Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
يؤيد ما ذكره القرطبي، وقال الشيخ أكمل الدين الحنفي في شرحه لـ((مشارق
الأنوار)): فإن قلت: إذا مات الإنسان على إسلامه ولم يكن ذكر من هذه الكلمات
شيئًا، فقد مات على الفطرة لا محالة، فما فائدة ذكر هذه الكلمات؟ أجيب بتنويع
الفطرة؛ ففطرة القائلين فطرة المقربين الصالحين، وفطرة الآخرين فطرة عامة
المؤمنين، ورد بأنه يلزم أن يكون للقائلين فطرتان: فطرة المؤمنين وفطرة
المقربين .
وأجيب: بأنه لا يلزم ذلك، بل إن مات القائلون فهم على فطرة المقربين،
وغيرهم لهم فطرة غيرهم، انتهى. (وَفِي رِوَايَةٍ) للشيخين وغيرهما. (قَالَ)، أي:
البراء. (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ لِرَجُل) هو البراء راوي الحديث، ففي رواية للبخاري:
قال لي رسول اللَّه وَجِهِ: ((إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ))، وفي رواية للترمذي: عن البراء أنَّ
النبي وسَّ قال له: ((أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهَا إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ)). (إِذَا أَوَيْتَ إِلَى
فِرَاشِكَ)، أي: انضممت إليه، ودخلت فيه للنوم، كما قال في الرواية الأخرى:
((إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ))، أي: أتيت مكان نومك وأردت أن تضطجع.
(فَتَوَضَّأْ) أمر ندب. (وَضُوءََ لِلصَّلَاةِ)، أي: كوضوئك للصلاة فهو منصوب
بنزع الخافض. قال الترمذي: لا نعلم في شيء من الروايات ذكر الوضوء عند النوم
إلا في هذا الحديث. وفي رواية لأبي داود: ((إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ وَأَنْتَ طَاهِرٌ
فَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ ... )) الحديث. (ثُمَّ اضْطَجِعْ) أصله اضتجع؛ لأنه من باب الافتعال
فقلبت التاء طاء .
(وَقَالَ)، أي: النبي ◌َّ فيكون من جملة كلام البراء عطف على ((قَالَ رَسُولُ
اللهِ))، (فَإِنْ مُتَّ) بضم الميم وكسرها. (مِنْ لَيْلَتِكَ)، أي: في ليلتك. (وَإِنْ
أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا)، أي: خيرًا كثيرًا، أو خيرًا في الدارين. قال النووي: في
هذا الحديث ثلاث سنن مهمة مستحبة ليست بواجبة:
إحداها: الوضوء عند إرادة النوم، فإن كان متوضئ كفاه ذلك الوضوء؛ لأن
المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته، وليكون أصدق لرؤياه وأبعد
من تلعب الشيطان به في منامه وترويعه إياه.
والثانية: النوم على الشق الأيمن؛ لأن النبي ◌َّليل كان يحب التيامن؛ ولأنه

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالُنَامِ
٢١
أسرع إلى الانتباه، الثالثة ذكر الله تعالى ليكون خاتمة عمله، انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
فيه نظر، فإن الرواية الأولى للبخاري وحده كما تقدم، والرواية الثانية رواها
البخاري في آخر الوضوء وفي الدعوات وفي التوحيد في باب قوله: ﴿أَنْزَلَهُ
بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] ورواها مسلم في الدعاء، وكذا الترمذي،
وابن ماجه، ورواها أبو داود في ((الأدب))، والنسائي في: ((عمل اليوم والليلة))،
وأخرجها أيضًا أحمد: (ج٤: ص ٢٩٠، ٢٩٢، ٢٩٦، ٣٠٢)، والدارمي في
الاستيذان، وابن السني (ص٢٢٥)، والبغوي في ((شرح السنة)) (ج٥: ص١٠٣،
١٠٤) .
٢٤٠٩ - [٦] وعَنْ أَنَس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَلِ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ
قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَكَفَانَا، وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ
وَلَا مُؤْوِيَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمُ] {صحيح}
الشرح
٢٤٠٩ - قوله: (وَكَفَانًا)، أي: كفى مهماتنا وقضى حاجتنا ودفع عنا شر ما
يؤذينا، فهو تعميم بعد تخصيص. (وَآوَانَا) بالمد ويجوز القصر، أي: جعل لنا
مأوى نأوي، أي: نضم إليه ونسكن فيه. قال الجزري: أي: ردنا إلى مأوى لنا ولم
يجعلنا منتشرين كالبهائم - في الصحاري - والمأوى المنزل، وفي حديث البيعة
أنه قال للأنصار: ((أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَأَوُونِي وَتَنْصُرُونِي))، أي: تضموني إليكم
وتحوطوني بينكم، يقال: أوى وآوى بمعنى واحد، أي: ضم، والمقصود منهما
لازم ومتعد ومنه قوله: ((لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ حَتَّى يَأْوِيَهُ الْجَرِينُ)»، أي: يضمه البيدر
ويجمعه، ومنه: ((لَا يَأْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالَّ))، كل هذا من أوى يأوى. يقال: أويت
إلى المنزل وأويت غيري وآويته. وأنكر بعضهم المقصور المتعدي.
(٢٤٠٩) مُسْلِم، وَ عَنْ أَنَسٍ، مسلم (٢٧١٥)، والتِّرْ مِذِي (٣٣٩٦) فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُو دَاوُد (٥٠٥٣)
فِي الأَدَبِ، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٦٣٥) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الأزهري: هي لغة فصيحة، انتهى. وقال النووي: إذا أوى إلى فراشه
وأويت مقصور، وأمَّا آوانا فممدود وهذا هو الصحيح الفصيح المشهور، وحكي
القصر فيهما وحكي بالمد فيهما، انتهى. (فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ) بفتح الياء. (وَلَا
مُؤْويَ) بضم ميم وسكون همزة ويبدل، وبكسر واو اسم فاعل من الإيواء وله
مقدر، أي: فكم من شخص لا يكفيهم اللَّه شر الأشرار بل تركهم وشرهم حتى
غلب عليهم أعداؤهم، ولا يهيئ لهم مأوى بل تركهم يهيمون في البوادي ويتأذون
بالحر والبرد.
قال الطيبي: ذلك قليل نادر فلا يناسب ((كَمْ)) المقتضي للكثرة على أنه افتتح
بقوله: (أَطْعَمْنَا وَسَقَانًا)، ويمكن أن ينزل هذا على معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهُ
مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾﴾ [محمد: ١١] فالمعنى: إنا نحمد الله على أن
عرفنا نعمه ووفقنا لأداء شكره، فكم من منعم عليه لا يعرفون ذلك ولا يشكرون.
وكذلك اللَّه مولى الخلق كلهم بمعنى أنه ربهم ومالكهم لكنه ناصر للمؤمنين،
ومحب لهم فالفاء في ذاكَمْ)) للتعليل. قيل: وإنما حمد الله على الطعام والسقي
وكفاية المهمات في وقت الاضطجاع؛ لأن النوم فرع الشبع والري وفراغ الخاطر
عن المهمات والأمن من الشرور.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في الدعوات، وأبو
داود في الأدب، والنسائي، والبخاري في ((الأدب المفرد))، وابن السني
(ص٢٢٦)، والبغوي في ((شرح السنة)) (ج٥: ص ١٠٥).

٢٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالُنَامِ
٤١٠ ٢ - [٧] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ وَّهِ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى
فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا
نَقُومُ فَقَالَ: ((عَلَى مَكَانِكُمَا)) فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ
عَلَى بَطْنِي فَقَالَ: ((أَلَا أَدُلَّكُمَا عَلَى خَيْرِ مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضْجَعَكُمَا
فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلََّثِينَ، وَكَبِّرًا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٤١٠ - قوله: (وَعَنْ عَلِيٍّ)، أي: ابن أبي طالب. (أَنَّ فَاطِمَةَ) الزهراء بنت
النبيِ وَ. (أَتَتِ النَّبِيَّ ◌ََّ)، أي: بيته. (تَشْكُو إِلَيْهِ)، قال القاري: إمَّا مفعول له
بحذف أن تخفيفًا، أي: أتت إليه إرادة أن تشكو، أو حال مقدرة من فاعل ((أَتَتٍ))،
أي: مقدرة الشكوى. (مَا تَلْقَى)، أي: من الكلفة والمشقة، أو من المجل، ففي
الترمذي، وزوائد عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (ج١: ص١٢٤) شكت فاطمة
مجل يديها من الطحن. وهو بفتح الميم وسكون الجيم بعدها لام.
قال الطبري: المراد به: غلظ اليد، وكل من عمل عملاً بكفه فغلظ جلدها،
قيل: مجلت كفه. وقال الجزري: مجلت يده تمجُل مجلًا ومجِلت تمجل مجلًا،
إذا ثخن جلدها وتعجر وظهر منها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة.
(فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى) زاد في رواية: ((مما تطحن))، أي: من أجل إدارة الرحى -
بالقصر - لطحن الشعير للخبز، وهو سبب آخر من أسباب الشكوى، وبقي أسباب
أخرى ورد ذكرها عند أبي داود، وعبد الله بن أحمد في ((زوائده)) في مسند أبيه
(ج١ : ص ١٥٤)، من طريق أبي الورد عن علي بن أعبد عن علي قال: كانت فاطمة
زوجتي فجرت بالرحى حتى أثر الرحى بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة
(٢٤١٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي فِي فَرْضِ الخُمس (٣١١٣) وَفِي غَيْرِهِ (الدعوات ٦٣١٨) مُسْلِم (٨٠/
٢٧٢٧) فِي الدَّعَوَاتِ أَبُو دَاوُد (٥٠٦٢) فِي ((الأَدَبِ))، كُلُّهُمْ عَنْ عَلِيٍّ رَفَهُ.

٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
E*
بنحرها وقمت - أي: كنست - البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر
حتى دنست - وفي رواية: دكنت - ثيابها فأصابها من ذلك ضرر.
(وَبَلَغَهَا) حال من ضمير ((أَتَتِ))، أي: وقد بلغ فاطمة. (أَنَّهُ)، أي: الشأن.
(جَاءَهُ)، أي: النبي وَّه. (رَقِيقٌ) من السبي والرقيق المملوك وقد يطلق على
الجماعة. وقال الجزري: الرقيق اسم للعبيد والإِماء فعيل بمعنى مفعول. أي إنه
في الرق الملكة. (فَلَمْ تُصَادِفْهُ) بالفاء، أي: لم تجد فاطمة النبي وَّ في بيته حتى
تلتمس منه خادمًا، فإن قلت: في رواية أبي الورد عن ابن أعبد عن علي عند أبي
داود: ((فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ حُدَّانًا)) بضم المهملة وتشديد الدال وبعد الألف مثلثة أي:
جماعة يتحدثون ((فاستحيت فرجعت)). قلت: يحمل على أن المراد أنها لم تجده
في المنزل بل في مكان آخر كالمسجد، وعنده من يتحدث معه. (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ)،
أي: الذي تشكوه.
(لِعَائِشَةَ فَلَمَّا جَاءَ)، أي: النبيِ نَّ. (أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ)، أي: بمجيء فاطمة إليها
في طلب الخادم، وفي رواية للبخاري: ((فذكرت ذلك عائشة له)). قال الحافظ:
وفي رواية مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن علي، عند جعفر الفريابي في
((الذكر))، والدار قطني في ((العلل))، وأصله في مسلم: حتى أتت منزل النبي وَل
فلم توافقه فذكرت ذلك له أم سلمة بعد أن رجعت فاطمة. ويجمع بأن فاطمة
التمسته في بيتي أمي المؤمنين، وقد وردت القصة من حديث أم سلمة نفسها
أخرجها الطبري في ((تهذيبه)) من طريق شهر بن حوشب عنها قالت: جاءت فاطمة
إلى رسول اللَّه وَال تشكو إليه الخدمة. فذكرت الحديث مختصرًا. وفي رواية
السائب - عن علي عند أحمد (ج١: ص ١٠٧) وابن سعد - فأتت النبي وَلّ فقال:
((مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ؟))، قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت،
فقلت: مَا فَعَلْتٍ؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتيناه جميعًا.
قال الحافظ: وهذا مخالف لما في الصحیح، ویمکن الجمع بأن تکون لم تذكر
حاجتها أولًا على ما في هذه الرواية، ثم ذكرتها ثانيًا لعائشة لما لم تجده، ثم جاءت
هي وعلي على ما في رواية السائب، فذكر بعض الرواة ما لم يذكر بعض، وقد
اختصره بعضهم؛ ففي رواية مجاهد الماضية في النفقات عند البخاري: أن فاطمة

٢٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالْمُنَامِ
أتت النبي وٍَّ تسأله خادمًا فقال: ((أَلَا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ؟»، وفي رواية هبيرة
ابن يريم عن علي عند أحمد (ج١: ص ١٤٧) قال: قلت لفاطمة: لو أتيت النبي وَله
فسألتيه خادمًا، فقد أجهدك الطحن والعمل. قالت: فانطلق معي. قال: فانطلقت
معها فسألناه فقال: ((أَلَا أَدُلَّكُمَا .. )) الحديث. ووقع عند مسلم من حديث أبي
هريرة أن فاطمة أتت النبي وَّه تسأله خادمًا وشكت العمل فقال: ((مَا أَلْفَيْتِيهِ عِنْدَنَا)).
(قَالَ)، أي: علي.
(فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا) الواو فيه للحال. (مَضَاجِعَنَا) جمع مضجع وهو المرقد،
أي: جاءنا النبي ◌َ لّ حال كوننا مضطجعين، زاد في رواية السائب: فأتيناه جميعًا
فقلت: بأبي يا رسول الله، والله لقد سنوت، أي: استقيت من البئر فكنت مكان
السانية. وهي الناقة التي تسقى عليها الأرض، حتى اشتكيت صدري. وقالت
فاطمة: لقد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك اللَّه بسبي وسعة فأخدمنا،
فقال: ((وَاللهِ لَا أَعُطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَةِ تَطْوَى بُطُونُهُمْ لَا أَجِدُ مَا أَنْفِقُ عَلَيْهِمْ،
وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأَنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ)). ووقع في رواية عبيدة بن عمرو عن علي عند
ابن حبان من الزيادة: ((فأتانا وعلينا قطيفة إذا لبسناها طولًا خرجت منها جنوبنا،
وإذا لبسناها عرضًا خرجت منها رؤوسنا وأقدامنا)). وفي رواية السائب: ((فرجعا
فأتاهما النبي وَلّ وقد دخلا في قطيفة لهما إذا غطيا رؤوسهما، تكشف أقدامها،
وإذا غطيا أقدامهما تكشف رؤوسهما)).
(فَذَهَبْنَا نَقُومُ)، أي: شرعنا وقصدنا؛ لأن نقوم له. (عَلَى مَكَانِكُمَا)، أي: لا
تفارقا عن مكانكما والزماه. وقيل: أي: اثبتا واستمرا على ما أنتما عليه من
الاضطجاع. (فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا). وفي رواية عند أحمد: (ج١: ص١٤٥)
والنسائي: ((أتانا النبي ◌ّ﴾ ذات ليلة حتى وضع قدمه بيني وبين فاطمة)).
(حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ)، بالإفراد وفي بعض النسخ بالتثنية، وهكذا وقع عند
البخاري في المناقب والنفقات والدعوات. أي: بالتثنية، وكذا وقع عند مسلم.
قال القسطلاني: ولأبي ذر: ((قدمه))، أي: بالإِفراد. (عَلَى بَطْنِي)، وفي رواية:
قال: ((عَلَى مَكَانِكُمَا))، حتى وجدت برد قدميه على صدري. قال العيني: كلمة
حَتَّى غاية لمقدر تقديره: فدخل هو في مضجعنا. ولظهوره ترك، انتهى.

٢٦
ser
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقيل: أي: فأدخل قدميه بيننا من البرد حتى وجدت ... إلخ. وزاد في رواية
الطبري: ((فسخنتهما)). وفي لفظ: ((وكانت ليلة باردة، وقد دخلت هي وعلي في
اللحاف، فأرادا أن يلبسا الثياب وكان ذلك لياًا)).
قال الحافظ: وفي رواية علي بن أعبد: ((فجلس عند رؤوسهما، وإنها أدخلت
رأسها في اللفاع، يعني: اللحاف حياء من أبيها. ويحمل على أنه فعل ذلك أولًا،
فلما تأنست به دخل معهما في الفراش مبالغة منه في التأنيس، وفيه: غاية التلطف
على ابنته وصهره، وإذا جاءت الألفة رفعت الكلفة. وزاد في رواية علي بن أعبد:
فقال: ما كان حاجتك أمس، فسكتت مرتين فقلت: أنا والله أحدثك يا رسول
الله، فذكرته له. ويجمع بين الروايتين بأنها أولًا استحيت فتكلم علي عنها
فأنشطت للكلام فأكملت القصة، واتفق غالب الرواة على أنه تَ خلال جاء إليهما، وفي
مرسل علي بن الحسين عند جعفر الفريابي في الذكر: أن فاطمة أتت النبي ◌َّ تسأله
خادمًا وبيدها أثر الطحن من قطب الرحى فقال: ((إِذَا أَوَيْتٍ إِلَى فِرَاشِك)»، فيحتمل
أن تكون قصة أخرى؛ فقد أخرج أبو داود من طريق أم الحكم أو ضباعة بنت الزبير
- أي: ابن عبد المطلب - قالت: أصاب رسول اللَّه وَ ل سبيًّا فذهبت أنا وأختي
فاطمة بنت رسول اللَّه وَله نشكو إليه ما نحن فيه، وسألناه أن يأمر لنا بشيء من
السبي فقال: ((سَبَقَكُنَّ يَتَامَى بَدْرٍ))، فذكر قصة التسبيح أثر كل صلاة ولم يذكر قصة
التسبيح عند النوم فلعله عَلَّمَ فاطمة في كل مرة أحد الذكرين. كذا في ((الفتح))
(فَقَالَ: أَلَا)، بالتخفيف وفتح الهمزة.
(أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرِ مِمَّا سَأَلْتُمَا)، وفي رواية: ((مِمَّا سَأَلْتُمَانِي))، أي: طلبتما من
الرقيق، وفي روايةً السائب: ((أَلَا أُخْبِرُكُمَا بِخَيْرِ مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟))، فقالا: بلى،
فقال: ((كَلِمَاتٌ عَلَّمَنِيهِنَّ جِبْرِيلُ)). (إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَّجَعْكُمَا)، زاد في رواية لمسلم:
((مِنَ اللَّيْلِ))، وزاد في رواية السائب عند أحمد (ج ١: ص ١٠٧)، ((تُسَبِّحَانِ دُبُرَ كُلِّ
صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدَانٍ عَشْرًا، وَتُكَبِّرانٍ عَشْرًا))، وهذه الزيادة ثابتة في رواية عطاء بن
السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أصحاب السنن الأربعة في
حديث أوله: (خَصْلَتَانٍ لَا يُحْصِيهِمَا عَبْدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ))، وصححه الترمذي وابن
حبان، وفيه ذكر ما يقال عند النوم أيضًا.

٢٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابٌ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالمُنَامِ
(فَسَبِّحَا) بكسر الموحدة. (وَاحْمَدَا) بفتح الميم. (وَكَبِّرًا) وبكسر الموحدة.
(أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ)، كذا وقعي في رواية القطان عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى
عن علي عند البخاري في النفقات بالجزم بأربع في التكبير وتقديم التسبيح. وهكذا
وقع في روايات أخرى، ومثله لسليمان بن حرب عن شعبة عند البخاري أيضًا لكن
قدم التكبير وأخر التسبيح، وزاد في رواية هبيرة عن علي في آخر الحديث: ((فَتِلْكَ
مِائَةٌ بِاللَّسَانِ وَأَلْفٌّ فِي الْمِيزَانِ))، قال الجزري في ((شرحه للمصابيح)): في بعض
الروايات الصحيحة التكبير أولًا، وكان شيخنا الحافظ ابن كثير يرجحه ويقول:
تقديم التسبيح يكون عقب الصلاة وتقديم التكبير عند النوم، أقول: الأظهر أنه يقدم
تارة ويؤخر أخرى عملًا بالروايتين، وهو أولى وأحرى من ترجيح الصحيح على
الأصح مع أن الظاهر أن المراد: تحصيل هذا العدد وبأيهن بدأ لا يضر كما ورد في
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر: ((لَا يَضُرَُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ))،
وفي تخصيص الزيادة بالتكبير إيماء إلى المبالغة في إثبات العظمة والكبرياء، فإنه
يستلزم الصفات التنزيهية والثبوتية المستفادة من التسبيح والحمد، والله أعلم،
كذا في ((المرقاة)).
قلت: وفي رواية: ((التَّكْبِيرُ ثَلَاثٌ وَثَلاثُونَ))، وفي رواية: ((التَّسْبِيحُ أَرْبَعٌ
وَثَلَاثُونَ))، وفي رواية: ((التَّحْمِيدُ أَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ))، واتفاق أكثر الرواة على أن
الأربع للتكبير أرجح. قال ابن بطال: هذا نوع من الذكر عند النوم، ويمكن أن
يكون ◌َّلخير كان يقول جميع ذلك عند النوم، وأشار لأمته بالاكتفاء ببعضها؛ إعلامًا
منه أن معناه الحض والندب لا الوجوب. وقال عياض: جاءت عن النبي وَلّ أذكار
عند النوم مختلفة بحسب الأحوال والأشخاص والأوقات وفي كل فضل.
(فَهُوَ)، أي: التسبيح وما بعده، إذا قلتماه في الوقت المذكور، وقيل: أي: ما
ذكر من الذكر. (خَيْرٌ)، أي: أفضل. (لَكُمَا) أي: خاصة، وكذا لمن قاله وعمل
به. (مِنْ خَادِمِ) الخادم واحد الخدم يقع على الذكر والأنثى، قال العيني: وجه
الخيرية إمّا أنَّ يراد به أن يتعلق بالآخرة والخادم بالدنيا والآخرة خير وأبقى. وإمَّا
أن يراد بالنسبة إلى ما طلبته بأن يحصل لها بسبب هذه الأذكار قوة تقدر على
الخدمة أكثر مما يقدر الخادم عليه .

٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي الحديث: حمل الإنسان أهله على ما يحمل على نفسه من إيثار الآخرة على
الدنيا، إذا كانت لهم قدرة على ذلك. وفيه: بيان إظهار غاية التعطف والشفقة على
البنت والصهر ونهاية الاتحاد برفع الحشمة والحجاب، حيث لم يزعجهما عن
مكانهما فتركهما على حالة اضطجاعهما وبالغ حتى أدخل رجله بينهما، ومكث
بينهما حتى علمهما ما هو الأولى بحالهما من الذكر عوضًا عما طلباه من الخادم،
فهو من باب تلقي المخاطب بغير ما يطلب؛ إيذانًا بأن الأهم من المطلوب هو
التزود للمعاد والصبر على مشاق الدنيا والتجافي عن دار الغرور. وفيه: أن الزوج
لا يلزمه إخدام زوجته، إذا كانت لا تخدم في بيت أبيها، وكانت تقدر على الخدمة
من طبخ وخبز وملء ماء وكنس بيت. ولما سألت فاطمة الخادم لم يأمر النبي ◌َِّله
عليًّا أن يخدمها. قال الطبري: يؤخذ منه: أن كل من كانت لها طاقة من النساء على
خدمة بيتها في خبز أو طحن أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج، إذا كان معروفًا أن
مثلها يلي ذلك بنفسه، ولو كانت كفاية ذلك إلى علي لأمره به كما أمره أن يسوق
إليها صداقها قبل الدخول، مع أن سوق الصداق ليس بواجب، إذا رضيت المرأة
أن تؤخره فكيف يأمره بما ليس بواجب عليه، ويترك أن يأمره بالواجب. وحكى
ابن حبيب عن أصبغ وابن الماجشون عن مالك: أن خدمة البيت تلزم المرأة ولو
كانت الزوجة ذات قدر وشرف، إذا كان الزوج معسرًا. قال: ولذلك ألزم النبي وَال
فاطمة بالخدمة الباطنة وعليًّا بالخدمة الظاهرة.
وحكى ابن بطال أن بعض الشيوخ قال: لا نعلم في شيء من الآثار أن النبي وَّل
قضى على فاطمة بالخدمة الباطنة، وإنما جرى الأمر بينهم على ما تعارفوه من
حسن العشرة وجميل الأخلاق، وأمَّا أن تجبر المرأة على شيء من الخدمة، فلا
أصل له بل الإجماع منعقد على أن على الزوج مؤنة الزوجة كلها. ونقل الطحاوي
الإجماع على أن الزوج ليس له إخراج خادم المرأة من بيته، فدل على أنه يلزمه نفقة
الخادم على حسب الحاجة إليه.
وقال الشافعي والكوفيون: يفرض لها ولخادمها النفقة إذا كانت ممن تخدم.
وقال مالك والليث ومحمد بن الحسن: يفرض لها ولخادمها إذا كانت خطيرة.
وشذ أهل الظاهر فقالوا: ليس على الزوج أن يخدمها ولو كانت بنت الخليفة،
وحجة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وإذا احتاجت إلى من

٢٩
Ex
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالْمُنَامِ
يخدمها فامتنع لم يعاشرها بالمعروف كذا في (الفتح)). وفيه: أن للإمام أن يقسم
الخمس حيث رأى؛ لأن السبي لا يكون إلا من الخمس. وأمَّا الأربعة أخماس فهو
حق الغانمين، وهو قول مالك وجماعة. وذهب الشافعي وجماعة: إلى أن لآل
البيت سهمًا من الخمس. قال إسماعيل القاضي: هذا الحديث يدل على أن للإمام
أن يقسم الخمس حيث يرى؛ لأن الأربعة الأخماس استحقاق الغانمين، والذي
يختص بالإمام هو الخمس، وقد منع النبي ◌َّ ابنته، وأعز الناس عليه من أقربيه
وصرفه إلى غيرهم.
وقال نحوه الطبري: لو كان سهم ذوي القربى قسمًا مفروضًا لأخدم ابنته ولم
يكن ليدع شيئًا اختاره الله لها، وامتن به على ذوي القربى. وكذا قال الطحاوي
وزاد: وإن أبا بكر وعمر أخذا بذلك وقسما جميع الخمس ولم يجعلا لذوي القربى
منه حقًّا مخصوصًا به بل بحسب ما يرى الإمام وكذلك فعل علي.
قال الحافظ: في الاستدلال بحديث علي هذا نظر؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك
من الفيء، وأمَّا خمس الخمس من الغنيمة فقد روى أبو داود من طريق
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، قال: قلت: يا رسول الله، إن رأيت أن توليني
حقنا من هذا الخمس ... الحديث. وله من وجه آخر عنه: ولَّاني رسول اللّه وَلَّه
خمس الخمس فوضعته مواضعه حياته ... الحديث. فيحتمل أن تكون قصة
فاطمة وقعت قبل فرض الخمس، والله أعلم. وهو بعيد؛ لأن قوله تعالى:
﴿وَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. نزلت في غزوة بدر وقد
مضى قريبًا أن الصحابة أخرجوا الخمس من أول غنيمة غنموها من المشركين،
فيحتمل أن حصة خمس الخمس، وهو حق ذوي القربى من الفيء المذكور لم يبلغ
قدر الرأس الذي طلبته فاطمة فكان حقها من ذلك يسيرًا جدًّا يلزم منه أن لو أعطاها
الرأس أثر في حق بقية المستحقين ممن ذكر.
وقال المهلب: في هذا الحديث أن للإمام أن يؤثر بعض مستحقي الخمس على
بعض ويعطي الأوكد فالأوكد، ويستفاد من الحديث: حمل الإنسان أهله على ما
يحمل عليه نفسه من التقلل والزهد في الدنيا والقنوع بما أعد الله لأوليائه الصابرين
في الآخرة. قلت: قائله الحافظ: وهذا كله بناء على ما يقتضيه ظاهر الترجمة -

٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: ترجمة البخاري بلفظ: باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول اللّه وَائل
والمساكين، وإيثار النبي وَلّ أهل الصفة والأرامل، حين سألته فاطمة وشكت إليه
الطحن والرحى أن يخدمها من السبي فوكلها إلى الله - وأمَّا مع الاحتمال الذي
ذكرته أخيرًا، فلا يمكن أن يؤخذ من ذكر الإيثار عدم وقوع الاشتراك في الشيء،
ففي ترك القسمة وإعطاء أحد المستحقين دون الآخر إيثار الآخذ على الممنوع فلا
يلزم منه نفي الاستحقاق، كذا تكلم الحافظ في ((الفتح)) تحت الترجمة المذكورة
من الخمس، فتأمله.
وقال في ((الدعوات)) بعد ذكر كلام القاضي إسماعيل: ثم وجدت في ((تهذيب
الطبري)) من وجه آخر ما لعله يعكر على ذلك. فساق من طريق أبي أمامة الباهلي
عن علي قال: أهدي لرسول اللَّه وَ لهرقيق أهداهم له بعض ملوك الأعاجم، فقلت
لفاطمة: ائتِ أباكِ فاستخدميه. فلو صحَّ هذا لأزال الإشكال من أصله؛ لأنه حينئذ
لا يكون للغانمين فيه شيء، وإنما هو من مال المصالح يصرفه الإمام حيث يراه،
انتهى. وإن شئت الوقوف على اختلاف العلماء في كيفية تقسيم خمس الغنيمة
فارجع إلى ((فتح القدير)) للشوكاني (ج٢: ص٢٩٥، ٢٩٦).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، أخرجه البخاري في الخمس ومناقب علي والنفقات والدعوات،
ومسلم في الدعاء، واللفظ المذكور للبخاري في النفقات، وأخرجه أيضًا أحمد
(ج١: ص ٨٠، ٨١، ٩٧، ١٠٧، ١٣٧، ١٤٥، ١٤٧) مختصرًا ومطولًا، وكذا
ابنه عبد الله في ((زوائده)) (ج١: ص١٢٤، ١٥٤)، وأخرجه أيضًا الحميدي في
((مسنده)) (ج١: ص٢٤)، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في ((الخراج)) وفي
((الأدب))، والنسائي في ((الكبرى))، وابن حبان في ((صحيحه))، وابن السنى
(ص٢٣٥)، وابن سعد، والدارمي في الاستيذان، والبغوي في ((شرح السنة))
(ج ٥: ص١٠٨).

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالْمُنَامِ
٣١
UICE
٢٤١١ - [٨] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ تَسْأَلُهُ
خَادِمًا، فَقَالَ: ((أَلَا أَدُلَّكَ عَلَّى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ خَادِمِ؟ تُسَبِّحِينَ اللَّهَ ثَلَاثًا
وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ اللَّهَ أَرَّبَعًا وَثَلَاثِينَ، عِنْدَ كُلِّ
صَلَاةٍ وَعِنْدَ مَنَامِكِ)) .
[رَوَاهُ مُسْلِمُ] {صحيح}
الشرح
٢٤١١ - قوله: (تَسْأَلُهُ خَادِمًا)، أي: رقيقًا ولم تصادفه فلما علم بها جاءها،
وفي ((صحيح مسلم)) بعد هذا: وشكت العمل فقال: ((مَا أَلْفَيْتِيهِ عِنْدَنَا))، قال
الحافظ: هو بالفاء، أي: ما وجدته ويحمل على أن المراد: ما وجدته عندنا فاضلًا
عن حاجتنا إليه؛ لما ذكر من إنفاق أثمان السبي على أهل الصفة .
(تُسَبِّحِينَ اللَّهَ ... ) إلخ. بصيغة المضارع، وذكر الجلالة في المواضع الثلاثة
وليس في مسلم ذكر الجلالة. (أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ) تكملة للمائة. (عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)،
أي: بعد كل مفروضة كما ورد في الأحاديث، وقوله: (عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)، هكذا وقع
في جميع نسخ ((المشكاة)) الحاضرة، وكذا في ((المصابيح))، و((شرح السنة)).
وليس هو في ((صحيح مسلم)). ولم يذكره الجزري في جامع الأصول. (وَعِنْدَ
مَنَامِك)، وفي مسلم: ((حِينَ تَأْخُذُ مَضْجَعَكَ))، ولعل تخصيصها بالخطاب في هذا
الحديث؛ لأنها الباعث الأصلي في طلب الخادم، أو هذا الحديث نقل بالمعنى أو
بالاختصار وهذا هو الراجح. وفي الحديث: أن من واظب على هذا الذكر عند
النوم لم يصبه إعياء؛ لأن فاطمة شكت التعب من العمل فأحالها بَّجلّ على ذلك.
كذا أفاده ابن تيمية، قال الحافظ: وفيه نظر ولا يتعين رفع التعب بل يحتمل أن
يكون من واظب عليه لا يتضرر بكثرة العمل ولا يشق عليه ولو حصل له التعب،
والله أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء، ولم أجد من أخرجه سواه.
(٢٤١١) مُسْلِم (٢٧٢٨/٨١) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
ee
الفصل الثاني
٢٤١٢ - [٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ:
((اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)).
وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: ((اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ،
وَإِلَيْكَ النُّشُورُ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ وَأَبُوْ دَاودَ وَابْنُ مَاجَه]
الشرح
٢٤١٢ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا أَصْبَحَ)، أي: دخل في الصباح، وهذا
لفظ أحمد، وأبي داود، والبخاري في ((الأدب المفرد)).
وللترمذي: كان رسول اللّهَوَ له يعلم أصحابه يقول: ((إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ))،
ولابن ماجه، وابن السنى: قال رسول اللّهِ وَله: ((إِذَا أَصْبَحْتُمْ فَقُولُوا))، فقد اجتمع
في الحديث القول والفعل. (اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا) الباء متعلق بمحذوف وهو خبر
((أَصْبَحْنَا))، ولا بد من تقدير مضاف، أي: أصبحنا متلبسين بحفظك، أو مغمورين
بنعمتك، أو مشتغلين بذكرك، أو مستعينين باسمك، أو مشمولين بتوفيقك، أو
متحركين بحولك وقوتك، ومتقلبين بإرادتك وقدرتك. وتقديم ((بِك)) على
«أَصْبَحْنَا»، وما بعده یفید الاختصاص.
(وَبِكَ أَمْسَيْنَا)، هذا مبني على أن المراد: المساء السابق أو اللاحق وصيغة
الماضي للتفاؤل.
(وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ)، أي: أنت تحيينا وأنت تميتنا، يعني: يستمر حالنا
على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال. (وَإِلَيْكَ) لا إلى غيرك. (الْمَصِيرُ)،
أي: المرجع بعد البعث.
(٢٤١٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وأَبُو دَاوُد (٥٠٦٨) فِي الأَدَبِ، والتِّرْمِذِي (٣٣٩١) فِي الدَّعَوَاتِ، والنَّسَائِي
في ((الكُبرى)) (٩٨٣٦) فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وابن مَاجَهْ (٣٨٦٨) فِي الدُّعَاءِ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٣٣
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالْمُنَامِ
(وَإِذَا أَمْسَى) عطف على ((إِذَا أَصْبَحَ))، (اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا) بتقديم
((أَمْسَيْنَا))، (وَإِلَيْكَ النُّشُورُ)، أي: البعث بعد الموت.
قال الجزري: يقال: نشر الميت ينشر نشورًا، إذا عاش بعد الموت، وأنشره
الله : أحياه.
وقال المجد: النشر: إحياء الميت كالنشور والإنشار والحياة، نشره فنشر.
وأفادت رواية الكتاب أن لفظ ((الْمَصِيرُ)) في الصباح ولفظ ((النُّشُورُ)) في المساء،
وهكذا وقع في نسخ الترمذي الموجودة عندنا، وكذا ذكر الشوكاني في ((تحفة
الذاكرين)) ويظهر من ((تصحيح المصابيح)) و((جامع الأصول)) (ج٥: ص٦٢)، أن
في الترمذي: ((الْمَصِيرُ)) في الموضعين، وهكذا رواه البغوي في ((شرح السنة))
(ج٥: ص١١٢): أي: بلفظ: ((الْمَصِيرُ)) في الموضعين، قال: ويروى: ((وَإِلَيْكَ
النَّشُورُ))، وجاء في أبي داود فيهما: ((التُّشُورُ))، وفي أبي عوانة، و((الأدب المفرد)):
((التُّشُورُ)) في الصباح و ((الْمَصِيرُ)) في المساء عكس ما في نسخ الترمذي، ورواه ابن
ماجه بذكر: ((الْمَصِيرُ)) في المساء ولم يذكر لفظ ((النُّشُورُ)) مطلقًا، ومؤدى النشور
والمصير واحد وهو الرجوع إلى الله بعد الموت، فلا تخالف بين الروايات ولا
اعتراض على البغوي والمصنف في إيرادهما الرواية المذكورة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات وحسنه. (وَأَبُو دَاوُدَ) في ((الأدب)) وسكت عنه.
وذكر المنذري تحسين الترمذي وأقره. (وَابْنُ مَاجَهْ) في الدعاء، وأخرجه أيضًا
أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح، والنسائي في ((الكبرى))، والبخاري في
((الأدب المفرد))، وأبو عوانة وابن حبان في (صحيحيهما))، وابن السني في ((عمل
اليوم والليلة)) (ص١٣)، والبغوي في ((شرح السنة)) وقال: هذا حديث حسن،
وذكره النووي في ((الأذكار)) وصححه.

٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤١٣ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْر: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي
بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: ((قُلِ اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّا أَنْتَ،
أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاودَ وَالْدَّارِمِيُّ]
أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ)).
الشرح
٢٤١٣ - قوله: (وَعَنْهُ قَالَ)، الظاهر: أن الحديث من رواية أبي هريرة مباشرة
عن رسول اللَّه وَله، وأنه شهد سؤال أبي بكر. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ)،
كذا في بعض النسخ، ووقع في بعضها: قال أبو بكر: يا رسول الله، أي: بدون
لفظ (قُلْتُ) وهكذا وقع عند جميع المخرجين وكذا ذكره البغوي في ((المصابيح))،
والنووي في ((الأذكار))، والجزري في ((جامع الأصول))، والشوكاني في ((تحفة
الذاكرين)) وهو الصواب. (وَإِذَا أَمْسَيْتُ)، زاد في رواية أحمد (ج١: ص١٠):
((إذا أخذتُ مضجعي)). (اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، أي: ما غابٍ من العباد
وظهر لهم، ونصبه على أنه صفة المنادي أو على النداء، فإن قوله: ((اللَّهُمَّ))، بمعنى
يا الله، وكذا ما بعده من الأوصاف وهو قوله: (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، أي:
مخترعهما وموجدهما ومبدعهما على غير مثال سبق، وقوله: ((اللَّهُمَّ عَالِمَ
الْغَيْبِ ... )) إلخ. وهكذا وقع بتقديم العالم على الفاطر عند أحمد (ج١: ص١١، و
ج٢: ص٢٩٨)، والترمذي، والبخاري في ((الأدب المفرد))، و((أفعال العباد))،
وابن حبان، وفي بعض الطرق عند ابن السني. ووقع عند أحمد (ج١ : ص١٥)،
وأبي داود، والدارمي، والحاكم وفي بعض الروايات لابن السني بتقديم الفاطر
على العالم، ووقع عند أحمد (ج١: ص١٠) بالشكِ أنه قال: ((اللَّهُمَّ فَاطِرَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ - أو قال -: اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، والجزم مقدم على الشك. ورواية تقديم الفاطر أرجح؛
لموافقتها لحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (ج٢: ص١٩٧)، والترمذي،
(٢٤١٣) أَبُو دَاوُد (٥٠٦٧) فِي الأَدَبِ، وَالتِّرْمِذِي (٣٣٩٢) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٣٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
*
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالمُنَامِ
EXODE
والبخاري في ((الأدب المفرد))، ولكونها موافقة للتنزيل، والله أعلم. (رَبَّ كُلِّ
شَيْءٍ) بالنصب أيضًا، أي: مصلح كل شيء ومربيه. (وَمَلِيكَهُ)، أي: وملك كل
شيء، أو مالكه وقاهره، فعيل بمعنى الفاعل للمبالغة كالقدير بمعنى القادر. (أَعُوذُ
بَِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي)، أي: من ظهور السيئات الباطنية التي جبلت النفس عليها،
وقيل: أي: من شر هواها المخالف للهدى قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ◌ٌتَعَ هَوَائِهُ
بِغَيْرِ هُدَّى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. أمّا إذا وافق الهوى الهدى فهو كزبد وعسل.
وقيل: الاستعاذة منها؛ لكونها أسرع إجابة إلى داعي الشر من الهوى والشيطان.
وحاصله: مزيد الاعتناء بتطهير النفس فقدم إشارة لكمال الصديق أن يفعله ليكون
وسيلة إلى كل كمال يترقى إليه بعد؛ إذ الترقي يتفاوت بحسب تفاوت مراتب ذلك
التطهير. (وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ)، أي: وسوسته وإغوائه وإضلاله، ثم يحتمل أن يكون
المراد: جنس الشیاطین أو رئيسهم وهو إبليس. (وَشِرْكِهِ) روي على وجهين
أظهرهما وأشهرهما بكسر الشين مع إسكان الراء، أي: ما يدعو إليه الشيطان
ويوسوس به من الإشراك بالله. والثاني: بفتح الشين والراء، أي: حبائله ومصائده
- جمع مصيدة وهي ما يصاد بها من كل شيء - التي يفتتن الناس بها، واحدها
شركه بفتح الشين والراء وآخرها هاء. والإضافة على الأول إضافة المصدر إلى
الفاعل وعلى الثاني محصنة، والعطف على التقديرين للتخصيص بعد التعميم
للاهتمام به. (قُلْهُ)، أي: قل هذا القول. (وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ) بفتح الميم
والجيم بينهما ضاد ساكنة، أي: إذا أردت النوم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات، وصححه. (وَأَبُو دَاوُدَ) في ((الأدب))، وسكت
عليه. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. (وَالدَّارِمِيُّ) في الاستيذان، وأخرجه
أيضًا أحمد (ج١: ص١٠، ١١، وج٢: ص٢٩٨)، والنسائي في ((الكبرى))،
والبخاري في ((الأدب المفرد))، و((أفعال العباد))، وابن حبان في ((صحيحه))،
والحاكم (ج١: ص٥١٣)، وصححه وأقره الذهبي، وابن أبي شيبة، وابن السنى
(ص١٦، ٢٣٠، ٢٣١)، وأبو داود الطيالسي، والخطيب في ((تاريخ بغداد))
(ج ١١: ص١٦٦، ١٦٧)، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو عند أحمد (ج٢:
ص١٧٢، ١٩٧)، والترمذي في الدعوات، والبخاري في ((الأدب المفرد)) من
طريق أبي راشد الحبراني قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت له: حدثنا
بما سمعت من رسول اللّه وَ ليل فألقى بين يدي صحيفة. فقال: هذا ما كتب لي

٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رسول اللّه وَله فنظرت فيها فإذا فيها: إن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله،
علمني ما أقول إذا أصبحتُ وإذا أمسيتُ، فقال له رسول الله: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، قُلِ:
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لَا إِلَّهَ إِلَّا أَنْتَ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ
وَمَلِيكُهُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي
سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِم)).
٢٤١٤ - [١١] وَعَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَّا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْم وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْم
اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضَ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ)). فَكَانَ أَبَانُّ قَدْ أَصَابَهُ طَرَفُ فَالِجِ فَجَعَلٌ
الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ؟ أَمَا إِنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثْتُكَ،
وَلَكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ اللَّهُ عَلَيَّ قَدَرَهُ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَأَبُو دَاودَ] {صحيح}
- وَفِي رِوَايَتِهِ: ((لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ
لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةٌ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ)) (*).
الشرح
٢٤١٤ - قوله: (وَعَنْ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة يصرف؛ لأنه على
وزن فعال، ويمنع؛ لأنه يجعل على وزن أفعل، والأشهر الصرف. (ابْنِ عُثْمَانَ)،
أي: ابن عفان الأموي المدني، ثقة من كبار التابعين، قال عمرو بن شعيب: ما
رأيت أعلم بحديث ولا أفقه منه. وعده يحيى القطان في فقهاء المدينة. وكان به
صمم ووضح وأصابه الفالج قبل أن يموت بسنة، مات سنة (١٠٥) حكى البخاري
في ((التاريخ)) عن مالك أنه كان قد علم أشياء من قضاء أبيه، وأنكر أحمد سماعه من
أبيه، وفي هذا الحديث تصريح بسماعه منه، وكذا حديثه في ((صحيح مسلم))
(٢٤١٤) التِّرْ مِذِي (٣٣٨٨)، وَالنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٩٨٤٣)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٦٩) كَالَّذِي قَبْلَهُ عَنْ
عُثْمَانَ رَضِلْنَهُ.
( ** ) أَبُو دَاوُد (٥٠٨٨) عَنْهُ فِيهِ.

٣٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالمَنَامِ
مصرح بالسماع. (قَالَ)، أي: أبان. (سَمِعْتُ أَبِي)، أي: عثمان.
(مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ)، أي: بعد طلوع الفجر وبعد
غروب الشمس، وفي روايةَ أحمد أَج١: ص٦٧): ((قَالَ فِي أَوَّلِ يَوْمِهِ أَوْ فِي أَوَّلِ
لَيْلَتِهِ))، (بِسْمِ اللهِ)، قيل: الباء متعلقة بالاستعاذة المقدرة، أي: أعوذ باسم الله،
وقيل: متعلّقَه هو أصبحنا وأمسينا حسبما يقتضيه المقام أو متعلقه أستعين، أو
أتحفظ، أي: أستعين أو أتحفظ من كل مؤذ باسم الله. المعنى أذكر اسمه على
وجه التعظيم والتبرك.
(الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ)، أي: مع ذكره باعتقاد حسن ونية خالصة. (شَيْءٌ)
كائن. (فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)، أي: من البلاء النازل منها. (وَهُوَ السَّمِيعُ)،
أي: بأقوالنا. (الْعَلِيمُ)، أي: بأحوالنا. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظرف (( يَقُولُ))، (فَيَضُرَّهُ
شَيْءٌ) بالنصب جواب ((مَا مِنْ عَبْدٍ)). قال الطيبي: وبالرفع عطفًا على يقول: على أن
الفاء هنا كهي في قوله: ((لَا يَمُوتُ لِمُؤْمِنِ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ))، أي: لا
يجتمع هذا القول مع المضرة، كما لا يجتمع مس النار مع موت ثلاثة من الولد
بشرطه. ورواه أحمد (ج١: ص٦٣، ٦٧)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) بلفظ:
(مَنْ قَالَ صَبَاحَ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءَ كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلاثًا ثَلاَثًا: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ
شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِّ السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، لَمَّ يَضُرُّهُ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ .
أو - فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ))، وفي الحديث: دليل على أن هذه الكلمات تدفع عن قائلها كل
ضر كائنًا ما كان، وأنه لا يصاب بشيء في ليله ولا نهاره إذا قالها في أول الليل
والنهار.
(فَكَانَ)، كذا في جميع النسخ الحاضرة، وفي الترمذي وابن ماجه: و((كان)).
(أَبَانُ) بالوجهين (طَرَّفُ فَالِج)، كذا للترمذي، وفي ابن ماجه: ((طرف من
الفالج))، أي: نوع منه، وهوَّبكسر اللام: داء يحدث في أحد شقي البدن فيبطل
إحساسه وحر كته.
قال في ((القاموس)): الفالج - بكسر اللام على وزن فاعل - استرخاء لأحد شقي
البدن لا نصباب خلط بلغمي تنسد منه مسالك الروح. (فَجَعَلَ الرَّجُلُ)، الذي سمع
منه الحدیث.

EXE
٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EX
SDeNCKE
(يَنْظُرُ إِلَيْهِ)، أي: إلى أبان تعجبًا وإنكارًا بأنك كنت تقول هذه الكلمات في كل
صباح ومساء، فكيف أصابك الفالج إن كان الحديث صحيحًا؟ (مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ)، أي:
ما سبب نظرك إلى؟ قال الطيبي: ((مَا)) هي استفهامية وصلتها محذوفة و (تَنْظُرُ إِلَيَّ))
حال، أي: ما لك تنظر إلي؟ (أَمَا) للتنبيه، وقيل: بمعنى حقًّا.
(وَلَكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ)، أي: ما قدر الله لي أن أقوله. (يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ) من الإمضاء.
(عَلَيَّ) بتشديد الياء. (قَدَرَهُ) بفتح الدال، أي: مقدره. قال الطيبي: قوله: ((لِيُمْضِيَ
اللهُ)) علة لعدم القول، وليس بغرض له كما في قعدت عن الحرب جبنًا، وقيل :
اللام فيه للعاقبة. كما في قوله: لدوا للموت وابنوا للخراب، ذكره القاري.
وفي رواية أبي داود: ((فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ:
مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَيَّ؟ فو الله ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على النبي ◌َّ،
ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني فيه غضبت فنسيت أن أقولها)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) في الدعاء. وقال الترمذي: حديث حسن غريب
صحيح. (وَأَبُو دَاوُدَ) في ((الأدب))، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضًا
أحمد (ج١: ص٦٣، ٦٧)، وابنه عبد الله في ((زوائده)) (ج١: ص٧٣)، والبخاري
في ((الأدب المفرد))، والنسائي في ((الكبرى))، وابن حبان، والحاكم (ج١ :
ص٥١٤) وصححه ووافقه الذهبي، وابن أبي شيبة، وابن السني (ص١٦)،
والبغوي في ((شرح السنة)) (ج٥: ص١١٣).
(وَفِي رِوَايَتِهِ)، أي: رواية أبي داود. (لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةُ بَلَاءٍ) بالإضافة بيانية، وهو
بضم الفاء ممدودًا مصدر بمعنى المفعول، أو بمعنى ما فاجأك. يقال: فجأه الأمر
يفجأه، وفجئه يفجأه فجأ، وفجأة وفجاءة، وفاجأه مفاجأة، وافتجأ افتجاء: هجم
عليه، أو طرقه بغتة من غير أن يشعر به.
قال القاري: وفي نسخة بفتح الفاء وسكون الجيم في ((مختصر النهاية)) فجأه
الأمر وفجئة فجاءة بالضم والمد، وفجأ بالفتح وسكون الجيم من غير مد وفاجأه
مفاجأة، إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، انتهى. وفيه: إشارة إلى أن المراد
بالفجاءة: ما يفجأ به، والمصدر بمعنى المفعول وهو أعم من أن يكون بالمد
وغيره.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالْمُنَامِ
SE
٣٩
(حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا)، أي: تلك الكلمات. (حِينَ يُصْبِحُ لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةُ بَلَاءٍ
حَتَّى يُمْسِيَ) وعند ابن حبان وعبد الله بن أحمد في (زوائده)) في مسند أبيه (ج١ :
ص٧٣) : ((لَمْ تَفْجَأْهُ فَاجِئَةُ بَلَاءٍ حَتَّى اللَّيْلِ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي لَمْ تَفْجَأْهُ فَاجِئَةُ
بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ إِنْ شَاءَ اللهُ))، يعني: من قال ذلك في الصباح يحفظه الله من كل
ضرر مفاجئ حتى يغيب الشمس، ومن قالها في المساء يحفظه الله كذلك حتى
يطلع الفجر، وفي ((شرح السنة)): ((لَمْ تَفْجَأْهُ فَاجِئَةٌ حَتَّى يُمْسِي، وَحَتَّى يُصْبِحَ))، قال
القاري: وفي الغايتين - أعني: ((حَتَّى يُصْبِحَ)) و ((حَتَّى يُمْسِي)) - إيماء إلى أن ابتداء
الحفظ من الفجاءة والمضرة عقب قول القائل في أيِّ جزء من أجزاء الليل أو النهار
بل وفي سائر أثنائهما .
٢٤١٥ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ نَلَِّ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى:
(أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْلُكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ للَّهَ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَّهُ لَهُ
الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ
اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا،
رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ ، وَمِنْ سُوءِ الْكِبَرِ أَوِ الْكُفْرِ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((مِنْ سُوءٍ
الْكِبَرِ وَالكِبْرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ))، وَإِذَا
أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: (أَصْبَحْنَا وَأَصْبِّحَ الْمُلْلُكُ لِلَّهِ).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ وَالتَّْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَتِهِ لَمْ يَذْكُرْ ((مِنْ سُوءِ الكُفْرِ)]
الشرح
٢٤١٥ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ)، أي: ابن مسعود. (كَانَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى:
أَمْسَيْنَا)، إلى قوله: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) سبق الكلام عليه إعرابًا. ومعنى
(رَبِّ)، أي: يا ربي. (وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا)، أي: من الليالي أو مطلقًا. (مِنَ الْكَسَلِ)،
أي: في صالح العمل، وهو بفتحتين عدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة مع
(٢٤١٥) مُسْلِم (٢٧٢٣)، وَالتِّرْمِذِي (٣٣٩٠) فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُو دَاوُد (٥٠٧١) فِي ((الأَدَبِ)) عَنِ ابْنِ
مَسْعُودٍ، وَرِوَايَةُ الكُفْرِ انْفَرَدَ بِهَا أَبُو دَاوُد.