقال: أبو سلمة لا يدري من هو، ولا رواية له في الكتب
الستة، انتهى.
وقال الشيخ أحمد شاكر في ((شرحه للمسند)): إسناده صحيح، ثم نقل تخريجه
عن الهيثمي، وكلامه المتقدم، ثم ذكر تصحيح الحاكم وتعقب الذهبي عليه. ثم
قال: أبو سلمة الجهني ترجمه الحافظ في ((التعجيل)) (ص ٤٩٠، ٤٩١) ونقل عن
الحسيني أنه قال: مجهول، وكلام الذهبي أنه لا يدري من هو، ثم قال: وقد ذكره
ابن حبان في ((الثقات)) وأخرج حديثه في ((صحيحه)) وقرأت بخط الحافظ ابن
عبد الهادي يحتمل أن يكون خالد بن سلمة. قلت: وهو بعيد؛ لأن خالدًا
مخزومي وهذا جهني، انتهى. وترجمه أيضًا في ((لسان الميزان)) (٦، ٣٨٧) بنحو
هذا ثم قال: والحق: أنه مجهول الحال وابن حبان يذكر أمثاله في ((الثقات)) ويحتج
به في ((الصحیح))، إذا كان ما رواه ليس بمنكر، انتهى.
وتعقبه الشيخ أحمد شاكر، فقال: وهذه دعوى من الحافظ، فكلهم يحتجون في
توثيق الراوي بذكر ابن حبان إياه في ((الثقات)) إذا لم يكن مجروحًا بشيء ثابت.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
BE*
١٦٧
وفضلًا عن هذا، فإن البخاري ترجمه في ((الكنى)) برقم (٣٤١) فلم يذكر فيه
جرحًا، وهذا مع ذاك يرفعان جهالة حاله، ويكفيان في الحكم بتوثيقه، وأمَّا ظن
ابن عبد الهادي، أنه خالد بن سلمة، فإنه بعيد، كما قال الحافظ، وأقرب منه
عندي أن يكون موسى بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن الجهني، ويكنى أبا سلمة؛
فإنه من هذه الطبقة وقد سبق توثيقه.
قلت: وفي تعقبه على الحافظ عندي نظر، فتأمل. ثم قال الشيخ أحمد شاكر
وهنا بهامش (ك) - أي: النسخة الكتانية المغربية ((للمسند)) قال الحافظ المنذري
بعد الإتيان بحديث ابن مسعود هذا وذكر تخريجه وذكر كلام الحاكم لم يسلم،
أي: الحديث من الإرسال أقول: هذا ادعاء من الحافظ المنذري، فإنه سلم منه لما
رجحنا في (٣٦٩٠) أن عبد الرحمن سمعٍ من أبيه، انتهى. وقال هناك (ج٥ :
ص٢٥٥): في سماع عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه كلام. والراجح عندي: أنه
سمع منه، وهو الذي رجحه البخاري في (التاریخ الصغير)) (٤٠) فإنه روی عن ابن
خثيم المكي قصة بإسناده، قال فيها عبد الرحمن: وأنا مع أبي، ثم قال البخاري:
قال شعبة: لم يسمع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه، وحديث ابن خيثم
أولى عندي، انتهى.
٢٤٧٧ - [٣٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا
سَبَّحْنَا.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٤٧٧ - قوله: (كُنَّا)، أي: في سفرنا. (إِذَا صَعِدْنَا) بكسر العين، أي: طلعنا
مكانًا عاليًا وعلونا موضعًا مرتفعًا مثل جبلٍ وتل. (كَبَّرْنَا)، أي: قلنا: الله أكبر
إظهارًا لكبريائه تعالى، وعلو مكانه، وارتفاع شأنه. (وَإِذَا نَزَلْنَا)، أي: هبطنا منزلًا
واطئًا وموضعًا منخفضًا نحو الوادي، وفي رواية: ((تَصَوَّبْنَا))، بدل: ((نَزَلْنَا))
والتصوب: النزول والانحدار، وقد ورد بلفظ: هَبَطْنَا، عند النسائي. (سَبَّحْنَا)،
(٢٤٧٧) البُخَارِي (٢٩٩٣) في الجهادِ عَنْه.
١٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
أي: قلنا: سبحان الله. ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع: أن
الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء، فشرع لمن
تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى وأنه أكبر من كل شيء ليشكر له ذلك فيزيده من
فضله، ومناسبة التسبيح عند الهبوط لكون المكان المنخفض محل ضيق، فيشرع
فيه التسبيح؛ لأنه من أسباب الفرج كما وقع في قصة يونس فيالتّلا حين سبح في
الظلمات فنجي من الغم.
قال المهلب: تكبيره وَّيّة عند الارتفاع والإشراف على المواضع العالية استشعار
لكبرياء الله ويت عند ما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء، وأما
تسبيحه في بطون الأودية، فهو مستنبط من قصة يونس عليه الصلاة والسلام
﴿ لَلَبِثَ فِى بَطْنِ: إِلَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَآ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ
[الصافات: ١٤٣، ١٤٤] فنجاه الله تعالى بتسبيحه في بطن الحوت من الظلمات، فامتثل
النبي ◌َ ◌ّ هذا التسبيح في بطون الأودية؛ لينجيه اللَّه منها ومن أن يدركه العدو،
وقيل: مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو: التنزيه
فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الجهاد، وأخرجه النسائي في ((اليوم والليلة))، والبغوي في
((شرح السنة)) (ج٥: ص١٤٨)، وروى أبو داود نحوه عن عبد الله بن عمر.
٢٤٧٨ - [٤٠] وَعَنْ أَنَس أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهَ كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ يَقُولُ:
((يَا حَيُّ یَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيَّثُ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ]
الشرح
٢٤٧٨ - قوله: (كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ)، أي: أصابه کرب وشدة، وقيل: أي:
أشق عليه أمر وأهمه شأنه، وفي رواية ابن السني: إِذا حزَبَهُ أمرٌ. وفي حديث ابن
مسعود عند الحاكم: إذا نزل به هم أو غم. (يَقُولُ)، في الترمذي: قَالَ. وفي
(٢٤٧٨) التِّرْ مِذِي (٣٥٢٤) وقال: غريبٌ وليسَ بالمحفوظِ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
١٦٩
((جامع الأصول)): يَقُولُ. كما في ((المشكاة)). (يَا حَيُّ)، أي: الدائم البقاء. (يَا
قَيُّومُ)، أي: المبالغ في القيام بتدبير خلقه.
(بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ)، أي: أطلب الإغاثة وأسأل الاستعانة يقال: أغاثه اللَّه أعانه
ونصره وأغاثه الله برحمته كشف شدته. قال ابن القيم في ((الطب النبوي))
(ص١٥٩): في تأثير قوله: ((يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ)) في دفع هذا الداء -
أي: الكرب والهم والغم - مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات
الكمال مستلزمة لها وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان
اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم،
والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم
يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات ونقصان الحياة يضر بالأفعال
وينافي القيومية، فكمال القيومية لكمال الحياة فالحي المطلق التام الحياة لا يفوته
صفة الكمال البتة والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة. فالتوسل بصفة الحياة
والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال، والمقصود أن لاسم
الحي القيوم تأثيرًا خاصًّا في إجابة الدعوات وكشف الكربات.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، في الدعوات، وقال: هذا حديث غريب، انتهى. وأخرجه
أيضًا ابن السني (ص ١٠٩) كلاهما من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد عن الرحيل
ابن معاوية عن يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس. والرقاشي قال في ((التقريب)): إنه
زاهد ضعيف. وقال الساجي: كان يهم ولا يحفظ ويحمل حديثه لصدقه وصلاحه،
والظاهر أنه ضعف؛ لأنه غفل عن حفظ الحديث شغلاً بالعبادة.
(هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ)، قد وهم المصنف ها هنا، فإن كلام
الترمذي هذا إنما هو في حديث أنس أن النبي وَ لَ قال: ((أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ
وَالْإِكْرَام))، رواه من طريق مؤمل عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس به، ثم
قال: هذا حديث غريب وليس بمحفوظ، وإنما يروى هذا عن حماد بن سلمة عن
حميد عن الحسن البصري عن النبي وَّر، وهذا أصح، والمؤمل غلط فيه. فقال:
عن حميد عن أنس ولا يتابع فيه، انتهى. وقد تعقب الحافظ كلام الترمذي هذا في
((النكت الظراف على الأطراف)) (ج ١: ص ١٨٢) فارجع إليه، وفي الباب عن ابن
مسعود أخرجه الحاكم (ج١ : ص٥٠٩).
١٧٠
get
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٧٩ - [٤١] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ هَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ فَقَدْ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، قَالَ: ((نَعَمْ،
اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآَمِنْ رَوْعَاتِنَا)) قَالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالْرِّيحِ،
هَزَمَ اللهُ بِالْرِّيحِ.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشرح
٢٤٧٩- قوله: (قَالَ: قُلْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ)، أي: يوم الأحزاب في المدينة،
وسبب حفر الخندق أنه لما بلغه وي لل أن أهل مكة تحزبوا لحربه وجمعوا من مشركي
العرب وأهل الكتاب ما لا طاقة له بهم، فاستشار أصحابه فأشار سلمان الفارسي
بحفره كما هو عرف بلادهم، إذا قصدهم العدو الذي لا طاقة لهم بهم حول المدينة
ليمنعهم دخولها بغتة، ويستأمن به المسلمون على نسائهم وأولادهم فحفره هو
وأصحابه بضعة عشر يومًا، ورأوا فيها من الشدَّة والجوع والمعجزات ما هو
مسطور في محله، وكان ذلك في شوَّال سنة خمس من الهجرة، وقيل: غير ذلك،
وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة ما هو معروف فلا نطيل بذكرها.
(فَقَدْ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ)، أي: فزعًا ورعبًا، فإن الرئة تنتفخ من شدة الروع
فيرتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، وهي منتهى الحلقوم. قال الشوكاني
في ((فتح القدير)): الحناجر جمع حنجرة وهي جوف الحلقوم، أي: ارتفعت
القلوب عن أماكنها ووصلت من الفزع والخوف إلى الحناجر، فلولا أنه ضاق
الحلقوم عنها، وهو الذي نهايته الحنجرة لخرجت كذا قال قتادة. وقيل: هو على
طريق المبالغة المعهودة في كلام العرب، وإن لم ترتفع القلوب إلى ذلك المكان
ولا خرجت عن مواضعها، ولكنه مثل في اضطرابها وجبنها يعني هو على سبيل
التمثيل عبر به عن شده الخوف والاضطراب.
قال الفراء: والمعنى: أنهم جبنوا وجزع أكثرهم وسبيل الجبان، إذا اشتد خوفه
أن تنتفخ رئته فإذا انتفخت الرئة ارتفع القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان:
(٢٤٧٩) أَحْمَد (٣/٣) عنه.
١٧١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأُوْقَاتِ
انتفخ سحره. (قَالَ: نَعَمْ)، أي: قولوا. (اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا) جمع عورة، وهي
كل ما يستحيى منه ويسوء صاحبه أن يرى منه. (وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا) جمع روعة وهي
المرة من الروعِ بمعنى الفزع والخوف. (فَضَرَبَ اللهُ)، أي: بعد ما قال لهم.
وقالوا: دفع الله وصرف عن مقاتلة المسلمين ومقابلتهم. (وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرِّيحِ)،
بأن جعلها مسلطة عليهم حتى كفأت قدورهم، وألقت خيامهم ووقعوا في برد
شديد وظلمة عظيمة .
(هَزَمَ اللهُ)، وفي بعض النسخ من ((المشكاة)): و((هزم الله)). بالواو العاطفة،
والمعنى على الأول: هزمهم، فيكون استئنافًا ((ضَرَبَ)) أو بدلًا منه. (بِالرِّيح)،
قال الطيبي: الظاهر أن يقال: فانهزموا بها، فوضع المظهر موضع المضمر ليدلَ به
على أن الريح كانت سببًا لإنزال الرجز، وأقحم لفظ (اللهُ) ليدل به على قوة ذلك
السبب، انتهى. قلت: والذي في ((مسند أحمد)) فهزمهم اللَّه رَ بالريح، وهذا
ظاهر لا يحتاج إلى ما تكلفه الطيبي. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٣: ص٣) ورواته ثقات،
وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠: ص١٣٦)، وقال: رواه أحمد والبزار
وإسناد البزار متصل ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحمد إلا أن في نسختي من
((المسند)) عن ربيح بن أبي سعيد عن أبيه وهو في البزار عن أبيه عن جده. قلت:
وهو كذلك في نسخة ((المسند)) التي بين أيدينا كنسخة الحافظ الهيثمي، وربيح
مصغرًا ابن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري المدني يروي عن أبيه عن جده،
يقال: اسمه سعيد وربيح لقب. مقبول، قاله الحافظ في ((التقريب)).
١٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
٢٤٨٠ - [٤٢] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ بَّهِ إِذَا دَخَلَ السُّوقَ قَالَ:
((بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ السُّوقِ، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ
شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُصِيبَ فَيْهَا صَفْقَةً خَاسَرَةً)) .
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْدَّعَوَاتِ الْكَبِيْرِ]
الشرح
٢٤٨٠ - قوله: (إِذَا دَخَلَ السُّوقَ)، أي: أراد دخولها، وقيل: أي: وصل إلى
مكانها، وفي رواية ابن السني والطبراني: إذا خرج إلى السوق. (قَالَ)، أي: عند
الأخذ فيه. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ السُّوقِ)، السوق يذكر ويؤنث على ما في
((الصحاح))، وقيل: أنثها؛ لأن تأنيثها أفصح من تذكيرها، ولذا يقال في تصغيرها:
سويقة، والمراد: خير ذاتها أو مكانها. (وَخَيْرَ مَا فِيهَا)، أي: ما ينتفع به من الأمور
الدنيوية، ويستعان به على القيام بوظائف العبودية وللوسائل حكم المقاصد، قال
القاري في ((الحرز)): قوله: (وَخَيْرَ مَا فِيهَا)، أي: مما ينتفع به في الأمور الدنيوية
التي يستعان بها على الأحكام الأخروية، وقال في ((المرقاة)): أي: من الأمور التي
معينة على الدين أو أسألك خير هذه السوق بتيسير رزق حلال وعمل رابح، وبركة
في الوقوف بها، وخير ما فيها من الناس والعقود والأمتعة.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا)، أي: في ذاتها، أو مكانها لكونه مكان إبليس كما ورد.
(وَشَرِّ مَا فِيهَا)، أي: مما يشغل عن ذكر الرب سبحانه، أو مخالفته بنحو غش
وخيانة وارتكاب ربًا، وعقد فاسد وأمثال ذلك، وقيل: (مِنْ شَرِّهَا)، أي: من شر
ما استقر من الأوصاف والأحوال الخاصة بها وشر ما فيها، أي: من شر ما خلق
ووقع فيها وسبق إليها .
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُصِيبَ)، أي: أدرك. (فِيهَا صَفْقَةً)، أي: بيعة ومنه
ألهاهم الصفق بالأسواق، أي: التبايع قاله الجزري. ويقال: صفق يده على يده
صفقًا وصفقة ضرب يده على يده وذلك عند وجوب البيع. (خَاسِرَةً)، أي: عقد فيه
(٢٤٨٠) البَيْهَقِي في الدعوات (١٧٥) عنه.
١٧٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
خسارة دنيوية أو دينية، قال الطيبي: الصفقة المرة من التصفيق وهي اسم للعقد،
فإن المتبايعين يضع أحدهما يده في يد الآخر ووصف الصفقة بالخاسرة من
الإسناد المجازي؛ لأن صاحبها خاسر بالحقيقة، انتهى. فهي كقوله تعالى:
﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧]، ويمكن أن يكون التقدير فيهما ذات خسارة وذات رضا، أو
فاعلة مصدر بمعنى مفعول .
قال المناوي: إنما سأل خير السوق واستعاذ من شرها؛ لاستيلاء الغفلة على
قلوب أهلها فأتى بهذه الكلمات ليخرج من حال الغفلة فيندب لمن دخل السوق أن
يحافظ على قوله ذلك، فإذا نطق الداخل بهذه الكلمات كان فيه تحرزًا عما يكون
من أهل الغفلة فيها .
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)، ورواه الحاكم (ج١: ص٥٣٩)، وابن
السني (ص٦٣)، والطبراني أيضًا ولفظهم: ((أُصِيبَ فِيهَا يَمِينًا فَاجِرَةً أَوْ صَفْقَةً
خَاسِرَةً))، و((أَوْ)) للتنويع والفاجرة بمعنى الكاذبة، أي: حلفًا كاذبًا وذكرهما
تخصيص بعد تعميم لكونهما أهم ووقوعهما أغلب والحديث ذكره الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (ج١٠: ص١٢٩)، وقال: رواه الطبراني وفيه محمد بن أبان
الجعفي وهو ضعيف.
قلت: وهو في سند ابن السني أيضًا رواه عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن
أبيه، وقال الحاكم (ج١: ص٥٣٩) في باب دعاء دخول السوق بعد رواية حديث
عمر وابنه عبد الله بن عمر: وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وبريدة الأسلمي
وأنس وأقربها بشرائط هذا الكتاب حديث بريدة بغير هذا اللفظ، ثم روى حديث
بريدة من طريق محمد بن عيسى المدايني ثنا شعيب بن حرب حدثنا جار لنا يكنى أبا
عمرو عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه، قال الحافظ العراقي: فيه:
أبو عمرو جار لشعيب بن حرب ولعله حفص بن سليمان الأسدي مختلف فيه، وقال
غيره: فيه أبو عمرو جار لشعيب بن حرب ولا يعرف، والمدايني متروك وبه رد
الذهبي في التلخيص تقوية الحاكم له، وفي ((الميزان)) (ج٣: ص١١٢): محمد بن
عمر، عن علقمة بن مرثد، له حديث واحد، وهو منكر ذكره البخاري في
((الضعفاء)) ومتن حديثه عن ابن بريده عن أبيه: كان النبي ◌َّ إذا دخل السوق قال:
١٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(بِسْم اللـهِ)، قال البخاري: لا يتابع عليه، انتهى.
قلت: ترجم له البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١، ١، ١٧٩) لكن فيه محمد أبو
عمر، قال شعيب بن حرب: هو جار لنا سمع علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه
كان النبيِ وََّ إذا دخل السوق قال: ((بِسْم اللهِ))، قال محمد: هذا لا يتابع عليه.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
١٧٥
EXABE
٨ - بَابُ الاسْتِعَاذة
(بَابُ الإِسْتِعَاذَةِ)، أي: أنواع الدعوات التي وقع فيها الاستعاذة من العوذ وهو:
الالتجاء واللوذ. قال في ((القاموس)): العوذ الالتجاء كالعياذ والمعاذ والتعوذ
والاستعاذة .
الفصل الأول
٢٤٨١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ
مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ)). [مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٤٨١ - قوله: (تَعَوَّذُوا بِاللهِ)، أمر ندب، وهذا لفظ البخاري في كتاب
القدر، ورواه في الدعوات بلفظ: كان يتعوَّذُ. فيكون حديثًا فعليًّا، وهكذا وقع عند
مسلم والنسائي، ولأحمد: كان يستعيذُ، وكذا في رواية للنسائي، قال الحافظ:
قوله: كان يتعوَّذُ. كذا هو في رواية الأكثرين، ورواه مسدد عن سفيان بلفظ الأمر:
(تَعَوَّذُوا))، وسيأتي في كتاب القدر، وكذا وقع في رواية الحسن بن علي الواسطي
عن سفيان عند الإسماعيلي وأبي نعيم. وفيه: مشروعية الاستعاذة ولا يعارض ذلك
كون ما سبق في القدر لا يرد لاحتمال أن تكون هذه الاستعاذة والدعاء مما قضى الله
به، فقد يقضي على المرء مثلًا بالبلاء، ويقضي أنه إن دعا كشف وفرج عنه البلاء
فالقضاء محتمل للدافع والمدفوع.
(٢٤٨١) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٢٧٥)، ومُسْلِم (٥٨٩/٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الدَّعَوَاتِ، والنَّسَائِي
(٨/ ٢٦٩) فِي الاسْتِعَاذَةِ.
١٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفائدة الاستعاذة والدعاء: إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه. (مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ)
بفتح الموحدة ممدود، والجهد بفتح الجيم وتضم والفتح أشهر وأفصح، أي:
شدة البلاء، قال في ((النهاية)): جهد البلاء، أي: الحالة الشاقة، وقيل: المراد به:
الحالة التي يمتحن بها للإنسان وتشق عليه بحيث يتمنى فيها الموت ويختاره عليها،
أي: لو خير بين الموت وبين تلك الحالة لأحب أن يموت تحرزًّا عن تلك الحالة،
وقيل: ((جَهْدِ الْبَلَاءِ)) كل ما أصاب المرء من شدة المشقة، وما لا طاقة له بحمله ولا
قدرة له على دفعه، وقيل المراد به: قلة المال وكثرة العيال كذا جاء عن ابن عمر،
والصواب والحق: أنه أعم وأن ذلك فرد من أفراد جهد البلاء، استعاذ ◌َاله من جهد
البلاء؛ لأن ذلك مع ما فيه من المشقة على صاحبه قد يحصل به التفريط في بعض
أمور الدين وقد يضيق صدره بحمله، فلا يصبر فيكون ذلك سببًا في الإثم.
(وَدَرَكِ الشَّقَاءِ) بفتح الدال والراء المهملتين ويجوز إسكان الراء وهو الإدراك
واللحوق والوصول إلى الشيء يقال: أدركته إدراكًا ودركًا، قال الطيبي: ومنه
الحديث: ((لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ))، وقيل: الدرك بفتح
الراء اسم وبالإسكان المصدر، والشقاء بفتح الشين وبالقاف والمد الشدة والعسر
وهو ضد السعادة، وقال الحافظ: الشقاء هو الهلاك ويطلق على السبب المؤدي إلى
الهلاك، قيل: المراد بدرك الشقاء: سوء الخاتمة.
وقال الشوكاني: درك الشقاء شدة المشقة في أمور الدنيا وضيقها عليه،
وحصول الضرر البالغ في بدنه أو أهله أو ماله وقد يكون باعتبار الأمور الأخروية،
وذلك بما يحصل من التبعة والعقوبة بسبب ما اكتسبه من الوزر واقترفه من الإثم
استعاذ ◌َّله من ذلك؛ لأنه النهاية في البلاء والغاية في المحنة، وقد لا يصبر من
امتحنه اللَّه به فيجمع بين التعب عاجلًا والعقوبة آجلاً، انتهى. وقيل: هو واحد
دركات جهنم ودرجاتها ومنازلها ومعناه من موضع أهل الشقاوة، وهي جهنم أو
من موضع يحصل لكم فيه شقاوة، أو هو مصدر إما مضاف إلى المفعول، أو إلى
الفاعل، أي: من درككم الشقاء، أو من درك الشقاء إياكم.
(وَسُوءِ الْقَضَاءِ)، هو ما يسوء الإنسان ويحزنه من الأقضية المقدرة عليه وذلك
أعم من أن يكون في دينه، أو في دنياه، أو في نفسه، أو في أهله، أو في ماله.
١٧٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
قال ابن بطال: سوء القضاء عام في النفس والمال، والأهل والولد، والخاتمة
والمعاد قال: والمراد بالقضاء هنا: المقضي؛ لأن حكم الله من حيث هو حكمه
كله حسن لا سوء فيه. قالوا في تعريف القضاء والقدر: القضاء هو الحكم بالكليات
على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر هو الحكم بوقوع الجزئيات لتلك الكليات
على سبيل التفصيل في الإنزال. قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآمِنُهُ وَمَا
4﴾ [الحجر: ٢١]، قال الشوكاني: وفي الاستعاذة منه وَالله من
نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ
سوء القضاء ما يدل على أنه لا يخالف الرضاء بالقضاء، فإن الاستعاذة من سوء
القضاء هي من قضاء اللَّه وَّ وقدره ولهذا شرعها لعباده. ومن هذا ما ورد في قنوت
الوتر بلفظ: ((وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ))، قال: والقضاء - أي: المقضي به - باعتبار
العباد ينقسم إلى قسمين: خير وشر وقد شرع لهم الدعاء بالوقاية من شره
والاستعاذة منه، ولا ينافي هذا ما ورد عنه وَّ في بيان الإيمان لمن سأله عنه بقوله:
((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره)). فإنه لا مانع من أن يكون
الإنسان مؤمنًا بما قضاه الله من خير وشر مستعيذًا بالله من شر القضاء عملًا
بمجموع الأدلة فحديث الإيمان بالقضاء دل على أن القضاء منقسم إلى ما هو خير
وإلى ما هو شر فنؤمن به ولما وقع منه والو الاستعاذة من سوء القضاء، وأمرنا أيضًا
بالاستعاذة منه فنستعيذ منه فإيماننا، واستعاذتنا كلاهما تحت أمر الشارع عليه
الصلاة والسلام انتهى بتغيير يسير.
وقال السندي: المقضي حيث القضاء أزلي فأي فائدة في الاستعاذة منه؟
والظاهر: أن المراد صرف المعلق منه فإنه قد يكون معلقًا، والتحقيق: أن الدعاء
مطلوب لكونه عبادة وطاعة ولا حاجة لنا في ذلك إلى أن نعرف الفائدة المترتبة عليه
سوى ما ذكرنا. (وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) بفتح الشين المعجمة وهي فرح الأعداء بما يقع
من يعادونه من المكروه ويحل به من المحنة. قال في ((الصحاح)): الشماتة الفرح
ببلية العدو ويقال يشمت به بالكسر شماتة، وفي ((القاموس)): شمت كفرح شمتًا
وشماتة فرح ببلية العد، وفي ((النهاية)): شماتة الأعداء فرح العدو ببلية تنزل بمن
يعاديه. قيل: أي: تعوذوا من فرح أعداء الدين والدنيا المتعلقة بالدين، وأما إذا
كان رجل مثلًا له من الدنيا ما يسرف فيه ويبطر ويفسق ويظلم فيتشمت بزوالها
الأعداء فلا استعاذة منه. وقال القاري: أي: قولوا: نعوذ بك من أن تصيبنا مصيبة
١٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في ديننا أو دنيانا بحيث يفرح أعداؤنا وبهذا علم أن الكلمات الأربعة جامعة مانعة
لصنوف البلاء، وأن بينها عمومًا وخصوصًا من وجهه كما في كلام البلغاء
والفصحاء، وقيل: الخصلة الأخيرة، أي: شماتة الأعداء تدخل في عموم كل
واحدة من الثلاثة ثم كل واحدة من الثلاثة مستقلة، فإن كل أمر يكره يلاحظ فيه
جهة المبدأ وهو سوء القضاء وجهة المعاد وهو درك الشقاء؛ لأن شقاء الآخرة هو
الشقاء الحقيقي وجهة المعاش وهو جهد البلاء، وأما شماتة الأعداد فتقع لكل من
وقع له كل من الخصال الثلاثة. قلت: والحديث رواه مسلم بلفظ: ((كان يتعوذ من
سوء القضاء ومن درك الشقاء ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء)).
قال الكرماني: هذه الكلمة جامعة؛ لأن المكروه إمَّا أن يلاحظ من جهة المبدأ
وهو سوء القضاء، أو من جهة المعاد وهو درك الشقاء، أو من جهة المعاش، وهو
إما من جهة غيره وهو شماتة الأعداء، أو من جهة نفسه وهو جهد البلاء، نعوذ بالله
منه، انتهى. قال السندي: وأنت خبير بأنه لا مقابلة على ما ذكره بين سوء القضاء
وغيره بل غيره كالتفصيل لجزئياته فالمقابلة ينبغي أن تعتبر باعتبار أن مجموع الثلاثة
الأخيرة بمنزلة القدر، فكأنه قال من سوء القضاء والقدر، لكن أقيم أهم أقسام سوء
القدر مقامه، يعني: أستعيد بسوء القضاء ثم أتبع بأهم أقسام سوء القدر، فلا مقابلة
بين سوء القضاء وغيره، بل غيره كالتفصيل لجزئياته، بقي أن المقضي من حيث
القضاء أزلي فأي فائدة في الاستعاذة منه؟ والظاهر: أن المراد صرف المعلق منه
فإنه قد يكون معلقًا. والتحقيق: أن الدعاء مطلوب لكونه عبادة وطاعة ولا حاجة لنا
في ذلك إلى أن نعرف الفائدة المترتبة عليه سوى ما ذكرنا، انتهى.
قال الشوكاني: استعاذ ◌َله من شماتة الأعداء، وأمر بالاستعاذة منها لعظم
موقعها وشدة تأثيرها في الأنفس البشرية ونفور طباع العباد عنها، وقد يتسبب عن
ذلك تعاظم العداوة المفضية إلى استحلال ما حرمه اللَّه ◌َا﴾. وقال ابن بطال:
شماتة الأعداء ما ينكأ القلبِ ويبلغ من النفس أشد مبلغ، وإنما تعوذ النبي بَل من
ذلك تعليمًا لأمته، فإن الله تعالى آمنه من جميع ذلك. قال الحافظ: ولا يتعين
ذلك، بل يحتمل أن يكون استعاذ بربه من وقوع ذلك بأمته، ويؤيده رواية مسدد
المذكورة بصيغة الأمر، وفي الحديث: دلالة على أن الكلام المسجوع لا يكره إذا
صدر عن غير قصد إليه ولا تكلف، بل هو من السجع المحمود وهو ما جاء بانسجام
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
١٧٩
وإتقان والمذموم من السجع ما يأتي بتكلف واستكراه. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه
البخاري في الدعوات، وفي القدر، ومسلم في الدعاء. واللفظ للبخاري في
القدر، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص ٢٤٦) والنسائي في الاستعاذة، والحميدي
في ((مسنده)) (ج٢: ص٤٢٩)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (ج١ : ص٥٢٩، و
ج٢: ص١٢٣)، والبغوي (ج٥: ص ١٦٠) كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن
سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة، زاد البخاري في روايته في الدعوات - قال
سفيان: الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن هي -، أي: الحديث
المرفوع المروي يشتمل على ثلاث جمل من الجمل الأربع، والرابعة زادها سفيان
من عند نفسه ثم خفي عليه تعيينها، وفي رواية للنسائي: قال سفيان: هو ثلاثة
فذكرت أربعة؛ لأني لا أحفظ الواحد الذي ليس فيه. ووقع عند الحميدي عن
سفيان: الحديث ثلاث من هذه الأربع. قال الحافظ: وأخرجه أبو عوانة
والإسماعيلي وأبو نعيم من طريق الحميدي ولم يفصل ذلك بعض الرواة عن سفيان
كما سيأتي، واستشكل جواز زيادة سفيان الجملة المذكورة في الحديث مع أنه لا
يجوز الإِدراج في الحديث. قال الكرماني: كيف جاز له أن يخلط كلامه بكلام
رسول اللّه ◌َله بحيث لا يفرق بينهما؟ ثم أجاب بأنه ما خلط، بل اشتبهت عليه تلك
الثلاث بعينها وعرف أنها كانت ثلاثة من هذه الأربعة فذكر الأربعة تحقيقًا لرواية
تلك الثلاثة قطعًا إذ لا تخرج منها، وروى البخاري في القدر الحديث المذكور
وذكر فيه الأربعة مسندًا إلى رسول اللَّه وَله بلا تردد ولا شك ولا قول بزيادة، وفي
بعض الروايات: قال سفيان: أشك أني زدت واحدة، انتهى. وقال الحافظ: سيأتي
في القدر، أي: عند البخاري عن مسدد، وأخرجه مسلم عن أبي خيثمة وعمرو
الناقد، والنسائي عن قتيبة، والإسماعيلي من رواية العباس بن الوليد، وأبو عوانة
من رواية عبد الجبار بن العلاء، وأبو نعيم من طريق سفيان بن وكيع كلهم عن
سفيان بالخصال الأربعة بغير تمييز إلا أن مسلمًا قال: عن عمرو الناقد، قال سفيان:
أشك أني زدت واحدة منها. وأخرجه الجوزقي من طريق عبد الله بن هاشم عن
سفيان فاقتصر على ثلاثة، ثم قال: قال سفيان: ((وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ))، وأخرجه
الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان وبين أن الخصلة المزيدة هي شماتة
الأعداء، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق شجاع بن مخلد عن سفيان مقتصرًا
على الثلاثة دونها وعرف من ذلك تعيين الخصلة المزيدة.