Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦٠
aest
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
SE
٦٨ - [٦] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ
الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ)»
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٦٨ - قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي) أي: يسري. (مِنَ الْإِنْسَانِ) أي: فيه.
(مَجْرَى الدَّم) أي: في عُروقه. وقال الطيبي: عَدَّى ((يَجْرِي)) بـ ((من)) على تضمين
معنى التمكّن، أي: يتمكن من الإنسان في جريانه في عروقه مجرى الدم،
فالمجرى يجوز أن يكون مصدرًا ميميًّا وأن يكون اسم مكان، وعلى الأول: تشبيه
شبه سریان كيد الشيطان وجريان وساوسه في الإنسان بجريان دمه في عروقه وجميع
أعضائه، والمعنى: إن الشيطان يتمكن من إغواء الإنسان وإضلاله تمكنًا تامًّا،
ويتصرف فيه تصرفًّا لا مزيد عليه.
وعلى الثاني: يجوز أن يكون حقيقة، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق أجسامًا
لطيفة تسري في بدن الإنسان سريان الدم، فإن الشيطان مخلوق من نار السموم،
والإنسان من صلصال من حما مسنون، والصلصال فيه نارية وبه يتمكن من
الجريان في أعضائه.
ويجوز أن يكون مجازًّا، أي: إن كيد الشيطان ووساوسه تجري في الإنسان
حيث يجري فيه الدم، فالشيطان إنما يستحوذ على النفوس، وينفث وساوسه في
القلوب بواسطة النفس الأمارة بالسوء، ومركبها الدم ومنشأ قواها منه، فعلاجه
سد المجاري بالجوع والصوم؛ لأنه يقمع الهوى والشهوات التي هي من أسلحة
الشيطان، فالشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان، انتهى.
وفي الحديث: الاستعداد للتحفظ من مكائد الشيطان، فإنه يجري من الإنسان
مجرى الدم، ولا يفارقه كما لا يفارقه دمه، فيتأهب الإنسان للاحتراز من وساوسه
وشره .
(٦٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ صَفِيَّة بِنْتِ حُيِّيّ؛ البُخَارِي (٢٠٣٨) فِي الاعْتِكَافِ، وَمُسْلِم (٢١٧٥/٢٤، ٢٣/
٢١٧٤) فِي الاسْتِثْذَانِ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابٌ فِي الوَسْوَسَةِ
٣٦١
وسبب الحديث: أن النبي وقال أتته صفية وهو معتكف في المسجد، فلما رجعت
انطلق معها، فمرَّ به رجلان من الأنصار، فدعاهما فقال: ((إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ))، قالا:
سبحان الله ...! فذكره وأشار بذلك إلى أنه ينبغي التباعد من محل التهم، فما
يفعله بعض من ادعى التصوف من مخالطة النساء والحدَثَان، ويقولون: لا بأس
علينا ولا يظن بنا أحد سوءًا من الجهل، إذ كان رسول اللَّه ◌ِ ل أولى بذلك، وارجع
لمزيد التفصيل إلى ((شرح البخاري)) للقسطلاني في شرح حديث صفية بنت حيي
في صفة إبليس من بدء الخلق.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) لم أجد حديث أنس هذا في ((صحيح البخاري))، والظاهر: أنه من
إفراد مسلم، أخرجه في الاستيذان، يدل على ذلك قول الحافظ في شرح حديث
صفية في باب: هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد؟ من كتاب
الصوم، نعم، رواه مسلم من وجه آخر من حديث أنس ... إلخ، ويدل عليه
أيضًا: أن الشيخ عبد الغني النابلسي عزاه في ((ذخائر المواريث)) (ج١: ص٦١)
لمسلم فقط، ويدل عليه أيضًا أن المنذري سكت في ((مختصره) عن عزو حديث
أنس هذا إلى البخاري، وقال: أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من
حديث صفية بنت حُييٍّ عن رسول اللَّه وَ له، وقد تقدَّم في كتاب الصيام، انتهى.
وحديث أنس هذا أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود في ((السنة)).
٦٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَا مِنْ بَنِي
آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارٍخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ،
غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
٦٩ - قوله: (مَا مِنْ بَنِي آدَمَ) أي: ما من أولاده، والمراد هذا الجنس. (مَوْلُودٌ
إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ) رفع مولود على أنه فاعل الظرف؛ لاعتماده على حرف النفي،
(٦٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٣٤٣١)، ومُسْلِم (١٤٦ / ٢٣٦٦) و١٤٧ / ٢٣٦٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَةُ،
كِلَاهُمَا فِي مَنَاقِبِ الأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ -.

٣٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والمستثنى منه أعم عام الوصف، فالاستثناء مفرغ، يعني: ما وجد من بني آدم
مولود متصف بشيء من الأوصاف حال ولادته إلا بهذا الوصف أي: مس الشيطان
له، والمراد: بالمس الحقيقي أي: الحسي؛ لقوله {وَّل في رواية للبخاري: ((كُلَّ
بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ
يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ)). قال القرطبي: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء
التسليط، فحفظ الله مريم وابنها ببركة دعوة أمها. (فَيَسْتَهِلَّ) أي: يصيح (صارٍخًا)
رافعًا صوته بالبكاء، وهو حال مؤكدة، أو مؤسسة أي: مبالغة في رفعه، أو المراد
بالاستهلال مجرد رفع الصوت وبالصراخ البكاء. (مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ) أي: لأجله،
يعني: سبب صراخ الصبي أول ما يولد الألم من مس الشيطان إياه. قال الطيبي:
وفي التصريح بالصراخ إشارة إلى أن المس عبارة عن الإصابة بما يؤذيه، لا كما
قالت المعتزلة من أن مس الشيطان تخييل، واستهلاله صارخًا من مسه تصوير
لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: هذا ممن أغويه، انتهى. قال
الحافظُ: قد طعن صاحب الكشاف أي الزمخشري في معنى هذا الحديث وتوقف
في صحته، فقال: إن صحَّ فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم
وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما لقوله تعالى: ﴿إِلَّا
﴾ [الحجر: ٤٠] قال: واستهلال الصبي صارخًا من مس
عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
الشيطان تخييل لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ويقول: هذا ممن
أغويه. وأما صفة النخس كما يتوهمه أهل الحشو فلا، ولو ملك إبليس على الناس
نخسهم لامتلأت الدنيا صراخًا، انتهى. وكلامه متعقب من وجوه، والذي يقتضيه
لفظ الحديث لا إشكال في معناه، ولا مخالفة لما ثبت من عصمة الأنبياء، بل ظاهر
الخير أن إبليس مُمَكّنٌ من مس كل مولود عند ولادته، لكن من كان من عباد الله
المخلصين لم يضره ذلك المس أصلًا، واستثنى من المخلصين مريم وابنها، فإنه
ذهب يمس على عادته فحيل بينه وبين ذلك، فهذا وجه الاختصاص، ولا يلزم منه
تسلطه على غيرهما من المخلصين. وأما قوله: ((لَوْ مَلَكَ إِبْلِيسُ ... )) إلخ فلا يلزم
من كونه جعل له ذلك عند ابتداء الوضع أن يستمر ذلك في حق كل أحد.
قال الحافظُ: والجواب عن إشكال الإغواء يعرف مما قدمنا أيضًا، وحاصله:
أن ذلك جعل علامة في الابتداء على من يتمكن من إغوائه، انتهى.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابْ فِي الْوَسْوَسَةِ
٣٦٣
وقال المولى سعد الدين: طعن - أي: الزمخشري - أولًا في الحديث بمجرَّد
أنه لم يوافق هواه، وإلا فأي امتناع من أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث
يصرخ كما ترى وتسمع، ولا يكون ذلك في جميع الأوقات حتى يلزم امتلاء الدنيا
بالصراخ، ولا تلك المسة للإغواء، وكفى بصحة هذا الحديث رواية الثقات،
وتصحيح الشيخين له من غير قدح من غيرهما، انتهى.
(غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا) حال من مفعول يمس، قاله ابن حجر. واستثناءهما لإجابة
دعوة ((حنة)): امرأة عمران، أم مريم العذراء البتول، حيث قالت: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا
بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٥]، وتفرد عيسى وأمه بالعصمة عن
المس لا يدل على فضلهما على نبينا وَّر، إذ له فضائل ومعجزات لم تكن لأحد من
النبيين، ولا يلزم أن يكون في الفاضل جميع صفات المفضول، قاله الطيبي. وقال
النووي: ظاهر الحديث اختصاص هذه الفضيلة بعيسى وأمه، وأشار القاضي
عياض أن جميع الأنبياء يشاركون فيها، أي: لعصمتهم من الشيطان، وإنما نص
على مريم وعيسى فقط لدعوة ((حنة))، وغيرهما من بقية الأنبياء ملحق بهما. وقال
صاحب ((اللمعات)): الظاهرُ أن نبينا وَل مستثنى من هذا العموم، وأنه يخبر عن
أحوال عامة بني آدم سوى نفسه الكريمة؛ إذ شأنه أرفع وأعلى من أن يدخل في مثل
هذا الحكم، إذ هو الطاهر المطهر من كل دنس، والمعصوم من آفات الشيطان
وإفساده خصوصًا في أول خلقه وحين ولادته. وقد قيل: إن المتكلم لا يدخل في
عموم ما يخبر به الناس، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في صفة إبليس وجنوده من بدء الخلق، وفي
الأنبياء، وفي تفسير آل عمران، ومسلم في الأنبياء واللفظ المذكور للبخاري في
الأنبياء .

٣٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
*E
٧٠ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ
نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ)».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٧٠ - قوله: (صِيَاحُ الْمَوْلُودِ) أي: سبب صيحته في بكاء. (حِينَ يَقَعُ)، أي:
يسقط وينفصل عن أمه. (نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ) بفتح النون وسكون الزاي، أي:
إصابة ما يؤذيه أو نخسة وطعنة منه يريد بها إيذاءه وإفساد ما ولد عليه من الفطرة
الإِسلامية، فإن النزغ هو النخس بالعود والدخول في أمر لإفساده.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) اختلفت النسخ المطبوعة في الهند في ذكر هذا اللفظ، فلم يقعْ في
بعضها، وكذا لم يقع في النسخة التي على ((حاشية المرقاة))، وهو موجود في
الأصل الذي أخذه القاري في ((شرحه)). قال القاري: المذكور في ((الجامع
الصغير)) أنه من إفراد البخاري، انتهى. يعني: فقوله: ((مُتَّفَقُ عَلَيْهِ)) محل نظر.
قلتُ: هذا الحديث من إفراد مسلم، رواه في الأنبياء ولم يروه البخاري في
((صحيحه))، وعزاه السيوطيُّ في ((الجامع الصغير)) لمسلم فقط، وهو الصواب.
(٧٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهُ فِيهِ، مُسْلِم (١٤٨ / ٢٣٦٧)، والبُخَارِي (٤٥٤٨).

٣٦٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ
٧١- [٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ
عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ يَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً،
يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ: ثُمَّ
يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ
وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ]
قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: ((فَيَلْتَزِمُهُ)).
الشَّرْجُ
٧١- قوله: (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ) أي: سرير ملكه. (عَلَى الْمَاءِ) وفي
رواية: ((عَلَى الْبَحْرِ))، ومعناه: إن مركزه البحر، ومنه يبعث سراياه في نواحي
الأرض، فالصحيح حمله على ظاهره، ويكون من جملة تمرده وطغيانه وضع عرشه
على الماء، يعني: جعله الله تعالى قادرًا عليه استدراجًا؛ ليغتر بأن له عرشًا كعرش
الرحمن، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧]، ويغر بعض
السالكين الجاهلين باللّه أنه الرحمن كما وقع لبعض الصوفية على ما ذكر في
((النفحات الإنسية))، ويؤيده قصة ابن صياد حيث قال لرسول اللّه وَليل: أَرى عَرْشًا
على الماءِ. فقال له وَلّ: ((تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ)).
وقيل: عبَّر عن استيلائه على إغوائه الخلق وتسلطه على إضلالهم بهذه العبارة،
كذا في ((المرقاة)). (ثُمَّ يَبْعَثُ) أي: يرسل. (سَرَايَاهُ) جمع سرية وهي قطعة من
الجيش توجه نحو العدو لتنال منه، والمراد جنوده وأعوانه. (يَفْتِنُونَ النَّاسَ) بفتح
الياء وكسر التاء، أي: يضلونهم أو يمتحنونهم بتزيين المعاصي إليهم حتى يقعوا
فيها. (فَأَدْنَاهُمْ) أي: أقربهم. (مِنْهُ) أي: من إبليس. (مَنْزِلَةً) أي: مرتبة.
(أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً) أي: أكبرهم إضلالًا. (فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا) أي: أمرت بشرب الخمر
والسرقة مثلًا. (فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا) أي: عظيمًا أو معتدًّاً به. (مَا تَرَكْتُهُ) أي:
فلانًا. (حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ) أي: وسوسته، وأوقعت البغض والعداوة بينه
(٧١) مُسْلِم (٦٧ / ٢٨١٣، ٦٨/ ٢٨١٣) عَنْ جَابِرٍ فِي أَوَاخِرِ الكِتَابِ.

٣٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وبين زوجته حتى فارقها. (فَيُدْنِيهِ مِنْهُ) أي: فيقرب إبليس ذلك المغوي من نفسه،
من الإدناء. (نِعْمَ أَنْتَ) بكسر النون وسكون العين المهملة أي: نِعم الولد أنت،
على أنه فعل مدح وفاعله مضمر على خلاف القياس، يعني: يمدح إبليس صنيعه،
ويشكر فعله؛ لإعجابه بصنيعه وبلوغ الغاية التي أرادها. وقيل: حرف إيجاب،
وأنت مبتدأ وخبره محذوف، أي: أنت صنعت شيئًا عظيمًا.
(قَالَ الْأَعْمشُ) وهو أحد رواة الحدیث، اسمه سلیمان بن مهران بکسر الميم
الأسدي الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي، أحد الأعلام الحفاظ والقراء. رأى
أنس بن مالك. وقيل: رآه رؤية بمكة يصلي خلف المقام. وروى عنه وعن عبد الله
ابن أبي أوفى ولم يسمع منهما. وذكر أبو نعيم الأصفهاني: أن الأعمش رأى أنس
ابن مالك وابن أبي أوفى، وسمع منهما. والأول هو المشهور، وهو الصحيح.
قال ابن المديني: له نحو ألف وثلثمائة حديث. قال ابن عيينة: كان أقرأ أصحابه
وأحفظهم وأعلمهم، وكان يسمى المصحف لصدقه. قال الحافظُ في ((التقريب)) في
ترجمته: ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس، من الخامسة، وهم الطبقة
الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم
السماع من الصحابة. مات سنة (٤٧) أو (٤٨) وكان مولده أول سنة (٦١).
(أُرَاهُ) بضم أوله أي: أظن أبا سفيان طلحة بن نافع الراوي عن جابر. وقيل:
ضمير المفعول لجابر. (قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ) أي: فيعانقه ويضمه إلى نفسه من غاية حبه
التفريق بين الزوجين، وذلك لأن النكاح عقد شرعي یستحل به الزوج، وهو یرید
حلّ ما عقده الشرع، ليستبيح ما حرمه فيكثر الزنا وأولاد الزنا، فيفسدوا في
الأرض، ويهتكوا حدود الشرع، ويتعدوا حدود الله تعالى، قاله الطيبي. والقصد
بسياق الحديث التحذير من التسبب في الفراق بين الزوجين؛ لما فيه من توقع
وقوع الزنا وانقطاع النسل.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في صفة القيامة، وأخرجه أيضًا أحمد، وفي الباب عَنْ أَبِي مُوسَى
الأشْعَرِيِّ وأبي ريحانة عند الطبراني في ((الكبير))، وفي الأول عطاء بن السائب
اختلط، وبقية رجاله ثقات، وفي الثاني: يحيى بن طلحة اليربوعي ضعفه النسائي،
وذكره ابن حبان في الثقات.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ
٣٦٧
٧٢ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلّهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ
يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
٧٢ - قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ) أي: إبليس رئيس الشياطين. (قَدْ أَيِسَ) وفي رواية:
(يَئِسَ)). (مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلَّونَ) قيل: المرادُ بعبادة الشيطان عبادة الصنم؛ لأنه
الآمر به والداعي إليه، بدليل قوله: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤]؛ إذ المراد:
الأصنام، والمراد بالمصلين: المؤمنون كما في قوله - عليه الصلاة والسلام -:
(نَهِيْتُكُمْ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلَّينَ)). سموا بذلك؛ لأنها أشهر الأعمال وأظهر الأفعال
الدالة على الإيمان؛ ولأن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإيمان. (فِي جَزِيرَةٍ
الْعَرَبِ) الجزيرة هي كل أرض حَوْلَهَا الماء، فعيلة بمعنى مفعوله من جزر عنها
الماء، أي: ذهب، وقد اكتنفت تلك الجزيرة البحار والأنهار، كبحر البصرة
وعمان وعدن إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله فرعون بها، وبحر الشام
والنيل، أضيفت إلى العرب؛ لأنها مسكنهم، ونقل عن مالك أن جزيرة العرب
مكة والمدينة واليمن. قيل: إنما خص جزيرة العرب؛ لأنها معدن العبادة ومهبط
الوحي، قاله القاري. وفي ((القاموس)): جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر
الشام ثم دجلة والفرات، وما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا ومن جدة إلى
ريف العراق عرضًا، انتهى. وعلى هذا هي شبه الجزيرة لا الجزيرة، فتسميتها
بالجزيرة مجاز، ومعنى الحديث: أن الشيطان قد أيس من أن يعود أحد من
المؤمنين إلى عبادة الصنم، ويرتد إلى شركه في جزيرة العرب، والمراد الإخبار
بأنه تعالى حفظ هذا المكان عن وقوع عبادة الصنم فيه، ولا يرد على ذلك ارتداد
أصحاب مسيلمة والعنسي وغيرهما ممن ارتدَّ بعد النبي وَّ في العرب؛ لأنهم لم
يعبدوا الصنم.
(٧٢) مُسْلِم (٦٥ / ٢٨١٢) عَنْهُ فِي أَوَاخِرِ الكِتَابِ.

٣٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال القاري: وفيه أن دعوة الشيطان عامة إلى أنواع الكفر غير مختص بعبادة
الصنم، فالأولى أن يقال: إن المراد المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة
الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى، انتهى. وقال التوربشتي في الجواب: إن
النبي ◌ٍَّ﴾ لم يخبر عنهم أنهم لا يفعلون ذلك، وإنما أخبر عن اليأس الذي استشعر
بالشيطان عنهم أن يعودوا في طاعته لما رآى من كثرتهم وعزتهم واجتماعهم
وقوتهم، لكنه وقع ذلك مع يأسه منه، فلا تضاد بين هذا الحديث وبين القضية التي
ذكرت، يعني أن قصده وَّل بسياق هذا الحديث هو الإخبار عن بلوغ أمر المسلمين
ودولتهم حدًّا أيس الشيطان أن يقع الارتداد بعده، وليس غرضه عليه الصلاة
والسلام الإخبار من عدم وقوع الارتداد البتة.
قال صاحب ((اللمعات)): وفيه بُعد أيضًا؛ لأن الظاهر من يأسه هو عدم الوقوع،
فهو كناية عنه. قال: ويمكن أن يقال: إن معني الحديث: إن الشيطان أيس من أن
يستبدل دين الإسلام، وينهدم أساس الدين، ويظهر الإشراك ويستمر، ويسير الأمر
كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد، بل لو عبد الأصنام أيضًا لم يضر في
المقصود.
(وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ) خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو في التحريش، أو ظرف
المقدر أي يسعى في التحريش. (بَيْنَهُمْ) أي: في إغراء بعضهم على بعض،
والتحريض بالشر بين الناس من قتل وخصومة، فهو لإيذائهم بالمرصاد. قيل:
ولعله وَ يّ أخبر عما جرى فيما بعده من التحريش الذي وقع بين أصحابه، أي: لكن
الشيطان غير آيس من إغراء المؤمنين الساكنين فيها، وحملهم على الفتن، بل له
مطمع في ذلك، وكان كما أخبر فكان معجزة له وَلجيله .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في صفة القيامة، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في أبواب البر
والصلة.

كِتَابُ الْإِيمَان
بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ
٣٦٩
الفصل الثاني
٧٣ - [١١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي أُحَدِّثُ
نَفْسِي بِالشَّيْءِ لَأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشَّرُْ
٧٣- قوله: (إِنِّي أُحَدِّثُ نَفْسِي) أي: أكلمها بالسر أي: توسوسني. (بِالشَّيْءٍ)
هو في قوة النكرة معنى، وإن كان معرفة لفظًا؛ لأن ((ال)) فيه للجنس مثل قول
الشاعر :
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسْبُِّي
والجملة الاسمية بعده صفة له، وهي قوله: (لأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً) بضمِّ ففتح أي:
فحمًا. (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ) أي: أحدث نفسي بشيء لكوني حممة أحب إلي
من التكلم بذلك الشيء، من غاية قبحه لتعلقه بالخوض في ذات الله تعالى، وما لا
يليق به سبحانه من تجسيم وتشبيه وتعطيلٍ ونحوها، واللام للقسم أو للابتداء.
(قَالَ) ◌َه. (الْحَمْدُ لِلَّهِ) شكرًا لما أنعم الله عليه وعلى أمته. (الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى
الْوَسْوَسَةِ) قال القاري: الضمير فيه يحتمل أن يكون للشيطان وإن لم يجر له ذکر
لدلالة السياق عليه، ويحتمل أن يكون للرجل، والأمر يحتمل أن يكون واحد
الأوامر وأن يكون بمعنى الشأن، يعني: كان الشيطان يأمر الناس بالكفر قبل هذا،
وأما الآن فلا سبيل له إليهم سوى الوسوسة، ولا بأس بها مع العلم بأنها قبيحة
والتعوذ بالله منها، أو المعنى: الحمد لله الذي ردَّ شأن هذا الرجل من الكفر إلى
الوسوسة، وهي معفوة، انتهى.
(٧٣) أَبُو دَاوُد (٥١١٢) فِي الأَدَبِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٥٠٣) عَنِ ابْن عَبَّاسٍ رَّ، وَسَنَدُهُ
صَحِيحٌ.

٣٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الأدب، وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن أبي شيبه،
وصححه ابن حبان.
٧٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ: ((إِنَّ لِلشَّيْطَانِ
لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكَ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ،
وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ
مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ))
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ اٌلْفَقْرَ وَبَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
[أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ]
الشّرْخُ
٧٤- قوله: (إِنَّ لِلشَّيْطَانِ) أي: إبليس أو بعض جندِهِ. (لَمَّةً) أي: قربًا أي:
وساوس، يوصلها إلى قلب العبد المكلف بحيث يقربه إلى المعاصي، واللمة:
بفتح اللام وشدة الميم من الإلمام ومعناه النزول والقرب والإصابة، والمراد بها:
ما يقع في القلب بواسطة الشيطان من خطرات الشر. (بِابْنِ آدَمَ) أي: بهذا
الجنس، فالمراد به الإنسان. (وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً) المراد بها: ما يقع في القلب من
خطرات الخير، ولمة الشيطان تسمى وسوسة ولمة الملك إلهامًا. (فَأَمَّا لَمَّةُ
الشَّيْطَانِ) أي: وسوسته. (فإيعادٌ) أي: منه. (بِالشَّرِّ) كالكفر والفسق والظلم.
(وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ) أي: في حق اللَّه أو حق الخلق، أو بالأمر الثابت كالتوحيد
والنبوة والبعث والقيامة والجنة والنار. قال المناوي: كان القياس مقابلة الشر
بالخير أو الحق بالباطل، لكنه أتى بما يدل على أن كل ما جر إلى الشر باطل أو إلى
الخير حق، فأثبت كلَّا ضمنيًّا.
(فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ) كالصلاة والصوم. (وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ) ككتب الله ورسله،
والإيعاد في اللمتين من باب الإفعال، والوعيد في الاشتقاق كالوعد، إلا أن الإيعاد
(٧٤) غريبٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِي (٢٩٨٨)، وَالنَّسَائِي (١١٠٥١) فِي التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ
التِّرْمِذِي: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

٣٧١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
Ber << excaser *:
بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ
اختص بالشر عرفًا، يقال: أوعد إذا وعد بالشر، إلا أنه استعمله في الخير للازدواج
والأمن عن الاشتباه بذكر الخير بعده. قال القاري: إن هذا التفصيل عند الإطلاق
كما قال الشاعر [من الطويل، وقد تقدم ص ٢٩٢]:
وإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وأما عند التقييد، فالأولى أن يقال بالتجريد فيهما أو بأصل اللغة، واختيار
الزيادة لاختيار المبالغة، انتهى. وقال الشاه ولي اللَّه الدهلوي: الحاصل أن صورة
تأثير الملائكة في نشأة الخواطر الأنس والرغبة في الخير، وتأثير الشياطين فيها
الوحشة وقلق النفس والرغبة في الشر. (فَمَنْ وَجَدَ) أي: في نفسه أو أدرك وعرف.
(ذَلِكَ) أي: لمة الملك على تأويل الإلمام أو المذكور. (فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ) أي:
منة جسيمة ونعمة عظيمة واصلة إليه ونازلة عليه؛ إذ أمر الملك بأن يلهمه، أو
فليعلم أنه مما يحبه الله ويرضاه. (فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ) أي: على هذه النعمة الجليلة حيث
أَهَّلَهُ لهداية الملك ودلالته على ذلك الخير. (وَمَنْ وَجَدَ الأَخْرَى) أي: لمة
الشيطان، ولم يصرح به كراهة لتوالي ذكره على اللسان، أو استهجانًا لذكره.
(فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم) وليخالفه، وفيه إيماء إلى أن الكل من اللَّه،
وإنما الشيطان عبد مسخر أعطي لهَ التسليط على بعض أفراد الإنسان، كما قال الله
تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]، وإنما لم يقل هنا: فليعلم أنه
من اللَّه تأدبًا معه؛ إذ لا يضاف إليه إلا الخير. (ثُمَّ قَرَأ) أي: النبي ◌َّه؛ استشهادًا :
﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي: يخوفكم به ﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: البخل
والحرص وسائر المعاصي، والمعنى: الشيطان يعدكم الفقر ليمنعكم عن الإنفاق
في وجوه الخيرات، ويخوفكم الحاجة لكم أو لأولادكم في ثاني الحال سيما في
كبر السن وكثرة العيال، ويأمركم بالفحشاء أي المعاصي، وهذا الوعد والأمر هما
المرادان في الحديث.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في تفسير البقرة، وأخرجه أيضًا النسائي في التفسير، وابن حبان
في ((صحيحه))، وابن أبي حاتم، كلهم من طريق هناد بن السري عن أبي الأحوص
عن عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود. قال العزيزي: قال الشيخ:
حديث صحيح. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وفي النسخ الموجودة للترمذي عندنا
هذا حديث حسن غريب، وكذلك نقله الحافظ بن كثير في ((تفسيره))، والمناوي في

٣٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
((الفيض)) عن الترمذي، فلعل نسخ السنن مختلفة، ويعني الترمذي بقوله: غريب،
أنه تفرَّد أبو الأحوص سلام بن سليم برفعه في روايته عن عطاء بن السائب عن مرة
الهمداني عن ابن مسعود، لكن قال الحافظُ ابن كثير بعد نقل قول الترمذي: لا
نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص، كذا قال الترمذي وقد رواه أبو بكر بن
مردويه في ((تفسيره)) عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن مسعود مرفوعًا
نحوه، لكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن
نضلة عن ابن مسعود فجعله من قوله، انتهى.
قال الألبانيُّ: وسند الحديث عندي ضعيف؛ لأن فيه عطاء بن السائب وقد
اختلط، انتهى.
وتعريف الغرابة وتفصيل أنواعها بالنظر إلى السند والمتن مذكور في أصول
الحديث. وقد استشكلوا اجتماع الغرابة والحسن بأن الترمذي اعتبر في الحسن
تعدد الطرق، كما صرح به في كتاب ((العلل))، فكيف يكون غريبًا؟ وأجيب بأن
اعتبار تعدد الطرق في الحسن ليس على الإطلاق بل في قسم منه، وحيث حكم
باجتماع الحسن والغرابة المراد قسم آخر. وقال بعضهم: أشار بذلك إلى اختلاف
الطرق بأن جاء في بعض الطرق غريبًا وفي بعضها حسنًا.
وقيل: حذف منه حرف ((أو)) فيشك الترمذي ويتردد في أنه غريب أو حسن لعدم
معرفته جزمًا .
وقيل: المراد بالحسن ها هنا ليس معناه الاصطلاحي بل اللغوي بمعنى ما يميل
إليه الطبع، وهذا القول بعيد جدًّا، قاله الشيخ عبد الحق الدهلوي في مقدمة
شرحه: ((المشكاة)).
وقال الحافظ في ((شرح النخبة)): الجواب أي: عن هذا الإشكال أن الترمذي لم
یعرف الحسن مطلقًا، وإنما عرف بنوع خاص منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه :
حسن، من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: حسن. وفي
بعضها: صحيح. وفي بعضها: غريب. وفي بعضها: حسن غريب. وفي بعضها:
صحيح غريب. وفي بعضها: حسن صحيح غريب. وتعريفه إنما وقع على الأول
فقط، وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في آخر كتابه: وما قلنا في كتابنا حديث

٣٧٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ
حسن إنما أردنا به حسن إسناده عندنا، إذ كل حديث يروى لا يكون راويه متهمًا
بکذب، ویروی من غیر وجه نحو ذلك، ولا یکون شاذًا فهو عندنا حديث حسن.
فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه: حسن فقط، أما ما يقول فيه: حسن
صحيح، أو حسن غريب، أو حسن صحيح غريب، فلم يعرج على تعريف ما يقول
فيه صحيح فقط أو غريب فقط، وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عند أهل الفن،
واقتصر على تعريف ما يقول في كتابه حسن فقط؛ إما لغموضه وإما لأنه اصطلاح
جديد؛ ولذلك قيده بقوله: ((عِنْدَنَا))، ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل
الخطابي، انتهى.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في فتوى له: الذين طعنوا على الترمذي
لم يفهموا مراده في كثير مما قاله فإن أهل الحديث قد يقولون: هذا الحديث
غريب، أي: من هذا الوجه، وقد يصرحون بذلك فيقولون: غريب من هذا
الوجه، فيكون الحديث عندهم صحيحًا معروفًا من طريق واحد، فإذا روي من
طريق آخر كان غريبًا من ذلك الوجه وإن كان المتن صحيحًا معروفًا، فالترمذي إذا
قال: حسن غريب، قد يعني به: أنه غريب من ذلك الطريق لكن المتن له شواهد
صار بها من جملة الحسن، انتهى.

٣٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٧٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ قَالَ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ
يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا قَالَوا ذَلِكَ
فَقُولُوا: اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. ثُمَّ
لِيَتْقُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًّا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ فِي بَابٍ خُطْبَةِ يَومُ النَّحْرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ
تَعَالَی.
الشَّرْحُ
٧٥- قوله: (لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) أي: لا ينقطعون عن سؤال بعضهم
بعضًا في أشياء. (حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟) تقدم الكلام فيه،
وقيل: المراد بالتساؤل حكاية النفس وحديثها ووسوستها، وهذا هو الظاهر من
التفل والاستعاذة، ويؤيد الأول قوله: (فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: اللَّهُ أَحَدٌ) يعني:
قولوا في ردِّ هذه المقالة أو الوسوسة: الله تعالى ليس مخلوقًا بل هو أحد، والأحد
هو الذي لا ثاني له ولا مثل له في الذات والصفة. (اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًّا أَحَدٌ) تقدم شرحه. قال الطيبي: الصفات الثلاث منبهة على أن اللَّه
تعالى لا يجوز أن يكون مخلوقًا، أما ((أحد)) فمعناه الذي لا ثاني له ولا مثل، فإذا
جعل مخلوقًا لم يكن أحدًا على الإطلاق؛ لأن خالقه أولى بالأحدية، و((الصمد))
هو السيد الذي يرجع الناس في أمورهم وحوائجهم إليه، فيكون ذلك الخالق أولى
منه، ((ولم يولد)) تصريح في النفي، ((ولم يلد ولم يكن له كفوا أحد)) يناديان بأنه إذا
لم يكن له كفو وهو المساوي والولد الذي هو دونه في الإلهية، فأحرى بأن لا يكون
فوقه أحد، انتهى.
(ثُمَّ لِيَتْفُلْ) بسكون اللام الأولى وتكسر، وبضم الفاء وتكسر أي: ليبصق أحدكم
أو هذا الرجل يعني: الموسوس. (عَنْ يَسَارِهِ) كرامة لليمين، وقيل: اللمة
(٧٥) أَبُو دَاوُد (٤٧٢١) و٤٧٢٢) فِي السُّنَّةِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٤٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَصْلُهُ فِي
((الصَّحِيحِ)) كَمَا مَضَى.

٣٧٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابْ فِي الْوَسْوَسَةِ
الشيطانية عن يسار القلب والرحمانية عن يمينه. (ثَلَاثًا) أي: ليلق البزاق من الفم
ثلاث مرات، وهو عبارة عن كراهة الشيء والنفور عنه مراغمة للشيطان وتبعيدًا له .
(وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم) الاستعاذة طلب المعونة من الله تعالى في دفع
الشيطان. وفي الحديث: استحبابَ التعوذ من الشيطان عند وسوسته مع التفل عن
اليسار ثلاثًا .
(رواه أبو داود) في ((السنة))، وأخرجه أيضًا النسائي في ((اليوم والليلة)). قال
المنذري: وفي سند الحديث سلمة بن الفضل قاضي الرى ولا يحتج به.
قوله: (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْأَخْوَصِ) أي: المذكور هنا في ((المصابيح))
وهو: ((ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولد، ولا مولود على
والده، ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أبدًا، ولكن ستكون له طاعة
فيما تحتقرون من أعمالکم فسیرضى به)).

٣٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٧٦ - [١٤] عَنْ أَنَسِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ
يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ رَّتْ؟)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحیح}
-وَلِمُسْلِمٍ: قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ رَىَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا مَا
كَذَا، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ وَاتِ؟)).
الشّرْحُ
٧٦- قوله: (لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ) بالموحدة والحاء المهملة أي: لن يزالوا ولن
ينقطعوا. (يَتَسَاءَلُونَ) أي: متسائلين، يسأل بعضهم بعضا أو تحدثهم أنفسهم
بالوسوسة، ويؤيد الأول رواية مسلم الآتية، ويجري بينهم السؤال في كل نوع.
(حَتَّى يَقُولُوا) أي: حتى أن يقولوا. (هذا اللَّه خلق كل شيء) وفي أصل الحافظ
والعيني والقَسْطَلَانِي: ((هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ))، قيل: إنه يحتمل أن يكون (هَذَا))
مفعولًا، والمعنى: حتى يقولوا هذا القول، ويكون ((اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ .. إلخ))
تفسيرًا لهذا أو بدلًا أو بيانًا، وأن يكون مبتدأ حذف خبره، أي: هذا مُسَلَّمٌ، وهو أن
الله خلق كل شيء، وهو شيء، وكل شيء مخلوق، فمن خلقه؟ ويحتمل أن يكون
((هَذَا اللَّهُ)) مبتدأ وخبرًا، و ((خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ)) استئناف أو حال، وقد مقدرة، والعامل
معنى اسم الإشارة، ويحتمل أن يكون هذا مبتدأ والله عطف بيان، وخلق كل شيء
خبره. (فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟) قاسوا القديم على الحادث فإنه يحتاج إلى محدث،
ويتسلسل إلى أن ينتهي إلى خالق قديم واجب الوجود لذاته، وفي الحديث إشارة
إلى ذم كثرة السؤال؛ لأنها تفضي إلى المحذور، كالسؤال المذكور فإنه لا ينشأ إلا
عن جهل مفرط .
(٧٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٧٢٩٦)، ومُسْلِمٍ (١٣٦)، واللفظُ للبخاريِّ في التوحيدِ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ
٣٧٧
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أي: في ((الاعتصام)) من طريق شبابة عن ورقاء عن عبد الله بن
عبد الرحمن عن أنس، قال العيني: الحديث من إفراد البخاري من هذا الوجه.
(وَلِمُسْلِم) أي: في الإيمان من طريق محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن
أنس. (َقَالَ) أي: النبي ◌َ. (قَالَ اللَّهُ رَّن) فيكون من الأحاديث الربانية أي:
القدسية. (إِنَّ أُمَّتَك) أي: أمة الدعوة أو بعض أمة الإجابة بطريق الجهالة
والوسوسة. (لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ) أي: بعضهم لبعض أو في خواطرهم من غير
اختيار، والأول هو الظاهر. (مَا كَذَا مَا كَذَا) كناية عن كثرة السؤال، وقيل وقال؛
أي: ما شأنه ومن خلقه؟ (حَتَّى يَقُولُوا) أي: حتى يتجاوزوا الحد وينتهوا إلى أن
يقولوا: (هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟) والمقصود من الحديث: إعلامُهُ
تعالى لنبيه وَل بما سيقع من أمته؛ ليحذرهم منه.
٧٧ - [١٥] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ
الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِ وَبِينَ قِرَاءَتِي، يُلَبِّسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَه: ((ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالَ لَهُ: خِنْزِبْ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ
[رَوَاهُ مُسْلِمْ]
عَلَى يَسَارَِكَ ثَلَاثًّا)) قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي.
الشَّرْحُ
٧٧ - قوله: (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ) هو أبو عبد الله عثمان بن أبي العاص
الثقفي الطائفي نزيل البصرة الصحابي الشهير، أسلمَ في وفد ثقيف، فاستعمله
النبي وَليل على الطائف وأقره أبو بكر ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان وبحرين
سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية، قيل: سنة
(٥٥) وقيل: سنة (٥١)، وكان هو الذي منع ثقيفًا عن الردة، خطبهم فقال: كنتم
آخر الناس أسلامًا فلا تكونوا أولهم ارتدادا. له تسعة وعشرون حديثًا، انفرد له
مسلم بثلاثة، روى عنه جماعة من التابعين.
(٧٧) مُسْلِم (٢٢٠٣) عنه في الطبِّ.

٣٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَبينَ قِرَاءَتِي) أي: نكدني فيها، ومنعني
لذتها والفراغ للخشوع فيها بالوساوس الذميمة والخطرات الرديئة. (يُلَبِّسُهَا عَلَيَّ)
بالتشديد للمبالغة. قال القاري: وفي نسخه صحيحة ظاهرة بفتح أوله وكسر ثالثه،
أي: يخلطها ويشككني فيها، أي: في كل واحدة من الصلاة والقراءة، والجملة
بيان لقوله: (حال) وما يتصل به. (ذَاكَ شَيْطَانٌ) أي: الملبس أي: خاص من
الشياطين لا رئيسهم. (يُقَالُ لَهُ: خِنْزِبْ) بخاء معجمة مكسورة ثم نون ساكنة ثم
زاى مكسورة ومفتوحة كذا في النسخ المصححة، وهو من الأوزان الرباعية
كزبرج ودرهم، ويقال أيضًا: بفتح الخاء والزاى، حكاه القاضي عياض، ونظيره
جعفر، ويقال أيضًا بضم الخاء وفتح الزاى، حكاه ابن الأثير في ((النهاية)) وهو
غريب، وهو في اللغة الجري على الفجور على ما يفهم من ((القاموس)). (وَاتْفُلْ)
بضم الفاء ويكسر. (عَلَى يَسَارِكَ) أي: عن يسارك، إشارة إلى كراهة الوسوسة
والتنفر عنها. (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرات لزيادة المبالغة في التنفر والتباعد. (فَفَعَلْتُ
ذَلِك) أي: ما ذكر من التعوذ والتفل. (فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ) أي: الوسواس. وفي
الحديث: أن التفل في الصلاة للضرورة لا يفسدها. وفي الباب أحاديث أخرى.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الطب، وأخرجه أيضًا أحمد في ((مسنده)) (ج٤: ص٢١٦).
٧٨ - [١٦] وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فقَالَ: إِنِّي أَهِمُ فِي
صَلَاِي، فَيَكْثُرُ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقَلَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: امْضٍ فِي صَلَاتِكَ، فَإِنَّهُ
لَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْكَ حَتَّى تَنْصَرِفَ وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي.
[رَوَاهُ مَالِكٌ]
الشَّرْجُ
٧٨- قوله: (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكر الصديق التيمي أبي
محمد المدني، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من أكابر التابعين، وكان
أفضل أهل زمانه. قال أيوب: ما رأيت أفضل منه. وقال يحيى بن سعيد: ما أدركنا
(٧٨) الحديث موقوفٌ على القاسم بن محمد، أخرجه مَالِك عنه رَضِلْنَهُ.

٣٧٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابٌ فِي الْوَسْوَسةِ
3جـ
أحدًا بالمدينة نفضله على القاسم بن محمد. روى عن جماعة من الصحابة منهم
عائشة ومعاوية وأبو هريرة وابن عباس وابن عمر، وعنه خلق كثير. قال ابن
المديني: له مائتا حديث. مات سنة ست ومائة وقيل غير ذلك.
(إِنِّي أَهِمُ فِي صَلَاتِي) بكسر الهاء وتخفيف الميم، يقال: وهمت في الشيء
بالفتح أهم وهمًّا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، ويقال: وهمت في الحساب
أوهم وهمًّا إذا غلطت فيه وسهوت. (فَيَكْثُرَ) بالمثلثة معلومًا ومجهولًا من الكثرة
أي: يقع كثيرًا، وروي ((يَكْبُر)) بالموحدة المضمومة أي: يعظم. (ذَلِكَ) أي:
الوهم. (عَلَيَّ) بتشديد الياء. (امْضٍ فِي صَلَاتِكَ) أي: لا تلتفت إلى هذا الوهم ولا
تعمل به ولا تقطع صلاتك. (فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْكَ) الضمير للشأن، والجملة
تفسير له، وذلك إشارة للوهم المعني به الوسوسة، والمعنى: لا يذهب عنك تلك
الخطرات الشيطانية. (حَتَّى تَنْصَرِفَ) أي: تفرغ من الصلاة وأنت تقول للوسواس
- أي: الشيطان - صدقت (مَا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي) لكن لا أقبل قولك ولا أتمها، إرغامًا
لك، ونقضًا لما أردته مني، وهذا أصل عظيم لدفع الوساوس وقمع هواجس
الشيطان في سائر الطاعات، بأن لا يلتفت إليها أصلًا، ومعنى الأثر: أن من يكثر
عليه السهو في صلاته ويغلب على ظنه أنه قد أتمها لكن الشيطان يوسوس له فيبني
على ظنه. وقال الباجي: هذا القول من القاسم للذي يستنكحه الوهم والسهو،
أي: يغلبه ولا ينفك عنه فلا يكاد يثبت له يقين، انتهى.
(رَوَاهُ مَالِك) في باب العمل في السهو من ((موطئه))، ففيه عن مالك: أنه بلغه أن
رجلاً سأل القاسم بن محمد فقال: إني أهم ... إلخ، فالأثر من بلاغات مالك.
قال القاري عن سفيان: إذا قال مالك: بلغني، فهو إسناد قوي. وحكى ابن فرحون
عن أبي داود أنه قال: مراسيل مالك أصح من مراسيل سعيد بن المسيب ومن
مراسيل الحسن. ومالك أصح الناس مرسلًا. وصنّف ابن عبد البر كتابًا في وصل
ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال: وجميع ما فيه من قوله:
(بَلَغَنِي)) ومن قوله: ((عَنِ الثّقَةِ عِنْدَهُ)) مما لم يسنده أحد وستون حديثًا، كلها مسندة
من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث ... ثم ذكرها. قال السيوطيُّ في ((التدريب))
(٧٣): قيل: إن قول الراوي ((بَلَغَنِي)) كقول مالك في ((الموطأ))، بلغني عن أبي
هريرة: أن رسول اللَّه ◌َ له قالَ: ((لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلاَ يُكَلِّفُ مِنَ