Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ *80* * خُلِقَ لَهُ) يعني: من خلق للجنة مثلًا يسر عليه عملها البتة، فالتيسر علامة كونه من أهلها، فمن لم ييسر على عملها فليعلم أنه ليس من أهلها بل من أهل النار. قال السندي: نَّه وَ له على الجواب عن قولهم بأن الله تعالى دبر الأشياء على ما أراد، وربط بعضها ببعض وجعلها أسبابًا ومسببات، ومن قَدَّرَهُ من أهل الجنة قُدِّرَ له ما يقربه إليها من الأعمال ووفقه لذلك بأقداره، ويمكنه منه ويحرضه عليه بالترغيب والترهيب، ومن قُدِّرَ له أنه من أهل النار قدر له خلاف ذلك وخذله حتی اتبع هواه وترك أمر مولاه، والحاصل: أنه جعل الأعمال طريقًا إلى نيل ما قدره له من جنة أو نار، فلا بد من المشي في الطريق، وبواسطة التقدير السابق يتيسر له ذلك المشي، لكل في طريقه ويسهل عليه، انتهى. وقال القاري ملخصًا لكلام الخطابي والتوربشتي والطيبي: لم يرخص لهم النبي وَّر في الاتكال وترك العمل، بل أمرهم بالتزام ما يجب على العبد من امتثال أمر مولاه عن العبودية آجلًا، وتفويض الأمر إليه بحكم الربوبية آجلاً وأعلمهم بأن هاهنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر، باطن وهو حكم الربوبية، وظاهر وهو سمة العبودية، فأمر بكليهما ليتعلق الخوف بالباطن المغيب والرجاء بالظاهر البادي؛ ليستكمل العبد بذلك صفات الإيمان ومراتب الإحسان، يعني: أنتم عبيد ولا بد لكم من العبودية، فعليكم التزام ما أمرتم واجتناب ما نهيتم من التكاليف الشرعية بمقتضى العبودية، وإياكم والتصرف في أمور الربوبية، ولا تجعلوا الأعمال أسبابًا مستقلة للسعادة والشقاوة بل أمارات لهما وعلامات، فكل مهيأ وموفق لأمر قدر ذلك الأمر له من الخير والشر، والحاصل أن الأمر المبهم الذي ورد عليه البيان من هذا الحديث عنه ﴿ هو أنه بين أن القدر في حق العباد واقع على تدبير الربوبية، وذلك لا يبطل تكليفهم العمل بحق العبودية، فكل من الخلق ميسر ما دبر له في الغيب، فيسوقه العمل إلى ما كتب له في الأزل من سعادة وشقاوة، فمعنى العمل التعرض للثواب والعقاب، انتهى. قال الخطابي: ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب مع التعالج بالطب المأمور به، فإنك تجد الباطن منها على موجبه والظاهر سببًا مخيلًا، وقد اصطلح الناس خاصتهم وعامتهم على أن الظاهر منهما لا يترك بسبب الباطن، انتهى. ٤٠١ كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ وهذا الحديث أصل لأهل السنة أن السعادة والشقاوة بتقدير الله القديم وخلقه، بخلاف القدرية الذين يقولون: إن الشر ليس بخلق الله وتقديره، وفيه رد على الجبرية؛ لأن التيسير ضد الجبر؛ لأن الجبر لا يكون إلا عن كُره، ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا وهو غير كاره. (أَمَّا مَنْ كَانَ) تفصيل لما أجمل قبله. (مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ) أي: في علم اللَّه أو في كتابه أو في آخر أمره وخاتمة عمله. (فَسَيُيَسَّرُ) أي: يسهل ويوفق ويهيأ. (مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ). وفي ((المصابيح)) بلفظ: ((الشِّقْوَةِ)) بكسر الشين وهو مصدر بمعنى: الشقاوة. (ثُمَّ قَرَأَ) أي: النبي ◌َّاستشهادًا على أن التيسير منه تعالى: ﴿فَأَمَا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى ﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾﴾ الآية [الليل: ٦،٥]. أي: من كان متصفًّا بهذا الصفات في علمنا وقدرنا فسنيسره لتلك الأعمال في الخارج، وبهذا التوجيه ينطبق عليه الحديث . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي في ((الكبرى)) وابن ماجه وغيرهم مطولًا ومختصرًا بألفاظ متقاربة. ٤٠٢ ewworreee **** * B مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٨٦- [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدَّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: ((كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِك ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، الْعَيْنَانِّ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأَذْنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَى، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَّنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ))(*). الشّرُْ ٨٦- قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ) أي: أثبت في اللوح المحفوظ. (عَلَى ابْنِ آدَمَ) أي: هذا الجنس أو كل فرد من أفراده، واستثنى الأنبياء. (حَظّهُ) أي: نصيبه. (مِنَ الزِّنَا) (من) بيانية، وما يتصل بها حال من حظه، وقيل: تبعيضية. قال التُّورْبَشْتِي: أي: أثبت عليه ذلك بأن خلق له الحواس التي يجد بها لذة ذلك الشيء، وأعطاه القوى التي بها يقدر على ذلك الفعل، فبالعينين بما ركب فيهما من القوة الباصرة تجد لذة النظر، وعلى هذا ليس المعنى أن ألجأه وأجبره عليه، بل ركز في جبلته حب الشهوات، ثم إنه تعالى برحمته وفضله يعصم مَنْ يشاء. وقال الطيبي: يحتمل أن يراد بقوله: ((كَتَبَ)) أثبت، أي: أثبت فيه الشهوة والميل إلى النساء، وخلق فيه العينين والأذن والقلب والفرج، وهي التي تجد لذة الزنا، وأن يراد به قَدَّر، أي: قَدَّرَ في الأزل أن يجري عليه الزنا في الجملة، فإذا قدر في الأزل أدرك ذلك لا محالة . (أَدْرََ) أي: أصاب. (ذَلِكَ) أي: المكتوب عليه المقدر له أو حظه. (لَا مَحَالَةَ) بفتح الميم ويضم، أي: لابد له ولا احتيال منه، فهو واقع البتة. (فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ) (٨٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَهُ، فِهِ. (#) رواية مُسْلِم (٢٠/ ٢٦٥٧) و(٢١/ ٢٦٥٧) عَنْهُ فِيهِ. ٤٠٣ كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ إلى ما لا يحل للناظر. (وَزِنَا اللَّسَانِ الْمَنْطِقُ) أي: الحرام كالمواعدة، وفي بعض النسخ (النطق)، بضم النون بغير ميم في أوله. (وَالنَّفْسُ) أي: القلب كما في الرواية الآتية، ولعل النفس إذا طلبت تبعها القلب. (تَمَنَّى) بحذف إحدى التائين. (وَتَشْتَهِي) لعله عدل عن السنن السابق لإفادة التجدد، أي: زنا النفس تمنيها واشتهائها الزنا الحقيقي، والتمني أعم من الاشتهاء؛ لأنه قد يكون في الممتنعات دونه. (وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ) أي: عمل الفرج يصدق ذلك النظر والتمني بأن يقع في الزنا بالوطء. (وَيُكَذَّبُهُ) بأن يمتنع من ذلك خوفًا من ربه، سمى هذه الأشياء باسم الزنا؛ لأنها من دواعيه، فهو من إطلاق المسبب على السبب. وقال الطيبي: لأنها مقدمات له مؤذنة بوقوعه، ونسب التصديق والتكذيب إلى الفرج؛ لأنه منشأه ومكانه، أي: يصدقه الفرج بالإتيان بما هو المراد منه ويكذبه بالكف عنه والترك، وقيل: ذلك إشارة إلى ما اشتهته النفس ورأته العين وتكلم به اللسان، يعني: إن رآها بالعين واشتهتها النفس وتكلم اللسان بذكرها وعمل بها فعلًا بالفرج، فقد صار الفرج مصدقًا لتلك الأعضاء، وصار الزنا الصغير كبيرًا، وإن لم يفعل شيئًا بالفرج فقد كذب الفرج تلك الأعضاء ولم يصر الزنا كبيرًا، ويرفع بالاستغفار والوضوء والصلاة. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الاستئذان وفي القدر، ومسلم في القدر، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي. (وَفِي رِوَايَةٍ) أخرى. (لِمُسْلِم) تفرد بها. (كُتِبَ) بصيغة المجهول. (مُدْرِك) بالتنوين ويجوز الإضافة. (ذَلِكَ) يعَّني: هو، أي: ابن آدم واصله حظه ونصيبه، أو نصيبه المقدر يدركه ويصيبه. (لَا مَحَالَةً) لأنه ما كتبه الله لابد أن يقع. (الاسْتِمَاعُ) أي: إلى كلام الزانية أو الواسطة أو صوت الأجنبية بشرط الشهوة. (زِنَاهَا الْبَطْشُ) أي: الأخذ واللمس، ويدخل فيها الكتابة إليها ورمي الحصا إليها ونحوهما. (زِنَاهَا الْخُطَى) بضم المعجمة، جمع خطوة، وهي ما بين القدمين، يعني: زناهما نقل الخطى، أي: المشي أو الركوب إلى ما فيه الزنا. (يَهْوَى) من سمع بوزن يرضى، أي: يحب ويشتهي، وفي الحديث دليل على أن الزنا ودواعيه مكتوبة مقدرة على العبد غير خارجة عن سابق القدر، وأن الإنسان لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه، إلا أنه يلام إذا وقع ما نهي عنه بحجب ذلك عنه وتمكينه من التمسك بالطاعة، فبذلك يندفع قول القدرية والمجبرة، ويؤيده قوله: ((وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي))؛ لأن المشتهى بخلاف الملجأ. ٤٠٤ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٨٧- [٩] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلَيْنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكَّدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: ((لَا، بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَكَّ: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ﴿﴿ فَلْهَمَهَا ◌ُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨]). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشَّرْحُ ٨٧- قوله: (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) مصغرًا - ابن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، يُكنى أبا نجيد بنون وجيم مصغرًا، أسلم أيام خيبر، سكن البصرة إلى أن مات بها سنة (٥٢)، وقيل: سنة (٥٣) كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى، وقال ابن سعد: كانت الملائكة تصافحه قبل أن يكتوي. وفي ((الخلاصة)): وكانت الملائكة تسلم عليه. وهو ممن اعتزل الفتنة، كان الحسن البصري يحلف بالله: ما قدمها - أي: البصرة - راكب خير من عمران بن حصين، وكذا قال ابن سيرين نحوه، له مائة وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثمانية وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بتسعة، روى عنه جماعة من التابعين. (مِنْ مُزَيْنَةً) بالتصغير، اسم قبيلة. (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني من إطلاق السبب على المسبب؛ لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقررة، أي: قد رأيت ذلك فأخبرني به. (مَا يَعْمَلُ النَّاسُ) من الخير والشر. (الْيَوْمَ) أي: في الدنيا. (وَيَكْدَحُونَ فِيهِ) أي: يسعون في تحصيله بجهد وكد، يقال: كدح في العمل أي: جهد نفسه فيه وكد حتى يؤثر فيه. (أَشَيْءٌ) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو شيء. (قُضِيَ عَلَيْهِمْ) بصيغة المجهول، أي: قدر فعله عليهم. (وَمَضَى فِيهِمْ) بصيغة المعلوم، أي: نفذ في حقهم. (مِنْ قَدَرٍ سَبَقَ) أي: في الأزل. قال القاري: (٨٧) مُسْلِم (١٠ / ٢٦٥٠) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِهِ. ٤٠۵ كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ من بيانية لشيء، ويكون القضاء والقدر شيئًا واحدًا، كما قاله بعضهم، وإما تعليلية متعلقة بقضي أي: قضي عليهم لأجل قدر سبق، وإما ابتدائية أي: القضاء نشأ وابتدأ من خلق مقدر، فيكون القدر سابقًا على القضاء، انتهى. (أَوْ) كذا في ((صحيح مسلم)) و(مسند أحمد))، ووقع في (تفسير ابن جرير)) و(نسخ المصابيح)) ((أَمْ))، قيل: على كلتا الروايتين ليس السؤال عن أحد الأمرين؛ ف(أَمْ)) منقطعة و((أَوْ)) بمعنى ((بَلْ))، أي: للإضراب. (فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ) قال السيد جمال الدين: كذا وقع بصيغة المجهول في أصل سماعنا من ((صحيح مسلم))، وهو الأرجح معنَّى أيضًا، لكن وقع في أكثر نسخ (المشكاة)) بصيغة المعروف، انتهى. والمعنى: أخبرنا أن ما يعمله الناس من الخير والشر، أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من الأزل، ويجري فيهم في وقت معلوم، أم شيء لم يقض عليهم في الأزل، بل يجري عليهم كل فعل في الوقت الذي يستقبله الرجل ويقصده من غير أن يجري عليه التقدير؟ والحاصل: أن ما يفعله الإنسان من الشر والخير أهو مبني على قضاء وقدر سابق، أي: مقدر ومقضي سابقًا في الأزل، أم هو أمر مستأنف ليس مبنيًّا على قدر وقضاء سابق، وشيء أنف لم يقض ولم يقدر عليهم في الأزل، بل هو كائن فيما يستقبلون من الزمان فبه يتوجهون إلى العمل ويقصدون بقدرتهم الحقيقية واختيارهم المستقل من غير سبق تقدير قبل ذلك؟ فقوله: ((فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ)) في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كائن في الزمان الذي يستقبلونه، معطوف على قوله: ((شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ)). (مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ) الباء للتعدية، ولفظ: ((مِنْ)) في ((مِمَّا أَتَاهُمْ)) بيان لما في قوله: ((مَا يَعْمَلُ النَّاسُ))، أو بيان لما في قوله: ((ما يُستقبلُون))، والأول أولى كما قال السيد جمال الدين. (وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ) بظهور صدق نبيهم بالمعجزات، وفي (تفسير ابن جرير)): ((أَمْ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَقِْلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وََّ وَأَّدَتْ بِهِ عَلِيْهِمُ الْحُجَّة))؟. (فَقَالَ) وَلِّ. (لَا) أي: ليس الأمر أنفًّا في المستقبل. (بَلْ) هو (شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ) في الأزل، أو المعنى: لا تردد فإن الأمر مبني على قدر وقضاء سابقٍ جزمًا، وزاد في رواية ابن جرير وغيره: ((قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُونَ إِذَنْ؟ قَالَ: مَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ يُّهَيِّئُهُ لِعَمَلِهَا)). (وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ) إشارة إلى ما ذكر أنه قضي عليهم. ﴿وَنَفْسٍ﴾ بالجر على الحكاية، والمراد بها جميع النفوس، والتنوين ٤٠٦ CREes مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ للتنكير أو التكثير، وقيل: المراد نفس آدم. ﴿وَمَا سَوَّنَهَا﴾ ما مصدرية أو موصولة، ورجحه ابن جرير، ومعنى سواها: أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، وقيل: عدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها وما فيها من الجواهر والأعراض والمعاني، وغير ذلك. ﴿فَهَمَهَا تُجُورَهَا وَتَقْوَتِهَا ﴾﴾ أي: أرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بين لها طريقي الخير والشر، وهداها إلى ما قدر لها في الأزل. قال الواحدي: هذا صريح في أن الله خلق في المؤمن تقواه وفي الكافر فجوره. قال القاري: وجه الاستدلال بالآية أن ((ألهمها)) بلفظ الماضي يدل على أن ما يعملونه من الخير والشر قدر جرى في الأزل. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٤٣٨) وابن جرير وغيرهما. ٨٨- [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِافْتَهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ - كَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الاخْتِصَاءِ - قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَلِّ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصٍ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ)). [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] الشّرْجُ ٨٨- قوله: (وَأَنَا أَخَافُ) وعند الكشمهيني: ((وَإِنِّي أَخَافُ)). (الْعَنَتَ) بفتحتين الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة على الإنسان واكتساب المأثم والزنا، والمراد هنا: الوقوع في الهلاك بالزنا. (كَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْأخْتِصَاءِ) هذا كلام أحد الرواة، وقيل: هو قول الراوي عن أبي هريرة، وليس هذا في البخاري. وعند أبي نعيم: ((فَأُذَنْ لِي أَخْتَص))، والاختصاء - بالمد - هو الشق على الأنثيين وانتزاعهما. (فَسَكَتَ عَنِّي) أي: عن جوابي. (ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ) أي: في الرابعة إلحاحًا ومبالغة. (جَفَّ الْقَلَمُ) قال التُّورْبَشْتِي: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير (٨٨) الْبُخَارِي (٥٠٧٦) فِي النِّكَاحِ، وَالنَّسَائِي (٦/ ٥٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ ٤٠٧ وإمضائها والفراغ منها. قال الطيبي: هذا من باب إطلاق اللازم على الملزوم؛ لأن الفراغ يستلزم جفاف القلم عن مداده، والمعنى: أن ما كان وما يكون قدر في الأزل، ونفذ المقدور بما كتب في اللوح المحفوظ، فبقي القلم الذي كتب به جافًا لا مداد فيه لفراغ ما كتب به. قال عياض: كتابة اللَّه ولوحه وقلمه من غيب علمه الذي نؤمن به ونكل علمه إليه. (بِمَا أَنْتَ لَاقٍ) أي: جف القلم بالفراغ من كتابة ما هو كائن في حقك، أي: قد كتب عليك وقضي ما تلقاه في حياتك، والمقدر لا يتبدل بالأسباب، فلا يجوز ارتكاب الأسباب المحرمة لأجله. نعم إذا شرع الله تعالى سببًا أو أوجبه فالمباشرة به شيء آخر. (فَاخْتَصٍ) أمر من الاختصاء. (عَلَى ذَلِك) في موضع الحال، يعني: إذا علمت أن كل شيء مقدر فاختص حال كون فعلك وتركك واقعًا على ما جف القلم، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف، أي: اختص على حال استعلائك على العلم بأن كل شيء بقضائه وقدره. (أَوْ ذَرْ) أي: إن شئت اختصيت بلا فائدة، وإن شئت تركته، وليس هو من باب التخيير والإذن في الخصاء، بل توبيخ وتهديد، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [١٨: ٢٩]، والمعني: إن فعلت أو لم تفعل فلابد من نفوذ القدر، ومحصل الجواب أن جميع الأمور بتقدير الله في الأزل، فالخصاء وتركه سواء، فإن الذي قدر لا بد أن يقع فلا فائدة في الاختصاء، ف(أَوْ)) للتسوية، ووقع في أكثر نسخ ((المصابيح)) ((فاختصر)) بزيادة الراء، بمعنى أن الاختصار على ما ذكرت لك من التقدير والتسليم له، وتركه والإعراض عنه سواء، فإن ما قدر لك فهو لا محالة لاقيك وما لا فلا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في النكاح، وأخرجه أيضًا النسائي. ٤٠٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٨٩- [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنٍ مِّنْ أَصَّابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبَ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشَّرْجُ ٨٩- قوله: (بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ) هذا من أحاديث الصفات التي نؤمن بها ونعتقد أنها حق من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيف مشبه، قال اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقيل: هذا الحديث من أحاديث الصفات التي تقبل التأويل، فيتأول حسب ما يليق بجلاله الأقدس وكماله الأنفس، فعلى هذا إطلاق الإصبع عليه تعالى مجاز، وهو كما يقال: فلان في قبضتي، أي: في كفي، لا يراد به أنه حال في كفه، بل المراد تحت قدرتي، ويقال: فلان بين إصبعي أقلبه كيف شئت، أي: إنه هين علي قهره والتصرف فيه كيف شئت. ومعنى الحديث: أن تقليب القلوب في قدرته يسير، يعني: أنه تعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء، ولا يمتنع عليها منها شيء ولا يفوته ما أراده، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه، فخاطب العرب بما يفهمونه، ومثله بالمعاني الحسية تأكيدًا له في نفوسهم، وقيل غير ذلك في تأويله، وعندنا التفويض هو المتعين، والتفويض، أي: عدم التعرض لتأويله ومعرفة كيفيته وفهم حقيقته ومعناه. قال النووي: فإن قيل: فقدرة الله واحدة والإصبعان لتثنية؟ فالجواب: أنه قد سبق أن هذا مجاز واستعارة، فوقع التمثيل بحسب ما اعتادوه غير مقصود به التثنية والجمع، انتهى. وقال في ((المجمع)): هو تمثيل عن سرعة تقلبها، وأنه معقود (٨٩) مُسْلِم (١٧ / ٢٦٥٤) فِي القَدَرِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو. كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ ٤٠٩ بمشيئة الله، وتخصيص الأصابع كناية عن أجزاء القدرة والبطش؛ لأنه باليد، والأصابع أجزاؤها. (كَقَلْبِ وَاحِدٍ) بالوصف، يعني: كما أن أحدكم يقدر على شيء واحد، اللَّه تعالى يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة لا يشغله شأن، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَّا خَلْفُكُمْ وَلَ بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وليس المراد أن التصرف في القلب الواحد أسهل بالقياس إليه تعالى، إذ لا صعوبة بالقياس إليه تعالى، بل ذلك راجع إلى العباد وإلى ما عرفوه فيما بينهم. (يَصْرِّفُهُ) بالتشديد أي: يقلب القلب الواحد أو جنس القلب. وفي بعض نسخ ((المصابيح)) بتأنيث الضمير أي: القلوب. (كَيْفَ يَشَاءُ) حال عن تأويل هينًا سهلًا لا يمنعه مانع، أو مصدر أي: تقليبًا سريعًا سهلًا، وفي بعض نسخ ((صحيح مسلم)) ((حَيْثُ يَشَاءُ))، (صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) أي: إليها أو ضمن معنى التثبيت. ويؤيده ما ورد: ((ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)). وفيه: إرشاد للأمة وإعلام بأن نفسه القدسية الطاهرة المطهرة إذا كانت مفتقرة إلى اللجوء إليه كان غيره أولى وأحرى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي. ٩٠ - [١٢] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟))، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ اَلَِّى [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ اُلِّنُ الْفَيِّمُ﴾ . الشَّرْحُ ٩٠ - قوله: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ) أي: من بَني آدم، كما في رواية (إِلَّا يُولَدُ) قيل: مولود مبتدأ، ويولد خبره، أي: ما من مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على (٩٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (١٣٥٨، ١٣٥٩، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩) فِي الجَنَائِزِ، وَمُسْلِم (٢٢/ ٢٦٥٨) فِي القَدَرِ، وأَبُو دَاوُد (٤٧١٤). ٤١٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ هذا الأمر. (عَلَى الْفِطْرَةِ) الفطر: الابتداء والاختراع. والفطرة: الحالة والهيئة منه. واختلف السلف في المراد بالفطرة في الحديث على أقوال كثيرة، أشهرها: أن المراد بها الإسلام، وبه جزم البخاري ورجحه كثير من السلف، ويؤيده ما في رواية: ((الْمِلَّةِ))، بدل الفطرة؛ لأن ماصدقهما واحد، وحديث عياض بن حمار مرفوعًا من الحديث القدسي: ((إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ ... )) الحديث. وقد رواه غيره فزاد فيه ((حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ))، ويدل عليه استشهاد أبي هريرة بقوله تعالى: ﴿فِطَّرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فقد أجمع أهل التأويل أن المراد بالفطرة في الآية الإسلام، والحديث سِيْقَ لبيان ما هو في نفس الأمر لا لبيان أحكام الدنيا، فلا عبرة للإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة، ألا ترى أنه يقول: ((فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ)) في حكم الدنيا، فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين، ومعنى قوله ظلَّ: ((طُبعَ كَافِرًا)) في حديث موسى والخضر، أي: خلق وقدر وجبل أنه لو عاش يصير كافرًا، وأن اللّه علم أنه لو بلغ لكان كافرًا، لا أنه كافر في الحال، ولا أنه يجري عليه في الحال أحكام الكفار، وقوله تعالى: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ يؤول بأنه من شأنه أو الغالب فيه أنه لا يبدل، أو يقال: الخبر بمعنى النهي، ولا يجوز أن يكون إخبارًا محضًا لحصول التبديل. وقيل: المراد بالفطرة في الحديث وكذا في الآية ما فطر اللَّه الخلق عليه من الهيئة مستعدة لمعرفة الخالق، ومتهيأة لقبول الدين، ومتمكنة من الهدى، ومتأهلة لقبول الحق والتمييز بين حسن الأمر وقبيحه، فلو ترك المولود على ما فطر عليه من التمكن على الهدى والتأهل لقبول الحق والتهيؤ لقبول الدين في أصل الجبلة، ولم يتعرضه آفة من قبل الأبوين وغيرهما لاستمر على لزومه، ولم يفارقه إلى غيره، ولم يختر غير هذا الدين الذي حسنه ظاهر عند ذوي العقول وثابت في النفوس، والفطرة بهذا المعنى لا يتهيأ لأحد تبديلها؛ لأن هذا الاستعداد والتهيؤ لا يتبدل، وإن ذهب ذاهب إلى خلاف مقتضاها كانت بحالها حجة عليه، وليس هذا تبديلاً له بل عدم ظهور أثره بالفعل. وهذا أرجح الأقوال عندي وأولاها، ولا يخالفه لفظ: ((الْمِلَّة)) ولا حديث عياض بن حمار كما لا يخفى على المتأمل، وإلى هذا القول مال القرطبي في ((المفهم)) فقال: المعنى أن الله خلق قلوب بني آدم ٤١١ كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الإيمَان بالقدر مؤهلة لقبول الحق كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فمادامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام، وهو الدين الحق، وقد دلَّ على هذا المعنى بقية الحديث، حيث قال: ((كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ ... )) إلخ، يعني: أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئًا من العيب، لكنهم تصرفوا فيه بقطع أذنه مثلًا، فيخرج عن الأصل، وهو تشبيه واقع وجهه واضح، وهو الذي رجَّحه التُّورِبَشْتي في ((شرح المصابيح))، واختاره الطيبي في ((شرح المشكاة))، والشاة ولي الله الدهلوي في ((حجة الله))، وقال في ((شرح الموطأ)): إنه أصح ما قيل في هذا الحديث. (يُهَوِّدَانِهِ) بتشديد الواو، أي: يعلمانه اليهودية ويجعلانه يهوديًا إذا كانا من اليهود. وذلك بتقدير الله وقضائه لا بخلقهما، فلا حجة فيه للقدرية. وكذا ينصرانه ويمجسانه، والفاء في ((فَأبواهُ)) إما للتعقيب وهو ظاهر، أو للتسبيب، أي: إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبويه غالبًا. (كَمَا تُنْتَجُ) أي: تلد (الْبَهِيمَةُ) بالرفع، وقوله: ((كَمَا)) إما حال من الضمير المنصوب في يهودانه مثلاً، أي: يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة مشبهًا بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة، أو من الضمير المرفوع في ((يُولَدُ))، شبه ولادته على الفطرة بولادة البهيمة السليمة، غير أن السلامة حسية ومعنوية، أو صفة مصدر محذوف، وما مصدرية، أي: يولد على الفطرة ولادة مثل نتاج البهيمة، أو يغيرانه تغييرًا كتغييرهم البهيمة، وعلى التقديرين فالأفعال الثلاثة - أعني: يهودانه وما عطف عليه - تنازعت في ((كَمَا))، و((تُنْتَجُ)) يروى على بناء الفاعل وبناء المفعول، يقال: نتج الناقة ينتجها: إذا تولى نتاجها حتى وضعت فهو ناتج، وهو للبهائم كالقابلة للنساء، والأصل نتجها أهلها ولدًا، ولذا يتعدى إلى مفعولين، فإذا بُني للمفعول الأول قيل: نتجت ولدًا، إذا وضعته وولدته، وإذا بُني للمفعول الثاني قيل: نُتِجَ الولد، أي: وضع وأنتجت البهيمة ولدًا أي: وضعته وولدته، والجمعاء التي لم يذهب من بدنها شيء، سميت بذلك؛ لاجتماع سلامة أجزائها من نحو جدع وكي، والجدعاء التي قطعت أذنها أو غيرها من الأعضاء، زادٍ في ((المصابيح)): ((حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا))، وكذا في رواية البخاري. (بَهِيمَةً) بالنصب على أنه مفعول ثانٍ لتنتج، والأول أقيم مقام فاعله، وقيل: إنه منصوب على الحال بتقدير كون تنتج مجهولًا، أي: ولدت في حالة كونها بهيمة، أو على أنه مفعول إذا كان معروفًا من نتج إذا ولد. (هَلْ ٤١٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ تُحِسُّونَ) أي: تدركون وهو بضم التاء وكسر الحاء. (فِيهَا) أي: في البهيمة الجمعاء، والمراد بها الجنس، والجملة في موضع الحال، أي: بهيمة سليمة مقولًا في حقها هذا القول. (ثُمَّ يَقُولُ) أي: أبو هريرة - كما في رواية - استشهادًا بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي: ألزموها. (ذَلِكَ) أي: التوحيد الذي هو معنى الفطرة، وهو ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: المستقيم الذي لا عوج له ولا ميل إلى تشبيه وتعطيل ولا جبر ولا قدر. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والترمذي، وفي معنى الحديث عن جماعة من الصحابة ذكر أحاديثهم الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) . ٩١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ التُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَخْرَقَتْ سُبُخَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشَّرْحُ ٩١- قوله: (قَامَ فِينَا بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ) أي: بخمس فصول، والكلمة لغة تطلق على الجملة المركبة المفيدة، أي: قام فيما بيننا بتبليغ خمس كلمات، أي: بسببه، فالجاران متعلقان بالقيام، وقيل: المعنى قام خطيبًا فينا مذكرًا بخمس كلمات لنا، فقوله: ((فِينَا)) و(بِخَمْسٍ)) حالان مترادفان أو متداخلان، ويحتمل أن يكون ((فِينَا)) متعلقًا بقام على تضمين معنى خطب، و((بِخَمْسٍ)) حال، أي: خطب قائمًا مذكرًا بخمس كلمات، وقيل غير ذلك. (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ)؛ إذ النوم لاستراحة القوى والحواس، وهي على اللَّه تعالى محال. (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ) أي: لا يصح ولا يستقيم ولا يمكن له النوم، فالكلمة الأولى دالة على عدم صدور النوم، والثانية للدلالة على استحالته عليه تعالى، ولا يلزم من عدم الصدور استحالته، فلذلك (٩١) مُسْلِم (٢٩٣ / ١٧٩) فِي الإِيمَانِ، وَابن مَاجَهْ (١٩٥) عَنْ أَبِي مَالِك الأَشْعَرِيِّ. ٤١٣ كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ ذكرتِ الكلمة الثانية بعد الأولى. (يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ) هذه هي الكلمة الثالثة، قيل: أريد بالقسط الميزان، وسمي الميزان قسطًا؛ لأنه يقع به العدل في القسمة وغيرها، وهو الموافق لحديث أبي هريرة الآتي: ((يَرْفَعُ الْمِيزَانَ وَيَخْفِضُهُ))، والمعنى: أن الله يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة إليه وأرزاقهم النازلة من عنده، كما يرفع الوزان يده ويخفضها عند الوزن، فهو تمثيل وتصوير لما يقدر اللَّه تعالى وينزل، ويحتمل أنه أشار إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، أي: إنه يحكم بين خلقه بميزان العدل، فأمره كأمر الوزان الذي يزن فيخفض يده ويرفعها، وهذا المعنى أنسب بما قبله، كأنه قيل: كيف كان يجوز عليه النوم وهو الذي يتصرف أبدًا في ملكه بميزان العدل؟، وقيل: أريد بالقسط الرزق؛ لأنه قسط كل مخلوق ونصيبه، وخفضه تقليله ورفعه تكثيره، يخفضه تارة بتقتير الرزق والخذلان بالمعصية، ويرفعه أخرى بتوسيع الرزق والتوفيق للطاعة، ففيه رد على القدرية. (يَرْفَعُ إِلَيْهِ) أي: للعرض عليه، وإن كان هو تعالى أعلم به ليأمر الملائكة بإمضاء ما قضي لفاعله جزاء له على فعله، أو يرفع إلى خزائنه ليحفظ إلى يوم الجزاء. (قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ) أي: قبل رفع عمل النهار. (وَعَمَلُ النَّهَارِ) عطف على عمل الليل. (قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ) أي: قبل أن يشرع العبد في عمل الليل، أو قبل أن يرفع العمل بالليل، والأول أبلغ؛ لأن الزمن أقصر، ولما فيه من الدلالة على مسارعة الملائكة المؤكلة إلى رفع الأعمال وسرعة عروجهم إلى ما فوق السماوات. (حِجَابُهُ النُّورُ) هذه هي الكلمة الخامسة، وأصل الحجاب هو الستر الحائل بين الرائي والمرئي، والمراد هاهنا هو: المانع للخلق عن إبصاره في دار الفناء، والكلام في دار البقاء، فلا يرد أن الحديث يدل على امتناع الرؤية في الآخرة، وكذا لا يرد أنه ليس له مانع عن الإدراك فكيف قيل: حجابه النور؟ يريد أن حجابه خلاف الحجب المعهودة، فهو محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلاله وسعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول وتذهب الأبصار وتتحير البصائر. (لَوْ كَشَفَهُ) أي: رفع ذلك الحجاب وأزاله، هذا هو المتبادر من كشف الحجاب، وقيل: المراد لو أظهره. (سُبُحَاتُ وَجْهِهِ) بضمتين جمع سبحة بالضم كغرفة وغرفات، وفسر سبحات الوجه بجلاله وأنواره وبهائه، وقيل: ٤١٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ محاسنه؛ لأنك إذا رأيت الوجه الحسن قلت: سبحان الله! (مَا انْتَهَى) أي: وصل. (إِلَيْهِ) الضمير لما. (بَصَرَهُ) أي: بصر اللَّه تعالى والمعنى: لأحرقت سبحات ذاته كل مخلوق انتهى إلى ذلك المخلوق بصره تعالى ومعلوم أن بصره محيط لجميع الكائنات، فكيف إذا كشف؟ فهذا كناية عن هلاك المخلوق أجمع، وقيل: الضمير في ((بَصَرَهُ)) راجع إلى ((مَا))، وهو موصول مفعول به لأحرقت، وضمير ((إِلَيْهِ)) راجع إلى وجهه تعالى والمراد ما انتهى بصره إلى الله تعالى أي: كل من يراه يهلك، فكأنهم راعوا أن الحجاب مانع عن إبصارهم، فعند الرفع ينبغي أن يعتبر إبصارهم وإلا فإبصاره تعالى دائم. (مِنْ خَلْقِهِ) بيان لما في قوله: ((مَا انْتَهَى)) والمعنى: لو أزال المانع من رؤيته وهو الحجاب المسمى نورًا فتجلى لما وراءه من حقائق الصفات وعظمة الذات لأحرق جلال ذاته ونور وجهه جميع مخلوقاته. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الإيمان وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ٣٩٥، ٤٠٥) وابن ماجه في السنة وابن حبان، قيل: معنى الحديث مسبوك من معنى آية الكرسي، فهو سيد الأحاديث كما أنها سيد الآيات، ذكره الطيبي ثم بينه وأوضحه فارجع إليه . ٩٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَخَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] وَيَرْفَعُ)). وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى)). قَالَ ابْنُ نُمَيْر: ((مَلْآَنُ سَخَّاءُ لَا يَغِيضُهَا شَيْءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)). الشَّرْجُ ٩٢- قوله: (يَدُ اللَّهِ) الواجب في هذا اللفظ وفي أمثاله الإيمان بما جاء في الحديث والتسليم، وترك التصرف فيه للعقل، وهو مذهب السلف، واختلف (٩٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٧٤١٩) فِي التَّوْحِيدِ، وَمُسْلِم (٣٦/ ٩٩٣) فِي الزَّكَاة، والتِّرْ مِذِي (٣٠٤٥)، والنَّسَائِي في الكُبرى (٧٧٣٣)، وابن مَاجَهْ (١٩٧). ٤١۵ كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ المأولون في تأويله، فقيل: المراد باليد النعمة، وفسرها بعضهم بالخزائن، وقال: أطلق اليد على الخزائن لتصرفها فيها، والمعنى بالخزائن قوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، ولذلك لا ينتقص أبدًا. (مَلْأَى) على زنة فعلى، تأنيث ملآن، قالوا: المراد به لازمه، وهو أنه في غاية من الغنى، وعنده من الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق، فهو كناية عن كثرة نعمته وغزارتها وجزالة عطاياه وعمومها. (لَا تَغِيضُهَا) بفتح الفوقية، وقيل: بالياء، أي: لا تنقصها، لازم ومتعدٍ. (سَحَّاءُ) بفتح المهملتين مثقل ممدود، على زنة فعلاء، لا أفعل لها، كهطلاء، أي: دائمة الصب بالعطاء، من سحَّ يسِحُّ - بكسر السين في المضارع، ويجوز ضمها، أي: سال وانصب متتابعًا غزيرًا، وضبط في مسلم ((سخًّا)) منونًا بلفظ المصدر، أي: تسح سحًا. (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) منصوبان على أنهما ظرف لسحاء، والمراد به عدم الانقطاع المادة عطائه كالعين التي لا يغيضها الاستقاء ولا ينقصها الامتياح، وفي الحديث إشارة إلى أنها المعطية عن ظهر غنى؛ لأن الماء إذا انصب من فوق انصب بسهولة وعفو، وإلى جزالة عطاياه؛ لأن السح يستعمل فيما ارتفع عن حد التقاطر إلى حد السيلان، وإلى أنه لا مانع لها؛ لأن الماء إذا أخذ في الانصباب من فوق لم يستطع أحد أن يرده، وإلى أنه لا انقطاع لها لوصف السح بالدوام. (أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني، وقيل: أعلمتم وأبصرتم؟ (مَا أَنْفَقَ) ما مصدرية، أي: إنفاق اليد، وقيل: ما موصولة متضمنة معنى الشرط. (فَإِنَّه) أي: الإنفاق. (لَمْ يَغِضْ) بفتح الياء وكسر الغين المعجمة، أي: لم ينقص. (مَا فِي يَدِهِ) موصولة مفعول، وقال الطيبي: يجوز أن تكون ملأى ولا تغيضها وسحاء وأرأيتم على تأويل القول - أي: مقول فيها - أخبارًا مترادفة ليد الله، ويجوز أن تكون الثلاثة الأخيرة أو صافًّا لملأى، وأن يكون ((أَرَأَيْتُمْ)) استئنافًا فيه معنى الترقي، وقال أيضًا: لما قيل ملأى أوهم جواز النقصان، فأزال بقوله: ((لَا تَغِيضُهَا))، وربما يمتلأ الشيء ولم يغض، فقيل ((سَخَّاءُ))؛ ليؤذن بالفيضان، وقرنهما بما يدل على الاستمرار من ذكر ((اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ))، ثم أتبعها ما يدل على أن ذلك مقرر غير خاف على كل ذي بصر وبصيرة؛ لقوله: ((أَرَأَيْتُمْ))، فإنه خطاب عام والهمزة للتقرير. (وَكَانَ عَرْشُهُ) حال من ضمير خلق إلى آخر ما قال. (وَبِيَدِهِ) وفي رواية: ((وَبِيَدِهِ الأُخْرَى)). (الْمِيزَانِ) أي: ميزان الأعمال والأرزاق. (يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ) أي: يخفض من يشاء ويرفع من ٤١٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ يشاء، أو ينقص من الرزق ويقتره على من يشاء، ويزيده ويوسعه على من يشاء بمقتضى قدره الذي هو تفصيل لقضائه السابق، أو يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد المرتفعة إليه، يقللّها لمن يشاء بالخذلان ويكثرها لمن يشاء بالتوفيق للطاعة، كما يصنعه الوزان عند الوزن يخفض مرة ويرفع أخرى. وأئمة السنة على وجوب الإيمان بهذا وأشباهه من غير تفسير، بل يجرى على ظاهره، ولا يقال كيف. وقال الخطابي: الميزان هنا مثل، والمراد: القسمة بالعدل بين الخلق. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي في ((التفسير))، وأبو داود وابن ماجه وغيرهم. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم) في الزكاة. (يَمِينُ اللَّهِ) معنى هذا اللفظ كما ذكره المأولون في اليد من المجاز،ً فليتأمل، والوجه مذهب السلف، قيل: خص اليمين؛ لأنها مظنة العطاء، وورد في بعض الأحاديث: ((وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ))، أي: مباركة قوية قادرة لا مزية لإحداهما على الأخرى. (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون، هو محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني الخازني، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة حافظ فاضل، روى عن خلق كثير، وعنه: البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه، مات سنة (٢٣٤). (مَلْآنُ) أي: روى محمد بن عبد الله بن نمير ملان بالنون وسكون اللام بعدها همزة، وقيل: بفتح اللام بلا همز. قالوا: وهو غلط منه، وصوابه: ملأى بالتأنيث كما في سائر الروايات، ووجهها بعضهم بأن اليمين يذكر ويؤنث كالكف. (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ))) ظرف لسحاء. كِتّابُ الإِيمَان <<<- ><02 ** ** بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ ٤١٧ ٩٣ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] فَقَالَ: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)). الشّرْخُ ٩٣- قوله: (عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ) جمع ذرية، وهي نسل الإنس والجن، ويقع على الصغار والكبار، إما من الذر بمعنى التفريق، أو من الذرء بمعنى الخلق، فتركت الهمزة أو أبدلت، والمراد عن حكم أولادهم إذا ماتوا قبل البلوغ أنهم من أهل النار أو الجنة. (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أي: لو أبقاهم، فلا تحكموا عليهم بشيء، وهو صريح في الأمر بالتوقف فيهم، وتمسك به من قال: هم في مشيئة الله، وقد اختلفوا في حكمهم على أقوال كثيرة، أشهرها: التوقف، نسب ذلك إلى الأئمة الثلاثة، وعن أحمد روايتان، ثم اختلفوا في معنى التوقف، فقيل: المراد به عدم العلم أو عدم الحكم بشيء، وقال بعضهم: المراد به التوقف في الحكم الكلي، فبعض أولاد المشركين ناج وبعضهم هالك، والصواب عندي: أن جميع أولاد المشركين في الجنة، واستدلَّ لهذا بأشياء، منها: حديث إبراهيم الخليل وَله حين رآه النبي ◌ّله في الجنة وحوله أولاد الناس، وفيه أنه قال الملكان: (وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ))، قال الراوي: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ و ◌َلَةِ: ((وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ)) رواه البخاري في آخر تعبير الرؤيا من ((صحيحه)). ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولا يتوجه على المولود التكليف حتى يبلغ، وهذا متفق عليه، ومنها حديث أنس أخرجه أبو يعلى مرفوعًا: ((سَأَلْتُ رَبِّي اللَّهِينَ مِنْ ذُرِيَّةِ الْبَشَرِ أَنْ لَا يُعَذَّبَهُمْ، فَأَعْطَانِيهِمْ))، قال الحافظُ: إسناده حسن، قال: وورد تفسير اللاهين بأنه الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعًا أخرجه البزار. (٩٣) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنِ أبي هريرة؛ البُخَارِي (٦٥٩٨)، ومُسْلِم (٢٦/ ٢٦٥٩) فِي القَدَرِ، وأَبُو دَاوُد (٤٨١٤)، والنَّسَائِي (٤/ ٥٨). ٤١٨ ONE مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ومنها: ما رواه أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن مريم، عن عمتها قالت: قلت يا رسول الله: مَنْ في الجَنَّةِ؟ قال: ((النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمُؤْلُودُ فِي الْجَنَّةِ))، قال الحافظُ: إسناد حسن. ومنها: ما رواه عبد الرزاق من طريق أبي معاذ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: سألتْ خديجةُ النبيَّ وَّ عن أولاد المشركين، فقال: ((هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ))، ثم سألته بعد ذلك، فقال: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِینَ»، ثم سألته بعد ما استحكم الإِسلام فنزل ﴿ وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَ﴾ قال: ((هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ)) أو قال: ((هُمْ فِي الْجَنَّةِ)). قال الحافظُ: وأبو معاذ هو سليمان بن أرقم وهو ضعيف، ولو صح هذا لكان قاطعًا للنزاع ورافعًا لكثير من الإشكال، انتهى. وقد اختار هذا القول الإمام البخاري والأشعري والنووي والحافظ ابن حجر والإمام ابن القيم وشيخه الإمام ابن تيمية، وهذا الحديث وما في معناه محمول عندهم على أنه كان قبل أن ينزل فيهم شيء، فكان ◌ّ عند حدوث هذا السؤال ما أخبر عن حقيقة أمرهم فتوقف فيهم. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا النسائي. كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ ٤١٩ الفصل الثاني * ٩٤ - [١٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ أَوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ. فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ)». [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادَا] الشَّرْحُ ٩٤ - قوله: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ) بالرفع على أنه خبر إن، قال القاري: وروي بالنصب، قال بعضُ المغاربة: رفع القلم هو الرواية، فإن صحَّ النصب كان على لغة من ينصب خبر إن، وقال المالكي: يجوز نصبه بتقدير ((كَانَ)) على مذهب الكسائي، کقوله: يَا لَيْتُ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا وقال المغربي: لا يجوز أن يكون القلم مفعول خلق؛ لأن المراد أن القلم أول مخلوق، وإذا جعل مفعولًا لخلق أوجب أن يقال: اسم إن ضمير الشأن و((أَوَّلَ)) ظرف، فينبغي أن تسقط الفاء من قوله: ((فَقَالَ)) إذ يرجع المعنى إلى أنه قال له: اكتب، حين خلقه، فلا إخبار بكونه أول مخلوق، انتهى. وإنما أوجب ما ذكر؛ لأنه بدونه يفسد أصل المعني؛ إذ يصير التقدير أن أول شيء خلق الله القلم، وهو غير صحيح. وقيل: لو صحتِ الرواية بالنصب لم تمنع الفاء ذلك؛ إذ يقدر قبل فقال: (أَمْرِهِ) وهو العامل في الظرف، كذا حققه الطيبي. وفيه: أنه حينئذٍ لا يكون تنصيص على أولية خلق القلم الذي يدل عليه رواية الرفع الصحيحة، وفي الأزهار: أول ما خلق اللَّه القلم. يعني: بعد العرش والماء والريح؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ (٩٤) التِّرْ مِذِي (٢١٥٥) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامَتِ فِي القَدَرِ.