Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
معنى العموم إلى هذا الحد. ويؤخذ منه أن من عمل شيئًا أضر به غيره كان آثمًا،
وأن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الشرع بخلاف ذلك.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخارى في الاعتصام، ومسلم في الفضائل، وأخرجه أيضًا
أبو داود في السنة، ولفظ: ((فِي الْمُسْلِمِينَ)) ليس للبخاري، وكذا لفظ: ((عَلَى
النَّاسِ» .
١٥٤ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوُنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَكُونُ
فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّلُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ
وَلَّا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلَّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ))
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
١٥٤ - قوله: (يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) أي: آخر زمان هذه الأمة. (دَجَّلُونَ)
من الدجل وهو تلبيس الباطل بما يشبه الحق، يقال: دجل إذا موَّه ولبس، أي:
مزورون وملبسون وخداعون، يقولون للناس: نحن علماء ومشائخ، ندعوكم إلى
الدين وهم كاذبون في ذلك، ويتحدثون بأكاذيب، ويبتدعون أحكامًا باطلة،
واعتقادات فاسدة، فاحذروهم. ويجوز أن تحمل ((الأحَادِيثِ)) على المشهور عند
المحدثين؛ ليكون المراد بها الموضوعات. (فَإِيَّاكُمْ) أي: أبعدوا أنفسكم عنهم.
(وَإِيَّاهُمْ) أي: أبعدوهم عنكم. (لَا يُضِلَّونَكُمْ) استئناف، جواب لقائل: لم
نبعدهم؟ لئلا يضلوكم، فحذف الجار والناصب، فعاد الفعل إلى الرفع؛ كذا ذكره
بعضهم. وقال الطيبي: كأنه قيل: ماذا يكون بعد الحذر؟ فأجيب: لا يضلونكم.
انتهى. وقيل: هو خبر في معنى النهي مبالغة، فيكون تأكيدًا للأمر بالحذر. (وَلَا
يَفْتِنُونَكُمْ) أي: لا يوقعونكم في الفتنة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في مقدمة ((صحيحه))،
وأخرجه أيضًا أحمد.
(١٥٤) مُسْلِم (٧/ ٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الاعْتِصَامِ بالْكِتّاب وَالشُّنّةِ
٥٤١
١٥٥ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ الثَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ،
وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ
الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ﴿ءَامَنَا بِالَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]
الْآيَةَ)).
[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشرحُ
١٥٥ - قوله: (كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ) أي: اليهود. (بِالْعِبْرَانِيَّةِ) بكسر العين.
(وَيُفَسِّرُونَهَا) أي: يترجمونها. (لَا تُصَدِّقُوا) أي: فيما لم يتبين لكم صِدْقُه؛
لاحتمال أن يكون كذبًا، وهو الظاهر من أحوالهم. (أَهْلَ الْكِتَابِ) أي: اليهود
والنصارى. (وَلَا تُكَذَّبُوهُمْ) أي: فيما حدثوا من التوراة والإنجيل، ولم يتبين لكم
كذبه؛ لاحتمال أن يكون صدقًا وحقًّا وإن كان نادرًا؛ لأن الكذوب قد يصدق، كذا
في ((المرقاة)). وقيل: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، أي: إذا كان ما
يخبرونكم به محتملًا، لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذبوه، أو كذبًا
فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه،
ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه. ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ من
القرآن. (الْآيَةَ) تمامها: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ
أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ أي: من التوراة والإنجيل، وهذا محل الشاهد يعني: إن كان ما
تحدثونه حقًّا آمنا به؛ لأنا آمنا بجميع الرسل، وما أنزل إليهم من الله تعالى، وإن
لم يكن حقًّا فلا نؤمن به ولا نصدقه أبدًا ﴿وَمَآ أُوتِيَ النَّبِيُونَ مِن رَّبِّهِمْ﴾ تعميم بعد
تخصيص ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: في الإيمان بهم وبكتبهم ﴿وَتَحْنُ لَهُ﴾ أي:
للَّه أو لما أنزل ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] أي: مطيعون أو منقادون. قال البغوي في
((شرح السنة)): هذا الحديث أصل في وجوب التوقف فيما يشكل من الأمور، فلا
يقضي فيه بجواز ولا بطلان، وعلى هذا كان السلف. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في تفسير
البقرة والاعتصام والتوحيد.
(١٥٥) الْبُخَارِي (٧٥٤٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الاعْتِصَامِ.
٥٤٢
CHROME
e
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٥٦ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ
يُحَدِّثَ بِكُلَّ مَا سَمِعَ))
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْجُ
١٥٦ - قوله: (كَفَى بِالْمَرْءِ) هو مفعول «كَفَى)) والباء زائدة، و «كَذِبًا)» تمییز،
و ((أَنْ يُحَدِّثَ)) فاعل ((كَفَى)). (كَذِبًا) إلخ. يعني: لو لم يكن للمرء كذب إلا تحديثه
بكل ما سمع من غير تبيُنه أنه صدق أم كذب يكفيه وحسبه من الكذب؛ لأن جميع ما
يسمع الرجل لا يكون صدقًا بل يكون بعضه كذبًا، وهذا زجر عن التحديث بشيء لم
يعلم صدقه، بل يلزم أن يبحث في كل ما سمع من الحكايات والأخبار، خاصة من
أحاديث الرسول وَلّر، فإن علم صدقه يتحدث به؛ ولذا أورد هذا الحديث في باب
الاعتصام بالكتاب والسنة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في مقدمة صحيحه، وأخرجه أيضًا أبو داود
في الأدب، والحاكم، وأخرج أيضًا الحاكم نحوه عن أبي أمامة.
١٥٧ - [١٨] عَنِ ابْن مَسْعُودٍ رَ فْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: «مَا مِنْ
نَبِّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّتِهِ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ فِي أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ
بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ،
وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ
فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ
خَرْدَلٍ».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْئُ
13 4
١٥٧ - قوله: (مَا مِنْ نَبِيِّ) زيادة ((مِنْ)) لاستغراق النفي، وهو يحمل على
الغالب؛ لأنه جاء في حديث: ((أن نبيًّا يجيء يوم القيامة ولم يتبعه من أمته إلا
(١٥٦) مُسْلِم (٧) باب النهي عن الحديثِ بكلِّ ما سَمع.
(١٥٧) مُسْلِم (٨٠/ ٥٠) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الإِيمَانِ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
٥٤٣
واحد)). (بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّتِهِ) كذا وقع في أكثر النسخ بالهاء بعد التاء، وكذا وقع في
بعض نسخ ((المصابيح)). قيل: والصواب ما وقع في بعض نسخ ((المشكاة)
و((المصابيح)): ((فِي أَمَّةٍ) بغير هاء موافقًا لما في ((صحيح مسلم)). (قَبْلِي) قيل: على
رواية: ((أُمَّتِهِ)) بالهاء يتعلق ((قَبْلِي)) بـ (بعث))، أو يكون حالاً من ((أَمَّتِهِ)) وعلى رواية:
(أُمَّةٍ)) يكون ((قَبْلِي)) صفة لـ ((أُمَّة)). (حَوَارِيُّونَ) بتشديد الياء، جمع حواري أي:
ناصرون .
قال الطيبي: حواري الرجل: صفوته وخالصته الذي أخلص ونقي من كل
عيب، من الحَوَر بفتحتين وهو شدة البياض. وقيل: الحواري القصار بلغة النبط .
وكان أصحاب عيسى قصارين يقصرون الثياب، أي: يحورونها ويبيضونها، فلما
صاروا أنصاره غلب عليهم الاسم، ثم استعير لكل من ينصر نبيًّا ويتبع هداه؛ تشبيها
بأولئك؛ لأنهم خلصان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
(وَأَصْحَابٌ) عطف تفسيري، أو الأصحاب غير الحواريين أعم منهم. (سُنَّتِهِ)
أي: بهديه وسيرته. (وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ) أي: يتبعونه في أمره ونهيه. (ثُمَّ إِنَّهَا) الضمير
للقصَّة. (تَخْلُفُ) بضمِّ اللام، أي: تحدث. (خُلُوفٌ) بضم الخاء، جمع خلف
بسكون اللام مع فتح الخاء كعدل وعدول، وهو الردى من الأعقاب، أو ولد
السوء. والخلف: بفتحتين يجمع على أخلاف كسلف وأسلاف، وهو الصالح من
الأعقاب والأولاد. والمعنى: أنه يجيء من بعد أولئك السلف الصالح أناس لا
خير فيهم، ولا خلاق لهم في أمور الديانات. (فَمَنْ جَاهَدَهُمْ) جزاء شرط
محذوف، أي: إذا تقرر ذلك فمن حاربهم وأنكر عليهم إلخ. (فَهُوَ مُؤْمِنٌ) قال
الطيبي: التنكير للتنويع، فالأول دل على كمال الإيمان، والثالث على نقصانه.
والمتوسط على القصد فيه. وفي ((حَبَّة خَرْدَلٍ)) على نفيه بالكلية. (وَمَنْ جَاهَدَهُمْ
بِقَلْبِهِ) أي: أنكر عليهم بقلبه بأن يكره ويغضب عليهم، ولو قدر لحاربهم باليد أو
باللسان. (وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) هي اسم ((لَيْسَ)) و ((مِنَ الْإِيمَانِ))
صفته قدمت فصارت حالًا منها، و((وَرَاءَ ذَلِكَ)) خبره. ثم ذهب المظهر إلى أن
الإشارة بذلك إلى الإيمان في المرتبة الثالثة.
قال الطيبي: ويحتمل أن يشار إلى المذكور كله من مراتب الإيمان، أي: ليس
وراء ما ذكرت من مراتب الإِيمان مرتبة قط؛ لأن من لم ينكر بالقلب رضى
٥٤٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالمنكر، والرضا بالمنكر كفر، فتكون هذه الجملة المصدرة بـ ((ليس)) معطوفة على
الجملة قبلها بكمالها. قال القاري: والأول هو الظاهر، أي: وراء الجهاد بالقلب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الإيمان.
١٥٨ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((مَنْ دَعَا إِلَى
هُدِّى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورٍ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا،
وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ
آَنَامِهِمْ شَيْئًا».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
١٥٨ - قوله: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدَّى) أي: دعا غيره إلى ما يهتدي به من الأعمال
الصالحة. (كَانَ لَهُ) أي: للداعي. (لَا يَنْقُصُ) بضم القاف. (ذَلِكَ) إشارة إلى
مصدر ((كَانَ)) وقيل: الأظهر أنه راجع إلى ((الْأَجْرِ)). (مِنْ أَجُورِهِمْ شَيْئًا) هو مفعول
به لينقص، أي: لا ينقصُ شيئًا من أجورهم، أو مفعول مطلق أي: شيئًا من
النقص، وهذا دفع لما يتوهم أن أجر الداعي إنما يكون مثلًا بالتنقيص من أجر
التابع، وبضم أجر التابع إلى أجر الداعي. (إِلَى ضَلَالَةٍ) أي: إلى فعل إثم. (مِنْ
آَنَّامِهِمْ) ضمير الجمع في ((أُجُورِهِمْ)) و((آثَامِهِمْ)» يعود لِ ((مِنْ)) باعتبار المعنى.
قال القاضي: أفعال العباد وإن لم تكن موجبة للثواب والعقاب إلا أن عادة الله
جرت بربطها بها ارتباط المسببات بأسبابها، فكما يترتب الثواب والعقاب على ما
يباشره يترتب أيضًا على ما هو مسبب عن فعله، كالإشارة إليه، والحث عليه. ولما
كانت الجهة التي استوجب بها المسبب الأجر غير الجهة التي استوجب بها
المباشر، لم ينقص من أجره شيئًا. انتهى.
واختلفوا في أنه إذا تاب الداعي للاثم، وبقي العمل به فهل ينقطع إثم دلالته
بتوبته أو لا؟ والظاهر هو الأول؛ لأن التوبة تجبُّ ما قبلها، والله أعلم.
(١٥٨) مُسْلِم (١٦ / ٢٦٧٤) فِي العِلْمِ، وَأَبُو دَاوُد (٤٦٠٩)، وَالتِّرْمِذِي (٢٦٧٤)، وَابن مَاجَهْ (٢٠٦)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
٥٤٥
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في العلم، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في العلم، وأبو داود،
والنسائي، وابن ماجه في السنة .
١٥٩ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا،
وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْخُ
١٥٩ - قوله: (بَدَأ) روي بالهمزة، أي: ابتدأ، وروى بدونها، أي: ظهر،
والأول هو الأشهر على الألسنة، ويؤيده المقابلة بالعود، فإن العود يقابل
بالابتداء. وقال النووى: ضبطناه بالهمزة من الابتداء. والروايتان بالفعل المبني
للمعلوم، المسند إلى فاعله، واستشكل بعضهم كونه بالهمزة من البدأ بمعنى
الابتداء؛ لأن بدأ المهموز متعد؛ ولذلك رجَّح ضبطه بالقصر من البدو بمعنى
الظهور.
(الْإِسْلَامُ غَرِيبًا) أي: في آحاد من الناس وقلة ثم انتشر، يعني: كان الإسلام في
أوله كالغريب الوحيد الذي لا أهل له؛ لقلة المسلمين يومئذٍ، وقلة من يعمل
بالإِسلام. وأصل الغريب البعيد عن الوطن. (وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ) أي: وسيلحقه
النقص والاختلال لفساد الناس، وظهور الفتن والبدع، واندراس رسوم السنة،
وعدم القيام بواجبات الإيمان حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضًا كما بدأ.
(فَطُوبَى) أي: فرحة وقرة عين، أو سرور وغبطة، أو الجنة أو شجرة فيها.
(لِلْغُرَبَاءِ) فسرهم ◌َّ في حديث عمرو بن عوف عند الترمذي: ((بأنهم الذين
يصلحون ما أفسد الناس بعده من سنته))، كما سيأتي، وفي حديث ابن مسعود عند
ابن ماجه: ((بالنزاع من القبائل))، وهو جمع نزيع ونازع، وهو الغريب الذي أنزع
عن أهله وعشيرته الذين يخرجون عن الأوطان لإقامة سنن الإسلام، وقد جاء عن
بعض السلف أنهم أهل الحديث، قاله السندهي. وفيه تنبيه على أن نصرة الإسلام،
(١٥٩) مُسْلِم (٢٣٢/ ١٤٥) فِي الإِيمَانِ، وَابن مَاجَهْ (٢٩٨٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٥٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والقيام بأمره يصير محتاجًا إلى التغرب عن الأوطان، والصبر على مشاق الغربة
كما كان في أول الأمر.
قال الطيبي: أما أن يستعار الإسلام للمسلمين والغربة هي القرينة، فيرجع معنى
الوحدة والوحشة إلى نفس المسلمين، وأما أن يجرى الإسلام على الحقيقة،
فالكلام على التشبيه، والوحشة باعتبار ضعف الإسلام وقلته، فعلى هذا ((غَرِيبًا)) إما
حال أي: بدأَ الإسلام مشابهًا للغريب، أو مفعولًا مطلقًا، أي: ظهور الغرباء فريدًا
وحيدًا، لا مأوى له حتى تبوأ دار الإيمان، أي: طيبة، ثمَّ أتمَّ اللَّهُ نوره في المشارق
والمغارب، فيعود آخر الأمر وحيدًا شريدًا إلى طيبة كما بدأ. هذا، وقد أطال
الشاطبي الكلام في بيان معنى الحديث في مقدمة كتاب الاعتصام (ص٣ - ١٧)
وأجاد وأحسن، فعليك أن تراجعها .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الإيمان، وأخرجه أيضًا ابن ماجه في الفتن، وأخرج نحوه
الترمذي، وابن ماجه عن ابن مسعود، ومسلم عن ابن عمر، وأحمد عن سعد بن
أبي وقاص، وابن ماجه عن أنس، والطبراني في الكبير عن سلمان وسهل بن سعد
وابن عباس.
١٦٠ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا)).
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ)) فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ،
وَحَدِيثَيْ مُعَاوِيَةَ وَجَابِرِ: ((لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي))، ((وَلَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي)) فِي
بِبِ ثَوَابٍ هَذِهِ الأَمَّةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالى.
الشَّرْحُ
١٦٠ - قوله: (إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ) بكسر الراء الأكثر، ويروى بالفتح، وحكي
بالضمِّ، أي: يأوي وينضم، وينقبض ويلتجئ. (إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى
(١٦٠) مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (١٨٧٦) فِي الحَجِّ، وَمُسْلِم (٢٣٣ / ١٤٧) فِي الإِيمَانِ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنّةِ
٥٤٧
جُحْرِهَا) أي: ثقبها، وهو بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، والمراد: أن أهل
الإيمان يفرون بإيمانهم إلى المدينة وقاية بها عليه، أو لأنها وطنه الذي ظهر وقوي
بها، وهذا إخبار عن آخر الزمان حين يقل الإسلام وينضم إلى المدينة، فيبقى فيها .
قال الطيبي: شبه الإيمان وفرار الناس من آفات المخالفين والتجاءهم إلى
المدينة، بانضمام الحية وانقباضها في جحرها، ولعل هذه الدابة أشد فرارًا
وانضمامًا من غيرها، فشبه بها بمجرد هذا المعنى، فإن المماثلة يكفي في اعتبارها
بعض الأوصاف، انتهى. قال صاحب ((اللمعات)): الظاهر أنه إخبار عن زمان
خروج الدجال كما يدل عليه الأحاديث. انتهى. وحمله عياض والقرطبي والنووى
والحافظ وغيرهم على جميع الأزمنة، والأول أظهر. والمراد بالمدينة هي
وجوانبها وحواليها ليشمل مكة، فيوافق رواية الحجاز الآتية في الفصل الثاني.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في فضل المدينة من الحج، ومسلم في الإيمان،
وأخرجه أيضًا أحمد، وابن ماجه في الحج.
(وَسَنَذْكُرُ) إلخ. هذا اعتذار متضمن لاعتراض. فتأمل. (حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ:
(ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ))) أي: إلى آخره. (فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ) متعلق بقوله: سنذكر.
(وَحَدِيثَيْ مُعَاوِيَةَ) عطف على حديث أبي هريرة. (وَجَابِرٍ) عطف على معاوية. (لَا
يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) أي: أحدهما أوله هذا. (وَ) وفي بعض النَسخ: و((الآخر)). (لَا يَزَالُ
طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي) كلاهما. (فِي بِابٍ ثَوَابِ هَذِهِ الأمَّةِ) لكنه لم يف بما وعد، فلم يذكر
هناك حديث جابر.
٥٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٦١ - [٢٢] عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ قَالَ: أُتِيَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ لَه فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ
عَيْنُكَ، وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ، وَلِيَعْقِلْ قَلْبُكَ. قَالَ: ((فَنَامَتْ عَيْنِي، وَسَمِعَتْ أُذُنَاي،
وَعَقَلَ قَلْبِي، قَالَ: فَقِيلَ لِى: سَيِّدٌ بَنَى دَارًا، فَصَنَعَ فِيهَا مَأْدُبَةً، وَأَرْسَلَ دَاعِيًا،
فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ، دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ
لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ، لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ
السَّيِّدُ)) قَالَ: ((فَاللَّهُ السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الإِسْلَامُ، وَالْمَأْدُبَةُ
الْجَنَّةُ)).
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٦١ - قوله: (عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ) بضم الجيم وفتح الراء المهملة بعدها
معجمة، نسبة إلى جرش كزفر، مخلاف باليمن، وهو ربيعة بن عمرو، ويقال:
ابن الحارث، ويقال: ابن الغاز بمعجمة وزاى، أبو الغاز الدمشقي، وهو جد
هشام بن الغاز بن ربيعة، مختلف في صحبته، ذكر ابن عبد البر في ((الاستيعاب))
عن الواقدي قال: ربيعة الجرشي قد سمع من النبي وَّ أحاديث. وقال البخاري في
((تاريخه)): له صحبة، وذكره في الصحابة المصنف وابن حبان وابن منده وأبو نعيم
والباوردي والبغوي وابن سعد وغيرهم، وقال أبو حاتم: ليست له صحبة، وذكره
أبو زرعة الدمشقي في التابعين. وقال الدارقطني: في صحبته نظر. وقال الصورى
في ((حاشية الطبقات)): لا أعلم له صحبة. واتفقوا على أنه قتل بمرج راهط مع
الضحاك بن قيس سنة (٦٤) وكان فقيهًا، وثقه الدار قطني في الجرح والتعديل،
ووثقه أيضًا غيره.
(أَنِيَ) بصيغة المجهول. (نَبِيُّ اللّهِ وَِّ) أي: أتاه آتٍ. (فَقِيلَ لَّهُ) أي: للنبي.
(١٦١) الدَّارِمِي (١ / ٧) فِي أَوَائِلِ مُسْنِدِهِ، عَنْ رَبِيعَةَ الجَرَشِيِّ.
٥٤٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
(لِتَنَمْ عَيْنُكَ، وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ، وَلِيَعْقِلْ قَلْبُكَ). قال المظهر: أي أتى ملك إليه وقال له
ذلك، ومعناه: لا تنظر بعينك إلى شيء، ولا تصغ بأذنك إلى شيء، ولا تجر شيئًا
في قلبك، أي: كن حاضرًا حضورًا تامًّا لتفهم هذا المثل. (قَالَ: فَتَامَتْ عَيْنِي)
بالإِفراد، وفي بعض النسخ (عَيْنَاي)) بالتثنية موافقًا لما في الدارمي. (وَسَمِعَتْ
أُذُنَاي، وَعَقَلَ قَلْبِي) يعنى: فأجابه بأني قد فعلت ذلك. قيل الأوامر الثلاثة واردة
على الجوارح ظاهرًا، وهي في الحقيقة له وَ لي بأن يجمع بين هذه الخلال الثلاث:
نوم العين، وحضور السمع والقلب، وعلى هذا جوابه بقوله: ((فَنَامَتْ)) أي:
امتثلت لما أمرت به. وقيل: المراد بالأمر به الإخبار عنه، أي: أنت نائم، سامع،
داع؛ لأن الملك إنما جاءه وهو نائم، فقال له ذلك، وقيل: الأمر للاستمرار في
الكل .
(فَقِيلَ لِي) أي: بطريق المثل من جهة الملك. (سَيِّدُ) خبر مبتدأ محذوف يعني:
(هُوَ)) وقوله: (بَنَى دَارًا) صفته، أي: مثل سيد بنى دارًا، ويجوز أن يكون مبتدأ
و(بَنَى)) خبره والتنوين للتعظيم، أو سوغه كونه فاعلاً معنى، قاله القاري. (وَرَضِيَ
عَنْهُ السَّيِّدُ) بسبب الإجابة واللام للعهد. (وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّاعِيَ) تكبرًا وعنادًا، أو
جهلاً واستبعادًا. (قَالَ) أي: النبي ◌َّه أو الملك. والأول أظهر، والتقدير: إن
أردت بيان هذا المثل. (فَاللَّهُ السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الإِسْلَامُ، وَالْمَأْدُبَةُ
الْجَنَّةُ) فإن قلت: كيف شبه في حديث جابر السابق الجنة بالدار، وفي هذا
الحديث الإسلام بالدار وجعل الجنة مأدبة؟ أجيب بأنه لما كان الإسلام سببًا
لدخولها؛ اكتفى في ذلك بالمسبب عن السبب، ولما كانت الدعوة إلى الجنة لا
تتم إلا بالدعوة إلى الإسلام استقام وضع كل منهما مقام الآخر، ولما كان نعيم
الجنة وبهجتها هو المطلوب الأصلي جعل الجنة نفس المأدبة مبالغة فيها! كذا
حققه الطيبي .
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير، وسند جيد، قاله الحافظ.
٥٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
١٦٢ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي رَافِعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا أُلْفِيَنَّ
أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ،
فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتََّعْنَاهُ)).
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ] (صحيح)
الشّرْحُ
١٦٢ - قوله: (وَعَنْ أَبِي رَافِع) مولى رسول اللّه وَ ل، اختلف في اسمه،
فقيل: أسلم، وقيل: هرمز، وقيل: ثَّبت، وقيل: إبراهيم، وقيل غير ذلك، والأول
هو الأشهر، غلبت عليه كنيته، كان قبطيًّا، وكان للعباس، فوهبه للنبي وقّ، فلما
بشر النبي ◌ُّ بإسلام عباس أعتقه، وكان إسلامه قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحدًا
وما بعدها، له ثمانية وستون حديثًا، انفرد البخاري بحديث، ومسلم بثلاثة، روى
عنه خلق كثير، مات في أول خلافة عليٍّ على الصحيح.
(لَا أُلْفِيَنَّ) بصيغة المتكلم المؤكدة بالنون الثقيلة، من ألفيت الشيء أي:
وجدته. (أَحَدَكُمْ) ظاهره نهي النبي ◌َّر نفسه عن أن يجدهم على هذه الحالة،
والمراد نهيهم عن أن يكونوا على هذه الحالة، فإنهم إذا كانوا عليها بجدهم وَّه
كذلك، من باب إطلاق المسبب. (مُتَّكِثًا) حال أو مفعول ثان. (عَلَى أَرِيكَتِهِ) أي:
سريره المزين بالحلل والأثواب في قبة أو بيت كما للعروس، يعني: الذي لزم
البيت، وقعد عن طلب العلم. قيل: المراد بهذه الصفة الترفه والدعة كما هو عادة
المتكبر القليل الاهتمام بأمر الدين. (يَأْتِيْهِ) حال أخرى من المفعول، ويكون النهي
منصبًّا على المجموع، أي: لا ألفين أحدكم والحال أنه متكئ ويأتيه الأمر فيقول:
لا أدري، إلخ. (الأَمْرُ) أي: الشأن فيعم الأمر والنهي فوافق البيان بقوله: مما
أمرت به أو نهيت عنه. (مِنْ أَمْرِى) بيان الأمر، وقيل: اللام زائدة في ((الأَمْرُ)) ومعناه
أمر من أمرى، أي: شأن من شئون ديني. (مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ) بدل من
أمري. (مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) ((ما)) موصولة مبتدأ خبره ((اتَّبَعْنَاهُ)) يعني:
(١٦٢) أَبُو دَاوُد (٤٦٠٥) فِي السُّنَّةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٢٦٦٣)، وابن مَاجَهْ (١٣) عَنْ أَبِي رَافِعٍ.
٥٥١
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
كِتَابُ الْإِيمَانِ
الذي وجدناه في القرآن اتبعناه، وما وجدناه في غيره لا نتبعه، أي: وهذا الأمر
الذي أمر به وَ ل أو نهى عنه ليس في كتاب الله فلا نتبعه، ويحتمل أن تكون ((مَا))
نافية، والجملة كالتأكيد لقوله: (لَا أَدْرِي)) وجملة ((اتَّبَعْنَاهُ)) حال، أي: وقد اتبعنا
كتاب الله، فلا نتبع غيره، والمقصود النهي عن الإعراض عن حديثه وَّة؛ لأن
المعرض عنه معرض عن القرآن، فالحديث حجة شرعية كالقرآن.
قال السندي: وقول بعض أهل الأصول: لا يجوز الزيادة على الكتاب بخبر،
في الصورة أشبه شيء بهذا المنهي عنه، وإن كان معناه لا يجوز تقييد إطلاق الكتاب
بخبر الآحاد، فالاحتراز عن إطلاق ذلك اللفظ أحسن وأولى. انتهى.
والحديث دليل من دلائل النبوة، وعلم من أعلامها، فقد وقع ما أخبر به كما لا
يخفى على أهل الهند سيما أهل الفنجاب من باكستان .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) رجاله رجال الحسن. (وَأَبُو دَاوُدَ) في السنة. (والتِّرْمِذِيُّ) في
العلم، وقال: حَسَن. (وابْنُ مَاجَهْ) في السنة. (وَالْبَيْهَِيُّ فِي دَلَائِلِ النَّبُوَّةِ) وأخرجه
أيضًا الحاكم.
٥٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
ixe
١٦٣ - [٢٤] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ:
((أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ:
عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ؛ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلَّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ
حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، وَ إِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمُ اللَّهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ الْحِمَارُ
الْأَهْلِّيِّ، وَلَا كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا لُقَطَّةُ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا
صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمَ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ
قِرَاهُ».
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
وَرَوَىَ الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: ((كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ)).
الشَّرْحُ
١٦٣ - قوله: (وَعَنِ الْمِقْدَام) بکسر میم. (بْنِ مَعْدِ یگرِبَ) بفتح الكاف و کسر
الراء، وأما الباء فيجوز كسرها معَ التنوين على الإضافةِ، ويجوزُ فتحه على البناء،
كذا في ((تهذيب الأسماء)). قال القاري: والثاني هو الصحيح من النسخ، وهو
المقدام بن معد يكرب بن عمرو بن يزيد بن معد يكرب الكندي يكنى أبا كريمة،
وقيل: كنيته أبو يحيى، صحابي مشهور، نزل الشام، وحديثه فيهم، مات سنة
(٤٧) على الصحيح، وله (٩١) سنة، روي له أربعون حديثًا، انفرد له البخاري
بحدیث، روی عنه خلق.
(أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ) أي: آتاني اللَّه. (الْقُرْآنَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ) أي: أعطيت القرآن ومثل
القرآن حال كونه منضمًّا معه. قال البيهقي: هذا الحديث يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو، مثل ما أوتي من الظاهر المتلو،
والثاني: أن معناه أنه أوتي الكتاب وحيًّا يتلى، وأوتي مثله من البيان، أي: أذن له
أن يبين ما في الكتاب فيعم ويخص، وأن يزيد عليه فيشرع ما ليس في الكتاب له
ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن
(١٦٣) أَبُو دَاوُد (٤٦٠٤)، وَالدَّارِمِي (١ / ١١٤)، وَابن مَاجَهْ (١٢) فِي السُّنَّةِ، وَاخْتَصَرَهُ التِّرْ مِذِي
(٢٦٦٤) فِي العِلْمِ عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الكِنْدِيِّ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
٥٥٣
يعني: أوتيت القرآن وأحكامًا ومواعظ وأمثالًا تماثل القرآن في كونها واجبة
القبول، أو في المقدار. (ألا) قال الطيبي: في تكرير كلمة التنبيه توبيخ وتقريع نشأ
من غضب عظيم على من ترك السنة والعمل بالحديث استغناء بالكتاب، فكيف
بمن رجح الرأي على الحديث؟ انتهى.
(يُوشِك) بكسر الشين مضارع أوشك أي: يقرب. (شَبْعَانُ) بالضم من غير تنوين
كناية عن البلادة وسوء الفهم الناشئ من الشبع وكثرة الأكل، أو من الحماقة
اللازمة للتنعم والغرور بالمال والجاه. (عَلَى أَرِيكَتِهِ) أي: متكثًا أو جالسًا عليها،
وفيه: تأكيد لحماقة القائل وبطره، وسوء أدبه. قال الأبهري: المتكئ القاعد
المتقوى على وطاء متمكنًا، والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مال في قعوده معتمدًا
على أحد شقيه. انتهى. (يَقُولُ) أي: لأصحابه في رد الحديث حيث لا يوافق
هواه، وهو خبر ((يُوشِكُ)). (عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ) أي: الزموه واعملوا به، ولا
تلتفتوٍا إلى غيره. (فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ) أي: في القرآن. (مِنْ حَلَالٍ) بيان لـ((مَا)).
(فَأَحِلَّوهُ) أي: اعتقدوه حلاله، أو احكموا بأنه حلال، واستعملوه. (فَحَرِّمُوهُ) أي:
اعتقدوه حرامًا واجتنبوه.
قال الخطابي: يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول اللَّه وا له مما ليس له
ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج، فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا
السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا.
(وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ) أي: وأحل، وهذا ابتداء الكلام من النبي وَّ،
والواو للحال، وفيه التفات، أي: الذي حرمه رسول اللَّه في غير القرآن. (كما
حرم الله) أي: وأحل، أي: في القرآن. وفي ابن ماجه: ((ألا وإن ما حرم رسول الله
وَّ مثل ما حرم الله)). قال السندي: ((وَإِنَّ مَا حَرَّمَ)) عطف على مقدر، أي: ألا إن ما
في القرآن حقٍ، وإن ما حرم ... إلخ. مثل ما حرم الله، أي: في القرآن، وإلا فما
حرم رسول اللَّه وَ ليل هو عين ما حرم الله، فإن التحريم يضاف إلى الرسول باعتبار
التبليغ وإلا هو في الحقيقة لله. والمراد أنه مثله في وجوب الطاعة ولزوم العمل
به. انتھی.
(أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ) شروع في بيان ما ثبت بالسنة، ولم يوجد له ذكر في الكتاب
٥٥٤
B
EmeS
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
****** *
على سبيل التمثيل لا التحديد. (الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ) التخصيص بالصفة لنفي عموم
الحكم؛ لأن البري حلال. (وَلَا كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) أي: سباع الوحوش
كالأسد والذئب. (وَلَا لُقَطَّةُ) بضم اللام وفتح القاف، مَما يلتقط مما ضاع من
شخص بسقوط أو غفلة. (مُعَاهَدٍ) أي: كافر بينه وبين المسلمين عهد بأمان في
تجارة. أو رسالة، وفي معناه الذمي. (إِلّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا) أي: يتركها
لمن أخذها استغناء عنها، وهذا تخصيص بالإضافة، ويثبت الحكم في لقطة
المسلم بطريق الأولى، وقيل: وجه التخصيص الاهتمام بشأن المعاهد لعهده؛ لأن
النفس ربما تتساهل في لقطته؛ لكونه كافرًا، ولأنه بعيد عن المسامحة، بخلاف
المسلم .
(وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْم) أي: من استضاف قومًا. (فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ) بفتح الياء وضم
الراء، أي: يضيفوَّه من قريت الضيف قرى إذا أحسنت إليه. وفيه دليل على وجوب
القرى، وإليه ذهب أحمد، وحمله الأئمة الثلاثة على الندب. (فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ)
أي: فللنازل. (أَنْ يُعْقِبَهُمْ) من الإعقاب بأن يتبعهم ويجازيهم من صنيعه. يقال:
أعقبه بطاعته إذا جازاه، وروي بالتشديد. (بمِثْلِ قِرَاه) بالكسر والقصر لا غير. قال
الجزرى في ((النهاية)): أي: فله أن يأخذ منهم عوضًا عما حرموه من القرى، يقال:
عقبهم مشددًا ومخففًا، وأعقبهم، وإذا أخذ منهم عقبى وعقبة، وهو أن يأخذ عنهم
بدلًا عما فاته. انتهى.
وفيه: تأكيد لوجوب القرى، فإنه يدل على إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك
ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب.
وأجاب القائلون بندب الإضافة عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن الأمر بأخذ
مقدار القرى من مال المنزول به كان من جملة العقوبات التي نسخت بوجوب
الزكاة، ورد بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وأجابوا أيضًا بأنه محمول على
المضطر، فإنه يجب إطعامه إجماعًا، ورد بأن لا دليل على هذا الحمل ولا دعت
إليه حاجة، فلا يلتفت إليه. وأجابوا أيضًا بأنه كان في بدء الإسلام حين كانت
الضيافة واجبة، وقد نسخ وجوبها، ورد بأنه لم يقم دليل على أن ذلك كان في أول
الإسلام ثم صار منسوخًا. وأجابوا أيضًا بأنه محمول على من مر بأهل الذمة الذين
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُنَّةِ
٥٥٥
شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، ورد بأن هذا الحمل ضعيف بل
باطل؛ لأنه إنما صار هذا في زمن عمر بن الخطاب، والراجحُ عندي ما ذهب إليه
أحمد لحديث المقدام وغيره مما يدل على وجوب الضيافة، وهو مخصص لحديث
حرمة الأموال إلا بطيبة الأنفس، وسيأتي بسط الكلام في ذلك في باب الضيافة إن
شاء الله.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الأطعمة مختصرًا، وفي السنة بهذا اللفظ إلا أنه ليس فيه
قوله: ((وإن ما حرم رسول اللَّه وَّل، كما حرم الله)). (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ) أي:
بالمعنى. (وَكَذَا) روى نحوه. (ابْنُ مَاجَهْ) في السنة لكن. (إِلَى قَوْلِهِ: كَمَا حَرَّمَ
اللَّهُ) وأخرج أيضًا نحوه مختصرًا الترمذي في العلم، وقال: حسن غريب.
والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وأحمد (ج٤:
ص١٣١) مطولًا بلفظ أبي داود.
١٦٤ - [٢٥] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ فِقَالَ:
(أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِّهِ، يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّ مَا فِي هَذَا
الْقُرْآنِ، أَلَا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ
الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا
بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَّا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ، إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِيَ عَلَيْهِمْ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
وَفِي إِسْنَادِهِ: أَشْعَتُ بْنُ شُعْبَةَ الْمِصِّصِيُّ قَدْ تُكُلُّمَ فِيهِ.
الشَّرْحُ
م
١٦٤ - قوله: (وَعَنِ الْعِرْبَاضِ) بكسر أوله وسكون الراء بعدها موحدة وبعد
الألف معجمة. (بْنِ سَارِيَةَ) السلمى، يكنى أبا نجيح، صحابي مشهور من أهل
الصفة، سكن الشام ومات بها سنة (٧٥) وهو ممن نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى
(١٦٤) أَبُو دَاوُد (٣٠٥٠) فِي السُّنَّةِ عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ.
٥٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] إلخ. روى عنه من الصحابة أبو رهم وأبو
أمامة، وروى عنه جماعة من تابعي أهل الشام، له أحد وثلاثون حديثًا. وقال
البرقي: بضعة عشر حديثًا.
(قَامَ) أي: خطيبًا أو خطب. (أَيَحْسَبُ) بكسر السين وفتحها أي: أيظن. (مُتَّكِئًا)
حال. (يَظُنُّ) بدل من ((يَحْسَبُ)) بدل الفعل من الفعل للبيان والتفسير، قاله
الأشرف. قال الطيبي: ويجوز أن يكون التكرار للتأكيد كما في قوله تعالى: ﴿لَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَنَواْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلاَ تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران:
١٨٨]. (أَلَا) للتنبيه. (وَإِنِّي) الواو للحال، قال الطيبي: الواو ههنا بمنزلة الواو في
((وَإِنَّ مَا)) في الحديث السابق؛ لأن الهمزة للإنكار أي همزة ((أَيَحْسَبُ)) والمعنى:
أيحسب أحدكم أن الله تعالى حصر المحرمات في القرآن والحال أني قد حرمت،
فأقحم حرف التنبيه المتضمن للإنكار بين الحال وعاملها، كما أقحم حرف الإنكار
بين المبتدأ والخبر في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَنْتَ تُنقِذُ مَن فِ النَّارِ
[الزمر: ١٩]، جاءت الهمزة مؤكدة معادة بين المبتدأ المتضمن للشرط وبين
الخبر، ذكره الزجاج. (عَنْ أَشْيَاءَ) متعلق بالنهي فحسب، ومتعلق الأمر والموعظة
محذوف، أي: بأشياء. (إِنَّهَا) أي: الأشياء المأمورة والمنهية عنها على لساني
بالوحي الغير المتلو. (لَمِثْلُ الْقُرْآنِ) أي: في المقدار. (أَوْ أَكْثَرُ) أي: بل أكثر.
قال القاري: وقد يستشكل هذا بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَنَّا لِكُلِّ
شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] بناءً على بقائه على عمومه، أي: فيما يحتاج إليه في الدين.
ويجاب بأن نسبة هذا إليه وَلَه إنما هو لكونه الذي استنبطه واستخرجه من القرآن،
ولذا قال الشافعي: كل ما حكم به رسول اللَّه وَّر، فهو مما فهمه من القرآن، ثم
أخرج ما يؤيده وهو قوله وَّهِ: ((إِنِّي لَا أُحِلُّ إِلَّا مَا أَحَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا أُحَرِّمُ إِلَّ مَا
حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ)). (لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ) من الإحلال. (أَهْلِ الْكِتَابِ) يعني: أهل الذمة
الذين قبلوا الجزية. (إلّا بِإِذْنٍ) وفي بعض النسخ المصححة ((إِلَّا بِإِذْنِهِمْ)) أي: إلا
أن يأذنوا لكم بالطوع والرغبة. (وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ) أي: بالقهر من بساتينهم فضلاً
عن بقية أموالهم. (إِذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ) أي: من الجزية وما عاهدوا عليه
والتزموه.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُنَّةِ
٥٥٧
(رَوَاهُ) ... قال القاري: كذا أي بياض في أصل ((المشكاة)) بعد قوله: ((رَوَاهُ))
وسببه تقدم في الخطبة، فألحقه ميرك شاه في هذا المحل، وقال: رواه أبو داود
وفي إسناده أشعث بن شعبة المصيصي تكلم فيه، انتهى. قلتُ: أخرج الحديث أبو
داود في كتاب الخراج، وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده أشعث بن شعبة
المصيصي، وفيه مقال. انتهى. وفي التهذيب (ج١: ص٣٥٤) قال أبو زرعة:
لين، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: وفي سؤالات الأحمرى عن أبي
داود: أشعث بن شعبة ثقة. وقال في التقريب: هو مقبول. والمصيصي بكسر الميم
والمهملة المشددة، نسبة إلى المصيصة مدينة على ساحل البحر، كذا في ((لب
اللباب)). وفي ((القاموس)): والمصيصة كسفينة بلد بالشام ولا تشدد.
١٦٥ - [٢٦] وَعَنْهُ: قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ ذَاتَ يَوْمِ، ثُمَّ أَقْبَلَ
عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَاً الْقُلُوبُ،
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعْ فَأَوْصِنَا؟ قَالَ: ((أُوصِيكُمْ
بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبِّشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ
بَعْدِي، فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛
فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةً)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ؛ إِلَّ أَنْهُمَا لَمْ يَذْكُرَا الصَّلَاةَ] {صحيح}
الشَّرْجُ
١٦٥ - قوله: (صَلَّى بِنَا) أي: إمامًا لنا. (بِوَجْهِهِ) تأكيد. (فَوَعَظَنَا) بفتح
الظاء. (بَلِيغَةً) أي: تامة في الإنذار من المبالغة، أي: بالغ فيها بالإنذار
والتخويف، لا من البلاغة المفسرة بوجازة اللفظ وكثرة المعنى مع البيان؛ لعدم
المناسبة بالمقام. (ذَرَفَتْ) بفتح الراء. أي: دمعت. (مِنْهَا) أي: من موعظته.
(١٦٥) أَبُو دَاوُد (٤٦٠٧) فِي السُّنَّةِ، وَالتِّرْ مِذِي (٢٦٧) فِي العِلْمِ، وَابن مَاجَهْ (٤٣) عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ
سَارِيَةً .
٥٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(الْعُيُونُ) أي: سالت دموع العيون، وفي إسناد الذرف إلى العُيونِ مع أن السائل
دموعها مبالغة، والمقصود: أنها أثرت فيهم ظاهرًا وباطنًا. (وَوَجِلَتْ) بكسر الجيم
أي: خافت. (مِنْهَا الْقُلُوبُ) لتأثيرها في النفوس واستيلاء سلطان الخشية على
القلوب. (فَقَالَ رَجُلٌ) وفي رواية لأحمد: ((قُلْنَا)) وفي رواية للحاكمِ: ((فَقُلْنَا)).
(كَأَنَّ) بالتشديد. (مَوْعِظَةُ مُوَدِّع) اسم فاعل من ودع، أي: المبالغة تدلّ على أنك
تودعنا، فإن المودع عند الوداعَّ لا يترك شيئًا مما يهم المودع بفتح الدال، ويفتقر
إليه إلا ويورده، ويستقصي فيه. (فَأَوْصِنَا) أي: إذا كان الأمر كذلك، فمرنا بما فيه
كمال صلاحنا. (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ) هذا من جوامع الكلم؛ لأن التقوى امتثال
المأمورات واجتناب المنهيات، وهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها
وهي وصية اللَّه الأولين والآخرين. (وَالسَّمْع وَالطَّاعَةِ) أي: وبقبول قول من يلي
أمركم من المسلمين وطاعته ما لم يأمر بمعصية عادلًا كان أو جائرًا، وإلا فلا سمع
ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا) أي: ولو كان الأمير
الذى ولاه الخليفة عليكم أدنى الخلق، فلا تستنكفوا عن إطاعته مخافة إثارة
الحروب وتهييج الفتن وظهور الفساد في الأرض، وفي رواية الحاكم: ((وإن أمر
عليكم عبد حبشي)). وفيه: دليل على أن الكلام في الأمير الذي ولاه الخليفة لا في
الخليفة حتى يرد أنه كيف يكون الخليفة عبدًا حبشيًّا، ويشهد لذلك حديث علي عند
الحاكم: ((وَإِنْ أَمَّرَتْ قُرَيْشٌ فِيَكُمْ عَبَدًا حَبَشِيًّا مُجَدِّعًا فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا)). إسناده
جيد، على أن المحل محل المبالغة في لزوم الطاعة، ففرض الخليفة عبدًا حبشيًّا
لإفادة المبالغة يحتمل. وقيل: هو محمول على المتغلب المتسلط؛ فإنه تصح
خلافته تسلطًا وتغلبًا. (فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ) بالجزمِ. (مِنْكُمْ بَعْدِي) إلخ. هذا بمنزلة
التعليل للوصية بما تقدم. أي: السمع والطاعة مما يدفع الخلاف الشديد فهو
خير .
قال الطيبي: الفاء في ((فَإِنَّه)) للسببية جعل ما بعدها سببًا لما قبلها، يعني: من قبل
وصيتي والتزم تقوى الله، وقبل طاعة من ولي عليه، ولم يهيج الفتن أمن بعدي ما
يرى من الاختلاف الكثير، وتشعب الآراء، ووقوع الفتن والحروب، وظهور البدع
والأهواء.
(بِسُنَِّي) أي: بطريقتي الثابتة عني واجبًا أو مندوبًا. (وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ)؛ لأنهم فيما
٥٥٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
سنوه إما متبعون لسنة نفسها، وإما متبعون لما فهموا من سنتي في الجملة
والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله. (الرَّاشِدِينَ) أي: الذين أوتوا الرشد
والسداد في مقاصدهم الصحيحة. (الْمَهْدِيِّينَ) أي: الذين هداهم الله إلى الحق،
والمعنى: الزموا طريقتهم، وقد كانت طريقتهم هي نفس طريقته وَّة، فإنهم أشد
الناس حرصًا عليها، وعملًا بها في كل شيء، وعلى كل حال، فالإضافة إليهم إما
لاشتهارها في زمانهم وعملهم بها، أو لاستنباطهم واختيارهم إياها .
قال التوربشتي في (شرح المصابيح)): المعنيون بهذا القول هم الخلفاء الأربعة؛
لأنه قال في حديث آخر: ((الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنَةً))، وقد انتهت الثلاثون بخلافة
علي، وليس معنى هذا القول نفي الخلافة عن غيرهم؛ لأن النبي وَ لّ قال: ((يَكُونُ
فِي أُمَّتِي إِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً)) وإنما المراد تفخيم أمرهم، وتصويب رأيهم، والشهادة
لهم بالتفوق فيما يمتازون به عن غيرهم من الإصابة في العلم، وحسن السيرة،
واستقامة الأحوال؛ ولهذا وصفهم بالراشدين، وهم الذين أوتوا رشدهم في
مقاصدهم الصحيحة، وهدوا إلى الأقوم والأصلح في أقوالهم وأفعالهم. وإنما
ذكر سنتهم في مقابلة سنته لأمرين: أحدهما: علم أنه لا يخطئون فيما يستخرجونه
من سنته باجتهادهم، والثاني: أنه وَلَّ علم أن بعضًا من سننه لا يشتهر بزمانه، وإن
علم الأفراد من أصحابه، ثم يشتهر في زمانهم فيضاف إليهم، فربما يستدرع أحد
من رد تلك السنن بإضافتها إليهم، فأطلق القول باتباع سنتهم سدًّا لهذا الباب.
انتھی. مختصرًا.
وقيل: الحديث عام في كل خليفة راشد لا يخص الخلفاء الراشدين الأربعة،
ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها
النبي ◌ُّ، فليس المراد في الحديث بسنة الخلفاء الراشدين، إلا طريقتهم الموافقة
لطريقته وَلخير من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها. وقال الشوكاني في
مجموعة فتاواه التي سماها ولده بـ ((الفتح الرباني)) في الجواب عن معنى هذا
الحديث: المراد بالسنة الطريقة، فكأنه قال: الزموا طريقتي وطريقة الخلفاء
الراشدين، وقد كانت طريقهم هي نفس طريقته، فإنهم أشد الناس حرصًا عليها،
وعملًا بها في كل شيء، وعلى كل حال، وكانوا يتوقون مخالفته في أصغر الأمور
فضلاً عن أكبرها، وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله وَ ل عملوا