Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الدهلوي في ((اللمعات)): لعل المراد بالغداة هنا: اليوم فيصح تفصيله بقوله:
(تُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي)، أو يقدر بعد قوله: (كُلَّ غَدَاةٍ): وكل
عشية، ويكون قوله: (حِينَ تُصْبِحُ وَتُمْسِي) تعيينًا للوقت؛ لأن الغداة والعشي أوسع
من الصبح والمساء؛ لأنهما اسمان لما قبل الزوال وبعده.
(اللَّهُمَّ عَافِي فِي بَدَنِي)، أي: من الآلام والأسقام، والمفاعلة لقصد والعافية
دفاع اللَّه عن العبد السيئة والمكروه، وعافاه الله معافاة وعافية؛ وهب له العافية
من العلل والبلايا. (اللَّهُمَّ عَافِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِي فِي بَصَرِي) خص السمع
والبصر بالذكر بعد ذكر البدن مع أنه مشتمل عليهما لشرفهما، فإن السمع يدرك
ويعي الآيات المنزلة على الرسل، والعين: هي التي تدرك وتجلو آيات الله المنبثة
في الآفاق، فهما جامعان لدرك الآيات النقلية والأدلة العقلية والنقلية وإليه ينظر
قوله وَّ: ((اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا)).
(تُكَرِّرُهَا) وفي أبي داود، و((مسند أحمد))، و((الأدب المفرد)): تُعِيدُهَا، وكذا نقله
النووي في ((الأذكار))، والشوكاني في ((تحفة الذاكرين))، يعني: تكرر هذه
الجمل، أو هذه الدعوات بدل من (تَقُولُ) أو حال (فَقَالَ: يَا بُنَيَّ !) بفتح الياء
والتصغير، وفي أبي داود: فَقَالَ: إِنِّي، وهكذا في ((الأذكار)) ووقع في ((المسند))،
وابن السني، و(الأدب المفرد)): قَالَ: نَعَمْ يَا بُنَيَّ! إِنِّي، (يَدْعُو بِهِنَّ)، أي:
كذلك. (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ)، أي: أقتدي. (بِسُنَّتِهِ) وأتتبع سيرته.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الأدب وسكت عنه، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٤٢)،
والبخاري في الأدب المفرد (ج٢: ص١٥٩)، والنسائي في ((الكبرى))، وابن
السني (ص٢٤، ٢٥) كلهم من طريق جعفر بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي بكرة
عن أبيه، قال المزي: قال النسائي: جعفر بن ميمون ليس بالقوي، وقال المنذري
بعد نقل كلام النسائي: وقال فيه يحيى بن معين: ليس بذاك، وقال مرة: ليس بثقة،
وقال مرة: بصري صالح الحديث. وقال الإمام أحمد: ليس بقوي في الحديث،
وقال أبو حاتم الرازي: صالح. انتهى. وقال الحافظ فيه: صدوق يخطئ.

٨١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
P HONeSE
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالْمُنَامِ
٢٤٣٧ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَةِ
إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: ((أَصْبَحْنَا، وَأَصْبَحَ الَّمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْكِبْرِيَاءُ
وَالْعَظَمَةُ لِلَّهِ، وَالْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، وَالْلَّيْلُ وَالْنَّهَارُ، وَمَا سَكَنَ فِيْهِمَا لِلَّهِ، اللَّهُمَّ
اجْعَلْ أَوَّلَ هَذَا الْنَّهَارِ صَلَاحًا، وَأَوْسَطَهُ نَجَاحًا، وَآخِرَهُ فَلَاحًا، يَا أَرْحَمَ
الْرَّاحِمِينَ)).
[ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ ((الْأَذْكَارِ)) بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ]
الشرح
٢٤٣٧ - قوله: (الْكِبْرِيَاءُ)، أي: العظمة والتجبر. (وَالْعَظَمَةُ)، بفتح العين
والظاء، قال في ((القاموس)): العظم بكسر العين حرف عظم كصغر عظمًا وعظامة،
فهو عظيم وعظم الرجل تكبر، والعظمة محركة الكبر والنخوة والزهو، وأمَّا عظمة
الله، فلا توصف بهذا، ومتى وصف عبد بالعظمة فهو ذم. انتهى. والعظيم من
أسمائه تعالى هو الذي جاوز قدره كل قدر وجل عن حدود العقول حتى لا تتصور
الإحاطة بكنهه وحقيقته، والعظيم في صفات الأجسام كبر الطول والعمق، والله
تعالى جل عن ذلك.
(وَالْخَلْقُ)، أي: الإيجاد، أو هو بمعنى المخلوق. (وَالْأَمْرُ) واحد الأوامر،
والمراد به: الجنس، أو واحد الأمور، والمراد به: التصرف والحكم، وقال
الشوكاني في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] الخلق المخلوق
والأمر كلامه، وهو ((كن)) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنَّ
فَيَكُونُ ®﴾، أو المراد بالأمر: ما يأمر به على التفصيل، أو التصرف في
مخلوقاته. (وَمَا سَكَنَ فِيهِمَا)، أي: وتحرك فهو من باب الاكتفاء نحو ﴿سَرَبِيلَ
تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبرد، أو سكن بمعنى ثبت. (للهِ)، أي: وحده
لا شريك له وفيه رمز إلى قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣]، وفي
رواية ابن أبي شيبة: ((وَمَا يَضْحَى فِيهِمَا للهِ وَحْدَهُ))، وهو بفتح الياء التحتية وإسكان
الضاد المعجمة، وفتح الحاء المهملة، أي: يبرز ويظهر. (اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَوَّلَ هَذَا
النَّهَارِ صَلَاحًا)، أي: في ديننا ودنيانا .
(٢٤٣٧) ابنُ السُّني (٣٨) عنه.

٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
(وَأَوْسَطَهُ نَجَاحًا)، أي: فوزًا بالمطالب المناسبة لصلاح الدارين. (وَآخِرَهُ
فَلَاحًا)، أي: ظفرًا بما يوجب حسن الخاتمة وعلو المرتبة في درجات الجنة،
والظاهر: أن المراد من الأول والآخر والأوسط استيعاب الأوقات والساعات في
صرفها إلى العبادات والطاعات؛ لحصول حسن الحالات، والمعاملات في
الدنيا، ووصول أعلى الدرجات في الأخرى، قاله القاري. وقال الطيبي: صلاحًا
في ديننا بأن يصدر منا ما ننخرط به في زمرة الصالحين من عبادك، ثم اشغلنا بقضاء
مآربنا في دنيانا، لما هو صلاح في ديننا فانجحنا، واجعل خاتمةٍ أمرِنا بالفوز، بما
هو سببٍ لِدخول الجنة، فنندرج في سلك من قيل في حقهم: ﴿أُوْلَبِكَ عَلَ هُدِّى مِّن
[البقرة: ٥]. انتهى. ولذا قالوا: أجمع كلمة في
رَّبِّهِمْ وَأَوْلِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
الشريعة كلمة الفلاح.
قال القاري: ولذا قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ إلى آخر الآيات، ثم
قال: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ اٌلْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١:١٠]. (بَا أَرْحَمَ
الرَّاحِمِينَ)، قال القاري: ختم بهذا؛ لأنه سبب لسرعة إجابة الدعاء، كما جاء في
حديث. وروى الحاكم في ((مستدركه)) وصححه من حديث أبي أمامة مرفوعًا:
((إِنَّ للهِ مَلَكًّا مُوكَّلًا بِمَنْ يَقُولُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! فَمَنْ قَالَهَا ثَلَاثًّا قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: إِنَّ
أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكَ فَسَلْ))، والظاهر: أن قيد الثلاث؛ لأن الغالب أن من
قالها ثلاثًا حضر قلبه ورحمه ربه. قلت: حديث أبي أمامة، هذا سكت عليه الحاكم
(ج١: ص٥٤٤)، وقال الذهبي: فضال بن جبير - الراوي عن أبي أمامة - ليس
بشيء. (ذَكَرَهُ الثَّوَوِيُّ) بحذف الألف وإثباته.
(بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ)، وذكره الجزري في ((الحصين))، برواية ابن أبي شيبة
والهيثمي في ((مجمع الزوائد))، (ج١٠: ص١١٤، ١١٥) برواية الطبراني مع
اختلاف يسير وفيه: ((وَأَوْسَطَهُ فَلَاحًّا وَآخِرَهُ نَجَاحًا أَسْأَلُكَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»،
قلت: أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (ص١٤) والطبراني في
((معجمه))، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) من طريق فائد أبي الورقاء وهو متروك
اتهموه. فالحديث ضعيف جدًّا.
وانظر: تفصيل الكلام في أبي الورقاء في ((تهذيب التهذيب)) (ج٨: ص٢٥٥،
٢٥٦) .

الا
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالُنَامِ
*
جي
٨٣
٢٤٣٨ - [٣٥] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ اِ
يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: ((أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَعَلَی دِينِ
نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَّهِ، وَعَلَى مِلَّةٍ أَبِيْنَا إِبْرَاهِيمَ حَنِّفًّا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢٤٣٨ - قوله: (أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَام) بكسر الفاء، أي: دينه الحق.
وقال القاري: أي: خلقته، قيل: الفطرة الخلقة من الفطر، كالخلقة في أنها اسم
للحالة كالجلسة، ثم إنها جعلت اسمًا للخلقة القابلة لدين الحق على الخصوص،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِّينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾ [الروم:
٣٠]، وحديث: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ)).
(وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ)، في ((المسند)): ((وَعَلَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ))، أي: التوحيد
الخالص وهي كلمة لا إله إلا الله، وإنما سميت كلمة التوحيد كلمة الإخلاص؛
لأنها لا تكون سببًّا للخلاص إلا إذا كانت مقرونة بالإخلاص، فالإضافة لأدنى
ملابسة، فإنها كلمة يحصل بها الإخلاص. (وَعَلَى دِينِ نَبِّنَا مُحَمِّدٍ وَلِّ) وهو أخص
مما قبله؛ لأن ملل الأنبياء كلهم تسمى إسلامًا على الأشهر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
ج
الدِّينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] ولقول إبراهيم: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
[البقرة: ١٣١] ولوصية يعقوب لبنيه ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، والظاهر
أنه قاله تعليمًا لغيره.
قال النووي في ((الأذكار): كذا في ((كتاب ابن السني)) ((دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ)) وهو غير
ممتنع، ولعله وَ لّه قال ذلك جهرًا ليسمعه غيره فيتعلمه، والله أعلم. قال القاري: لا
وجه لقوله: (لَعَلَّ)، فإن الرواية متفرعة على السماع، وهو لا يتحقق إلا بالجهر،
وقيل: الأظهر أنه وَيّ أيضًا مأمور بالإِيمان بنفسه، كما ورد جوابه للمؤذن عند
الشهادتين بقوله: ((وَأَنَا أَنَا))، قال ابن عبد السلام في ((أماليه)): و(عَلَى) في مثل هذا
(٢٤٣٨) أَحْمَد (٤٠٦/٣) والدَّارِمِي (٢٦٨٨) عنه.

*
٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تدل على الاستقرار والتمكن من ذلك المعنى؛ لأن المجسم إذا علا شيئًا تمكن منه
واستقر عليه ومنه، ﴿أَوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾
[البقرة: ٥] .
(وَعَلَى مِلَّةٍ أَبِيْنَا إِبْرَاهِيمَ) الخليل ◌َّر، وهو أبو العرب؛ لأنهم من ولد إسماعيل
ونسله، ففيه تغلب، أو الأنبياء بمنزلة الآباء؛ ولذا قال تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ
مِنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَأَزْوَجُ، أَُـ
﴾ [الأحزاب: ٦] وفي قراءة شاذة وهو أب لهم، فأبو النبي يكون
أبا أمته، وإنما احتيج لهذا التخصيص؛ لقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾
[النحل: ١٢٣]، أي: في أصول الدين أو في بعض الفروع، كالختان وبقية العشرة من
السنن المشهورة (حَنِيفًا) حال من إبراهيم وهو المائل إلى دين الحق، المستقيم
ضد الملحد المائل، إلى دين الباطل، وإن كان الحنف والإلحاد في أصل اللغة
بمعنى مطلق الميل لكن خصا في الشرع بما ذكرنا. وقال ميرك: الحنيف المسلم
المستقيم، وغلب هذا الوصف على إبراهيم الخليل. قال الأزهري: الحنيفية في
الإسلام: الميل إليه والإقامة على عقده، والحنيف الصحيح الميل إلى الإسلام
والثابت عليه. وقال ابن سيده في ((محكمه)): الحنيف المسلم الذي يتحنف عن
الأديان، أي: يميل إلى الحق. قال: وقيل: هو المخلص. وقوله: (حَنِيفًا)، كذا
وقع مقتصرًا عليه في جميع النسخ من ((المشكاة)) وهكذا عند أحمد في بعض
الروايات، ووقع في رواية عنده بعد هذا زيادة ((مُسْلِمًا))، وهكذا وقع عند غيره من
المخرجين، وكذا نقله في ((الأذكار)) و((جامع الأصول)) (ج٥: ص٦٩) و((الحصن))
و((الجامع الصغير))، والمعنى: منقادًا كاملًا بحيث لا يلتفت إلى غيره تعالى.
(وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، فيه: رد على كفار العرب في قولهم: نحن على دين
أبينا إبراهيم وتعريض باليهود والنصارى، ثم هو مع ما قبله من الأحوال المتداخلة
أتى بها؛ تقريرًا وصيانة للمعنى المراد تحقيقًا عمَّا يتوهم من أنه يجوز أن يكون
حنيفًا حالًا منتقلة، فرد ذلك التوهم بأنه لم يزل موحدًا ومثبتًا؛ لأنها حال مؤكدة،
كذا في ((المرقاة)).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٣: ص٤٠٦، ٤٠٧). (وَالدَّارِمِيُّ) في الاستيذان، وأخرجه
أيضًا النسائي في ((الكبرى))، والطبراني، وابن السني (ص١٢)، لكن عند أحمد
والطبراني في الصباح والمساء جميعًا، وعند النسائي، والدارمي، وابن السني في

٨٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابٌ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالُنَامِ
الصبح فقط، والحديث صححه النووي في ((الأذكار)). وقال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (ج١٠: ص١١٦): رجالهما، أي: رجال أحمد والطبراني رجال
الصحيح، وقال صاحب ((السلاح)) بعد عزوه إلى النسائي: رجال إسناده رجال
الصحيح.

٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧ - بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
(بَابُ الدَّعَوَاتِ) المتفرقة. (فِي الْأَوْقَاتِ)، أي: المختلفة مما قدر لها الشارع،
والوقت هو الزمان المضروب للفعل، كوقت الصلاة ووقت الزكاة ووقت الحج،
وقد وردت دعوات في أحوال مخصوصة مختلفة كحال الغضب، وحال الصف،
عند قتال الكفار، ونحو ذلك من الأحوال، كما وردت في أوقات مخصوصة بينها
الشارع. ولما كان الدعاء في حال مخصوص مستلزمًا للدعاء في زمان مخصوص
أدخل المصنف ذلك في الأوقات، وقد أفرد بعضهم ذكر الأحوال؛ لأن المعتبر
فيها هو الحال لا الوقت فافهم. واعلم: أن كل ما ورد من الشارع في زمن أو حال
مخصوص يسن لكل أحد أن يأتي به لذلك ولو مرة للاتباع قال ابن حجر: بل
ويكون أفضل من غيره وإن ورد لذلك الغير أكثر من هذا؛ لأن في الاتباع ما يربو
على غيره، ومن ثم قالوا: صلاة النافلة في البيت أفضل منها في المسجد الحرام،
وإن قلنا بالأصح: إن المضاعفة تختص به. انتهى باختصار يسير.
الفصل الأول
٢٤٣٩ - [١] عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ◌ِ: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ
إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، قَالَ: بِسْمِ الَّلَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ
مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَّلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٤٣٩ - قوله: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ)، قال القاري: وفي نسخة صحيحة، يعني :
(٢٤٣٩) الْبُخَارِي (٣٢٧١) و(٣٢٨٣)، ومُسْلِم (١١٦ /١٤٣٤)، وأبو دَاوُدَ (٢١٦١)، والترمذي
(١٠٩٢)، والتَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٩٠٣٠)، وابن مَاجَهْ (١٩١٩) في النكاحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رََّهُ .

٨٧
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
من ((المشكاة)). ((أَحَدَهُمْ))، قلت: وهكذا وقع عند البخاري في الدعوات، وكذا
لمسلم، ووقع عند البخاري في التوحيد في بعض النسخ: ((أَحَدَكُمْ))، وفي أخرى:
((أَحَدَهُمْ))، وهكذا اختلفت نسخ ((المصابيح)) في ذلك، و(لَوْ) هذه يجوز أن تكون
للتمني على حد: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [الشعراء: ١٠٢]، والمعنى: أنه رَّ تمنى لهم ذلك
الخیر یفعلونه لتحصل لهم السعادة، وحينئذٍ فیجئ فيه الخلاف المشهور هل يحتاج
إلى جواب أم لا؟ وبالثاني: قال ابن الصائغ وابن هشام: ويجوز أن تكون شرطية
والجواب محذوف، والتقدير: لنال خيرًا كثيرًا أو لكان حسنًا، أو لسلم من
الشيطان أو نحو ذلك، ويؤيده سياق الحديث كما لا يخفى.
(إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ)، أي: يجامع امرأته أو جاريته، فالإتيان كناية عن
الجماع، وهذه الرواية تدل على أن القول يكون قبل الشروع، فهي مفسرة لغيرها
من الروايات، التي فيها: ((يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ)) أو ((يَقُولَ حِينَ يُجَامِعُ أَهْلَهُ))، فإن
هذا ظاهر في أن القول يكون مع الفعل، فهو محمول على المجاز كقوله تعالى :
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِدْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: إذا أردت القراءة، ويجوز كون ((إذا))
ظرفًا لـ((قال))، و((قال)) خبر ل((أن)) وكونها شرطية وجزاؤها ((قال)) والجملة خبر
((أن)). وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفًا كما في ((الحصن)) و((الفتح))
إنه إذا أنزل قال: اللَّهُمَّ لا تجعل للشيطان فيما رزقتني نصيبًا. قال القاري: ولعله
يقولها في قلبه أو عند انفصاله لكراهة ذكر الله في حال الجماع بالإجماع.
(قَالَ: بِسْمِ اللهِ ... ) إلخ. أفاد الكرماني أنه رأى في نسخة قرئت على الفربري،
قيل لأبي عبدَ الله - يعني: البخاري: من لا يحسن العربية يقولها بالفارسية؟ قال:
نعم. (اللَّهُمَّ)، أي: يا الله. (جَنِّبْنَا) بتشديد النون من جنب الشيء يجنبه تجنيبًا إذا
أبعده منه. (الشَّيْطَانَ)، أي: بعده عنا وهو مفعول ثان. (وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا
رَزَقْتَنَا)، أي: حينئذ من الولد، وصيغة الماضي للتفاؤل وتحقيق الرجاء، وهو في
محل النصب، على أنه مفعول ثان. وأطلق (مَا) على من يعقل؛ لأنها بمعنى شيء
كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقال العيني: كلمة ((ما))
موصولة والعائد محذوف تقديره الذي رزقتناه، وقول من قال من الشارحين ((ما))
هاهنا بمعنى شيء ليس بشيء. (فَإِنَّهُ) علة للجزاء المحذوف، أي: الشأن.

٨٨
جة
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(إِنْ يُقَدَّرْ) بالبناء للمفعول. (بَيْنَهُمَا)، أي: بين الأحد والأهل. (وَلَدٌ) ذكر أو
أنثى. (فِي ذَلِكَ)، أي: الوقت أو الإتيان، والمراد: إن كان قدر؛ لأن التقدير أزلى
لكن عبر بصيغة المضارعة بالنسبة للتعلق، قاله الحافظ. (لَمْ يَضُرَّهُ) بفتح الراء
وضمها، ويقال: الضم أفصح، أي: لم يضر ذلك الولد. (شَيْطَانٌ)، أي: من
الشياطين قيل: نكّره بعد تعريفه أولًا؛ لأنه أراد في الأول الجنس وفي الآخر إفراده
على سبيل الاستغراق والعموم، ويجوز أن يراد بالأول: إبليس، وبالثاني: أعم،
أو بالثاني سائر أعوانه. كذا في ((المرقاة)). قلت: وقع في رواية أحمد (ج١ :
ص٢١٧): ((لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْوَلَدِ الشَّيْطَانُ أَبَدًا))، وفي أخرى له (ج١: ص٢٨٧)
ولمسلم، وابن ماجه: ((لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ - أَوْ - لَمْ يَضُرَّهُ))، وهكذا وقع
معرفًا في بعض الروايات عند البخاري وغيره. قال الحافظ: واللام للعهد المذكور
في لفظ الدعاء، وفي مرسل الحسن عند عبد الرزاق: ((إِذَا أَتَى الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَلْيَقُلْ:
بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ بَارِْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَلَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ نَصِيبًا فِيمَا رَزَقْتَنَا)). فكان
يُرجى، إن حملت أن يكون ولدًا صالحًا.
(أَبَدًا) ، قال القاري: فيه: إيماء إلى حسن خاتمة الولد ببركة ذكر الله في ابتداء
وجود نطفته في الرحم. فالضر مختص بالكفر. وقال السندي: لم يحمل أحد
حديث الباب على العموم الضرر؛ لعموم ضرر الوسوسة للكل، وقد جاء كل
مولود يمسه الشيطان، إلا مريم وابنها، فقيل: لا يضره بالإغواء والإضلال
بالكفر، وقيل: بالكبائر، وقيل: بالصرف عن التوبة إذا عصى، قيل: إنه يأمن مما
يصيب الصبيان من جهة الجان، وقيل: لا يكون للشيطان عليه سلطان، فيكون من
المحفوظين، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَئِسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]. انتهى.
وقال الحافظ: اختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على ما نقل عياض، على
عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر، وإن كان ظاهرًا في الحمل على عموم
الأحوال من صيغة الماضي مع التأبيد، وكان سبب ذلك ما ثبت في الصحيح: ((أَنَّ
كُلَّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي بَطْنِهِ حِينَ يُولَدُ))، إلا من استثنى، فإن هذا الطعن نوع
ضرر، في الجملة مع أن ذلك سبب صراخه ثم اختلفوا؛ فقيل: المعنى لم يسلط
عليه من أجل بركة التسمية - بحيث لا يكون له عمل صالح -، بل يكون من جملة
العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢] ويؤيد مرسل

٨٩
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
الحسن المذكور: وقيل: المراد: لم يطعنه في بطنه وهو بعيد؛ لمنابذته ظاهر
الحديث المتقدم، وليس تخصيصه بأولى من تخصيصه هذا، وقيل: المراد: لم
يصرعه، وقيل: لم يضره في بدنه. انتهى. يعني: أن الشيطان لا يتخبطه ولا يداخله
بما یضر عقله أو بدنه.
قال العيني: وهو الأقرب. وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن لا يضره في دينه
أيضًا، ولكن يبعده انتفاء العصمة، وتعقب: بأن اختصاص من خص بالعصمة
بطريق الوجوب، لا بطريق الجواز فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية
عمدًا، وإن لم يكن ذلك واجبًا له. وقال الداودي: معنى لم يضره: أي: لم يفتنه
عن دينه إلى الكفر، وليس المراد: عصمته منه عن المعصية، وقيل: لم يضره
بمشاركة أبيه في جماع أمه، كما جاء عن مجاهد: أن الذي يجامع، ولا يسمي
يلتف الشيطان على إحليله، فيجامع معه. قال الحافظ: ولعل هذا أقرب الأجوبة.
ويتأيد الحمل على الأول بأن الكثير ممن يعرف هذا الفضل العظيم يذهل عنه إرادة
المواقعة، والقليل الذي قد يستحضره ويفعله لا يقع معه الحمل، فإذا كان ذلك
نادرًا لم يبعد. وفي الحديث من الفوائد أيضًا: استحباب التسمية والدعاء
والمحافظة على ذلك، حتى في حالة الملاذ كالوقاع. وفيه: الاعتصام بذكر الله
ودعاؤه من الشيطان والتبرك باسمه والاستعاذة به من جميع الأسواء. وفيه:
الاستشعار بأنه الميسر لذلك العمل والمعين عليه.
وفيه: إشارة إلى أن الشيطان ملازم لابن آدم لا ينطرد عنه إلا إذا ذكر الله.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الطهارة، وفي صفة إبليس، وفي النكاح، وفي
الدعوات، وفي التوحيد، ومسلم في النكاح، وكذا الترمذي، وأبو داود،
والنسائي في عشرة النساء من (الكبرى))، وفي ((عمل اليوم والليلة))، وابن ماجه
وأحمد (ج١: ص٢١٢، ٢١٧، ٢٤٤، ٢٨٤، ٢٨٧)، وابن السني (ص ١٩٥)،
والبغوي في ((شرح السنة)) (ج ٥: ص١١٩).

٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٤٤٠ ٢ - [٢] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،وَ لَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: ((لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ رَبُّ
السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٤٤٠ ٢ - قوله: (كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ)، أي: عند حلول الکرب وهو بفتح
الكاف وسكون الراء بعدها موحدة، أي: الغم الذي يأخذ النفس كذا في
((الصحاح)). وقيل: الكرب أشد الغم. وقال الحافظ: هو ما يدهم المرء مما يأخذ
بنفسه فيغمه ويحزنه، وفي رواية للبخاري: كان يدعو عند الكرب. وفي رواية
لمسلم: كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب. وفي أخرى له: كان إذا حزبه أمر،
أي: نزل به أمر مهم.
قال الحافظ: هو بفتح المهملة والزاي وبالموحدة، أي: هجم عليه أو غلبه،
وفي حديث علي عند النسائي وصححه الحاكم: لقنني رسول اللَّه ◌َليل هؤلاء
الكلمات، وأمرني إن نزل بي كرب أو شدة أن أقولها .
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ)، الذي لا يعظم عليه شيء، وقيل: أي: البالغ أقصى
مراتب العظمة التي لا يتصورها عقل، ولا تحيط بكنهها بصيرة، فلا يعظم عليه
شيء. (الْحَلِيمُ)، هو الذي يؤخر العقوبة مع القدرة، وقيل: هو الذي لا يستفزه
غضب، ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام. (لَا إِلَهَ إِلَّا
اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم) بالجر على أنه نعت للعرش عند الجمهور، ونقل ابن التين
عن الداودي، أنه رواهَ برفع (الْعَظِيم) على أنه نعت للرب، وكذا برفع الكريم في
قوله: (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم)، وبهَ قرأ ابن محيصن في آخر التوبة، وفي آية
المؤمنين نعتًا للرب، والذي ثبت في رواية الجمهور بالجر فيهما، على أنه نعت
للعرش، ووصف العرش بالكريم، أي: الحسن من جهة الكيفية، ووصفه بالعظيم
(٢٤٤٠) البُخَارِي (٦٣٤٥)، ومُسْلِم (٢٨٣٠)، والترمذي (٣٤٣٥)، وابن مَاجَهْ (٣٨٨٣) فِي
الدَّعَوَاتِ، سِوَى النَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٤٨٨) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

٩١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
من جهة الكمية، فهو ممدوح ذاتًا وصفة، وخص بذكره؛ لأنه أعظم الأجسام،
فيدخل تحته الجميع، وقيل: وصفه بالكرم؛ لأن الرحمة تنزل منه أو لنسبة إلى
أكرم الأكرمين، وبالعظيم؛ لأنه أعظم خلق الله مطافًا لأهل السماء وقبلة للدعاء.
قال الطيبي: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب؛ لأنه مقتضى
التربية، وفيه التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية
والعظمة التي تدل على تمام القدرة والحلم الذي يدل على العلم؛ إذ الجاهل لا
يتصور منه حلم ولا كرم. وهما أصل الأوصاف الإكرامية. وقال القسطلاني أخذًا
عن ابن القيم: قد صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب؛ لأنه مقتضى
التربية ووصف الرب تعالى بالعظمة والحلم، وهما صفتان مستلزمتان لكمال
القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز، ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي
والسفلي والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها والربوبية التامة تستلزم
توحيده، وإنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة
إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات کل کمال له، وسلب کل نقص وتمثیل عنه،
وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه، فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب
محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم
الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي
نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي؟ فحصول هذا الشفاء للقلب
أولى وأحرى، فإذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف، التي تضمنها
دعاء الكرب المذكور في هذا الحديث؛ وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا
الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور، وهذه الأمور إنما يصدق بها
من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها. انتهى. قال النووي: هذا حديث جليل
ينبغي الاعتناء به والإكثار عنه عند الكرب والأمور العظيمة. قال الطبري: كان
السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب. قلت: حكى الحافظ عن ابن بطال أنه
سعى بأبي بكر بن على عند السلطان بأصبهان، وكان عليه مدار الفتيا هناك فرأى أبو
بكر الرازي في المنام النبي وَلَّ وأنه قال له: قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء
الكرب، الذي في ((صحيح البخاري)) حتى يفرج الله عنه.
قال الرازي: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يكن إلا قليلًا حتى أخرج. وأخرج

٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
ابن أبي الدنيا في كتاب: الفرج بعد الشدة، أنه كتب الوليد بن عبد الملك إلى
عثمان بن حيان: انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة جلده، وأوقفه للناس قال :
فبعث إليه فجيء به فقام إليه علي بن الحسين فقال: يا بن عم! تكلم بكلام الفرج
يفرج الله عنك، فقالها فرفع إليه عثمان رأسه فقال : أرى وجه رجل كُذب عليه خلوا
سبيله، فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق. وأخرج النسائي، والطبري، من
طريق الحسن بن الحسن بن علي قال: لما زوجٍ عبد الله بن جعفر ابنته قال لها: إن
نزل بك أمر فاستقبليه بأن تقولي: لا إله اللّه الحليم الكريم، سبحان الله رب
العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين.
قال الحسن: فأرسل إلى الحجاج فقلتهن، فقال: والله لقد أرسلت إليك وأنا
أريد أن أقتلك: فلأنت اليوم أحب إليَّ من كذا وكذا، وفي لفظ: فسل حاجتك.
قال الطبري: معنى قول ابن عباس - في بعض الروايات - يدعو، وإنما هو تهليل
وتعظيم، أي: ليس فيه دعاء، يحتمل أمرين: أحدهما: أن المراد: تقديم ذلك قبيل
الدعاء، فيستفتح بهذا الذكر الدعاء ثم يدعو بما شاء، كما ورد في ((مسند أبي
عوانة))، في آخر الحديث: ((ثُمَّ يَدْعُو بَعْدَ ذَلِكَ)). وعند عبد بن حميد: ((كان إذا
حزبه أمر)) قال: فذكر الذكر المأثور، وزاد: ((ثُمَّ دَعَا)).
وفي ((الأدب المفرد)) (ج٢: ص١٦١) من طريق آخر: زاد في آخره: ((اللَّهُمَّ
اصْرِفْ عَنِّى شَرَّهُ))، قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان
يقال: إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء؛ استجيب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء؛ كان
على الرجاء. ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة عن الحديث الذي فيه: كان أكثر ما
يدعو به النبي وّ بعرفة: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَّهُ))، الحديث. فقال
سفيان: هو ذكر وليس فيه دعاء ولكن قال النبي وَله: ((مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِى عَنْ مَسْأَلَتِي
أَعَطَيْئُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ))، قال: وقال أمية بن الصلت في مدح عبد الله بن
جدعان :
حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْخَيَاءُ
أَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي
كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ الثَّنَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرَءُ يَوْمًا
قال سفيان: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم، اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف

٩٣
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بالخالق. انتهى. وحاصل هذا الجواب: أن الدعاء قد یکون صريحًا، وقد يكون
تعريضًا، فإن الثناء على الكريم يتضمن الدعاء، والسؤال تعريضًا بألطف إيماء
كمدح السائل والشاعر. قال الحافظ: ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي
وقاص في دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت: ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ))، الحديث. وقد تقدم في الفصل الثاني من كتاب أسماء الله
تعالى (ج٣: ص ٤٤٠). قلت: ويؤيد الاحتمال الأول رواية أبي عوانه و((الأدب
المفرد)» .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الدعوات، وفي التوحيد، ومسلم في الدعاء،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢٩، ٢٥٥، ٢٦٠، ٢٦٩، ٢٨١، ٢٨٤)،
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (ج ٢ ص ١٥٧، ١٦١)، وابن ماجه في الدعاء، وأبو
عوانة في ((صحيحه)).
٤٤١ ٢ - [٣] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلانٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َلـ
وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ
النَّبِيُّ وَّهِ: (إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ
الشَّيْطَانِ الرَّجِيم))، فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: لَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ وَلِ؟ قَالَ: إِنِّي
◌َسْتُ بِمَجْنُونٍ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٤٤١ - قوله: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ) بضم الصاد وفتح الراء بعدها دال
مهملات. (اسْتَبَّ رَجُلَانٍ) افتعال من السب، أي: تشاتما يعني شتم أحدهما
الآخر، ولم يعرف الحافظ أسماء الرجلين. (عِنْدَ النَّبِيِّ وَّ)، أي: بمحضر منه.
(وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ)، أي: سبًّا شديدًا. (مُغْضَبًا)، بفتح الضاد حال من فاعل
یسب .
(٢٤٤١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البخاري (٦١١٥)، ومُسْلِم (١٠٩ / ٢٦١٠) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُردٍ، وأَبُو دَاوُد
(٤٧٨١) فِي الأَدَبِ، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٢٢٥) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ)، زاد في رواية: وانتفخت أوداجه. أي: من شدة غضبه، ففي
رواية للبخاري: فغضب أحدهما، فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير. وفي
حديث معاذ بن جبل عند أحمد وأصحاب السنن: حتى إنه ليخيل إلى أن أنفه ليتمزع
من الغضب. (إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً)، أي: بالمعنى اللغوي الشامل للجملة المفيدة.
(لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ)، أي: زال. (عَنْهُ مَا يَجِدُ)، أي: ما يجده من الغضب ببركتها .
(أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) بدل من (كَلِمَةً)، وفي البخاري: ((لَوْ قَالَ: أَعُوذُ
بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّچیم))، أي : ذهب عنه ما يجد، كما في رواية أخرى له، وِفي
حديث معاذ: ((إِنِّي لَأَعْلَمَّ كَلِمَةً لَوْ يَقُولُهَا هَذَا الْغَضْبَانُ لَذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ))، ((اللّهُمَّ
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم))، والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا
يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بَاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، قال الطيبي:
أي: ولا تنفع الاستعاذة من أمتك إلا المتقين، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
أَتَّقَوْاْ إِذَا مَتَهُمْ طَهِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ﴾، أي: ما أمرهم به تعالى ونهاهم عنه
﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] لطريق السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم. (فَقَالُوا
لِلرَّجُلِ)، في رواية مسلم: فقام إلى الرجل ممن سمع النبي ◌َّر، فدلت هذه الرواية
على أن الذي خاطبه من الصحابة واحد وهو معاذ بن جبل، كما بينته رواية معاذ بن
جبل عند أبي داود ولفظه: قال: فجعل معاذ يأمره فأبى ومحك - أي: لج في
الخصومة - وجعل يزداد غضبًا .
(لَا تَسْمَعُ)، وفي بعض النسخ: ألا تسمع، كما في البخاري. (مَا يَقُولُ النَِّيُّ
(وَّهَ)، أي: فتمتثل وتقول ذلك. (قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُوٍ)، وفي رواية: أترى بي
بأسًا أمجنون أنا اذْهب. قال الحافظ: هو خطاب من الرجل للرجل الذي أمره
بالتعوذ، أي: امض في شغلك، وأخلق بهذا المأمور أن يكون كافرًا أو منافقًا، أو
كان غلب عليه الغضب حتى أخرجه عن الاعتدال، بحيث زجر الناصح الذي دله
على ما يزيل عنه ما كان به من وهج الغضب بهذا الجواب السيئ.
وقيل: إنه كان من جفاة الأعراب، وظن أنه لا يستعيذ من الشيطان إلا من به
جنون، ولم يعلم أن الغضب من شر الشيطان ومسه، ولهذا يخرج به عن صورته،
ويزين إفساد ماله كتقطيع ثوبه وكسر آنيته، أو الإقدام على من أغضبه، ونحو ذلك

٩٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
=X:39
مما يتعاطاه من يخرج عن الاعتدال، وقد أخرج أحمد، وأبو داود، من حديث
عطية السعدي: ((إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ))، الحديث. أي: هو المحرك له الباعث
عليه بإلقاء الوسوسة في قلب الآدمي ليغريه. وقال النووي: قول هذا الرجل الذي
اشتد غضبه: هل ترى بي من جنون؟ كلام من لم يفقه في دين الله تعالى، ولم
يتهذب بأنوار الشريعة، وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالجنون، ولم يعلم أن
الغضب من نزغات الشيطان، ولهذا يخرج الإنسان عن اعتدال حاله، ويتكلم
بالباطل ويفعل المذموم وينوي الحقد والبغض، وغير ذلك من القبائح المترتبة
على الغضب؛ ولهذا قال النبي ◌َّ - للذي قال له: أوصني: ((لَا تَغْضَبْ)) فردد
مرارًا، فقال: ((لَا تَغْضَبْ))، فلم يزده في الوصية على ((لا تغضب))، مع تكراره
الطلب. وهذا دليل ظاهر في عظم مفسدة الغضب، وما ينشأ منه ويحتمل أن هذا
القائل كان من المنافقين، أو من جفاة الأعراب. انتهى.
قلت: الظاهر: أن قوله هذا أيضًا نشأ من شدة غضبه، وغلبة غيظه حتى أخرجه
عن الاعتدال بحيث قال للناصح ما قال. قال الشوكاني: في الحديث: دليل على
أن الغضب متسبب عن عمل الشيطان؛ ولهذا كانت الاستعاذة مذهبة للغضب،
فمن غضب في غير حق ولا موعظة صدق فليعلم أن الشيطان هو الذي يتلاعب به
وأنه مسه طائف منه. وفي هذا ما يزجر عن الغضب لكل من يود أن لا يكون في يد
الشيطان يصرفه كيف يشاء. انتهى. ومن أحب الوقوف على حقيقة الغضب
والأسباب المهيجة له، وعلاج الغضب بعد هيجانه، رجع إلى ((الإحياء)) للغزالي
مع «شرحه للزبيدي)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في صفة إبليس وفي الأدب، ومسلم في الأدب
واللفظ للبخاري في باب الحذر من الغضب، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٦ :
ص٣٩٤)، وأبو داود في الأدب، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة))، والبغوي في
((شرح السنة)) (ج٥: ص١٢٤).

BACK
٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ges
٢٤٤٢ - [٤] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرِ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ
صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَسَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًّا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ
الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًّا)). [مُتَّفَقْ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٤٤٢ - قوله: (إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ)، بكسر الصاد. (الدِّيَكَةِ) بكسر الدال
المهملة وفتح التحتانية جمع ديك، كفيلة جمع فيل وهو ذكر الدجاج، ولیس
المراد: حقيقة الجمع؛ لأن سماع واحد كاف، وللديك خصيصة ليست لغيره من
معرفة الوقت الليلي، فإنه يقسط أصواته فيها تقسيطًا، لا يكاد يتفاوت ويوالي
صياحه قبل الفجر وبعده، لا يكاد يخطئ، سواء طال الليل أم قصر، وزاد في رواية
أحمد (ج٢: ص٣٠٨)، والبخاري في ((الأدب المفرد))، وابن السني في ((الليل)).
(فَسَلُوا اللهَ)، بنقل الهمزة، وروي بإثباته، أي: فاطلبوا.
(مِنْ فَضْلِهِ)، أي: زيادة إنعامه عليكم. (فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا)، بفتح اللام نكرة إفادة
للتعميم، قال عياض: كأن السبب فيه رجاء تأمين الملائكة على دعائه،
واستغفارهم له وشهادتهم له بالإخلاص. ويؤخذ منه: استحباب الدعاء عند حضور
الصالحين تبركًا بهم. وصحح ابن حبان، وأخرجه أبو داود، وأحمد من حديث
زيد بن خالد رفعه: ((لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ، فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ)، وفي رواية: ((يُوقِظُ
لِلصَّلَاةِ))، وعند البزار من هذا الوجه سبب قوله وَّ: ذلك أن ديكًا صرخ، فلعنه
رجل فقال ذلك.
قال الحليمي: يؤخذ منه: أن كل من استفيد منه الخير لا ينبغي أن يسب، ولا أن
يستهان به، بل يكرم ويحسن إليه، قال: وليس معنى قوله: ((يَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ))، أن
يقول حقيقة: صلوا أو حانت الصلاة، بل معناه: أن العادة جرت بأنه يصرخ عند
طلوع الفجر فِطرةً فَطرهُ اللَّه عليها. (وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ)، أي: صوته
(٢٤٤٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٣٣٠٣) فِي بِدْءِ الخَلْقِ، ومُسْلم (٢٧٢٩)، والتِّرْمِذِي (٣٤٥٩) فِي
الدَّعَوَاتِ، وَأَبُو دَاوُد (٥١٠٢) فِي الأَدَبِ، والنَّسَائِيُّ في ((الكُبرى)) (١١٣٩١) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

٩٧
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
*
المنكر. وزاد البخاري في ((الأدب المفرد))، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)):
((مِنَ اللَّيْلِ))، وكذا وقع في حديث جابر عند أحمد، وأبي داود وغيره كما سيأتي في
باب تغطية الأواني، وزاد فيه أيضًا: ((نِبَاحَ الْكِلَابِ))، قيل: أطلق الأمر بالتعوذ عند
نهيق الحمر، في حديث الباب، فاقتضى أنه لا فرق في طلبه بين الليل والنهار،
وخصه في رواية أخرى بالليل. فإمَّا أن يحمل المطلق على المقيد، أو يقال: خص
الليل؛ لأن انتشار الشياطين فيه أكثر، فيكون نهيق الحمير فيه أكثر، فلو وقع نهارًا
کان ذلك.
وقال الشوكاني: في قوله في الحديث الآخر: ((مِنَ اللَّيْلِ)) يقيد المطلق فتكون
الاستعاذة إذا سمع النهيق، والنباح ليلًا لا نهارًا. (فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ)، كذا
في بعض النسخ من ((المشكاة))، وهكذا وقع في ((الصحيحين))، و((المسند))،
والترمذي، وبعض نسخ أبي داود، وزاد في بعض نسخ ((المشكاة)): ((الرَّجِيم))،
وهكذا وقع في ((المصابيح))، وبعضٍ نسخ أبي داود، قال الحفني: أي: اعتصموا
بالله منه بأن يقول أحدكم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو نحو ذلك من صيغ
التعوذ. وقال المناوي: (فَتَعَوَّذُوا)، أي: ندبًا بأي صيغة كانت، والأَوْلى: أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم.
(فَإِنَّهُ)، أي: الحمار. (رَأَى شَيْطَانًّا)، في ((الصحيحين)) و((المصابيح)): ((فَإِنَّهَا
رَأَتْ شَيْطَانًّا)) على تأويل الدابة ورعاية المقابلة، ووقع في ((المسند))، والترمذي،
و((شرح السنة)) كما في ((المشكاة))، يعني: وحضور الشيطان مظنة الوسوسة
والطغيان ومعصية الرحمن فناسب التعوذ لدفع ذلك، قال عياضٍ: وفائدة الأمر
بالتعوذ: لما يخشى من شر الشيطان وشر وسوسته، فيلجأ إلى الله في رفع ذلك.
وقال الطيبي: لعل السر فيه أن الديك أقرب الحيوانات صوتًا إلى الذاكرين الله؛
لأنها تحفظ غالبًا أوقات الصلاة وأنكر الأصوات صوت الحمير، فهو أقربها صوتًا
إلى من هو أبعد من رحمة الله.
وفيه: دلالة على أن الله تعالى: خلق للديكة إدراكًا تدرك به النفوس القدسية،
كما خلق للحمير والكلاب إدراكًا تدرك به النفوس الشريرة الخبيثة، ونزول الرحمة
عند حضور الصلحاء، ونزول الغضب عند حضور أهل المعاصي.

٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
٢ فائدة:
قال الداودي: ينبغي أن يتعلم من الديك خمسة أشياء: حسن الصوت، والقيام
بالسحر، والسخاء، والغيرة، وكثرة النكاح. تنبيه: قيل: قوله: (فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًّا)
و(إِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا) ليس المعنى أنها لا تصوت إلا إذا رأت ملكًا أو شيطانًا، فإن
صياح الديكة وكذلك نهيق الحمار، كثيرًا ما يكون لعوارض وأسباب غير رؤية
الملك والشيطان، بل المعنى: أن صوتهما قد يكون لذلك أيضًا، فلا يتعين، أي:
الأصوات لذلك، وأيها لغيره فيستحب الدعوة والتعوذ عند كل تصويت منهما،
ليقع البعض منهما موقعهما، وإن لم يقع الكل مقام الرؤية، مع أن زيادة الدعاء
والتعوذ مطلوبة، وإن لم يكن في محل إجابة، وكذلك حضور شيطان، ووجوده لا
يتوقف التعوذ عليه؛ لأن الإنسان أحوج ما يكون إليهما، فكان تعميم فكان تعميم
الأمر بالدعاء، والتعوذ عند كل صياح ديك ونهيق حمار كتعميم أمر العبادة في
ليالي القدر تحريًا لمظان القبول. انتهى. وفيه: أنه روى الطبراني وأبو موسى
الأصبهاني في ((ترغيبه)) من حديث أبي رافع رفعه: (لَا يَنْهَقُ الْحِمارُ - ولابن
السني: ((لَنْ يَنْهَقَ الْحِمَارُ - حَتَّى يَرَى شَيْطَانًّا - أَوْ - يَتَمَثَّلَ لَهُ شَيْطَانٌ، فَإِذَا كَانَ
كَذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللهَ وَصَلَّوا عَلَيَّ))، وهذا يخالف ما أول به هذا القائل حديث الباب.
فتأمل.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، أخرجه البخاري في أواخر بدء الخلق، ومسلم في الدعاء،
وأخرجه أيضا أحمد (ج٢: ص٢٠٧)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (ج٢:
ص٢٣٧)، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأدب، والنسائي في التفسير
وفي ((عمل اليوم والليلة))، وابن السني فيه (ص١٠٢)، والبغوي في ((شرح السنة))
(ج٥: ص١٢٦).

٩٩
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٤٤٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَّهَ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى
بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى الْسَّفَرِ كَبَّرَ ثَلَاثًّا، ثُمَّ قَالَ: ((﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا
كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
[الزخرف: ١٣، ٤ ١]، اللَّهُمَّ إِنَّا
وَإِنَّا إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ
نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا
سَفَرَنَا هَذَا، وَاَطْوٍ لَنَا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي
الْأَهْلِ وَالْمَالِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءٍ
الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ)). وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: ((آيِبُونَ، تَائِبُونَ،
عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمُ] {صحيح}
الشرح
٢٤٤٣ - قوله: (كَانَ إِذَا اسْتَوى عَلَى بَعِيرِهِ)، أي: استقر على ظهر مركوبه.
(خَارِجًا)، أي: من البلد منتهيًا. (إِلَى السَّفَرِ)، كذا في جميع النسخ، أي: معرفًا
باللام وهكذا وقع في ((المصابيح))، و((شرح السنة))، وكذا نقله الشوكاني في تحفة
الذاكرين، والذي في ((صحيح مسلم)): خارجًا إلى سفر، وهكذا وقع في ((المسند))
(ج٢: ص١٥١) وأبي داود، وكذا نقله في ((جامع الأصول)) وفي ((الأذكار)).
وللترمذي، والدارمي: كان إذا سافر فركب راحلته.
(كَبَّرَ ثَلاَثًا)، لعل الحكمة: أن المقام مقام علو، وفيه: نوع عظمة فاستحضر
عظمة خالقه، ويؤيده أن المسافر إذا صعد عاليًا؛ كبر، وإذا نزل؛ سبح، ويمكن أن
يكون التكبير للتعجب من التسخير. (ثُمَّ قَالَ)، أي: قرأ. أي: قال بنية القراءة؛
امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرْكَبُونَ ١ لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِ ثُمَّ
تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيَّتُمٌ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣]، (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ)، أي:
ذلل. (لَنَا هَذَا)، أي: المركوب فانقاد لأضعفنا. (وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ)، أي: مطيقين
ومقتدرين عليه من أقرن له؛ إذا أطاقه وقوي عليه، أي: ما كنا نطيق قهره
واستعماله، لولا تسخير الله تعالى إياه لنا.
(٢٤٤٣) مُسْلِم (١٣٤٢/٤٢٥) فِي الحَجِّ، وَأَبُو دَاوُد (٢٥٩٩)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤٤٧،). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
في الجهادِ فِي الدَّعَوَاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.