Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٨٤ - [٤٥] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ
ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَم،َ يَأْخَّذُ الشَّاذَّةَ والْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ؛ إِيَّاكُمْ
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ)).
الشرْحُ
١٨٤ - قوله: (ذِئْبُ الْإِنْسَانِ) الذئب مستعار للمفسد والمهلك. (كَذِئْب
الْغَنَم) أي: في العداوة والإهلاك. (يَأْخُذُ الشَّاذَّةَ) قال الطيبي: صفة للذئب؛ لأنه
بمنزلَة النكرة ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، ويجوز أن يكون حالًا منه
والعامل معنى التشبيه، انتهى.
وقيل: إنه استئناف مبين، والمعنى: يأخذ غالبًا أو بالسهولة من غير تدارك،
وهو تمثيل مثل حال مفارقة الجماعة والسواد الأعظم، وانقطاعه عنهم، واعتزاله
عن صحبتهم، ثم تسلط الشيطان عليه وإغوائه، بحالة شاة قاصية شاذة من قطيع
الغنم، ثم افتراس الذئب إياها بسبب انقطاعها. والشاذة بتشديد الذال المعجمة،
هي النافرة التي لم تؤنس بأخواتها ولم تختلط بهن. (والْقَاصِيَةَ) أي: التي قصدت
البعد عنهن لأجل المرعى مثلًا لا للتنفر. (وَالنَّاحِيَةَ) أي: التي غفل عنها، وبقيت
في جانب منها، فإن الناحية هي التي صارت في ناحية من الأرض عن أخواتها
لغفلتها. (وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ) بكسر الشين، جمع الشعب بالكسر أيضًا، وهو
الوادي ما اجتمع منه طرف وتفرق طرف منه، ولذلك قيل: شعبت الشيء إذا
جمعته، وشعبته إذا فرقته، فهو من الأضداد، والمراد المنعطفات في الأودية؛
لأنها محل السباع والهوام وقطاع الطريق وأماكن الجن، ولما فرغ من التمثيل أكده
بقوله: ((وَإِيَّاكُمْ))، وعقبه بقوله: (وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ) تقريرًا بعد تقرير،
وقد تقدم معنى الجماعة، والمراد منها في شرح حديث ابن عمر في الفصل الثاني،
(١٨٤) أَحْمَد (٥/ ٢٤٣) عن معاذ بن جبلٍ.

٦٠١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُنَّةِ
وقيل في معنى هذه الجملة: وعليكم بمخالطة عامة المسلمين، وإياكم
ومفارقتهم، والعزلة عنهم، واختيار الجبال والشعاب البعيدة عن العمران.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص ٢٣٣، ٢٣٤) وفيه: يأخذ الشاة القاصية والناحية. وزاد
في رواية: والمسجد، بعد قوله: ((والعامة)). وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الكبير))،
وابن السجزي في ((الإبانة))، كما في ((الكنز)) (ج١: ص٥٢) وفي آخره: ((فَعَلَيْكُمْ
بِالْجَمَاعَةِ وَالأَلْفَة والعامة والمساجد، وإياكم والشعاب)) .
١٨٥ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ
شِبْرًا؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْحُ
١٨٥ - قوله: (مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ) المراد بالجماعة الصحابة، ومن بعدهم
من التابعين وتابعي التابعين من السلف الصالحين، المتمسكين بعرى الإسلام.
(شِبْرًا) بكسر الشين، ما بين طرف الإبهام وطرف الخنصر ممتدين، والمعنى: من
فارق ما عليه الجماعة يترك السنة، واتباع البدعة، ونزع اليد عن الطاعة، ولو كان
بشيء يسير يقدر في الشاهد بقدر شبر. (فَقَدْ خَلَعَ) أي: نزع. (رِبْقَةَ الِإِسْلَام) الربقة
بالكسر في الأصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها،
فاستعارها للإسلام، يعني: ما يشد المسلم به نفسه من عرى الاسلام، أي: حدوده
وأحكامه، وأوامره ونواهيه. وقال الطيبي: استعيرت الربقة الانقياد الرجل
واستسلامه لأحكام الشرع، وخلعها ارتداده، وخروجه عن طاعة الله وطاعة
رسوله. وقال الخطابي: يقول من خرج عن طاعة إمام الجماعة أو فارقهم في الأمر
المجتمع عليه فقد ضل وهلك، وكان كالدابة إذا خلعت الربقة التي هي محفوظة
بها، فإنها لا يؤمن عليها عند ذلك الهلاك والضياع، انتهى. وقيل: المعنى فقد نبذ
عهد الله وأخفر ذمته التي لزمت أعناق العباد لزوم الربقة .
(١٨٥) أَحْمَد (٥/ ١٨٠)، وأَبُو دَاوُد (٤٧٥٨) عن أبي ذرٍّ في السنةِ.

٦٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلت: الحديث قد استدل به على حجية الإجماع، وفيه نظر؛ فإنه ليس فيه إلا
المنع من مفارقة الجماعة، فأين هذا من محل النزاع وهو كون ما أجمعوا عليه
حجة ثابتة شرعية؟ فتأمل.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥: ص ١٨٠). (وَأَبُو دَاوُدَ) في السنة، وسكت عليه هو
والمنذري، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص١٢٧)، وفي معنى الحديث عن
حذيفة أخرج حديثه النسائي، وعن الحارث بن الحارث الأشعري أخرج حديثه
الترمذي وصححه، وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما))، والحاكم (ج١ :
ص١٢٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وعن أبي هريرة أخرج حديثه مسلم
في (صحيحه)، والنسائي في ((المجتبى)) بلفظ: ((مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ
الْجَمَاعَةَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)). وعن ابن عباس عند الشيخين، وعن ابن عمر
ومعاوية عند الحاكم.
١٨٦ - [٤٧] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَه : «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنٍ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَّسَّكْتُمْ بِهِمَا؛ كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ
رَسُولِهِ)).
[رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأ] {حسن}
الشّرْحُ
١٨٦- قوله: (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة صاحب المذهب.
(مُرْسَلًا) المرسل على ما هو المشهور عند أهل الحديث هو: قول التابعي قال
رسول اللَّه ◌َله كذا، أو فعله. لكن المشهور في الفقة وأصوله أن قول من دون
التابعي أيضًا يسمى مرسلًا سواء كان منقطعًا أو معضلًا. وبه قطع الخطيب، قال:
إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي وَثّل .
فهذا محمول على قول الخطيب، فإن الإمام مالكًا من أتباع التابعين، والأولى أن
يقول: معلقًا أو معضاًا مكان قوله: ((مُرْسَلًا))، فإن الحديث في ((الموطأ)» هكذا:
مالك أنه بلغه أن رسول اللّه وَ لَه قال: ((تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ .. )) إلخ. قال الزرقاني:
(١٨٦) مَالِك رَوْتَهُ، في ((الموطأ)) معضلًا بلاغًا.

٦٠٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّئَّةِ
BEDE
مرَّ أن بلاغه صحيح كما قال ابن عيينة، وقد أخرجه ابن عبد البر من حديث كثير بن
عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده. (تَرَكْتُ فِكُمْ) أي: إني تارك فيكم
بعدي. (أَمْرَيْنِ) أي: شيئين كما في حديث أبي هريرة عند الحاكم. (مَاتَمَسَّكْتُمْ)
أي: مدة تمسككم، وفى نسخة الزرقاني ((للموطأ)) ((مَا مَسَكْتُمْ)) بفتح الميم والسين
الخفيفة من المسك، أي: أخذتم وتعلقتم واعتصمتم. (بِهِمَا) أي: بالأمرين معًا.
(كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ) أي: حديث رسوله، وهما منصوبان على البدلية، أو
بتقدير أعنى، وقيل: بالرفع على الخبرية بتقدير ((هُمَا))، وفي (الموطأ)) ((سُنَّةِ نَبِيِّهِ)).
قال الزرقاني: فإنما الأصلان اللذان لا عدول عنهما، ولا هدى إلا منهما،
والعصمة والنجاة لمن مسك بهما، واعتصم بحبلهما، وهما العرفان الواضح،
والبرهان اللائح بين المحق إذا اقتفاهما، والمبطل إذا خلاهما، فوجوب الرجوع
إليهما معلوم من الدين ضرورة، لكن القرآن يحصل العلم القطعي. وفي السنة
تفصيل معروف، انتهى. ثم في العدول عن ((سُنَّتِي)) مبالغة في زيادة شرفه، والحث
على التمسك بسنته بذكره السبب في ذلك، وهو خلافته عن اللّه وقيامه برسالته،
وأن ماجاء به ليس إلا من تلك الرسالة لا من تلقاء نفسه.
(رَوَاهُ) أي: مالك، وفيه أنه يصير التقدير: رواه مالك عن مالك. (فِي الْمُوَطَّ)
فكان حق المصنف أن يقول هكذا في ((الموطأ)). والحديث ذكره مالك بلاغًا في
باب النهي عن القول في القدر من كتاب الجامع، وهو من بلاغات الإمام كما
عرفت وقد تقدم بيان حكمها في كلام سفيان وابن عبد البر وابن فرحون
والسيوطي. ثم ((الموطأ)) بالهمزة في آخره، وقيل: بالألف، بمعنى الممهد،
المنقح، المسهل، المهيأ لغة. وهذا الحديث أخرجه الحاكم (ج١: ص٩٣) عن
أبي هريرة مرفوعًا: ((تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ
يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ)). وأخرج الحاكم أيضًا (ج١: ص٩٣) والبيهقي عن
ابن عباس أن رسول اللَّه ◌َ له خطب الناس في حجة الوداع فقال: ((يَا أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي
قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِّهِ)).

٦٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٧ - [٤٨] وَعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ التّمَالِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّه: ((مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ؛ فَتَمَسُكْ بِسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ
إِحْدَاثٍ بِدْعَةٍ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشَّرْخُ
١٨٧ - قوله: (وَعَنْ غُضَيْفٍ) بالضاد المعجمة مصغرًا، ويقال: غطيف بالطاء
المهملة بدل الضاد المعجمة، والأول أثبت وأصح. (بْنِ الْحَارِثِ الثُّمَالِيّ) بضم
الثاء المثلثة، وتخفيف الميم، نسبة إلى ثمالة بطن من الأزد، ويكنى أبا أسماء،
حمصي، مختلف في صحبته، فذكره الحافظ في القسم الأول من حرف الغين من
((الإصابة))، والمصنف والسكوني في ((الصحابة))، وكذا البخاري، وابن أبي
حاتم، والترمذي، والخليفة، وابن أبي يخيثمة، والطبراني، وآخرون، وذكره
جماعة كابن سعد، والدارقطني، والعجلى، وغيرهم في ثقات التابعين، ومنهم
من فرق بين غضيف بن الحرث فأثبت صحبته، وغطيف بن الحارث فقال: إنه
تابعي. قال الحافظ في ((التقريب)): وهو أشبه، مات سنة بضع وستين.
(مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً) شرعية. (إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا) أي: مقدارها في الكمية، أو
الكيفية والمرتبة. سمى أحد الضدين مثلاً للآخر؛ لأن كل واحد منهما أقرب
خطورًا بالبال عند ذكر الآخر، وأسرع ثبوتًا عند ارتفاع الآخر، فكأن بينهما تناسب
ما، وإذا كان إحداث البدعة رافعًا للسنة ومغيرًا لها كانت إقامة السنة قامعة للبدعة
وماحية لها. (فَتَمَسُّك) جواب شرط محذوف، أي: إذا عرفت ذلك فتمسك.
(بِسُنَّةِ) أي: صغيرة أو قليلة. (خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثٍ بِدْعَةٍ) شرعية، وإن كانت مستحسنة
عند الناس، فبالأول يزيد النور ويحصل الأجر، وبالثاني تشيع الظلمة ويحصل
الوزر، ومن المعلوم أن الشيء الذي يورث الأجر خير من الشيء الذي يورث
الوزر، وهو من قبيل: العسل أحلى من المر، وعلى حدٍّ ﴿أَىُّ الْفَرِقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا
وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]، فالتقدير: التمسك بسنة فيه خير عظيم وببدعة لا خير فيه
(١٨٧) أَحْمَد (٤/ ١٠٥) عن غضيف بن الحارث.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
٦٠٥
أصلاً. وقيل: معنى قوله: ((إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ)) أنه بحدوث البدعة يبطل العمل
بسنة، ففيه التحذير عن ارتكاب البدع.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص ١٠٥) من طريق أبي بكر بن عبد الله، عن حبيب بن
عبيد اللّه الرحبي، عن غضيف، قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان، فقال: يا أبا
أسماء: إنا قد جمعنا الناس على أمرين. قال: ما هما؟ قال: رفع الأيدي على
المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر. فقال: إنهما أمثل بدعتكم
عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منهما. قال: لم؟ قال: لأن النبي وَّ قال: ((مَا
أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ))، فَتَمَسَُّكْ بِسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثٍ بِدْعَةٍ،
انتهى. ولعل قوله: ((فتمسك بسنة ... )) إلخ من قول غضيف موقوف عليه، مدرج
في الحديث. وقد أخرجه أيضًا البزار، والطبراني في ((الكبير))، وفي سندهما أبو
بكر بن عبد الله، أي: ابن أبي مريم الغساني، قال الحافظ أبو عبد الله، وابن
معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وغيرهم: ضعيف. وقال الهيثمي (ج١: ص١٨٨):
منكر الحديث. وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط،
وصدر المنذري حديث غضيف هذا بلفظة ((رُوِيَ))، وهو دليل لكونه ضعيفًا بحيث
لا يتطرق إليه احتمال التحسين، كما صرح بذلك في مقدمة ((ترغيبه)). وقال
العزيزى: إسناده ضعيف، وفي الباب عن أبي هريرة عند الرافعي، وابن مسعود
عند ((الديلمي))، وابن عباس عند الطبراني في ((الكبير)).
١٨٨ - [٤٩] وَعَنْ حَسَّانَ قَالَ: ((مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّ نَزَعَ
اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
[صحيح، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]
الشرحُ
١٨٨ - قوله: (وَعَنْ حَسَّانَ) غير منصرف على أنه فعلان، وقد ينصرف على
أنه فعال، وهو ابن عطية كما صرح بذلك ابن بطة. (ق٢/١١٤) والهروى.
(١٨٨) الدَّارِمِي (٩٨) في العلم، عن حسان بن عطية معضلًا.

٦٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(ق٩٨/ ٢) في روايتهما، والشاطبي في ((الاعتصام)) (١/٨٥) وليس هو حسان بن
ثابت الصحابي الشاعر كما وهم القاري وابن عطية، وهذا هو حسان بن عطية
المحاربي مولاهم أبو بكر الشامي الدمشقي من ثقات التابعين، قال الحافظ في
((التقريب)): ثقة فقيه عابد، من الرابعة، مات بعد العشرين ومائة. وقال في
((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: ذكرهُ البخاري في ((الأوسط)) في فصل من مات من
العشرين إلى الثلاثين ومائة، وقال: كان من أفاضل أهل زمانه.
(قَالَ) أي: حسان. (مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً) شرعية. (مِثْلَهَا) أي: في العدد أو
القدر. (ثُمَّ لاَ يُعِيدُهَا) أي: اللَّه تلك السنة. (إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وذلك أن السنة
كانت متأصلة مستقرة في مكانها، فلما أزيلت عنه لم يمكن إعادتها كما كانت
أبدًا، فمثلها كمثل شجرة ضربت عروقها في تخوم الأرض فإذا قلعت لم يمكن
إعادتها كما كانت. (رَوَه ◌ُلدَّارِمِيُّ) أي: من قول حسان في باب اتباع السنة، قال:
أخبرنا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعي عن حسان، قال: ما ابتدع، إلخ. وهذا سند
صحيح، قال الشيخُ الألبانيُّ: وقد روي من قول أبي هريرة، أخرجه أبو العباس
الأصمِّ في حديثه.
١٨٩ - [٥٠] وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ
وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدَ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ».
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِيَ (شُعَبِ الْإِيمَانِ)) مُرْسَلَا] (ضعيف)
الشّرْجُ
١٨٩ - قوله: (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ) بميم مفتوحة وياء ساكنة وسين مهملة
مفتوحة وبراء، الطائفي، نزيل مكة، ثبت، حافظ، من صغار التابعين. قال ابن
المديني: له نحو ستين حديثًا أو أكثر. قال البخاري: مات قريباً من سنة اثنتين
وثلاثين ومائة.
(١٨٩) الْبَيْهَقِي (٩٤٦٤) في الشُّعَب عن إبراهيم بن ميسرة مرسلًا.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الاعْتِصَامِ بالْكِتّاب وَالشُنّةِ
٦٠٧
(مَنْ وَقَّرَ) بالتشديد أي عظم أو نصر (صَاحِبَ بِدْعَةٍ) سواء كان داعيًا لها أم لا .
(فَقَدَ أَعَانَ عَلَى هَدْم الْإِسْلَام)؛ لأن المبتدع مخالف للسنة، ومعاون مخالف الشيء
معاون لهدمه، وكان من حَق الظاهر أن يقال: من وقر المبتدع فقد استخف السنة.
فوضع موضعه ((فَقَدَ أَعَانَ عَلَى هَدْم الْإِسْلَام))؛ ليؤذن بأن مستخف السنة مستخف
للإسلام، ومستخفه هادم لبنيانه، وَهو من باب التغليظ، فإذا كان حال الموقر هكذا
فما حال المبتدع، وفيه أن من وقر صاحب سنة كان الحكم بخلافه.
(رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ) إلخ. واعتضد هذا المرسل بما روى الطبراني في ((الكبير))، وأبو
نعيم في ((الحلية)) عن معاذ بن جبل مرفوعًا نحوه، وفيه بقية، وهو ضعيف، قاله
الهيثمي (ج١: ص١٨٨) وبما روى الطبراني في ((الكبير)) عن عبد الله بن بسر، قال
العزيزى: هو حديث ضعيف.
١٩٠ - [٥١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِیهِ،
هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا،َ وَوَقَاهُ بَوْمَ الْقِيامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ. وَفِي
رِوَايَةٍ: قَالَ: مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ،
ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
[رَوَاهُ رَزِينٌ]
الشَّرْحُ
١٩٠ - قوله: (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ) أي: موقوفا. (مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ) نظرًا
أو حفظًا أو علمًا بمعناه. (ثُمَّ اتَّبَعَ مَاَفِيهِ) من الأمر والنهي. (هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ)
ضمن ((هُدَّى)) معنى أمن فعداه بمن إلى المفعول الثاني، أي: أمنه الله من ارتكاب
المعاصي، والانحراف عن الطريق المستقيم، قال القاري: كذا قاله الطيبي.
والأظهر أن معناه: مَنِ اتبع القرآن ثبته اللّه على الهداية، ووقاه من الوقوع في
(١٩٠) ذكره رزين عن ابن عباسٍ. قلتُ: وصله الطبراني (١٢ / ٣٨/ ١٢٤٣٧).
وفي رواية، قال: ((مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللهِ؛ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ»، ثُمَّ تلا هذه
الآية: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُ وَلَا يَشْقَى﴾ .

٦٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الضلالة ما دام يعيش. (وَوَقَاهُ) أي: حفظه. (سُوءَ الْحِسَابِ) أي: مناقشته المؤدية
إلى السوء، قال الطيبي: هو عبارة عن كونه من أصحاب اليمين، فكما أنه أمن في
الدنيا من الضلال كذلك يأمن في الآخرة من العذاب. وفيه: أن سعادة الدارين
منوطة بمتابعة كتاب الله، ومتابعته موقوفة على معرفة سنة رسوله ومتابعته، فهما
متلاز متان شرعًا لا ينفك أحدهما عن الآخر.
(وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ) أي: ابن عباس. (مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ) في جميع أموره
وشؤونه وأحواله. (لَا يَضِلَّ) أي: لا يقع في الضلالة. (وَلَا يَشْقَى) أي: لا يتعب
ولا يعذب. (ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ) أي: استشهادًا لما قاله. (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاي) أي: ما
يهدى به، أو أريد به المصدر مبالغة، وهو القرآن بقرينة الإضافة، أي: الهداية
المخصوصة بي، المنسوبة إلي، وفي معناه الهداية النبوية، والسنة المصطفوية،
ولذا قال في ((المعالم)): أي: الكتاب والسنة.
(رَوَاهُ رَزِينٌ) وأخرجه أيضًا الحاكم في ((المستدرك)) (ج٢: ص٣٨١) قال: ((مَنْ
قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ، هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ،
وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَ قال: ﴿فَمَنِ آَنَّبَعَ هُدَاَ فَلَا يَضِلُ وَلَا يَشْقَى﴾)) [طه: ١٢٣] قال الحاكم:
حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي في ((التلخيص))، وأخرجه
أيضًا الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وفيه أبو شيبة، وهو ضعيف جدًّا، قاله
الهيثمي (ج١ : ص١٦٩).

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسّنّةِ
٦٠٩
١٩١ - [٥٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ له قَالَ: ((ضَرَبَ اللَّهُ
مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَنْ جَنْبَي الصِّرَاطِ سُورَانٍ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ،
وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: اسْتَقِيمُوا عَلَى
الصِّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُوا، وَفَوْقَ ذَلِكَ دَاعٍ يَدْعُو، كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ
تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ؛ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأَخْبَرَ:
أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَأَنَّ الْأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَأَنَّ السُُّورَ
الْمُرْخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ، وَأَنَّ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِي
مِن فَوْقِهِ هُوَ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبٍ كُلِّ مُؤْمِنٍ)).
[رَوَاهُ رَزِينٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٩١- قوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) أي: بيّن مثلًا، وذلك لإخراج المعقول في
صورة المحسوس تقريبًا للمعقول (صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) بيان للمثل، قال القاري: هو
بدل من ((مَثَلًا)) لا على إهدام المبدل كما في قولك: زيد رأيت غلامه رجلاً صالحًا.
(وَعَنْ جَنْبَتَي الصِّرَاطِ) بفتح الجيم وسكون النون، أي: جانبيه وطرفيه. (سُورَانٍ)
بالضم تثنية سور، أي: جدران وأصله حائط يطوف بالمدينة، والجملة حال عن
((صِرَاطًا)). (فِيهِمَا أَبْوَابٌ) الجملة صفة ((سُورَانٍ)). (مُفَتَّحَةٌ) من التفتيح. (سُتُورٌ)
جمع الستر بالكسر. (مُرْخَاةٌ) أي: مرسلة ومسبلة. (وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ) أي:
عليه. (وَلَا تَعْوَجُوا) بتشديد الجيم من الإِعوجاج، وفي بعض النسخ بتشديد الواو
على حذف إحدى التائين فهو تأكيد لما قبله، أي: لا تميلوا إلى الأطراف، قال
الطيبي: عطف على ((اسْتَقِيمُوا)) على الطرد والعكس؛ لأن مفهوم كل منهما يقرر
منطوق الآخر، وبالعكس. (وَفَوْقَ ذَلِكَ) عطف على ((وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ)) والمشار
إليه بذلك الصراط أو الداعي.
(١٩١) ذكره رزين عن ابن مسعود موقوفًا، وأخرجَ أَحْمَد (١٨٣.١٨٢/٤) والبَيْهَقِي (٦٨٢١) في
((الشُّعَب)) معناه عن النواس بن سمعان، وأورده التّرْ مِذِي (٢٨٥٩) في الأمثال. عنه. مختصرًا.

٦١٠
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
(كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ) أي: قصد وأراد. (أَنْ يَفْتَحْ شيئًا) أي: قدرًا يسيرًا. (مِنْ تِلْكَ
الْأَبْوَابِ) أي: ستورها. (قَالَ) أي: الداعي، وهو جواب ((كُلَّمَا)). (وَيْحَك) زجر له
عن تلك الهمة، وهي كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، ثم
استعمل هنا لمجرد الزجر عما هم به من الفتح. (لَا تَفْتَحْهُ) أي: شيئًا من تلك
الأبواب أي ستورها. (تَلِجْهُ) أي: تدخله من الولوج، يعني: لا تقدر أن تملك
نفسك وتمسكها عن الدخول بعد الفتح.
(ثُمَّ فَسَّرَهُ) أي: رسول اللَّه. (أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْإِسْلَامُ) وهو طريق مستقيم،
والمطلوب من العبد الاستقامة عليه، أي: امتثال جميع أحكامه. (وَأَنَّ الْأَبْوَابَ
الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ) أي: المعاصي التي حرمها الله على الناس، فإنها أبواب
للخروج من كمال الإسلام والاستقامة، والدخول في العذاب والملامة. (وَأَنَّ
السُّتُورَ الْمُرْخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ) قيل: الحد الفاصل بين العبد ومحارم الله والمانع له
من ارتكابها، كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهي
عبارة عن أحكامه، وقيل: المراد من الستور الأمور المستورة الغير المبينة من
الدين المسماة بالشبهة المعبر عنها بحول الحمى. (وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ) أي: من
فوق الداعي الأول. (هُوَ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبٍ كُلِّ مُؤْمِنٍ) هو لمة الملك في قلب
المؤمن، والهم لمة الشيطان. (رَوَاهُ رَزِينٌ) أي: عن ابن مسعود.
١٩٢ - [٥٣] وَرَوَاه أُحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) عَنِ النَّوَّاسِ
ابْنِ سَمْعَانَ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أَخْصَرَ مِنْهُ.
{صحیح}
الشّرْحُ
١٩٢ - قوله: (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ... ) إلخ (ج٤: ص ١٨٢، ١٨٣) من طريقين في
أحدهما بقية بن الوليد، وهو صدوق کثیر التدلیس، لکن صرح بسماعه من بحير بن
(١٩٢) في ((المسند)) (١٨٢/٤، ١٨٣)، وكذا الآجري، والحاكم (٧٣/١) وقال: ((صحيح على شرط
مُسْلِم))، ووافقه الذهبي، وهو كما قال، واستغربه التِّرْمِذِي (٢/ ١٤٠).

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
٦١١
سعد وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولا
أعرف له علة. ووافقه الذهبي.
(عَنِ النَّوَّاسِ) بفتح النون وتشديد الواو. (بْنَ سَمْعَانَ) بفتح السين المهملة،
وقيل: بكسرها وسكون الميم، وبالعين المهملة، العامري الكلابي، سكن الشام،
صحابي، ولأبيه أيضًا صحبة. روي له سبعة عشر حديثًا، انفرد له مسلم بثلاثة .
(وَكَذَا التِّرْمَذَيُّ عَنْهُ) أي: روى عن النواس في الأمثال، وحسنه. (إِلَّا أَنَّهُ) أي:
الترمذي. (ذَكَرَ أَخْصَرَ مِنْهُ) أي: من هذا الحديث، أو أخصر مما ذكر غيره.
١٩٣ - [٥٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَن كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ
ماتَ؛ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَّنُ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ وَلِ، كَانُوا
أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ: أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلَّفًا، اخْتَارَهُمُ اللَّهُ
لِصُحْبَةِ نَبِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَِّعُوهُمُ عَلَى أَثَرِهِمْ،
وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الهُدَى
الْمُسْتَقِيمِ.
[رَوَاهُ رَزِينٌ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٩٣- قوله: (مُسْتَنَّا) بتشديد النون، أي: مقتديًا بسنة أحد وطريقته.
(فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ ماتَ) أي: على الإسلام، أو العلم والعمل، وعلم حاله وكماله
على وجه الاستقامة، أخرج الكلام مخرج الشرط والجزاء تنبيهًا به على الاجتهاد،
وتحري طريق الثواب بنفسه بالاستنباط من معاني نصوص الكتاب والسنة، فإن لم
يتمكن منه فليقتد بأصحاب النبي وَّ؛ لأنهم اتبعوا أثر النبي ◌َّ- على ما شاهدوا من
أقواله وأفعاله وأحواله وتقريره، فالاستنان بهم متعين. وكأن ابن مسعود يوصي
القرون الآتية بعد قرون الصحابة باقتفاء آرائهم، والاهتداء بهديهم.
قال القاري: خص أمواتهم؛ لأنه علم استقامتهم على الدين واستدامتهم على
اليقين بخلاف من بقي منهم حيًّا، فإنه يمكن منهم الافتتان ووقوع المعصية، بل
(١٩٣) ذكره رزين عن ابن مسعود ... قولَهُ.

٦١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الردة والكفر؛ لأن العبرة بالخاتمة، وهذا تواضع منه في حقه لكمال خوفه على
نفسه، وإلا فهو ممن يقتدي به حيًّا وميتًا، انتهى. وقال صاحب ((اللمعات)): أراد
((بِمَنْ مَاتَ)) الصحابة جميعًا، وبالحي أهل زمانه غير الصحابة. (لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ
الفِتْنَةُ) أي: الابتلاء في الدين. (أُولَئِك) إشارة إلى من مات، أفرد الضمير في
((مَاتَ)) نظرًا إلى اللفظ وقال ((أُولَئِكَ)) نظرًا إلى المعنى. (كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الأَمَّةِ)
أي: أمة الإجابة، وهم خير أمة، فكانوا أفضل الأمم، و((هَذِهِ)) إشارة إلى ما في
الذهن من أمة محمد بَّه إلى انقراض العالم. (أَبَرَّهَا قُلُوبًا) أي: أطوعها وأحسنها
وأخلصها. (وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا) أي: أكثرها غورًا من جهة العلم، وأدقها فهمًّا. (وَأَقَلَّهَا
تَكَلُّفًا) أي: تصنعًا في العمل، وكذا في العلم والقراءة والطعام واللباس وغير
ذلك. (إِخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ) فإنهم نقلة أقواله وحملة أحواله إلى
من بعدهم، وأيضًا جاهدوا في الله حق الجهاد، وأظهروا الدين، يعني: لما
جعلهم الله تعالى أصحاب النبي ◌َّ واصطفاهم واختصهم من بين الخلائق بهذه
الفضيلة، علم أنهم أفضل الناس وخيار الخلق ممن بعدهم تلميحًا إلى قوله تعالى:
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [
[الفتح: ٢٦].
(فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ) أي: على غيرهم. (وَاتَّبِعُوهُمْ) بتشديد التاء، أي: كونوا
متبعين لهم حال كونكم ماشين. (عَلَى أَثَرِهِمْ) بفتحتين وبكسر الهمزة وسكون
المثلثة، أي: عقبهم في العمل والعلم. (وَتَمَسَّكُوا) أي: خذوا واعملوا. (بِمَا
اسْتَطَعْتُمْ) فيه إشارة إلى عجز المتأخرين عن المتابعة الكاملة لكن ما لا يدرك كله لا
يترك كله. (وَسِيَرِهِمْ) بكسر السين وفتح الياء جمع السيرة. (فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى
الهُدَى الْمُسْتَقِيم)؛ لأنهم اتبعوا أثر النبي ◌ِّ على ما شاهدوا من الأقوال والأحوال
والأفعال. قال الطيبي: في قوله: ((فَاعْرِفُوا لَهُمْ)) قد أجمل هاهنا ثم فصل بقوله:
((فَضْلَهُمْ))، كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِ صَدْرِى﴾ [طه: ٢٥]، والمراد من العرفان
ما يلازمه من متابعتهم ومحبتهم والتخلق بأخلاقهم، فإن قوله: ((وَاتَِّعُوهُمْ)) عطف
على ((اعْرِفُوا)) على سبيل البيان، وقوله: ((عَلَى أَثَرِهِمْ)) حال مؤكدة من فاعل
((اتَّبِعُوا)) نحو قوله: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
(رَوَاهُ رَزِينٌ) وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن مسعود: ((إِتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَقَدَ
كُفِيتُمْ)). قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

كِتَابُ الْإِيمَان
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشِّنَّةِ
٦١٣
١٩٤ - [٥٥] عَنْ جَابِرِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضْتَهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَلَ
بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَّسُولَ اللَّهِ هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ. فَسَكَتَ فَجَعَلَ
يَقْرَأُ، وَوَجْهُ رَسُولِ اللّهِ وَهِ يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، أَمَا تَرَى مَا
بِوَجْهِ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ؟ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُّولِ اللّهِ مَلِ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ
مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبٍ رَسُولِهِ، رَضِينَا بِاللَّهِ رَبَّ، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ
نَبِيًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسَى
فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كَانَ حَيَّ وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي
لَاتَّبَعَنِي)).
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ ] {حسن}
الشرْحُ
١٩٤ - قوله: (بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ) أي: بشيء نسخ ونقل منها. (هَذِهِ نُسْخَةٌ
مِنَ التَّوْرَاةِ) أي: فهل تأذن لنا أن نطالع فيها لنطلع على ما فيها من أخبار الأمم
وشرائع موسى؟ (فَسَكَتَ) من كمال حلمه. (فَجَعَلَ يَقْرَأُ) أي: شرع عمر يقرأ
النسخة ظنًا منه أن السكوت علامة الرضا والإذن. (يَتَغَيَّرُ) أي: من أثر الغضب.
(فَكِلَتْكَ) أي: فقدتك. (الثَّوَاكِلُ) جمع ثاكل وثاكلة، أي: من الأمهات والبنات
والأخوات، وأصله دعاء للموت، لكنه مما يجري على ألسنتهم ولا يراد بها
الدعاء، كتربت يمينه. (مَا تَرَى) ((مَا)) نافية بتقدير الاستفهام. (مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ
مَخر) ((مَا)) هذه موصولة أو موصوفة.
(أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ) غضب الله توطئة لذكر غضب رسوله
إيذانًا بأن غضبه غضبه، وإيماء إلى أن التعوذ إنما هو من غضب الله حقيقة، وإنما
يتعوذ من غضب رسوله؛ لأنه سبب لغضبه تعالى. (رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا ... ) إلخ. قاله
اعتذارًا عما صدر عنه، وجمع الضمير إرشادًا للسامعين، أو إيماءً إلى أنه مع
الحاضرين مقام الرضا طلبًا للرضا اجتنابًا عن الغضب.
(لَوْ بَدَا) بالألف دون الهمزة أي: ظهر. (لَكُمْ مُوسَى) على سبيل الفرض،
(١٩٤) الدَّارِمِي في ((سُننه)) (١١٥/١، ١١٦).

٦١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والتقدير. (فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي) لم يقتصر على الاتباع؛ لأنه بمجرده لا محذور
فيه، إنما المحذور في اتباع يؤدي إلى الترك. (لَضَلَلْتُمْ) بفتح اللام وكسرها من
ضرب وسمع. (عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) فكيف مع وجودي وعدم ظهور موسى تتبعون
كتابه المنسوخ. (وَلَوْ كَانَ) أي: موسى. (حَيًّا) أي: في الدنيا. (وَأَدْرََكَ نُبُوَّتِي)
أي: زمانها. (لَا تَبَعَنِي)؛ لأن دينه صار منسوخًا في زماني، ولأخذ الميثاق منه ومن
سائر الأنبياء على ذلك، وفي الحديث نهي بليغ عن العدول من الكتاب والسنة إلى
غيرهما .
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه))، وفي الباب عن ابن
عباس أخرجه أحمد، وعن عبد الله بن ثابت الأنصاري أخرجه ابن سعد، وأحمد،
والحاكم في ((الكنى))، والطبراني في ((الكبير))، والبيهقي في ((شعب الإيمان))،
وعن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في ((الكبير))، وعن عبد الله بن الحارث أخرجه
البيهقي في ((الشعب)).
١٩٥ - [٥٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: «كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ
اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلَامِي، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا)).
{موضوع }
الشَّرْجُ
١٩٥- قوله: (كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ) النسخ في اللغة الرفع والإِزالة،
ومنه نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر. وقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل
كقولهم: نسخت الكتاب. فأما النسخ في الشرع فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير،
وحده: أن يرفع بخطاب متراخ حكم ثبت بخطاب متقدم، وهو في الحقيقة بيان؛
لانتهاء الحكم الشرعي المطلق، وهذا عند المتأخرين، وأما السلف فمرادهم
بالنسخ رفع الحكم بجملته تارة كما هو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام
والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد، أو حمل مطلق على مقيد،
وتفسيره وتبيينه، حتى أنهم ليسمون الاستثناء، والشرط، والصفة نسخًا لتضمن
(١٩٥) الدَّارَ قُطْني (٩) عن جابر.

٦١٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشِّئَّةِ
ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم بيان المراد بغير
ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ولذلك كثر إطلاق النسخ في كلامهم. ثم هاهنا
خمس صور :
الأولى: نسخ القرآن بالقرآن .
والثانية: نسخ السنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد، ولا اختلاف فيهما؛
لأن ذلك متماثل، فجاز أن يرفع بعضه بعضًا.
والثالثة: نسخ السنة بالقرآن كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس، وتحريم
المباشرة ليالي رمضان، وجواز تأخير الصلاة حالة الخوف بالقرآن، وهو كان ثابتًا
بالسنة، وفيها خلاف، والجواز هو ما عليه الجمهور، وللشافعي في ذلك قولان،
وصحح عامة الشافعية الجواز، وهو الأصح عندنا؛ لأنه لا وجه للمنع قط، ولم
يأت في ذلك ما يتشبث به المانع لا من عقل ولا من شرع، بل ورد في الشرع نسخ
السنة بالقرآن في غير موضع، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَّلُّبَ وَجْهِكَ فِىِ
السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]. فنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالقرآن، وكان ذلك
ثابتًا بالسنة، ونسخ تحريم المباشرة في ليالي رمضان بقوله تعالى: ﴿فَالْكَنَ
بَشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ونسخ صوم عاشوراء بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ونسخ تحليل الخمر بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية
[المائدة: ٩٠]. ونسخ جواز تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال بما ورد في القرآن من
صلاة الخوف، ونحو ذلك مما يكثر تعداده. والرابعة نسخ القرآن بالسنة
المتواترة، وفيها أيضًا خلاف، فالمشهور عن أحمد منعه، واختاره أبو يعلى من
الحنابلة، وبه قال الشافعي وأكثر أصحابه، والظاهرية وغيرهم. واحتجوا بقوله
تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأَتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، قالوا: في
الآية حصر الناسخ في كونه خيرًا من المنسوخ أو مثله، والسنة لا تساوي القرآن
فضلا عن أن تكون خيرًا منه، فلا تكون ناسخة له. وقيل: يجوز ذلك وهو رواية
عن أحمد، واختيار أبي الخطاب وابن عقيل، وأكثر الحنفية والمالكية وغيرهم،
وهو الذي نصره ابن الحاجب، وحكاه عن الجمهور، وهو الأرجح عندنا؛ لأن
السنة شرع من اللَّه رقم، كما أن الكتاب شرع منه سبحانه، وقد قال: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ

٦١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]، وأمر سبحانه بإتباع رسوله في غير
موضع في القرآن فهذا بمجرَّدِه يدلّ على أن السنة الثابتة عنه ثبوتًّا على حد ثبوت
الكتاب العزيز، حكمها حكم القرآن في النسخ وغيره، وليس في العقل ما يمنع من
ذلك، فإن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى على لسان رسوله وقَّ بوحي غير نظم
القرآن، وقد نسخت الوصية للوالدين والأقربين بقوله: ولا وصية لوارث. وهذا
يدل على وقوع نسخ القرآن بالسنة شرعًا. وأما قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ إلخ.
فليس فيه إلا أن ما يجعله الله منسوخًا من الآيات القرآنية سيبدله بما هو خير منه،
أو بما هو مثله للمكلفين، وما آتانا على لسان رسوله فهو كما آتانا منه، كما قال
﴾ [النجم: ٤] وكما قال: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أُبَدِّلَمُ
٤
سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وحىٌ يُوحَى
مِن تِلْقَآٍ نَفْسِىِّ﴾ [يونس: ١٥]، وقيل: المراد نأت بخير منها في الحكم ومصلحته.
والسنة تساوي القرآن في ذلك، إذ المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون أضعاف
المصلحة الثابتة بالقرآن إما في عظم الأجر بناء على نسخ الأخف بالأثقل أو في
تخفيف التكليف بناءً على نسخ الأثقل بالأخف، وأيضًا فإن الآية على التقديم
والتأخير. والتقدير: ما ننسخ من آية نأت منها بخير، فلا يكون فيه دلالة على محل
النزاع أصلا. وقال في ((المستصفى)): ليس المراد من قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ
مِنْهَا﴾ نأت بقرآن آخر خيرًا منها؛ لأن القرآن لا يوصف بكون بعضه خيرًا من
بعض، قال: بل معناه أن يأتي بعمل خير من ذلك العمل، لكونه أخف منه، أو
أجزل ثوابًا، هذا كلامه. وعليه فلا دليل للمنع في هذه الآية. واستدل المانعون
أيضًا بحديث جابر هذا، قالوا: هو نص في المسألة، وأجيب عنه بعدة وجوه:
الأول: أنه ضعيف جدًّا بل موضوع. فإن في سنده محمد بن داود القنطري، روى
عن جبرون بن واقد الإفريقي، عن ابن عيينة عن أبي الزبير. قال الذهبي في
((الميزان)) في ترجمة محمد بن داود: وحدث بحديثين باطلين، ذكرهما ابن عدي
في ترجمة جبرون، وقال: تفرد بهما محمد. وقال الذهبي في ترجمة جبرون:
متهم، فإنه روى بقلة حياء عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: كلام
الله ... الحديث، وعنه محمد بن داود أن مخلد بن حسين حدثه عن هشام بن
حسان، عن محمد، عن أبي هريرة مرفوعًا: أبو بكر وعمر خير الأولين ...
الحديث، تفرد بهما القنطري، وهما موضوعان، انتهى. والثاني: على تسليم

كِتَابُ الْإِيمَانِ
*820 **********
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
٦١٧
صحته أنه ليس نصًا في محل النزاع، بل هو ظاهر؛ لأن لفظه عام، ودلالة العام
ظاهرة لا قاطعة، فيحمل على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن فيبقى التواتر لا دليل
على المنع فيه من ذلك. والثالث أن المراد بكلامي هاهنا ما أقوله اجتهادًا ورأيًا .
والرابع: أن المراد نسخ تلاوة الكتاب وألفاظه لا حكمه. وقيل: إنه منسوخ.
قال صاحب ((اللمعات)): ولو حمل قوله: (كنسخ القرآن)) في الحديث الآتي على
معنى نسخ الأحاديث القرآن بإضافة المصدر إلى المفعول لكان ناسخًا لهذا
الحديث، انتهى.
والصورة الخامسة للنسخ هو: نسخ القرآن والسنة المتواترة بأخبار الآحاد،
وفيه أيضًا اختلاف، فالأكثر على أنه غير جائز شرعًا، وحكى غير واحد الإجماع
على ذلك، واحتجوا بأن الثابت قطعًا لا ينسخه مظنون، وقال قوم من أهل الظاهر،
ومنهم ابن حزم بجواز ذلك. وقالت طائفة: يجوز في زمن النبي وَلَو، ولا يجوز
بعده. ودليل القائلين بالجواز أن الناسخ في الحقيقة إنما جاء رافعًا لاستمرار حكم
المنسوخ ودوامه، وذلك ظني وإن كان دليله قطعيًّا، فالمنسوخ إنما هو الظني لا
ذلك القطعي. ذكر هذا الطوفي وأطال في بيانه، ومال إلى جواز نسخ الكتاب
ومتواتر السنة بخبر الواحد، وتفاصيل مذاهب الكل مع دلائلها مذكورة في كتب
أصول الفقه، فارجع إليها خصوصًا إلى ((إرشاد الفحول)) للشوكاني، و((روضة
الناظر)) للمقدسي، و((الإحكام لأصول)) الأحكام لابن حزم، و((المستصفى))
للغزالى .
١٩٦ - [٥٧] وَعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ أَحَادِيثَنَا
يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَنَسْخِ الْقُرْآنٍ)).
[موضوع]
الشَّرْحُ
١٩٦ - قوله: (إِنَّ أَحَادِيثَنَا) أي: بشرط صحتها. (يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا) أي:
بشرط معرفة التاريخ. (كَنَسْخِ الْقُرْآنِ) أي: كما ينسخ بعض آياته بعضًا. وهذا مما
(١٩٦) الدَّارَ قُطْني (٤/ ١٤٥) عن ابن عمر ر

٦١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لا اختلاف فيه، وارجع للتفصيل إلى كتاب ((الاعتبار)) للحازمي.
والحديث أخرجه أيضًا الديلمي، وهو حديث ضعيف جدًّا؛ لأن في سنده محمد
ابن الحارث بن زياد بن الربيع، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه.
ومحمد بن الحارث هذا، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال الفلاس: يروى عن ابن
البيلماني أحاديث منكرة، متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف. ومحمد بن
عبد الرحمن بن البيلماني، ضعفوه. قال النسائي وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال
الدارقطني وغيره: ضعيف. وقال ابن حبان: حدث عن أبيه بنسخة شبيهًا بمأتي
حديث كلها موضوعة. وأبوه عبد الرحمن بن البيلماني لينه أبو حاتم. وقال
الدار قطني: ضعيف لا تقوم به حجة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الحافظ
في ((التقريب)): ضعيف.
١٩٧ - [٥٨] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ
اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا
فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا)). رَوَى
الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ الدَّارَ قُطْنِيُّ.
{ضعيف}
الشَّرْخُ
١٩٧ - قوله: (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ) بضم المعجمة الأولى وفتح الثانية
بعدها نون، نسبة إلى خشين بطن من قضاعة. صحابي مشهور، معروف بكنيته،
اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، ذكره الحافظ في ((الإصابة))، وفي
((التهذيب)) و((التقريب))، وهو ممن بايع تحت الشجرة، ولم يقاتل مع علي ولا مع
معاوية، وأرسله النبي ◌َّه إلى قومه فأسلموا، ونزل بالشام. له أربعون حديثًا،
اتفقا على ثلاثة، وانفرد مسلم بواحد. مات وهو ساجد سنة (٧٥)، وقيل: قبل
ذلك بكثير في أول خلافة معاوية بعد الأربعين.
(١٩٧) الدَّارَ قُطْني (٤/ ١٨٤) في الرضاع، والحاكم (٤/ ١١٥) عن أبي ثعلبة.

٦١٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسَّنَّةِ
(إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ) جمع فريضة بمعنى مفروضة، والتاء للنقل من الوصفية
إلى الاسمية، أي: أوجب أحكامها مقدرة مقطوعة، سواء كان مما أوجب الله في
كتابه أو لسان رسوله. (فَلَا تُضَيِّعُوهَا) بتركها رأسًا، أو بترك شروطها وأركانها .
(وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ) أي: محرمات من المعاصي. (فَلَا تَنْتَهِكُوهَا) أي: لا تقربوها
فضلاً عن أن تتناولوها. وقال في ((الصحاح)): انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل.
وقيل: الانتهاك خرق محارم الشرع. (وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا) أصل الحد المنع
والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام. والمعروف
في اصطلاح الفقهاء من أسماء الحدود ثلاثة أشياء :
أحدها: المحارم والمعاصي، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾
[البقرة: ١٨٧].
والثاني: العقوبات المقدرة الرادعة عن المحارم المغلظة، كما يقال: حد
الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر.
والثالث: جملة ما أذن في فعله سواء كان على طريق الوجوب، أو الندب أو
الإباحة، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، واعتداء الحدود
هو: تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهي عنه؛ لأنه ليس ما وراء ما حد اللَّه من المأذون
فيه إلا ما نهى عنه، ولهذا مدح الله الحافظين لحدود الله وذم من لا يعرف حد
الحلال من الحرام، واختلفوا في معنى قوله وَ له: ((وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا)) فحمله
بعضهم على العقوبات الزاجرة عن المحرمات المقدرة، وقال في معناه: حد أي:
بين وعين حدودًا في المعاصي من القتل والزنا والسرقة، فلا تعتدوها أي: لا
تتجاوزا عن الحد لا بالزيادة ولا بالنقصان ولا بالترك رأسًا. وحمله ابن رجب على
المعني الثالث، قال: الوقوف عند الحدود يقتضي أنه لا يخرج عما أذن فيه إلى ما
نهي عنه، وذلك أعم من كون المأذون فيه فرضًا أو ندبًا أو مباحًا، وحينئذٍ فلا تكرار
في هذا الحديث. وقال القاري: هذه الجملة كالتقرير والتأكيد للقسمين
المتقدمین .
(وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ) أي: ترك ذكر أشياء أي حكمها من الحرمة والحل
والوجوب، وهو محمول على ما انتفى فيه دلالة النص على الحكم بجميع وجوهها